×

مظاهر الشرك في المجتمع الشيعي

مظاهر الشرك في المجتمع الشيعي

الكاتب: حامد الإدريسي

مظاهر الشرك في المجتمع الشيعي

 

لذلك انتشرت المظاهر الشركية داخل هذا التأصيل، وفرخت القبورية في هذه العقائد، وباضت وعششت في تلك العقول، فما دمنا لا نقصد في هذا المقبور أنه إله، فلا بأس في كل فعل نتوجه به إليه، وإن كان عبادة محضة، وفعلا يختص بالله تعالى ...

فالدعاء الذي هو خالص العبادة، وأعلى مقاماتها، يوجه بكل خضوع وخشوع، وبعد غسل وتطهر -هذا من الآداب اللازمة للزيارة- إلى الحسين وأبناءه الأوصياء، وتذرف عند مشاهدهم العبرات، وتنفطر القلوب، وكلنا رأى ما تبثه القنوات الفضائية من أحوال وأهوال، وكيف تجتمع تلك الجحافل، عند تلك المشاهد، بين متمسح وباك وداع، ويتحملون في ذلك من المشاق والتكاليف ما سيسأل عنه معمموهم ومشائخهم.

وكما تقرر في الباب قبله، فإن الرحمات الربانية، والنفحات القدسية، والنفع والضر، والمغفرة والتوبة، كل ذلك جعله الله بيد وسائطه إلى خلقه، «ووسائله وأدواته التي يرحم بها عباده»، فلا غرو أن تمتلئ هذه القلوب بالرغبة والرهبة، وتصرف ما تستطيع من الدعاء والإنابة، إلى من هم وسائط الرحمة، ووسائل العطاء ...

ويتطور الحال حتى لا يبقى في القلب رجاء أو توكل أو خوف إلا ويصرف لهؤلاء الأئمة الأطهار، ويخلوا من كل تعلق بالرب الغفار،

كما قال شاعرهم:

وكم نحن في لهوات الخطوب *** نناديك من فمها الفاغر

ولم تك منا عيون الرجاء ***  بغيرك معقودة الناظر[1]

لكن هذا ليس شركا، لأنه وإن دعاه ورجاه، وخافه وتوسل إليه، وذرف دموع التوبة والندم بين يديه، وعقد عيون الرجاء عليه، فإنه قد استقر في نيته أن هذا ليس ربا ...

وقد يستعظم أحدنا هذا الكلام، وتدفعه نفسه إلى التكذيب بأن من المسلمين من يأصل للشرك مثل التوحيد، بل يدعو إليه ويحض عليه، لأننا نعلم أن النافع والضار والمعطي والمانع والتواب والرحيم هو الله، لذا أسوق بعض ما ورد في زياراتهم وأوراد أعيادهم وأيامهم، لندرك مدى تشبع العقل الشيعي بهذه المعتقدات، وكيف أصبح دعاء غير الله توحيدا، والضلال رشدا، والعمى نورا.

جاء في بحار الأنوار في زيارة العباس بن علي: «ثم انكب على الضريح وقبل التربة -على هيئة السجود- وقل: السلام عليك يا أول مظلوم انتهك دمه وضيعت فيه حرمة الإسلام، فلعن الله أمة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت، أشهد أني سلم لمن سالمت، وحرب لمن حاربت، مبطل لما أبطلت، محقق لما حققت، فاشفع لي عند ربي وربك في خلاص رقبتي من النار، وقضاء حوائجي في الدنيا والآخرة» [2].

وروى الكليني في زيارة علي بن أبي طالب: «يا ولي الله إن لي ذنوبا كثيرة فاشفع لي إلى ربك، فإن لك عند الله مقاما محمودا معلوما، وإن لك عند الله جاها وشفاعة وقد قال تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى»[3].

وفي أخرى: «أتيتك يا أمير المؤمنين عارفا بحقك، مستبصرا بشأنك، معاديا لأعدائك مواليا لأوليائك، بأبي أنت وأمي، أتيتك عائذا بك من نار استحقها مثلي بما جنيت على نفسي، أتيتك زائرا أبتغي بزيارتك فكاك رقبتي من النار، أتيتك هاربا من ذنوبي التي احتطبتها على ظهري، أتيتك وافدا لعظيم حالك ومنزلتك عند ربي، فاشفع لي عند ربك، فإن لي ذنوبا كثيرة وإن لك عند الله مقاما معلوما وجاها عظيما وشأنا كبيرا وشفاعة مقبولة»[4].

وإذا كان صرف الدعاء مخ العبادة للأئمة مشروعا، والاستغاثة والاستعاذة بهم واجبة، فلا تسأل عن الطواف والنذر والذبح والتمسح والتبرك والتقبيل والسجود عند القبر واستقباله للصلاة، لكني لن أكلفك قراءة المزيد من نصوصهم في كل جزئية مما أشرت إليه، فلن أسلمك إلى الملل، أو أحملك على الضجر، وسآخذك إلى مشهد آخر لتكتمل الصورة، وتنفضح اللعبة ...

فمن شرائعهم وفرائضهم التي ألزموا بها أتباعهم، وجوب زيارة القبور، وشد الرحال إلى المشاهد والأضرحة، بل ليس للشيعي رخصة في أن يترك هذه الفريضة المؤكدة، وقد شاهدت في مدينة قم عند قبر المعصومة، مئات من العوائل الإيرانية، قد حطت رحالها في الساحة الخارجية للضريح، وافترشوا بسطا على الأرض، وكنت وأنا أرتعد من البرد، أتساءل كيف قضوا ليلتهم في هذا العراء!؟ ...

«ثم اعلم: أن ظاهر أكثر أخبار هذا الباب وكثير من أخبار الأبواب الآتية وجوب زيارته صلوات الله عليه، بل كونها من أعظم الفرائض وآكدها، ولا يبعد القول بوجوبها في العمر مرة مع القدرة»[5].

وقد بالغوا كثيرا جدا في وصف ثواب الزائر لهذه المشاهد، ووحدة القياس في هذا المقام هي الحج، ففي كل زيارة يكتب لك عدد من الحجات، وأحيانا تحتسب لك مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

فمثلا: «من زار الرضا عليه السلام أو واحدا من الأئمة عليهم السلام فصلى عنده صلاة، فإنه يكتب له بكل ركعة ثواب من حج ألف حجة، واعتمر ألف عمرة، وأعتق ألف رقبة، ووقف ألف وقفة في سبيل الله مع نبي مرسل، وله بكل خطوة ثواب مائة حجة، ومائة عمرة، وعتق مائة رقبة في سبيل الله، وكتب له مائة حسنة، وحط منه مائة سيئة»[6].

أما ما ينفقه من المال في زيارته، فإنه أكثر ثوابا مما ينفقه في حجه وعمرته: عن ابن سنان قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إن أباك كان يقول في الحج يحسب له بكل درهم أنفقه ألف، فما لمن ينفق في المسير إلى أبيك الحسين عليه السلام؟ فقال: يا ابن سنان يحسب له بالدرهم ألف وألف حتى عد عشرة، ويرفع له من الدرجات مثلها، ورضا الله خير له، ودعاء محمد و دعاء أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام خير»[7].

وأكثر من هذا وأكثر ...

وليس ثمة من شك في أن هذا لم يقله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهم لم ينقلوه عنه، وإنما نقلوه عن أئمتهم، لكن هل قاله هؤلاء الأئمة أم غيرهم؟؟

لكني وقبل أن أجيب عن هذا السؤال، وأحل هذا الإشكال، أشير إلى عنصر أراه ضروريا في هذا المقام، وهو أن بناء أضرحتهم، يكون عبارة عن بيت نحاسي مشبك حول القبر, على مساحة ما يقارب العشرين مترا مربعا، بداخل المسجد، ويمكنك عبر الزجاج الداخلي للغرفة أن ترى القبر، وفي هذا الزجاج فتحة ممتدة بالعرض، يرمي فيها الزائر ما تيسر وما لم يتيسر من أموال، راغبا أم راهبا، وقد زرت قبر الرضا وقبر المعصومة، فرأيت الأوراق النقدية تملأ الحجرة وترتفع إلى ما يقارب المتر، بحيث لو سقط إنسان ثمة لغاب بين هذه الأوراق النقدية من جميع الفئات، ومن مختلف الجنسيات، فترى الريال والدولار والدينار بالإضافة إلى التومان الإيراني.

فيجب علينا أن نأخذ هذه المبالغ الطائلة بعين الاعتبار، إذا أردنا البحث عن مصدر هذه الأحاديث التي تدر هذه الأموال، وتجعل الشيعي يبذل بسخاء إذ تعوضه عن الدرهم عشرة آلاف

ولعل الانقطاع أو التأخر في الزيارة له آثاره المادية، فلعلنا إن سمعنا هذه الرواية وأمثالها أن نبادر خوفا من غضب الله ورسوله أو غضب غيرهما: «عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا علي - هو راوي الخبر- بلغني أن قوما من شيعتنا يمر بأحدهم السنة والسنتان لا يزورون الحسين عليه السلام، ... أما والله لحظهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمد صلى الله عليه وآله تباعدوا قلت: جعلت فداك في كم الزيارة؟ قال: يا علي إن قدرت أن تزوره في كل شهر فافعل، قلت: لا أصل إلى ذلك لأني أعمل بيدي وأمور الناس بيدي، ولا أقدر أن أغيب وجهي عن مكاني يوما واحدا، قال: أنت في عذر ومن كان يعمل بيده، وإنما عنيت من لا يعمل بيده ممن إن خرج في كل جمعة هان ذلك عليه، أما إنه ماله عند الله من عذر ولا عند رسوله من عذر يوم القيامة، قلت: فإن أخرج عنه رجلا فيجوز ذلك؟ قال: نعم وخروجه

بنفسه أعظم أجرا وخيرا له عند ربه»[8] ويجوز أن يخرج رجلا عنه، لأن هذا يفي بالغرض.

فيأتي هذا الزائر مخبتا خاشعا راجيا مؤملا، ترافقه همومه وآماله، وأحلامه وأمنياته، فها هو المشهد أمامه، ولم تبق إلا خطوات، وتغفر خطاياه، وترفع درجاته، وتمحى سيئاته، ويعود كيوم ولدته أمه، وتكتب له آلاف الحجات، ويختم زيارته بأن يأخذ معه من تربة الحسين فيأكل ما شاء الله له أن يأكل «وإذا أكلته فقل: بسم الله وبالله، اللهم اجعله رزقا واسعا، وعلما نافعا، وشفاء من كل داء، إنك على كل شيء قدير» [9]، فيرجع بالرزق الواسع والعلم النافع والشفاء من كل داء!!!

فانظر كيف وصل بهم استخفاف أتباعهم حتى أطعموهم التراب، والله الهادي من يشاء.

فهل هذا هو الإسلام دين الفطرة والاعتدال؟؟ ...

إن المذهب الشيعي بهذه الخرافات، يظل سبة في وجه الإسلام وأهله، ويستغل الحاقدون هذه الانحرافات، وينقلون هذه الخرافات، وتلك الطقوس المليئة بالدماء، واللطم والجرح، ليقدحوا في دين الله، دين الرحمة والرقي، والإنسانية والتحضر.

ولئن كان في مجتمعاتنا السنية بعض مظاهر الشرك والانحراف، فإنها تبقى انحرافات سلوكية سببها الجهل والبعد عن الدين، بينما نجد هذه الانحرافات عند الشيعة، تؤطَّر بالدين، ويقودها العلماء، ويستدل لها بالقرآن والأحاديث، وتؤلف فيها المؤلفات، وتوضع لها السنن والفرائض -لهم مؤلفات خاصة فيها سنن وآداب الزيارة- وشتان بين الانحرافين، انحراف سلوكي نابع من الجهل، وانحراف علمي عقدي نابع عن علم وتدين.

 

[1] ديوان السيد حيدر الحلي ج 1 - ص 32

[2] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 98 - ص 237 ومصباح الزائر ص 120

[3] الكافي - الكليني - ج 4 - ص 569

[4] نفس المصدر ص571

[5] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 98 - ص 10

[6] بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 97 - ص 137 - 138

[7] بحار الأنوار ج 98 - ص 50

[8] بحار الأنوار ج 98 - ص12 في باب ما يقول الرجل إذا أكل من تربة قبر الحسين كامل الزيارات ص 295

[9] كامل الزيارات - جعفر بن محمد بن قولويه - ص 476 بحار الأنوار ج1ص128 الوسائل ج4 ص531