لا يحبك لا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق

لا يحبك لا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق

 الوجه الأول في الجمع في أن البغضاء والكراهية لا تعد كفراً ونفاقاً يخرج صاحبه من الملة وبين قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحبك لا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق ) وعند سلم ( لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ).

ووجه الجمع بينهما في معرفة ضابط البغضاء والكراهية وحده فإن البغضاء والكراهية قسيمة المحبة والمودة ومعلوم أن المحبة والمودة في تقسيم العلماء قسمان:

الأول - المودة التامة والمحبة الخالصة والتي تكون من كل الوجوه وأصلها في القلب وظهر آثارها على الجوارح على رأس من يحبون هذه المحبة الخالصة من جميع الوجوه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكمل الإيمان إلا بمحبته المحبة التامة الخالصة وهو كما قال صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكو أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) كما يدخل فيها الأولياء والصالحين وفي مقدمتهم صحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي رأسهم أبابكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين .

الثاني - المودة الناقصة
والمحبة من وجه دون وجه وأصلها أيضا في القلب وتظهر آثارها على الجوارح وهي لعامة المسلمين ممن قارفوا المعاصي والسيئات والناس يتفاوتون في ذلك كل بحسب دينه وتقوه.

فإذا عرف هذا فإن البغضاء والكراهية هي أيضا قسمان:

الأول – البغضاء التامة والكراهية الخالصة من جميع الوجوه وأصلها أيضاً في القلب وتظهر آثارها على الجوارح وعلى رأس من يبغضون هذه البغضاء التامة إبليس وأعوانه من شياطين الجن والإنس وأهل الشرك والكفر من شابههم وسلك مسالكهم وقد قال تعالى في بيان ذلك (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) الآية.

وهنا أنبه أن هذه البغضاء هي المرادة بحديث النبي صلى لله عليه وسلم ( لا يبغضك إلا منافق ) وسيأتي مزيد بيان لذلك من أن أهل الإيمان لا يبغضون البغضاء التامة من جميع الوجوه فمن ابغض علياً هذه البغضاء التامة فلا شك ولا ريب في نفاقه.

الثاني - البغضاء الناقصة والكراهية من وجه دون وجه وهي كذلك أصلها في القلب وتظهر آثارها على الجوارح بالسب والمضاربة والمقاتلة ونحو ذلك وهذا يقع فيها أهل الإسلام بعضهم في بعض إما بحق أو بدون وجه حق ، والشاهد أن هذه البغضاء إن كانت على وجه حق فهي من الحق كان تبغض المسلم لأنه يزني أو يشرب الخمر لأجل هذه الخصلة السيئة فيه مع محبته من وجه أخر أي لما عنده من الإيمان والإسلام ولا يخفى حديث ذلك الرجل الذي كان كثيراً ما يؤتي به شارباً للخمر فلما كان ذات يوم جئ به شارباً فلعنه أحدهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله .

فهذا الرجل يبغض من وجه شربه للخمر ولذلك كان يحد جلداً لكنه يحب من وجهة أخرى وهي ما في قلبه من أصل الإيمان ومن محبة الله ومحبة رسوله.

أما إن كانت هذه البغضاء التي هي من وجه دون وجه ظلماً وبغياً أي بغضاء على غير حق فإن صاحبها لا يكون منافقاً أو كافراً ونحو ذلك ولا يعدو ذلك ن تكون سيئة وذنباً في حقه ولو كان ذلك بغضاً لمقام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

ولأوضح هذه النقطة الهامة أقول أن الطائفة الثانية التي قاتلت علي وكانت مجتهدة في ذلك لا شك أنه قام في قلبها نوعاً من الكراهية والبغضاء لعلي تبعه ذلك القتال ولا ريب أن هذه البغضاء كانت نتيجة لبعض تصرفات وسلوك أمير المؤمنين علي حيث لم يبادر إلى القصاص من قتلة عثمان ولم يبادر إلى إخراج أولئك الثوار والبغاة الخوارج من جيشه ونحو ذلك مما أجتهد فيه وتيقن إصابته للحق ولكن عدته تلك الطائفة أخطاء وتقصير ولٌدت عندهم التشاجر والخصام ثم الكراهية والبغضاء لتلك التصرفات مما ساعد في تولد شرارة الاقتتال.

والشاهد كما هو ملاحظ أن كراهيتهم لعلي رضي الله عنه إنما كانت من وجه دون وجه فهم كرهوا منه ما سبق كما أنه كره منهم ما صنعوا ثم كان التشاجر والتخاصم ثم القتال .

فلم يكن بغضهم له وكراهيتهم لأجل دينه ومسلكه ودعوته وحبه لرفعة الإسلام والدين ولا لما قام في قلبه من حب الله ورسوله وحب ظهور دينه إنما كرهوا – أكرر – تلك الأفعال منه لم يكرهوا دينه واستقامته وهذه الكراهية من وجه دون وجه هي الكراهية الناقصة بعينها سواء كانت حقاً أو كانت بالباطل ومتى كانت باطلاً فإنهم لا يخرجوا بذلك عن الإسلام ولا يوصفوا بالنفاق ولو كان كذلك لقال صلى الله عليه وسلم ويح عمار تقتله الفئة المنافقة أو الكافرة لكنه صلى الله عليه وسلم قال ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية ).

فدل ذلك على أن الكراهية والبغضاء ثم الاقتتال لا يعدو أن يكون بغياً وعدوانا وظلماً، أما أن يكون نفاقاً وكفراً فهذا لا تدل عليه النصوص لا من قريب ولا من بعيد بل النصوص على خلافه .
وبهذا التقرير يمكن أن نجمع بين ما كان من بغض طائفة من الصحابة لعلي وبين قوله ( لا يبغضك إلا منافق ) في أن البغضاء والكراهية من تلك الطائفة هي من النوع الثاني أي البغضاء الناقصة والكراهية من وجه دون وجه سواء كان بحق أو بباطل وهذا لا يكون نفاقاً.

أما البغضاء التي توصل صاحبها إلى دركات النفاق هي النوع الأول وهي البغضاء التامة والكراهية الخالصة من جميع الوجوه والتي يكره فيها الشخص لدينه وإيمانه أيضا ، فإن كان كافراً منافقاً عدواً لله ضالاً مضلاً فهي حق وواجب مطلوب وإن كان مؤمناً موحداً فلا تجوز هذه البغضاء في حقه وإنما يحب من وجه ويبغض من وجه إذا خالط إيمانه بالذنوب والسيئات.

ومن أقرب الأمثلة على تنزيل هذه البغضاء أي التي في الحديث ( لا يبغضك إلا منافق ) ما وقع من النواصب الخوارج الذين ناصبوا العداء لأمير المؤمنين علي وقاتلوه وأبغضوه أشد البغضاء على وجه باطل كانوا به كلاب أهل النار.

واختم بهذه الوقفة الرابعة - في بيان أن قضية تعليق الأيمان بحب فلان وتعليق النفاق ببغض فلان وأن ذلك من علامات الإيمان أو علامات النفاق ليس هو خاص بعلي رضي الله عن بل يشاركه فيه غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح من قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ومسلم ( آية الإيمان – أي علامته ودلالته – حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) وقال صلى الله عليه وسلم ( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله).

وإنما خص علي رضي الله عن بذكره في ذلك الحديث لسابقته ولشرفه ومكانته من دين الله عز وجل ولا يمنع من ذلك مشركة غيره له في بعض الفضائل كما هو الحال في الكثير من الفضائل .

وكلا الحديثين السابقين ف المحبة والبغض من باب واحد يقال فيهم ما سبق من ضابط ، وأن البغض المراد فيها هو البغض التام والكراهية الخالصة من جميع الوجوه كما هو حال المنافقين في زمانهم وعليهم وعلى أمثالهم ينزل قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يبغضهم إلا منافق ) أي لا يبغضهم لدينهم ولإتباعهم لسنة رسولهم ولعزتهم وظهور دينهم لا يبغض ذلك إلا منافق متستر بالإسلام والمسلمين .

والخلاصة الجامعة لكل ما سبق أن يقال:

- براءة شيخ الإسلام من تلك المقولة الجائرة من أن الصحابة يبغضون علياً.

- ظن أهل البدع من الرافضة والزنادقة ذلك فيعلم من أعلام السنة إنما كان بسبب سوء طويتهم ورداءة مقاصدهم وقصور أفهامهم.

- ما كان من طائفة من الصحابة من بغض علي وكراهيته لم يكن هو الأصل فيهم وإنما جرى بسبب ما قدر الله عز وجل من تلك الفتنة التي بينهم .

- ثم أن هذا البغض وتلك الكراهية لم تكن من النوع الأول وهو ابغض التام الخالص من جكيع الوجوه وإنما كان من وجه دون وجه كما تقدم بيانه ، أي كرهوا افعاله وطريق تعامله في تلك الفتنة مع الخوارج ولم يقتص من قتلة عثمان ولم يكرهوه في دينه واستقامته وإيمانه.

- بيان أن قوله ( لا يبغضك إلا منافق ) ( لا يبغضهم - أي الأنصار – إلا منافق ).
محمول على البغض الخالص التام والذي يشمل بغض دينهم وما هم عليه من هدي نبيهم.



هذا والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .