×

بَاب فِي التَّخْيِير والخلافة

بَاب فِي التَّخْيِير والخلافة

الكاتب: ابن حجر الهيتمي

بَاب فِي التَّخْيِير والخلافة

 

وَكَانَ خير النَّاس بعده وَبعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَقد تَوَاتَرَتْ بذلك الْأَحَادِيث المستفيضة الصَّحِيحَة الَّتِي لَا تعتل المروية فِي الْأُمَّهَات وَالْأُصُول المستقيمة الَّتِي لَيست بمعلولة وَلَا سقيمة

قَالَ سُبْحَانَهُ {وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل} النُّور 22 فنعته بِالْفَضْلِ وَلَا خلاف أَن ذَلِك فِيهِ رضوَان الله عَلَيْهِ وَقَالَ سُبْحَانَهُ {ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن} التَّوْبَة 40 فَشَهِدت لَهُ الربوبية بالصحبة وبشره بِالسَّكِينَةِ وحلاه بثاني اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه من يكون أفضل من اثْنَيْنِ الله ثالثهما وَقَالَ سُبْحَانَهُ {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ} الزمر 33 لَا خلاف أَنه فِيهِ رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ قَول جَعْفَر الصَّادِق رضوَان الله عَلَيْهِ

وَقَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي التَّفْسِير ظَاهر أَن الَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالَّذِي صدق بِهِ أَبُو بكر وَأي منقبة أبلغ من هَذَا

وَلما أخبرنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنه لَا يَسْتَوِي السَّابِقُونَ وَمن بعدهمْ بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى} وَالْخَبَر فِي البُخَارِيّ مسطور أَن عقبَة بن أبي معيط وضع رِدَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عُنُقه وخنقه فَأقبل أَبُو بكر يعدو حول الْكَعْبَة وَيَقُول أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله قَالَ فَترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَقْبلُوا على أبي بكر فضربوه حَتَّى لم يعرف أَنفه من وَجهه فَكَانَ أول من جَاهد وَقَاتل وَنصر دين الله وفدى الشَّخْص الَّذِي بِهِ قَامَ الدّين وَظهر وَهُوَ أول الْقَوْم إسلاما وَذَلِكَ ظَاهر جلي

وَقَالَ جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ كُنَّا ذَات يَوْم على بَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نتذاكر الْفَضَائِل فِيمَا بَيْننَا إِذْ أقبل علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ (أفيكم أَبُو بكر) قَالُوا لَا

قَالَ (لَا يفضلن أحد مِنْكُم على أبي بكر فَإِنَّهُ أفضلكم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)

وَخبر أبي الدَّرْدَاء الْمَشْهُور قَالَ رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا أَمْشِي أَمَام أبي بكر وَقَالَ (يَا أَبَا الدَّرْدَاء أتمشي أَمَام من هُوَ خير مِنْك مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت على أحد بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أفضل من أبي بكر) وَمن وَجه آخر (أتمشي بَين يَدي من هُوَ خير مِنْك) فَقلت يَا رَسُول الله أَبُو بكر خير مني قَالَ (وَمن أهل مَكَّة جَمِيعًا) قلت يَا رَسُول الله أَبُو بكر خيروني وَمن أهل مَكَّة جَمِيعًا قَالَ (وَمن أهل الْمَدِينَة جَمِيعًا) قلت يَا رَسُول الله أَبُو بكر خير مني وَمن أهل الْحَرَمَيْنِ قَالَ مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ خيرا وَأفضل من أبي بكر وَنَذْكُر فِي كثير مِنْهَا تَخْيِير عمر بعده ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ فَمن ذَلِك خبر أبي عقال وَقد رَوَاهُ مَالك وَقد سَأَلَ عليا كرم الله وَجهه وَهُوَ على الْمِنْبَر من خير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ أَنا وَإِلَّا فَصمت أذناي إِن لم أكن سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَّا فعميت وَأَشَارَ إِلَى عَيْنَيْهِ إِن لم أكن رَأَيْته يَعْنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت على رجلَيْنِ أعدل وَلَا أفضل) وَرُوِيَ (وَلَا أزكى وَلَا خيرا من أبي بكر وَعمر)

وَقد روى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ سَأَلت وَالِدي عليا وَأَنا فِي حجره فَقلت يَا أَبَت من خير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر قلت ثمَّ من قَالَ ثمَّ عمر ثمَّ حَملتنِي حَدَاثَة سني قلت ثمَّ أَنْت يَا أبتي فَقَالَ أَبوك رجل من الْمُسلمين لَهُ مَا لَهُم وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم

وَخبر أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَبُو بكر وَعمر خير أهل السَّمَاء وَخير أهل الأَرْض وَخير الْأَوَّلين وَخير الآخرين إِلَّا النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ)

وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن أَهلِي وَأَبُو بكر وَعمر أهل الله وَأهل الله خير من أَهلِي)

وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَو وزن إِيمَان أبي بكر بِإِيمَان الْأمة لرجح)

وَخبر عمار بن يَاسر رَضِي الله عَنهُ الْمَشْهُور قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي عَن فَضَائِل عمر

فَقَالَ (يَا عمار لقد سَأَلتنِي عَمَّا سَأَلت عَنهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد لَو مكثت مَعَك مَا مكث نوح فِي قومه ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما أحَدثك فِي فَضَائِل عمر مَا نفدت وَإِن عمر لحسنة من حَسَنَات أبي بكر)

وَقَالَ (قَالَ لي رَبِّي عز وَجل لَو كنت متخذا بعد أَبِيك إِبْرَاهِيم خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَو كنت متخذا بعْدك حبيا لاتخذت بعد أَبِيك إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَلَو كنت متخذا بعْدك حبيبا لاتخذت عمر حبيبا)

نقل ذَلِك من تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم لِلْبَغوِيِّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي آخر سُورَة الْحَشْر فِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين جاؤا من بعدهمْ يَعْنِي التَّابِعين وهم الَّذين يجيئون بعد الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ ذكر أَنهم يدعونَ لأَنْفُسِهِمْ وَلمن سبقهمْ بِالْإِيمَان بالمغفرة فَقَالَ {يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا} غشا وحسدا وبغضا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم} الْحَشْر 10 فَكل من كَانَ فِي قلبه غل على أحد من الصَّحَابَة وَلم يترحم على جَمِيعهم فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّن عناه الله بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الله رتب الْمُؤمنِينَ على ثَلَاثَة منَازِل منَازِل الْمُهَاجِرين ومنازل الْأَنْصَار ومنازل التَّابِعين الموصوفين بِمَا ذكر فَمن لم يكن من التَّابِعين بِهَذِهِ الصّفة كَانَ خَارِجا من أَقسَام الْمُؤمنِينَ قَالَ ابْن أبي ليلى النَّاس على ثَلَاثَة منَازِل الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين وَالَّذين تبوؤا الدَّار وَالْإِيمَان وَالَّذين جاؤا من بعدهمْ فاجتهد أَن لَا تكون خَارِجا من هَذِه الْمنَازل

أخبرنَا أَبُو سعيد الشريحي أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ أَنبأَنَا عبد الله بن خَلِيل حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان حَدثنَا ابْن نمير حَدثنَا أبي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله بن عُمَيْر عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت أمرْتُم بالاستغفار لأَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسببتموهم سَمِعت نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (لَا تذْهب هَذِه الْأمة حَتَّى يلعن آخرهَا أَولهَا)

قَالَ مَالك بن مغرور قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ يَا مَالك تفاضلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى على الرافضة بخصلة سُئِلت الْيَهُود من خير أهل ملتكم فَقَالُوا أَصْحَاب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وسئلت النَّصَارَى من خير أهل ملتكم فَقَالُوا حوارِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وسئلت الرافضة من شَرّ أهل ملتكم فَقَالُوا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمروا بالاستغفار لَهُم فسبوهم فالسيف عَلَيْهِم مسلول إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا تقوم لَهُم راية وَلَا يثبت لَهُم قدم وَلَا تَجْتَمِع لَهُم كلمة

كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله بسفك دِمَائِهِمْ وتفريق شملهم وإدحاض حججهم أعاذنا الله وَإِيَّاكُم من الْأَهْوَاء المضلة

قَالَ مَالك بن أنس من تنقص أحدا أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو كَانَ فِي قلبه عَلَيْهِم غل فَلَيْسَ لَهُ حق فِي فَيْء ثمَّ تَلا ماأفاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ حَتَّى أَتَى هَذِه الْآيَة {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} وَالَّذين تبوؤا الدَّار وَالْإِيمَان {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} إِلَى قَوْله {رؤوف رَحِيم} الْحَشْر 10

نقل الْبَغَوِيّ رَحمَه الله فِي قَوْله {ثَانِي اثْنَيْنِ} التَّوْبَة 40 قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر (أَنْت صَاحِبي فِي الْغَار وصاحبي على الْحَوْض)

قَالَ الْحسن بن الْفضل من قَالَ إِن أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ لم يكن صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ كَافِر لإنكار نَص الْقُرْآن وَفِي سَائِر الصَّحَابَة إِذا أنكر يكون مبتدعا لَا كَافِرًا

وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا دَائِما أبدا إِلَى يَوْم الدّين