×

الحلم الصفوي إلى أين؟! (1)

الحلم الصفوي إلى أين؟! (1)

الكاتب: أحمد الظرافي

الحلم الصفوي إلى أين؟! (1)

كانت نواة الحلم الصفوي زاوية صوفية صغيرة في أردبيل، إحدى مدن أذربيجان، أسسها الشيخ صفي الدين الأردبيلي، في مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وكان صفي الدين هذا، والذي نسبت إليه «الصفوية»، كأسرة، وكطريقة صوفية، ثم كدولة، قد ولد في أردبيل سنة 650هـ/1252م، لأب شافعي المذهب، وكان جده لأمه، أحد أقطاب الصوفية بشيراز، وكان والده من مريديه. وقد انتظم صفي الدين بسلك الصوفية في أردبيل منذ صغره، ونشأ نشأة صوفية بحتة، ثم سافر إلى شيراز، والتقى بالشاعر الصوفي سعدي الشيرازي، وأقام بزاوية القطب الصوفي عبد الله الخفيف، ثم التحق بالشيخ مير عبد الله الفارسي، فدله الأخير، على الشيخ زاهد الجيلاني، أحد أقطاب الصوفية، آنذاك. فعاد إلى أردبيل، ومنها انتقل إلى زاوية الشيخ زاهد، بجيلان سنة 674هـ/1276م، فلزمه، وصار مريده الأول، فزوجه هذا بابنته، وقبل موته جعله خليفته، فصار مريدوه بالتالي أتباعاً للشيخ صفي الدين، والذي بادر بالعودة إلى أردبيل، وأقام فيها زاوية لنفسه، كشيخ لطريقة، فذاع صيته، وكثر مريدوه، وأغلبهم من الجهال والبدو الرحل، من التركمان القادمين من صحاري تركستان والأناضول. وكانت أذربيجان، وسائر إيران، آنذاك، ترزح تحت نير المغول، بعد اجتياحهم لشرقي العالم الإسلامي، وتدمير حواضره وإفراغها من علمائها وقياداتها الحية، الأمر الذي هز ثقة أكثر الناس بأنفسهم، ودفعهم إلى الهروب من واقعهم، فوجدوا في المتصوفة، الذين فرغت لهم الساحة، حينذاك، الملاذ والملجأ. وقد بالغ سلاطين المغول، الذين اعتنقوا الإسلام، مع احتفاظهم بكثير من طقوسهم الوثنية، في تشجيع التصوف، وكانوا يغدقون على الزوايا الصوفية، بالنذور المالية، والأوقاف، ذات الدخل الكبير، وذلك لاعتقادهم أن شيوخ التصوف يمتلكون قدرات خارقة، وأيضاً لأسباب سياسية، ولهذا ظهر الصوفية بكل مكان، وأقاموا الزوايا بكل ناحية في عهدهم، وكان كل شيخ صوفي يمتلك ثروات هائلة، ويحظى بمكانة عظيمة، ويتبعه جيش جرار من المريدين. وكانت الزوايا الصوفية، بدورها، تؤيد سلطة المغول الظالمة، وتروج لضرورة الطاعة المطلقة لهم، وتسوق المجتمع الإسلامي إلى اللامبالاة تجاه مصيره، وعلى رأس تلك الزوايا زاوية أردبيل، فكانت بالتالي من أكثر الزوايا دخلاً، وكانت محل اهتمام سلاطين المغول، وبخاصة قازان وأولجيتو، ووزيرهما الباطني رشيد الدين الهمداني، اليهودي الأصل، والذي كان يعتبر نفسه مريداً للشيخ صفي الدين، وكان يزوره في المناسبات، ويقدم لزاويته المساعدات السخية، ويبالغ في إسباغ هالة العظمة عليه. وتوفي صفي الدين سنة 735هــ/1334م، ومدة رئاسته للزاوية 35 عاماً، وخلفه ابنه صدر الدين.

اتساع نفوذ الطريقة الصفوية:

تزامن ذلك مع بداية حكم الأسر المغولية (الطوائف)، وقد حافظت زاوية أردبيل على مكانتها في هذا العهد، وظلت محل اهتمام هؤلاء الملوك، وأقام صدر الدين قبة عظيمة على قبر والده بأردبيل، فتحول مع الأيام إلى مزارٍ عظيم، ولهذا فقد اتسع نفوذ صدر الدين، وعظمت مكانته، لدرجة أثارت غيرة حاكم أردبيل المغولي، فحاول التخلص منه، ولكن صدر الدين شعر بالخطر ففر إلى جيلان، وأقام عند أخواله هناك، ثم عاد إلى أردبيل بعد مقتل ذلك الحاكم سنة 758هـ/1357م، فتألق نجمه مجدداً، وزادت زاويته شهرة. وحينما وصل تيمور، القائد المغولي الدموي، إلى أذربيجان سنة 789هـ/1387م كان صدر الدين لا يزال رئيساً لزاوية أردبيل، فكان أن وصل إليه هذا الطاغية بيد مليئةٍ بالأموال المنهوبة، وأظهر له المحبة، وبالمقابل حظي تيمور وفتوحاته بمباركة صدر الدين. وبعد وفاة صدر الدين سنة 794هـ/1392م، والذي رأس الزاوية لمدة 59 سنة، خلفه ابنه خواجه علي، وعندما زار تيمور الزاوية للمرة الثانية سنة 802هـ/1399م، استقبله خواجه علي بحفاوة، برغم أعماله التدميرية، ووصفه أيضاً، مثل والده، بالملك العادل، وصار محل احترام كبير من قبله. ولم يلبث تيمور أن عاد لزيارة الزاوية للمرة الثالثة، بعد ثلاث سنوات، ومعه ألوف من الأسرى الأتراك، الذين أسرهم بعد هزيمته للعثمانيين في معركة أنقرة سنة 804هـ/1402م، فقام بالعفو عنهم بطلب من الخواجه علي، فصار هؤلاء من مريدي زاوية أردبيل، ومن أشدهم ولاء للصفويين، وكانوا هم نواة الجماعة التي عرفت في ما بعد بالاسم التركي «قزلباش» أي أحمر الرأس، كما أن تيمور أوقف المزارع المحيطة بأردبيل على الزاوية، وأقطع الصفويين أيضاً إقطاعات واسعة في أذربيجان وغيرها. وبعد وفاة تيمور سنة 807هـ/1405م ظل خواجه علي وزاويته موضع اهتمام ابنه شاه روخ، الذي كانت قاعدة حكمه هراة، ثم إن أذربيجان خضعت لقبيلة القرة قوينلو التركمانية، فكان زعيمها قرة يوسف عدو التيموريين يزايد في إظهار المحبة لخواجه علي، وظل يقدم لزاويته كل أشكال الدعم حتى وفاته سنة 823هـ/1420م. وتوفي خواجه علي بالقدس سنة 830هـ/1427م، وقد تحولت الزاوية من زاوية محلية إلى زاوية عابرة للأقاليم، ومدة رئاسته لها 37 سنة، فخلفه ابنه إبراهيم، الذي اشتهر بلقب «شيخ شاه» أي «الشيخ الملك»، والمصادر، حقيقة، تشكك في قدراته، وتمر عليه سريعاً، ومدة رئاسته للزاوية 20 سنة، وبعد وفاته سنة 851هـ/1447م خلفه ابنه جنيد.

الجنيد والتحول المصيري:

كانت لجنيد طموحات سياسية واسعة، ولذلك فقد استغل اضطراب الأوضاع في البلاد غداة وفاة شاه روخ بن تيمور، سنة 850هـ/1447م، واستقل بأردبيل، وتلقب بلقب سلطان، الأمر الذي أثار غضب جهانشاه بن قرة يوسف، زعيم قبائل القرة قوينلو، والذي كان قد استقل بأذربيجان وفارس، فتدخل وطرد الجنيد من أردبيل، فلجأ الجنيد وجماعة من مريديه إلى الأناضول، وظل يتنقل في نواحي الأناضول، وشمالي الشام، واختلط بالباطنية والبكتاشية، وتشرّب كثيراً من عقائدهم، واكتسب الكثير من المريدين هناك، مما جعله يتطلع للزعامة السياسية أكثر فأكثر، فراح يبحث عن الحلفاء الأقوياء، الذين يمكنهم مساعدته في القضاء على جهانشاه، وبالتالي العودة إلى أردبيل. وبعد سبع سنوات من النشاط بين قبائل التركمان، وبعد أن أهدر علماء حلب دمه، وتعرض للطرد من أكثر من منطقة، بسبب غلوه في التشيع، استقر جنيد عند أوزون حسن البايندري، زعيم قبيلة الآق قوينلو التركمانية، بديار بكر، فقد أذن له في الإقامة بعاصمته (آمد)، ثم زوجه بأخته، عندما وجد فيه حليفاً مفيداً في حربه ضد جهانشاه، نظراً لكثرة مريديه، وحماستهم لقتال جهانشاه، ولكن جنيد لم يلبث أن قتل في شروان، في معركة مع قوات جهانشاه وشروان شاه، سنة 864هـ/1460م. وتكمن أهمية جنيد في كونه حول الطريقة إلى حركة سياسية، تعتمد في وجودها على أعداد ضخمة من المريدين المنتظمين في تشكيلات شبه عسكرية، كما حاول جنيد حشد فرق الروافض والبكتاشية جميعاً تحت لوائه، ولذلك فقد انسلخ تماماً عن عقيدة آبائه، وتبنى عقائد مريديه الجدد، ومنها: اعتقادهم بألوهية علي، والولاية المطلقة للقيادة، وتقديس المرشد، وانتهاج أسلوب الغارات ضد الكفار لأغراض سياسية واقتصادية، كما صارت لغته هي التركية بدلاً عن الأذرية، وقبل ذلك ادعى الانتساب للإمام الكاظم، وهو يعتبر العقل المدبر للدولة الصفوية. وترك جنيد طفلاً رضيعاً يسمى حيدر، وكان يعيش وأمه بقصر خاله، وأطلق مريدو الجنيد لقب الشيخ على هذا الرضيع، وتجمعوا حوله، وشجعهم أوزون حسن على طاعته، وكان يزعم أنه يرى الأنوار الإلهية تسطع في جبينه، وأنه يجدر به تسنم مقام المشيخة، وذلك لدغدغة عواطف مريدي الجنيد الكثيرين، لكي يستغلهم، في حروبه ضد جهانشاه. ونجح أوزون حسن فعلاً بمشاركتهم، في اغتيال جهانشاه سنة 873هـ/1468م، ثم ولديه، ومن ثم السيطرة على أذربيحان. وعندما استقر بتبريز، لاحقاً، أعاد رئاسة الزاوية لحيدر، الذي كان قد وصل إلى التاسعة حينذاك.