×

الوصية عند اليهود

الوصية عند اليهود

الكاتب: عبدالباسط بن يوسف الغريب

الوصية عند اليهود

 

ما هي الوصية عند اليهود:

يرى اليهود ضرورة تنصيب وصي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم مقامه في إرشاد الناس من بعده، وقد جاءت عدة نصوص في "التوراة" وغيرها من أسفار اليهود، تفيد أن الله تعالى طلب من موسى عليه السلام أن يوصي ليوشع بن نون قبل موته، ليكون مرشداً لبني إسرائيل من بعده.

 

من الوصايا عند اليهود:

جاء في سفر "العدد": "فكلم الرب موسى قائلاً: ليوكل الرب إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة، يخرج إمامهم ويدخل أمامهم، ويخرجهم ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها، فقال الرب لموسى: خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح، وضع يدك عليه، وأوقفه قدام العازار الكاهن وقدام كل الجماعة، وأوصه أمام أعينهم.. ففعل موسى كما أمره الرب وأخذ يشوع وأوقفه قدام العازار الكاهن وقدام كل الجماعة، ووضع يده عليه وأوصاه كما تكلم الرب عن يد موسى"[1].

 

الفرق بين الوصية عند اليهود وعند الشيعة:

وأما الشيعة فتتلخص عقيدتهم في الوصية والوصي: أن الوصي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو علي ابن أبي طالب، وأن اختيار علي لهذا المنصب لم يكن من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما جاء من الله تعالى.

 

من الوصايا عند الشيعة:

جاء في كتاب "بصائر الدرجات": "عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عرج بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء مئة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي - صلى الله عليه وسلم - بولاية علي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض"[2].

 

ويروي الشيخ الصدوق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تبارك وتعالى آخى بيني وبين علي بن أبي طالب، وزوجه ابنتي من فوق سبع سمواته، وأشهد على ذلك مقربي ملائكته، وجعله لي وصياً وخليفة، فعلي مني وأنه منه، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وإن الملائكة لتتقرب إلى الله بمحبته"[3].

 

أوجه التشابه بين الوصية عند اليهود وعند الشيعة الرافضة:

فمن أوجه هذا التشابه:

الجانب الأول: التشابه في التسمية، فإطلاق لقب "وصي" على من يخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تصريف شؤون المسلمين لم يعرف عند المسلمين، ولم يوجد أحد من المسلمين أطلق لقب "وصي" على أحد من الخلفاء الأربعة، إلا ما كان من ابن سبأ وممن غرر بهم من عوام الناس عندما أحدث القول بالوصية، وزعم أن علياً وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك في زمن عثمان بن عفان.

فبهذا يتضح أن أصل لقب "وصي" يهودي انتقل إلى الرافضة عن طريق ابن سبأ.

الجانب الثاني: اتفاق اليهود والرافضة على وجوب تنصيب وصي بعد النبي، وقد شبهت اليهود الأمة التي بغير وصي بالغنم التي لا راعي لها.

وقالت الرافضة: إن الأرض لو بقيت بغير إمام لساخت، وكلا القولين يحتم وجوب تنصيب وصي، وأنه لا غنى للناس عنه.

الجانب الثالث: اتفق اليهود والرافضة على أن الله تعالى هو الذي يتولى تعيين الوصي وليس للنبي اختيار وصيه من بعده، وقد دلت نصوص اليهود أن الله هو الذي أمر موسى أن يتخذ يشوعاً وصياً له، ودلت روايات الرافضة أن الله تعالى هو الذي أمر نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ علياً وصياً، وأن ولاية علي جاءت من فوق سبع سماوات.

الجانب الرابع: اتفاقهم أن الله يكلم الأوصياء، ويوحي إليهم، فقد زعم اليهود أن الله خاطب يشوعاً مباشرة أكثر من مرة، كما دلت على ذلك نصوص كتبهم. وكذلك الرافضة زعموا أن الله ناجى علياً - رضي الله عنه - أكثر من مرة في أكثر من موضع، على حسب ما جاءت به رواياتهم.

الجانب الخامس: ينزّل اليهود والرافضة الوصي منزلة النبي، فقد جاء في أسفار اليهود أن الله قال ليشوع: "اليوم ابتدأ أعظمك في أعين جميع بني إسرائيل لكي يعلموا أني كما كنت مع موسى أكون معك"، وجاء أيضاً أن بني إسرائيل هابوا يشوع كما هابوا موسى عليه السلام. والرافضة يزعمون أن لعلي - رضي الله عنه - وغيره من الأئمة منزلة تعادل منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم، وأنهم في درجته كما دلت على ذلك رواياتهم السابقة.

الجانب السادس:

من التوافق بين اليهود والرافضة أن اليهود في الوصية يزعمون أن الله تعالى أوقف الشمس والقمر ليشوع[4] عندما أراد أن ينتقم من أعدائه كما مر ذلك سابقاً. وكذلك الرافضة يزعمون أن الله تعالى رد الشمس لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. فقد رووا عن الباقر عن أبيه عن جده الحسين بن علي عن جويرية – أحد أصحاب علي - رضي الله عنه - حديثاً طويلاً وفيه: "وسار أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قطع أرض بابل، وتدلت الشمس للغروب ثم غابت واحمر الأفق، قال: فالتفت إليّ أمير المؤمنين وقال: يا جويرية، فقلت: يا أمير المؤمنين ما وجب العشاء بعد، فقال عليه السلام: أذن للعصر فقلت في نفسي أأذن للعصر وقد غربت الشمس! ولكن عليّ الطاعة فأذنت، فقال: أقم، وإذا أنا في الإقامة تحركت شفتاه بكلام كأنه منطق الخطاطيف لم أفهم ما هو، فرجعت الشمس بصرير عظيم حتى وقفت في مركزها من العصر، فقام عليه السلام وكبر وصلينا وراءه، فلما فرغ من صلاته، وقعت كأنها سراج في طست وغابت واشتبكت النجوم، فالتفت إليّ ثم قال: أذن للعشاء يا ضعيف اليقين"[5].

 

تلك هي أوجه الاتفاق بين اليهود والرافضة في هذه العقيدة، وليس غريباً أن يحدث ذلك التوافق الكبير بينهما، فعبد الله بن سبأ هو الذي أسس مذهب الرفض ودعا إليه، وقام بنشر العقائد الفاسدة بين من اغتر به من ضعفاء الناس، وكان أول ما نادى به ابن سبأ من هذه العقائد؛ زعمه أن علي بن أبي طالب هو وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد صرح ابن سبأ نفسه، أنه لم يأخذ هذه الفكرة من مصدر إسلامي، بل أخذها من "التوراة".

 

[1] 22) ... "الإصحاح السابع والعشرون"، فقرات (15-23).

[2] 23) ... الصفار (ص99).

[3] 24) ... "أمالي الصدوق" (ص108).

[4] 25)... صح حبس الشمس ليوشع عليه السلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

[5] 26)... حسين عبد الوهاب، "عيون المعجزات" (ص7، 8).