×

افتراء الشيعة على أهل السنة

افتراء الشيعة على أهل السنة

الكاتب: فريق منهاج السنة

افتراء الشيعة على أهل السنة

الانحراف عن آل البيت وتولي الدّول الجائرة


وأما قوله: (وسبب انحراف من ذكر عن أهل البيت وشيعتهم أنهم تولوا -اليوم- الدول الجائرة، وأطاعوهم، وصححوا ولايتهم، واستدلوا على ذلك بأحاديث كثيرة رووها، فلما سمعها أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوها مخالفة لكتاب الله -تعالى- في قوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[1]. وقوله: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[2]. وقوله: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [3]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

ونظروا في الأحاديث الموجبة لطاعة أئمة الجور، فوجدوها قد رواها خصومهم تقريرا لمذهبهم، وردوها للقاعدة التي قررها أهل الأصول، وأهل الحديث في أنه لا يجب على الخصم قبول رواية خصمه، فيما يقرر مذهبه الذي يرى خصمه أنه عنده بدعة.

فيقال: الجواب عن هذا الكلام من وجوه:

(أحدها): أن هذا كذب على أهل السنة والجماعة، لا يمتري فيه أحد عرف مذهبهم، وطالع كتبهم، فإنهم لم ينحرفوا عن أهل البيت، بل من أصول الدين عندهم: محبة أهل البيت النبوي، وموالاتهم، والصلاة عليهم في الصلاة وغيرها، ولو ذهبنا نذكر نصوصهم في ذلك لطال الكلام جدا.

(الثاني): أنهم لم يتولوا الدول الجائرة، كما ذكره هذا المعترض، بل هم يبغضونهم ويكرهونهم، ويسمونهم ظلمة، وأئمة جور، وإنما أوجبوا طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، ويستدلون على ذلك بأحاديث ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أنه قال: "على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية؛ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"[4] وثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، وأنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت، إلا ويموت ميتة جاهلية"[5].

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة من رواية أهل البيت وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم- بأسانيد ثابتة بنقل العدول من أهل الحديث.

(الوجه الثالث): أن أهل السنة والجماعة لم يصححوا ولايتهم، إلا إذا تولوا على الناس، وبايعهم على ذلك أهل الشوكة، وأهل الحل والعقد، فإذا كان كذلك صحت ولايته، ووجبت طاعته في طاعة الله، وحرمت طاعته في المعصية، ولكن لا يجوزون الخروج عليه، ومحاربته بالسيف؛ لأن ذلك يؤول إلى الفتن العظيمة، وسفك الدماء، والهرج الكثير. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهذا القول هو الذي تدل عليه النصوص النبوية، وعليه كثير من أهل البيت.

(الوجه الرابع): أن قوله في الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة على السمع والطاعة لولي الأمر، فلما سمعها أهل البيت وجدوها مخالفة لكتاب الله، كذب ظاهر على أهل البيت -عليهم السلام-؛ فإن كثيرا من أهل البيت، مذهبهم مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، هذا الحسن بن علي رضي الله عنه انخلع لمعاوية رضي الله عنه وبايعه، وأمر كل من بايعه، وبايع أباه بمبايعة معاوية، والسمع والطاعة له، وهو عند هذا المعترض وأمثاله من أئمة الجور. وأما عند أهل السنة والجماعة فهو من خيار ملوك الإسلام، وأعدلهم، وأحسنهم سيرة، ونهى أخاه الحسين عند موته عن طاعة سفهاء الكوفة.

وهذا ابن عباس، وهو من أئمة أهل البيت، نهى ابن عمه الحسين رضي الله عنه عن الخروج، وكذلك محمد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر -رضي الله عنهم-، وهؤلاء من أئمة أهل البيت، وقد تقدم النقل عنهم بذلك. وذكرنا من رواه من الأئمة.

(الوجه الخامس): أن أهل السنة -رحمهم الله- بينوا أن هذه الأحاديث المروية عنهم في السمع والطاعة لولي الأمر هي الموافقة لكتاب الله حقا، لا تخالفه، بل القرآن يصدقها، ويدل على ما دلت عليه؛ لأن الجميع من عند الله. والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم بكتاب الله من أهل البدع، وكذلك أصحابه، وأهل بيته.

قال العلماء: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينْزل بالقرآن، وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، وأخبر أن من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد أمر الله بطاعة أولي الأمر في القرآن، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [6] الآية، قال أئمة التفسير: هم العلماء والأمراء.

(الوجه السادس): أن هذه الآيات التي ذكر أنها تخالف هذه الأحاديث، قد بين أهل التفسير معناها، وليس فيها ما يخالف كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ما يدل على مراد هذا المعترض، وأشباهه من أهل البدع؛ كالخوارج، والمعتزلة. ونحن نذكر كلام أئمة التفسير -رحمهم الله- في هذه الآيات؛ لنبين بطلان ما ذهب إليه هذا المعترض.

قال أبو حيان -رحمه الله- في تفسيره المسمى بالبحر: والعهد -يعني في الآية- الإمامة، قاله مجاهد، أو النبوة قاله السدي، أو الأمان قاله قتادة، وروي عن السدي واختاره الزجاج، أو الثواب، قاله قتادة أيضا، أو الرحمة قاله عطاء، أو الدين قاله الضحاك والربيع، أو لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه قاله ابن عباس، أو الأمر من قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا}[7]. {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ}[8]، أو إدخاله الجنة من قوله: " كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة"، أو طاعتي3 قاله الضحاك، أو الميثاق، أو الأمانة، والظاهر من هذه الأقوال: أنها الإمامة؛ لأنها هي المصدر بها، فأعلم الله إبراهيم -عليه السلام- أن الإمامة لا تنال الظالمين. انتهى كلامه.

وقد جمع لك كلام المفسرين في هذه الآية في هذا المختصر، ولم يذكر أحد من المفسرين أن الآية تدل على الخروج على ولي الأمر ومقاتلته بالسيف، وأنه لا يطاع إذا أمر بطاعة الله وطاعة رسوله. وأهل السنة أهل عدل وإنصاف واتباع للحق؛ لأنهم لم يأمروا بطاعة ولي الأمر في المعصية، بل أمروا بطاعته إذا أمر بطاعة الله، فإذا أمر بالمعصية، فلا سمع له ولا طاعة. لكن لا يجوزون الخروج عليه4 ولا يكون عندهم إماما في الدين إذا كان ظالما.

والآية تدل على أن الظالم لا يكون إماما في الدين، وليس فيها ما يدل على أنه إذا غصب الناس، وتولى عليهم، وصار معه أهل الشوكة، وأهل الحل والعقد لا تجوز طاعته في الطاعة ومبايعته، فيتبين بما ذكرنا: أن هذه الآية ليس فيها دليل على ما ذهب إليه أهل البدع، والله أعلم.

وأما الآية الثانية التي احتج بها وهي قوله -تعالى-: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [9]، فقال أبو العالية: في معنى {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} 1،

قال: المعنى: لا ترضوا بأعمالهم، وقال ابن عباس: معنى الركون: الميل، وقال السدي، وابن زيد: لا تداهنوا الظلمة، وقال سفيان: لا تدنوا من الذين ظلموا.

وقال جعفر الصادق: {إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} إلى أنفسهم؛ فإنها ظالمة، وقيل: لا تشبهوا بهم. ذكر هذه الأقوال كلها أبو حيان النحوي في تفسيره "البحر"، ولم يذكر أحد من المفسرين أن الآية تدل على أن الظالم إذا تولى على الناس وقهرهم بشوكته وسلطانه، لا تصح ولايته، ولا تجوز طاعته إذا أمر بطاعة الله.

وجميع أهل السنة والجماعة متفقون على أن الركون إلى الظلمة لا يجوز على ما فسره علماء التفسير، كابن عباس، وأبي العالمية، فلا يجوز الميل إليهم، ولا الرضى بأعمالهم التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله. وكذلك لا تجوز مداهنتهم، بل ينكر عليهم ما فعلوه من المنكر بلسانه إذا قدر على ذلك، فإن لم يقدر أنكره بقلبه، كما في الحديث المرفوع أنه لما ذكر الظلمة قال: " من أنكره فقد سلم، ومن كره فقد برئ، ولكن من رضي وتابع" 2 3. فتبين بما ذكرناه أن الآية لا تدل على ما ذهب إليه هذا المعترض، ومن نحا نحوه من أهل البدع.

وأما الآية الثالثة وهي: قوله -تعالى-: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} 4، قال أهل التفسير: {الْمُضِلِّيْنَ} يعني الشياطين؛ لأنهم الذين يضلون الناس، {عَضُداً} قال قتادة: أعوانا يعضدونني إليها، والعضد كثيرا ما يستعمل في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ومنه قوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [10] أي: سنعينك ونقويك به، فهذا إخبار عن كمال قدرته، واستغنائه عن الأنصار والأعوان، والله -تبارك وتعالى- لا يحتاج إلى إعانة أحد من خلقه، بل هو الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فهل في هذه الآية ما يدل على مقصود هذا المعترض، الجاهل بوجه من الوجوه؟

(الوجه السابع): أن يقال: احتجاجه بهذه الآيات على معارضة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته، من جنس احتجاج الخوارج وأشباههم على بطلان ولاية علي وإمامته، بقوله -تعالى-: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[11]. وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [12]، وإنما أتوا من قلة معرفتهم بتفسير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن جنس احتجاج الرافضة، ومَن نحا نحوهم على كفر الصحابة، وظلمهم بقوله -تعالى-: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ}[13]. وكذلك احتجاجهم على إمامة علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله -تعالى-: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [14] الآية.

وكذلك احتجاج الجهمية، والمعتزلة على نفي الصفات الواردة في القرآن والسنة بقوله -تعالى-: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [15] وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[16]. وكل هذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وإنما تدل على ما أجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها من الصحابة، والتابعين -رضي الله عنهم-؛ لأن القرآن يصدق بعضه بعضا، وكذلك الأحاديث يصدق بعضها بعضا، والسنة الصحيحة لا تخالف الكتاب؛ لأن الجميع من مشكاة واحدة {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}[17].

(الوجه الثامن): أن يقال: قوله: (ونظروا في الأحاديث الموجبة لطاعة أئمة الجور، فوجدوها قد رواها خصومهم عنه) كذب ظاهر، وتمويه على الجهال الأصاغر، فإن الأحاديث التي فيها السمع والطاعة لولي الأمر قد رواها جماعة كثيرة من الصحابة من أهل البيت وغيرهم، ولم يردها علماء أهل البيت، بل تلقوها بالقبول كما تقدم النقل عنهم بذلك[18]. وبينا أن أهل البيت اختلفوا في جواز الخروج على أئمة الجور.

فمنهم من يرى ذلك ويفعله، ومنهم من لا يرى ذلك ولا يفعله، بل ينهى عنه ويكرهه. ولو لم يكن إلا فعل الحسن رضي الله عنه لكفى به تكذيبا لما حكاه هذا المعترض، ولكن هذا وأشباهه من أهل البدع ينتسبون إلى أهل البيت، وينقلون مذاهبهم الباطلة عنهم، فينسبونها إليهم، ويكذبون عليهم، ولا يميزون بين الصدق والكذب، فلا نقل صحيح، ولا عقل مليح، نسأل الله العفو والعافية.

 

[1] سورة البقرة آية: 124.

[2] سورة هود آية: 113.

[3] سورة الكهف آية: 51.

[4] البخاري: الأحكام (7144) , ومسلم: الإمارة (1839) , والترمذي: الجهاد (1707) , وأبو داود: الجهاد (2626) , وابن ماجه: الجهاد (2864) , وأحمد (2/17 ,2/142) .

[5] البخاري: الفتن (7054) , ومسلم: الإمارة (1849) , وأحمد (1/275 ,1/297) , والدارمي: السير (2519) .

[6] سورة النساء آية: 59.

[7] سورة آل عمران آية: 183.

[8] سورة يس آية: 60.

[9] هذا تفسير لكلمة (عهدي) من الآية، وبقية الألفاظ تفسير للعهد فيها غير مضاف.

[10] سورة هود آية: 113.

[11] سورة الزمر آية: 65.

[12] سورة المائدة آية: 44.

[13] سورة المائدة آية: 54.

[14] سورة المائدة آية: 55.

[15] سورة مريم آية: 65.

[16] سورة الشورى آية: 11.

[17] سورة النساء آية: 82.

[18] بقي شيء آخر: وهو أن رواة الأحاديث الذين دونوها ومحصوا أسانيدها، ليسوا خصوما فيها لآل البيت، ولا للشيعة وغيرهم من المبتدعة، بل يروون عن كل من ثبت عندهم عدالته في الرواية، وإن كان مخالفا لهم في بعض الأصول والفروع، لا يتعصبون لمذهب أحد في الرواية؛ فالمجتهد منهم يروي كل ما سمعه من الرواة، ويتبع ما صح عنده بحسب فهمه، ومن نشأ على مذهب كالذهبي والمزي وابن حجر العسقلاني لا يأبى أن يصحح ما خالف مذهبه، وأن يضعف ما وافقه، فتمحيص الأسانيد عندهم مقدم على كل شيء، وعلماء الشيعة المتعصبون من الزيدية والإمامية يعلمون هذا، ولكنهم يوهمون عوامهم أن حفاظ الحديث خصوم لهم؛ ليقطعوا طريق الأدلة الصحيحة عليهم.