×

أبي بن كعب

أبي بن كعب

الكاتب: فريق منهاج السنة

أبي بن كعب

هو أُبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، له كنيتان: أبو المنذر؛ كناه بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو الطفيل؛ كناه بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بابنه الطفيل. وأمه صهيلة بنت النجار، وهي عمة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه. وكان أُبيّ رضي الله عنه أبيض الرأس واللحية لا يخضب.

إسلام أبي بن كعب

كان رضي الله عنه ممن أسلم مبكرًا، وقد شهد بيعة العقبة الثانية، وبعد الهجرة آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.

أثر الرسول في تربية أبي بن كعب

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أُبيّ" وهو يصلي، فالتفت أبي رضي الله عنه ولم يجبه، وصلى أبيّ رضي الله عنه فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟". فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة. قال صلى الله عليه وسلم: "أفلم تجد فيما أوحي إليَّ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]؟" قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله.

وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها؟" قلت: بلى. قال: "فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها". ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت معه، فأخذ بيدي فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب. قال: فذكّرته فقلت: يا رسول الله، السورة التي قلت لي. قال: "فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟" فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: "هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه".

ملامح من شخصية أبي بن كعب

عميد قرّاء الصحابة

روى البخاري بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأُبَيٍّ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}". قَالَ: وَسَمَّانِي؟! قَالَ: "نَعَمْ"، فَبَكَى.

فكان رضي الله عنه ممن جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي البخاري بسنده عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد رضي الله عنهم جميعًا.

وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أقرأ الأمة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".

ويشهد له رسول الله بسعة علمه

ففي صحيح مسلم بسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟" قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟" قال: قلت: "اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ". قال: فضرب في صدري وقال: "وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ".

وقد أخذ عن أُبيّ رضي الله عنه قراءة القرآن: ابنُ عباس، وأبو هريرة، وعبدُ الله بن السائب، وعبدُ الله بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السلمي رضي الله عنهم جميعًا، وحدَّث عنه سُوَيْد بن غَفَلَة، وعبد الرحمن بن أَبْزَى، وأبو المهلب رحمهم الله، وآخرون.

ويكتب الوحي لرسول الله

أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه المدينة أبي بن كعب رضي الله عنه، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان. قال: وكان أُبيّ رضي الله عنه إذا لم يحضر دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه فكتب.

في بيته يُؤتى الحَكَم

عن ابن سيرين قال: اختصم عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء رضي الله عنهما، فحكَّما أبي بن كعب رضي الله عنه فأتياه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: في بيته يُؤتَى الحَكَمُ. فقضى على عمر باليمين فحلف، ثم وهبها له معاذ.

بعض المواقف من حياته مع الرسول

روى البخاري بسنده عن سويد بن غفلة قال: لقيت أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: أخذت صرةً مائةَ دينار، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "عرِّفْها حولاً". فعرفتها حولاً فلم أجد من يعرفها ثم أتيته، فقال: "عرِّفْها حولاً". فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثًا، فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها". فاستمتعت فلقيته بعدُ بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحدًا.

وعن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، يا أيها الناس اذكروا الله، يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه". فقال أبي بن كعب رضي الله عنه: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك منها؟ قال: "ما شئت". قال: الربع؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك". قال: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك". قال: الثلثين؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قال: يا رسول الله، أجعلها كلها لك؟ قال: "إذن تُكفى همك، ويغفر لك ذنبك".

بعض المواقف من حياته مع الصحابة

مع عمر بن الخطاب

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا. قال: فخرجنا فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخرة الناس، فهاجت سحابة فقال أُبيّ رضي الله عنه: اللهم اصرف عنا أذاها. فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر: ما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله أن يصرف عنا أذاها. فقال عمر رضي الله عنه: ألا دعوتم لنا معكم؟

مع سعد بن الربيع

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحد: "من يأتيني بخبر سعد بن الربيع؛ فإني رأيت الأسنة قد أشرعت إليه؟" فقال أبي بن كعب رضي الله عنه: أنا. وذكر الخبر، وفيه: أَقْرِئ على قومي السلام وقُلْ لهم: يقول لكم سعد بن الربيع: اللهَ اللهَ وما عاهدتم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، فوالله ما لكم عند الله عذر إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. قال أبيّ رضي الله عنه: فلم أبرح حتى مات، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال صلى الله عليه وسلم: "رحمه الله، نصح لله ولرسوله حيًّا وميتًا".

أثره في الآخرين

عن زرّ بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: إن أخاك ابن مسعود رضي الله عنه يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال: "رحمه الله! أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين". فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: "بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها".

وعن أسلم المنقري قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أَبْزَى يحدث عن أبيه قال: لما وقع الناس في أمر عثمان رضي الله عنه قلت لأبيّ بن كعب رضي الله عنه: أبا المنذر، ما المخرج من هذا الأمر؟ قال: "كتاب الله، وسنة نبيه ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه".

بعض ما رواه عن الرسول

في سنن أبي داود، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا الصبح فقال: "أشاهدٌ فلانٌ؟" قالوا: لا. قال: "أشاهد فلان؟" قالوا: لا. قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الرُّكَبِ، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى".

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم في الوتر قال: "سبحان الملك القدوس".

بعض كلماته

من أقواله رضي الله عنه: تعلموا العربية كما تعلّمون حفظ القرآن. وقوله رضي الله عنه: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وقوله أيضًا: ما ترك عبد شيئًا لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به فأخذه من حيث لا ينبغي له إلا أتاه الله بما هو أشد عليه.

وفاته

وقد اختلف في سنة وفاته رضي الله عنه؛ فقيل: تُوُفِّي في خلافة عمر رضي الله عنه سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين. وقيل: إنه مات في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين. قال في المستدرك: وهذا أثبت الأقاويل؛ لأن عثمان رضي الله عنه أمره بأن يجمع القرآن.