بحث متقدم... 
    
   
 
 
الرئيسة فضـــائل الصحابةغزوات ومعارك إسلامية
 
 
صلح الحديبية

المبحث الأول: أحداث الحديبية:

خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأداء العمرة في يوم الاثنين هلال ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخشى أن تعرض له قريش بحرب أو يصدوه عن البيت الحرام ، لذلك استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه ، فأبطؤوا عليه ، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وبمن لحق به من العرب.

وقد كشف القرآن عن حقيقة نوايا الأعراب، فقال: {{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }} [الفتح:11] * {{ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً }} [الفتح:12]^.

وقد ذكر مجاهد أن الأعراب الذي عنتهم الآية هم أعراب جهينة ومزينة ، وذكر الواقدي أن الأعراب الذي تشاغلوا بأموالهم وأولادهم وذراريهم هو بنو بكر ومزينة وجهينة.

ويفهم من رواية البخاري أن المسلمين كانوا يحملون أسلحتهم استعداد للدفاع عن أنفسهم في حالة الاعتداء عليهم.

لقد اتفق خمسة من الذين كانوا في هذه الغزوة على أن عدد من خرج فيها كانوا ألفا وأربعمائة رجل.
ولقد صلى المسلمون وأحرموا بالعمرة عندما وصلوا إلى ذي الحليفة ، وقلد الرسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره ، وعددها سبعون بدنة. وبعث بين يديه بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينا له إلى قريش ليأتيه بخبرهم.
وعندما وصل المسلمون الروحاء جاءه نبأ عدو بضيقة ، فأرسل إليهم طائفة من أصحابه ، فيهم أبو قتادة الأنصاري ، ولم يكن محرماً ، فرأى حماراً وحشياً ، فحمل عليه فطعنه ، ورفض أصحابه أن يعينوه عليه ، ولكنهم أكلوا منه وهم حرم ، ثم شكوا في حل ذلك ، فعندما التقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم في السقيا ، استفتوه في الأمر ، فأذن لأصحابه بأكل ما جاؤوه به من بقية اللحم ما داموا لم يعينوا على صيده.

وعندما وصلوا عسفان جاءهم بسر بن سفيان الكعبي بخبر قريش فقال: { يا رسول الله ، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور ، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا كراع الغميم}.

فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أن يغيروا على ديار الذين ناصروا قريشاً واجتمعوا معها ليدعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: { يا رسول الله! خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد ، فتوجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : امضوا على اسم الله}.

وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرب خيل المشركين منهم صلى بأصحابه صلاة الخوف بعسفان.
ولتفادي الاشتباك مع المشركين ، سلك الرسول صلى الله عليه وسلم طريقاً وعرة عبر ثنية المرار ، وهي مهبط الحديبية ، وقال عندما وصلها :
{من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل} ، فكان أول من صعدها خيل بني الخزرج ، ثم تتام الناس.

وعندما أحس بتغيير المسلمين خط سيرهم رجع إلى مكة ، وخرجت قريش للقاء المسلمين ، فعسكرت ببلدح ، وسبقوا المسلمين إلى الماء هنا.

وعندما اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية بركت ناقته القصواء ، فقال الصحابة رضي الله عنهم : {خلأت القصواء} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : {ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل}.

ثم قال: {والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها}، ثم زجرها فوثبت، ثم عدل عن دخول مكة وسار حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد – بئر – قليل الماء، ما لبثوا أن نزحوه ثم اشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فجاش لهم بالري فارتووا جميعاً ، وفي رواية أنه جلس على شقة البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر. ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معا وقعاً ، كما ذكر ابن حجر. ويؤيده ما ذكره الواقدي وعروة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلو وصبه في البئر ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت.

ولخصائص قريش ومكانتها بين العرب ، وحرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إسلامهم ، وتحسر على عنادهم وخسارة أرواحها في الحروب مع المسلمين ، فها هو يعبر عن هذه الحسرة بقوله : { يا ويح قريش ، أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهو وافرون ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فماذا تظن قريش ، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة …}.

بذل الرسول صلى الله عليه وسلم ما في وسعه لإفهام قريش أنه لا يريد حرباً معهم، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وهو حق المسلمين، كما هو حق لغيرهم، وعندما تأكدت قريش من ذلك أرسلت إليه من يفاوضه ويتعرف على قوة المسلمين ومدة عزمهم على القتال إذا ألجئوا إليه، وطمعاً في صد المسلمين عن البيت بالطرق السليمة من جهة ثالثة.

فأتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، وبينوا أن قريشاً تعتزم صد المسلمين عن دخول مكة، فأوضح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب مجيئه وذكر لهم الضرر الذي وقع على قريش من استمرار الحرب، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنة إلى وقت معلوم حتى يتضح لهم الأمر، وإن أبوا فلا مناص من الحرب ولو كان في ذلك هلاكه، فنقلوا ذلك إلى قريش، وقالوا لهم: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وخاطبوهم بما يكرهون، وقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله ولا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تتحدث بذلك العرب.

وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤكد هدفه من هذه الزيارة ويشهد على ذلك كل العرب،لذا أرسل إلى قريش خراش بن أمية الخزاعي على جمله (الثعلب) ولكنهم عقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله ، فمنعته الأحابيش ، لأنهم من قومه.

ثم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال عمر : {يا رسول الله ، إني أخاف قريشاً على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها ، وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني ، عثمان بن عفان}.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إليهم. فنزل عثمان في حماية وجوار أبان بن سعيد بن العاص الأموي حتى أدى رسالته ، وأذنوا له بالطواف بالبيت ، فقال : {ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم} واحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل. ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة تحت شجر سمرة ، فبايعوه جميعاً على الموت ، سوى الجد بن قيس ، وذلك لنفاقه.و في رواية أن البيعة كانت على الصبر ، وفي رواية على عدم الفرار ، ولا تعارض في ذلك لأن المبايعة على الموت تعنى الصبر عند اللقاء وعدم الفرار.

وكان أول من بايعه على ذلك أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي ، فخرج الناس بعده يبايعون على بيعته ، فأثنى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : { أنتم خير أهل الأرض} ، وقال : { لا يدخل النار إن شاء الله ، من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها}.

وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يده اليمنى ، وقال {هذه يد عثمان} ، فضرب بها على يده اليسرى ، وقال : {هذه لعثمان}. فنال عثمان بذلك فضل البيعة.

وقبل أن تتطور الأمور عاد عثمان رضي الله عنه بعد البيعة مباشرة.
وعرفت هذه البيعة بـ
{بيعة الرضوان} ، لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عن أصحابها ، في قوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}.

أرسلت قريش عدداً من السفراء للتفاوض مع المسلمين ، بعد سفارة بديل بن ورقاء. فقد أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي ، وقبل أن يتحرك خشي أن يناله من التعنيف وسوء المقالة ما نال من سبقه ، فبين لهم موقفه منهم ، وأقروا له بأنه غير متهم عندهم ، وذكر لهم أن الذي عرضه عليهم محمد هو خطة رشد. ودعاهم إلى قبولها، فوافقوا على رأيه.

وعندما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال له ما قال لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى ، فإني والله لا أرى وجوهاً وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ … وكان كلما تكلم كلمة أخذ بلحية الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس البني صلى الله عليه وسلم ومعه السيف ، فيضربه بنعل السيف ويقول : أخّر عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم … ولحظ عروة تعظيم الصحابة للرسول صلى الله عليه سلم وحبهم له وتفانيهم في طاعته ، فلما رجع إلى قريش ، قال لهم : {أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً}.

ثم بعثوا الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه} ، فلما رأى الحليس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك إعظاماً لما رأى ، وقال لقريش : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقالوا : اجلس ، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فغضب وقال : يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم ، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له !! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قالوا : مه ، كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
{ هذا مكرز وهو رجل فاجر} … فجعل يكلم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو رسولاً من قبل قريش ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم متفائلاً : { لقد سهل لكم أمركم}. وقال : { قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل} ، وكانت قريش قد قالت لسهيل بن عمرو : ائت محمداً فصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً . فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام ، وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح.

وعندما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في إملاء شروط الصلح على علي بن أبي طالب ، كاتب الصحيفة ، اعترض سهيل على كتابة كلمة {الرحمن} في البسملة ، وأراد بدلاً عنها أن يكتب {باسمك اللهم} ، لأنها عبارة الجاهليين ، ورفض المسلمون ذلك ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وافق على اعتراض سهيل. ثم اعترض سهيل على عبارة {محمد رسول الله} ، وأراد بدلاً عنها عبارة : { محمد بن عبد الله} ، فوافقه أيضاً على هذا الاعتراض.
وعندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
{على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به} اعترض سهيل قائلاً : لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة قهراً ولكن ذلك في العام المقبل ، فنخرج عنك فتدخلها بأصحابك فأقمت فيها ثلاثاً معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب . فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الشرط .
ثم قال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! فبينما هو كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
{إنا لم نقض الكتاب بعد} ، فقال سهيل : والله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً.

وألح الرسول صلى الله عليه وسلم على سهيل أن يستثني أبا جندل ، فرفض على الرغم من موافقة مكرز على طلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم بداً من إمضاء ذلك لسهيل.

ثم بعد هذا تم الاتفاق على بقية الشروط وهي : { على وضع الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، وأن بينهم عيبة مكفوفة ، فلا إسلال - سرقة - ولا إغلال – خيانة- ، وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه }. فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم.

لقد تبرم كثير من الصحابة من معظم هذه الشروط. ومن الأدلة على ذلك أن علياً اعتذر عن محو كلمة { رسول الله} التي اعترض عليها سهيل بن عمرو ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : {أرني مكانها} ، فأراه مكانها فمحاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتب على مكانها {ابن عبد الله}. وغضبوا لشرط رد المسلمين الفارين من قريش إلى المسلمين ، فقالوا : { يا رسول الله ، نكتب هذا؟ } قال : { نعم إنه من ذهب إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً}.

ويحكي عمر بن الخطاب مجيئه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غاضباً عند كتابة ذلك الصلح ، قال : { فأتيت نبي الله ، فقلت : ألست نبي الله حقاً ؟ قال : بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى ، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قال : قلت : لا . قال: فإنك آتيه ومطوف به}. وأتى عمر أبا بكر وقال له مثل ما قال للرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال له أبو بكر : إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على الحق ، وقال عمر : ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيراً } ولم تطب نفس عمر إلا عندما نزل القرآن مبشراً بالفتح.

وعندما كان أبو جندل يستنجد بالمسلمين قائلاً : يا معشر المسلمين ، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : { يا أبا جندل ، اصبر واحتسب فإن الله عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجاً} ، كان عمر يمشي بجنب أبي جندل يغريه بأبيه ويقرب إليه سيفه ، لكن أبا جندل لم يفعل ، فأعيد إلى المشركين ، وذلك لحكمة تجلت للناس فيما بعد ، يوم كان أبو جندل وأصحابه سبباً في إلغاء شرط رد المسلمين إلى الكفار ، وفي إسلام سهيل وموقفه يوم كاد أهل مكة أن يرتدوا عندما مات الرسول صلى الله عليه وسلم فثبتهم على الإسلام بكلام بليغ.

وقال سهل بن حنيف يوم صفين : {اتهموا رأيكم ، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته}.

وعندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم ، لم يقم منهم أحد إلى ذلك ، فكرر الأمر ثلاث مرات ، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وحكى لها ما حدث من المسلمين ، فأشارت إليه بأن يبدأ هو بما يريد ، ففعل ، فقاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماً ، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم لمن حلق منهم ثلاثاً ولمن قصر لمرة واحدة. وكان عدد ما نحروه سبعين بدنة ، كل بدنة عن سبعة أشخاص.

وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جملاً لأبي جهل من غنائم بدر ، نحره ليغيظ بذلك المشركين . ونحروا بعض الهدي في الحديبية في الحل والبعض الآخر نحره ناجية بن جندب داخل منطقة الحرم.
ولا شك أن هذا التصرف من عمر وغيره من المسلمين ما هو إلا اجتهاد منهم ورغبة في إذلال المشركين.
ولم تتوقف قريش عن التحرش بالمسلمين واستفزازهم خلال مفاوضات كتابة الصلح وبعد كتابته ، وقد تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بانضباط شديد إزاء هذه الأفعال. فعندما حاول ثمانون من رجال مكة مهاجمة معسكر المسلمين في غرة ، أسرهم المسلمين وعفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكرر المحاولة ثلاثون آخرون من قريش أثناء إبرام الصلح ، فأسروا ، وأطلق الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا سراحهم.

وبعد إبرام الصلح حاول سبعون من المشركين استفزاز المسلمين، فأسروهم وقبض سلمة بن الأكوع على أربعة من المشركين أساءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد إبرام الصلح ، فعفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد نزلت في ذلك الآية { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}.
ثم رجع المسلمون إلى المدينة بعد أن غابوا عنها شهراً ونصف الشهر ، منها بضعة عشر يوماً ، ويقال عشرين يوماً ، مكثوها بالحديبية.

وفي طريق العودة تكررت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام والماء ، مثلما حدث في طعام جابر يوم الخندق ، وتكثير ماء بئر الحديبية ، فقد ذكر سلمة بن الأكوع أنهم عندما أصابهم الجوع وكادوا أن يذبحوا رواحلهم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بأزواد الجيش ، فلم يتجاوز ربضة العنز ، وهم أربع عشرة مائة ، فأكلوا حتى شبعوا جميعاً وحشوا جربهم ، ثم جيء له بأداوة وضوء فيها نطفة ماء فأفرغها في قدح ، فتوضأ منها كل الجيش.
ونزلت سورة الفتح ، وهم في طريق العودة :
{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} وقال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم : { لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس}. وقال عمر متعجباً: أو فتح هو ؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : { نعم} ، فطابت نفسه ورجع ، وفي رواية : { نعم ، والذي نفسي بيده إنه لفتح} وفرح المسلمون بذلك فرحاً غامراً ، وانجلت تلك السحابة من الغم ، وأدركوا قصورهم عن إدراك كل الأسباب والنتائج ، وأن الخير في التسليم لأمر الله ورسوله.

وعندما جاءته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة لم يردها إلى أهلها عندما طلبوها لما أنزل الله في النساء { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن … ولا هم يحلون لهن} فكان الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا يختبرهن ، فإن كن خرجن بسبب الإسلام استبقاهن مع دفع مهورهن لأزواجهن ، وكان قبل الصلح لا يعيد إليهم مهور الزوجات.

وهذه الآية الواردة في عدم رد المهاجرات المسلمات إلى الكفار هي التي استثنت من شرط الرد وحرمت المسلمات على المشركين { ولا تمسكوا بعصم الكوافر}.

المبحث الثاني : فقه وحكم ودروس في صلح الحديبية:

1- عندما وجد سبب مانع من أداء المسلمين لعمرتهم التي أحرموا لها تحللوا ، وبذلك شرع التحلل للمعتمر وأنه لا يلزمه القضاء.

2- أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه وهو محرم ، لأذى أصابه ، على أن يذبح شاة فدية أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين ونزلت الأية { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}.

3- إذن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بالصلاة في منازلهم عندما نزل المطر.

4- وقعت تطبيقات عملية لمبدأ الشورى في الإسلام ، حيث استشارهم في الإغارة على ذراري المشركين الذين يساندون قريشاً ، واستشار أم سلمة في أمر الناس عندما أبطؤوا في التحلل ، وأخذ برأيها.

5- ويستنتج من مدة الصلح أن الحد الأعلى لمهادنة الكفار عشر سنين ، لأن أصل العلاقة معهم الحرب وليس الهدنة.

6- جواز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلماً.

7- استحباب التفاؤل لقوله صلى الله عليه وسلم : { سهل أمركم} وذلك عندما قدم عليهم سهيل بن عمرو مفاوضاً.

8- كفر من يقول : { مطرنا بنوء كذا وكذا} والصواب أن يقول : { مطرنا بفضل الله ورحمته }. قال ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة عندما صلى بهم الصبح إثر مطر هطل ليلاً.

9- جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم مثل التوضؤ بماء وضؤئه صلى الله عليه وسلم ، وهو خاص به خلافاً لآثار الصالحين من أمته.

10- السنة لمن نام عن صلاته أو نسيها أن يصليها وإن خرج وقتها ، وذلك لأن المسلمين ناموا عن صلاة الفجر وهم في طريق عودتهم من الحديبية ولم يوقظهم إلا حر الشمس ، ونام حارسهم بلال ، فصلوها حين استيقظوا.

11- في الصلح اعتراف من قريش بكيان المسلمين لأول مرة ، فعاملتهم معاملة الند للند.

12- ذهاب هيبة قريش ، بدليل مبادرة خزاعة الانضمام إلى حلف المسلمين دون خشية من قريش كما كان في السابق.

13- أتاح الصلح للمسلمين التفرغ ليهود خيبر خاصة ويهود تيماء وفدك بصفة عامة.

14- أتيح للمسلمين مضاعفة جهودهم لنشر الإسلام ، وفي ذلك قال الزهـري : { فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب ، وآمن الناس بعضهم بعضاً ، والتقوا فتفاضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك} وعلق ابن هشام على هذا قائلاً :{والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر ، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف}.
15- جاءت نتائج بعض الشروط في مصالح المسلمين من ذلك أن أبا بصير عندما فر من المشركين ولجأ إلى المسلمين رده الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم عندما طلبوه ، فعدا على حارسيه فقتل أحدهما ، وفر الآخر ، وعاد أبو بصير إلى المدينة ، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم :
{ قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم} فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { ويل أمه مِسْعر حرب لو كان له أحد} ، ففهم أبو بصير نية الرسول صلى الله عليه وسلم في رده إلى المشركين ، فلجأ إلى سيف البحر، وفهم المستضعفون المسلمون في مكة إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم : { مسعر حرب ولو كان له أحدا} ، ففروا من مكة ولحقوا بأبي بصير ، وعلى رأسهم أبو جندل. وتكونت منهم عصابة ، أخذت تتعرض لقوافل قريش ، فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تناشده أن يعطيهم الأمان بالمدينة ، فأرسل إليهم ، وهم بناحية العيص ، فجاؤوا ، وكانوا قريبا من الستين أو السبعين رجلاً.

16- في قصة أبي بصير وأبي جندل ورفقائهم في العيص ، نموذج يقتدى به في الثبات على العقيدة وبذل الجهد في نصرتها وعدم الاستكانة للطغاة.