×

الشيعة والقرآن

الشيعة والقرآن

الكاتب: عثمان بن محمد الخميس

الشيعة والقرآن

فمن قال بأن في القرآن نقصاً أو تحريفاً فلا شك أنه ليس من أهل القبلة، وليس من الإسلام في شيء، ولسنا نحن الآن في مقام الدفاع عن كتاب الله تبارك وتعالى، فإن أولئك الأقزام لم ولن يستطيعوا الوصول إلى الطعن في كتاب الله تبارك وتعالى، قال جلّ ذكره: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى? أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـ?ذَا الْقُرْ‌آنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرً‌ا} [الإسراء:88]. وكما قيل: "ما ضر السحاب نبح الكلاب"، وقيل: "ولو كل كلب عوى ألقمته حجراً لكان مثقال أحجار بدينار". وفي ثبوت القول بتحريف القرآن لأي طائفة تنتسب إلى الإسلام أكبر فضيحة، تهدم بنيانهم من الأساس، وهذا الموضوع الشائك الخطير، سالت فيه وللأسف أقلام أئمة الشيعة، متقدميهم ومتأخريهم، وخاضوا فيه إلى مستوى لا يكاد يصدقه مؤمن.

أن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلله فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

إن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة ما حفظه عليهم من وحيه وتنزيله، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة، الذي لو اجتمع جميع من بين أقطارها من جنّها وإنسها وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله، لم يأتوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. أنزله الله تبارك وتعالى ساطعاً تبيانه قاطعاً برهانه، قرآناً عربياً غير ذي عوج. نزل به أمين السماء إلى أمين الأرض معجزاً باقياً دون كل معجزٍ على وجه كل زمان، أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ففتح الله به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، أخرج به الناس من الظلمات إلى النور. قال علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". ولقد أنزل الله تبارك وتعالى التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب وعهد إلى الناس حفظها، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَ‌اةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ‌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّ‌بَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ‌ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة:44]. ولكنهم لم يحفظوها بل حرفوها، كما قال تبارك وتعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? يُحَرِّ‌فُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [المائدة:13]. فلما أنزل الله تبارك وتعالى القرآن تعهّد سبحانه وتعالى بحفظه، قال جلّ ذكره: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ‌ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9]، وقال: {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ? تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42].
 

إنه لا يمكن أبداً أن يكون هناك تقارب لنا مع من يطعنون في القرآن الكريم، وذلك أن دعوى تحريف القرآن محاولة يائسة من أعداء الإسلام لضرب الإسلام وأهله، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

 

ولاشك أن من يقول بالتحريف كافر، ومن لم يُكَفّر من يقول بالتحريف لا يصح له أبداً أن يكفر أحداً من الناس، وذلك أن حفظ القرآن من التحريف والزيادة والنقصان أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولنا أن نسأل: متى يكفر الإنسان؟ متى يحكم عليه بالردة؟

إن الصلاة والزكاة والحج والصيام وجميع الواجبات بل وجميع المحرمات إنما تُعْلَم من الكتاب والسنة. والكتاب ثبوته أقوى من ثبوت السنة، لأنه يشترط فيه التواتر. فمن أنكر الصلاة والصيام والزكاة والحج لا يكفر إذاً على زعمهم لاحتمال أن الأمر بها من المحرّف، ومن فعل المحرمات كذلك لا يكفر لاحتمال أن النهي عنها من المحرّف. بل إن منكر الرسول صلى الله عليه وسلم يلزمهم كذلك انه لا يكفر لأننا ما علمنا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من كتاب الله جلّ وعلا ومن سيرته صلوات الله وسلامه عليه.

أما السنة فإن الشيعة لا يؤمنون بكتبنا كالبخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي ومسند أحمد وغيرها من الكتب، ونحن كذلك لا نعتبر كتبهم ولا نؤمن بها كالكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه ومستدرك الوسائل والوسائل وغيرها من الكتب. والأمر كما قال الإمام الذهبي لما تكلّم عن محي الدين بن عربي، وذكر كلاماً عنه وصار يعتذر له، يقول: ولعله أراد كذا ولعله أراد كذا، فلما وصل إلى بعض كلامه الذي لا يحتمل فقال: "فوالله إن لم يكن هذا الكلام كفراً، فليس في الدنيا كفر أبداً". ونحن كذلك نقول: إن لم يكن القول بتحريف القرآن كفراً فليس في الدنيا كفر أبداً. بل لاشك ولا ريب أن القول بتحريف القرآن هو من أعظم الكفر الذي عرفه الناس. إن أقصى ما يقوله علماء الشيعة عن أئمتهم القائلين بالتحريف كلمة مخطئين، هذا إذا ألجئوا إليها، وإلا فهم ينكرون ذلك، ويتهمون من ينسب القول بالتحريف إليهم بالكذب والتجنّي أو غير ذلك من الألفاظ. وهل كلمة مخطئ تكفي إذا قالوها عمن قال بتحريف القرآن؟ إن الذي يخالف في مسألة اجتهادية فقهية يقال له مخطئ، أما من ينكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فهذا أقل ما يقال فيه كافر أو ملحد أو زنديق أو منافق أو طاغوت أو مرتد أو ما شابه هذه الألفاظ.

والغريب في هذه المسألة -مسألة القول بتحريف القرآن- أن أهل السنة يتشددون فيها كثيراً حتى قالوا بكفر من زعم أن القرآن زيد فيه حرف أو أُنقص، بينما الشيعة يميعون هذه المسألة ويرون أن الخلاف فيها سائغ وأن أقصى ما يقال في مدعي التحريف إنهم مخطئون. وضوح تام عند أهل السنة، بينما الشيعة مضطربون، مرة ينفون، ومرة يقرون، مرة يعللون، ومرة يخَطّئون. وحتى أولئك الذين يقولون بأفواههم والله تبارك وتعالى أعلم بما في قلوبهم يقولون مخطئين وهذا الكلام غير صحيح، ولكن تبقى مع ذلك الكتب التي روت التحريف، وجاهرت بهذه الزندقة، وكذا الشيوخ الذين لهجوا بهذا الكفر يبقون جميعاً موضع احترام وتقدير من الشيعة كلهم. وهذا الشيء غريب ويثير كثيراً من الشك، بل ويدع عندنا علامات استفهام كثيرة.

أما موقف أهل السنة من القائلين بتحريف القرآن الكريم فهو موقف متشدد لا يتسامحون فيه مع أحد أبداً. قال القاضي أبو يعلى الفراء: "والقرآن ما غُيِّر ولا بُدّل ولا نقص منه ولا زيد فيه خلافاً للرافضة القائلين أن القرآن قد غيّر وبدّل وخولف بين نظمه وترتيبه". وقال ابن حزم: "وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن، فإن الروافض ليسوا من المسلمين". وقال: "القول بأن بين اللوحين تبديلاً كفرٌ صريح، وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحكم بكفر من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت". وقال ابن قدامة: "ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر". وقال أبو عثمان الحداد: "جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر". وقال عبد القاهر البغدادي: "وأكفر أهل السنة من زعم من الرافضة أنه لا حجة اليوم في القرآن والسنة بدعواه أن الصحابة غيروا بعض القرآن وحرفوا بعضه".

أولاً: فإنهم يعتقدون أن القرآن ليس حجة في نفسه، فعن منصور بن حازم أنه قال لأبي عبدالله -جعفر الصادق-: "إن القرآن لا يكون حجة إلا بقيّم، فأقرّه أبو عبدالله". والله تبارك وتعالى يقول: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى? عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51]. وقولهم هذا يعني أن الحجة في قول الإمام لا في القرآن لأنه الأقدر على البيان، ولذلك يروون عن علي أنه قال: "هذا كتاب الله الصامت، وأنا كتاب الله الناطق".

قلت: والله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ هَـ?ذَا الْقُرْ‌آنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].

ولاشك أن تلك الروايات من وضع عدو حاقد يريد أن يصد الشيعة عن كتاب الله تبارك وتعالى، وذلك أنهم ربطوا حجية القرآن بوجود القيّم وهو علي، ثم الحسن، ثم الحسين، وهكذا حتى يصل الأمر إلى المنتظر الغائب، وذلك منذ ما يزيد على خمسين ومئة سنة بعد الألف، لم نر هذا المنتظر الذي يزعمون. ولاشك أنها مؤامرة أرادت إبعاد الشيعة عن كتاب الله تبارك وتعالى. وإلا كيف تُفَسّر هذه الروايات؟ عن أبي جعفر قال: "إن رسول الله فسّر القرآن لرجل واحد، وفسّر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب". وهذا إنما هو لصد الناس عن التدبر في كتاب الله تعالى والتأمل في معانيه، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْ‌آنًا عَرَ‌بِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2]، وقال جلّ ذكره: {هَـ?ذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:138].

وقالوا كذلك: إن قول الإمام ينسخ القرآن ويخصص عامه ويقيد مطلقه. قال محمد حسين آل كاشف الغطاء: "إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة منها، ولكنه أودعها عند أوصيائه كل وصي يعهد به إلى الآخر لينشره في الوقت المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص أو مطلق مقيد أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي صلى الله عليه وسلم عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته وقد لا يذكره أصلاً بل يودعه عند وصيه إلى وقته".


قلت: جعلوا الأئمة يخصصون القرآن برواياتهم، ويقيدون مطلقه وهذه لاشك طامة كبرى. هذا مع قول الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3].

أما عبثهم في تأويل القرآن فمنها أنهم قالوا :

قول الله تبارك وتعالى: {مَرَ‌جَ الْبَحْرَ‌يْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن:19]، قالوا: هما علي وفاطمة،

وقول الله تبارك وتعالى: {بَيْنَهُمَا بَرْ‌زَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ} [الرحمن:20]، قالوا: هو النبي،

وقول الله تبارك وتعالى: {يَخْرُ‌جُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْ‌جَانُ} [الرحمن:22]، قالوا: هما الحسن والحسين

وقالوا عن قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَـ?هَيْنِ اثْنَيْنِ ? إِنَّمَا هُوَ إِلَـ?هٌ وَاحِدٌ} [النحل:51]، قالوا: لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد. وقالوا عن قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّ‌هُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ‌ عَلَى? رَ‌بِّهِ ظَهِيرً‌ا} [الفرقان:55]، قال القمّي: الكافر الثاني (أي عمر بن الخطاب)، وكان علي أمير المؤمنين ظهيراً، أي وكان عمر على ربه يعني علياً ظهيراً. وقالوا كذلك عن قول الله تبارك وتعالى: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:29]، قالوا: يعني الأئمة.