×

إمارة معاوية ونصيحة علي

إمارة معاوية ونصيحة علي

الكاتب: إحسان الهي ظهير

إمارة معاوية ونصيحة علي

لما أراد الحسن أن يرتحل إلى المدائن قام فخطب الناس فقال: أيها الناس؛ إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني والله ما أصبحت محتملاً على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والأمن وصلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة، والخوف

والتباغض والعداوة، وإن عليًّا أبي كان يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل. ثم نزل.

فقال الناس: ما قال هذا القول إلا وهو خالع نفسه ومسلم الأمر لمعاوية، فثاروا به فقطعوا كلامه، وانتهبوا متاعه، وانتزعوا مطرفًا عليه، وأخذوا جارية كانت معه، واختلف الناس فصارت طائفة معه؛ وأكثرهم عليه، فقال: اللهم أنت المستعان، وأمر بالرحيل، فارتحل الناس، وأتاه رجل بفرس، فركبه وأطاف به بعض أصحابه، فمنعوا الناس عنه وساروا، فقدمه سنان بن الجراح الأسدي إلى مظلم ساباط، فأقام به فلما دنا منه تقدم إليه يكلمه، وطعنه في فخذه بالمعول طعنة كادت تصل إلى العظم، فغشي عليه وابتدره أصحابه" [1] ".

ولقد صرح المؤرخون والكتّاب من الشيعة بأن الذين غصبوا الحسن وانتهبوا مضاربه وما فيها وجرحوه كانوا من ساباط المدائن، وهي المحل الذي نفي إليه عبد الله بن سبأ من قبل علي رضي الله عنه، وكانوا متأثرين بأفكاره وعقائده والساعين في الفرقة والاختلاف، ومن بينهم كان فريسة السبئية المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان له شأن فيما بعد والذي أظهر نفس العقائد التي تلقنها من عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث ومن السبئية الماكرة الخبيثة، ولقد ذكر المؤرخون أن السن بن علي رضي الله عنه دخل المدائن ونزلها وهو جريح على علم المختار:

"فقال له المختار وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تأخذ الحسين بن علي وتقيده وتبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحك الله وقبح ما جئت به، أأغدر بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم"[2] "

ولما رأى الحسن ذلك ومعاملة السبئية من جانب، وتخاذل الشيعة من جانب، وإراقة الدماء من ناحية أخرى رأى الصلح خيرًا، ولقد ذكر المؤرخ الشيعي اليعقوبي:

وحمل الحسن إلى مدائن وقد نزف نزفًا شديدًا، واشتدت به العلة، فافترق الناس عنه، وقدم معاوية إلى العراق، فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقندماءكم بآخرنا، وقد سالمت معاوية، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ".

ولم يكتف الحسن بصلحه مع معاوية وتسليمه الأمر له، بل وأكثر من ذلك بايعه على رؤوس الأشهاد وبمن معه من إخوانه وقادة جيشه كما ذكر الرجالي الشيعي المشهور، الكشي عن جعفر بن الباقر أنه قال:

"إن معاوية كتب إلى الحسن رضي الله عنه أن اقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا إلى الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن قم فبايع، ثم قال للحسين رضي الله عنه: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين رضي الله عنه ينظر ما يأمره فقال: يا قيس إنه إمامي - يعني الحسن رضي الله عنه"

وذكر مثل هذا شيعي متعصب المجلسي في كتابه (جلاء العيون) الفارسي"  وثقة محدثي الشيعة العباس القمي في تاريخه الفارسي الكبير منتهى الآمال" " وكذلك ابن أبي الحديد الشيعي في كتابه شرح نهج البلاغة".

 

[1] شرح النهج لابن أبي الحديد ج16 ص36

[2] الطبري ج6 ص92، ابن الأثير ج3 ص203، ابن كثير ج8 ص14، واللفظ له.