×

الإمام الغزالي وعقيدة أهل السنة من الصحابة

الإمام الغزالي وعقيدة أهل السنة من الصحابة

الكاتب: فريق منهاج السنة

الإمام الغزالي وعقيدة أهل السنة من الصحابة

فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجب في حقهم من حسن الاعتقاد ولزوم سبيل السداد

قال رحمه الله تعالى في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد في شرح عقيدة أهل السنة من الصحابة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم: اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسرافا في أطراف، فمن مبالغ في الثناء حتى يدعي العصمة للأئمة، ومنهم متهجم على الطعن يطلق اللسان بذم الصحابة. فلا تكونن من الفريقين، واسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد.

واعلم أن كتاب الله مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار، وتواترت الأخبار بتزكية النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم بألفاظ مختلفة، كقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وكقوله: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم . "وما من واحد إلا ورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله. فينبغي أن تستصحب هذا الاعتقاد في حقهم ولا تسئ الظن بهم. وما يحكى عن أحوال تخالف مقتضى حسن الظن فأكثر ما ينقل مخترع، وما ثبت نقله فالتأويل متطرق إليه، ولم يجر ما لا يتسع العقل لتجويز الخطإ والسهو فيه وحمل أفعالهم على قصد الخير وإن لم يصيبوه. والمشهور من قتال معاوية مع علي وسير عائشة رضي الله عنهم إلى البصرة، فالظن بعائشة أنها كانت تطلب تطفئة الفتنة، ولكن خرج الأمر من الضبط، فأواخر الأمور لا تبقى على وفق طلب أوائلها بل تخرج عن الضبط. والظن بمعاوية أنه كان على تأويل وظن فيما كان يتعاطاه. وما يحكى سوى هذا من روايات الآحاد فالصحيح

منه مختلط بالباطل، والاختلاق أكثره اختراعات الروافض والخوارج وأرباب الفضول الخائضين في هذه الفنون، فينبغي أن تلازم الإنكار في كل ما لم يثبت، وما ثبت فاستنبط له تأويلا، فما تعذر عليك فقل لعل له تأويلا وعذرا لم أطلع عليه. واعلم أنك في هذا المقام بين أن تسئ الظن بمسلم وتطعن عليه وتكون كاذبا، أو تحسن الظن به وتكف لسانك عن الطعن وأنت مخطئ مثلا، والخطأ في حسن الظن بالمسلم أسلم من الصواب بالطعن فيه. فلو سكت إنسان مثلا عن لعن إبليس أو لعن أبي جهل أو أبي لهب أو من شئت من الأشرار طول عمره لم يضره السكوت؛ ولو هفا هفوة بالطعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرض للهلاك. بل أكثر ما يعلم في الناس لا يحل النطق به لتعظيم الشرع الزجر عن الغيبة؛ مع أنه إخبار عما هو متحقق في المغتاب. فمن يلاحظ هذه الفصول ولم يكن في طبعه ميل إلى الفضول آثر ملازمته السكوت وحسن الظن بكافة المسلمين وإطلاق اللسان بالثناء على جميع السلف الصالحين، هذا حكم الصحابة عامة.

 فأما الخلفاء الراشدون فهم أفضل من غيرهم، وترتيبهم في الفضل عند أهل السنة كترتيبهم في الإمامة، أي الخلافة، وهذا لمكان أن قولنا فلان أفضل من فلان معناه أن محله عند الله تعالى في الآخرة أرفع، وهذا غيب لا يطلع عليه إلا الله ورسوله إن أطلعه عليه، ولا يمكن أن يدعى نصوصا قاطعة من صاحب الشرع متواترة مقتضية للفضيلة على هذا الترتيب، بل المنقول الثناء على جميعهم، واستنباط حكم الترجيحات في الفضل من دقائق ثنائه عليهم رمي في عماية واقتحام أمر خطر أغنانا الله عنه. وتعرف الفضل عند الله تعالى بالأعمال مشكل أيضا وغايته رجم ظن.

فكم من شخص محروم الظاهر وهو عند الله بمكان لسر في قلبه وخلق خفي في باطنه، وكم من مزين بالعبادات الظاهرة وهو في سخط لخبث مستكن في باطنه، فلا مطلع على السرائر إلا الله تعالى. ولكن إذا ثبت أنه لا يعرف الفضل إلا بالوحي، ولا يعرف من النبي إلا بالسماع، وأولى الناس بسماع ما يدل على تفاوت الفضائل الصحابة الملازمون لأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم قد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي رضي الله عنهم، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله تعالى لغرض من الأغراض. وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل. ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف به مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب. انتهت عبارة كتاب الاقتصاد.

وقال الإمام الغزالي أيضا في إحياء علوم الدين: الإمام الحق بعد رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ولم يكن نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إمام أصلا، إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك، فكيف خفي هذا، وإن ظهر فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا. فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة. وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرق الإجماع مما لا يجترئ على اختراعه إلا الروافض.

واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد، لا منازعة من معاوية في الإمامة، إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك. وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب. وقال قائلون: المصيب واحد. ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا. وفضل الصحابة رضي الله عنهم على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله عز وجل، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة، وإنما يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتتريل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل. فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحق صارف. اه كلام الإمام الغزالي.