×

تصوف الرازي

تصوف الرازي

الكاتب: موقع الدرر السنية

 تصوف الرازي.

تصوف الرازي قريب مما انتهى إليه تصوف الغزالي، فهو تصوف فلسفي، يقوم على أن التجرد بالرياضة مع العلم والفلسفة يقودان إلى الكشوفات المباشرة ، ولذلك حين يدلل على مذهبه في بقاء النفس الذي وافق فيه الفلاسفة يذكر منها: " أن عند الرياضيات الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة وتلوح لها الأنوار وتنكشف لها المغيبات " ، ولما وصل إلى النمط التاسع في الإشارات والتنبيهات وهو في "مقامات العارفين"، قال الرازي في شرحه: " هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب علوم الصوفية ترتيباً ما سبقه إليه من قبله ولا لحقه من بعده" ، وقال معلقاً على كلامه في التفريق والجمع - وهما من اصطلاحات الصوفية-: " لقد وفق المصنف في هذا الفصل حتى جمع في هذه الألفاظ القليلة جميع مقامات السالكين إلى الله، واعلم أن السالكين إلى الله تعالى لا بد وأن يتكلفوا الإعراض عن لذات الدنيا وشهواتها، ولا يزالون في كلفة وتكلف من ذلك إلى أن يزول عن قلبهم حبها والميل إليها، وهو الدرجة الثانية إلا أن منتهى سعيهم وثمرة اجتهادهم ليس إلا محو ما سوى الله عن القلب، ..(ثم يذكر الدرجة الثالثة والرابعة، ثم يقول) فهذه درجات التخلية وهي في لسان الحكمة درجات الرياضات السلبية، وفي لسان محققي الصوفية درجات التخلق بنعوت، وأما درجات الرياضات الإيجابية المسماة عند المحققين بالترقي في مدارج الكمال فهي التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية.. وقد اتفقت كلمة العارفين على أن مقامات السالكين إلى الله لا تخلو عن الفرق والجمع، وأما الفرق ففيما سوى الله، وأما الجمع ففي الله .." ، ويرى الرازي أن المريد إذا لم يكن عالماً فلا بد له من شيخ محقق، كما يرى أن السماع له آثار في تحريك القلب ورياضته.

وأبرز الكتب التي ذكر فيها أموراً كثيرة تتعلق بالتصوف كتابه في (شرح أسماء الله الحسنى) الذي سار فيه على طريقة القشيري والغزالي في كتابيهما عن أسماء الله، وذلك في الاسم ومعناه ثم ذكر حال الصوفية والشيوخ مع هذا الاسم ودلالته عندهم، ولما ذكر الدعاء وأنه أعظم مقامات العبودية دلل على ذلك بأدلة منها " أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله فإنه لا يكون دعاؤه خالصاً لوجه الله، فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقاً في معرفة الأحد امتنع أن يبقى بينه وبين الحق وساطة" ، وأطال القول في تفسير " هو" وذكر أن له هيبة عظيمة عند أرباب المكاشفات، ويقول: "إن لفظ هو.. نصيب المقربين السابقين الذين هم أرباب النفوس المطمئنة وذلك لأن لفظ هو إشارة، والإشارة تفيد تعين المشار إليه بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد" ، ويقول عن موسى والخضر، ومعلوم اعتقاد الصوفية في الخضر -: " ثم إن موسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم ليعلم موسى عليه السلام أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على البواطن والتقطع على حقائق الأمور".

وإذا أضيف إلى كلامه هنا ما سبق أن ذكره حول النفوس المجردة يتبين أن تصوفه بناه على جوانب فلسفية قريبة مما ذكره ابن سينا وقد سبقت الإشارة إلى مدى إعجاب الرازي بأقواله في ذلك.

على أن مما يلفت الانتباه في تصوف الرازي - والصوفية تقول بالجبر في القدر لاستغراقهم في توحيد الربوبية - أنه صرح بالقول بالجبر فقال: " فثبت بهذا أن أفعال العباد بقضاء الله وقدره، وأن الإنسان مضطر باختيار، وأنه ليس في الوجود إلا الجبر " ، وقال: " إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى، ومتى وجدت تلك الداعية كان الفعل واجب الوقوع، وإذا كان كذلك كان الجبر لازماً، بل قال في (شرح الإشارات): "إن العارف لا يكون له همة في البحث عن أحوال الخلق، ولا يغضب عند مشاهدة المنكر لعلمه بسر الله في القدر" ، وبذلك يلتقي مع غلاة الصوفية في مقالاتهم الخطيرة، وأحوالهم المبطلة للشرائع.

خامساً: حيرته، وتناقضه، ورجوعه.

يعتبر الرازي من أكثر الأشاعرة اضطراباً في أقواله، وهذا بالنظر إلى مجمل أقواله في جميع كتبه، ومن يتتبع الدراسة التي قام بها الزركان يرى ذلك واضحاً في كل مسألة من المسائل التي ذكرها، وهي كثيرة جداً، كما أنه في بعض المسائل أعلن حيرته أو شكه، وفي آخر أمره رجع إلى طريقة القرآن وفضلها، ولعل من أسباب هذه الأمور في منهجه خوضه في المسائل الفلسفية والكلامية، وتقريره لكل مسألة بالأدلة التي أوردها أصحابها، وزيادته على ذلك بأدلة من عنده يرى أنها تصلح أن تكون دليلاً لهم، ولذلك قال في مقدمة المباحث المشرقية بعد أن بين أنه لخص أقوال الفلاسفة واجتهد في تحريرها: " ثم نضم إليه أصولاً وفقنا الله إلى تحريرها، وتحصيلها، وتفصيلها مما لم يقف عليه أحد من المتقدمين، ولم يقدر على الوصول إليه أحد من السالكين" ، ويقول في نهاية العقول عن سبب تأليفه: " وكثر إلحاحهم عليّ بتصنيف كتاب في (أصول الدين) مشتمل على نهاية الأفكار العقلية، وغاية المباحث العلمية، صنفت هذا الكتاب بتوفيق الله تعالى لي بحق ملتمسهم، وأوردت فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، من المحالفين والمخالفين، والمرافقين والمفارقين"، ثم ذكر كيف أنه يستقصي أدلة كل مذهب، ويورد الأسئلة والجوابات، ويتعمق في بحار المشكلات " على وجه يكون انتفاع صاحب كل مذهب بكتابي هذا ربما كان أكثر من انتفاعه بالكتب التي صنفها أصحاب ذلك المذهب " ، بل إنه ذكر أنه إذا لم يجد دليلاً لأصحاب ذلك المذهب استنبط أقصى ما يمكن أن يقال في تقريره.

وهذه الأمور - في منهجه - لا شك في تأثيرها على أسلوبه في الوصول إلى الحقائق في كل مسألة، وهي مفسرة لهذا التناقض والشك والحيرة في كتبه، وقد تكون هناك أسباب أخرى.

وبروز هذه الجوانب في كتبه ومنهجه واضح، ومع ذلك فيمكن الإشارة إلى ما يلي:

أ ـ كثيراً ما يأتي الرازي بعبارات الشك والإشكال والحيرة، فمثلاً يقول في مسألة حدوث العالم وأنه ليس من شرطه أن يكون مسبوقاً بالعدم قال بعد ذكر الأدلة " وعلى هذه الطريقة إشكال" ثم ذكره وقال: " فقد بطلت هذه الحجة، فهذا شك لابد وأن يتفكر في حله" ، ويقول في مسألة أخرى: " ولكن لابد من فرق بين البابين، وهو مشكل جداً " ، وفي الأربعين قال حول دليل حدوث العالم: " هذا مما نستخير الله فيه " ، وقال: " هذا سؤال صعب وهو ما نستخير الله فيه " ، وقال: " الحيلة ترك الحيلة " ، وفي (نهاية العقول) ذكر إشكالات حول منع حلول الحوادث، وتوقف في مسألة الجوهر الفرد، بل توقف في كتابه (المباحث المشرقية حول مسألة فلسفية).

ب ـ أما تناقضه فكثير، فمثلاً في أساس التقديس قال بتماثل الأجسام، محتجاً به على نفي العلو والصفات الخبرية، ولكنه في المباحث المشرقية، وشرح الإشارات رد ذلك وقال بعدم تماثلها، وفي صفة المحبة قال بتأويلها بالإرادة كما فعل الأشاعرة، ولكنه في أحد مواضع من التفسير قال: " ثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع، بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها، لكنا بينا في كتاب( نهاية العقول) أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة"  وهذه المسألة التي ذكرها في (نهاية العقول) أشار فيها أولاً إلى أن القول بأن كل مالا دليل عليه يجب نفيه، مردود، ثم ذكر في موضع آخر - في مسألة أدلة الأشاعرة على وجوب حصر الصفات بالسبع - أن هذه القاعدة من أدلتهم فقال: " أقوى ما قيل فيه أن الله تعالى كلفنا بمعرفته فلا بد من طريق إلى ذلك، وإلا وقع التكليف بالمحال، والطريق لنا إلى ذلك ليس إلا أفعال الله تعالى، وأفعال الله تعالى لا تدل على هذا العدد من الصفات، بدليل أنا لو قدرنا ذاتاً موصوفة بهذا القدر من الصفات، فإنه يصح منه الإلهية، فثبت أن ما وراء هذه الصفات لم يوجد عليه دلالة أصلاً فوجب نفيها " - ثم قال معقباً- : " وقد عرفت ما يمكن أن يقال على هذه الطريقة وما فيها".

ومن أبرز الأمثلة على تناقض الرازي أنه في جميع كتبه قرر أن الأدلة النقلية لا تفيد القطع واليقين فلا يحتج بها في العقائد، ومن هذه الكتب (نهاية العقول) حيث فصل الكلام وأطال فيه، فلما وصل في هذا الكتاب إلى مسألة صفة السمع والبصر ضعف دليل الأشاعرة العقلي في إثباتهما، ثم رجح أن الأولى الاستدلال لها بنصوص السمع، لكنه أورد هذا الاعتراض: " لئن سلمنا إمكان حملها على حقائقها، لكنكم قلتم في أول الكتاب: إن التمسك في المسائل القطعية لظواهر الآيات غير جائز" ثم أجاب بقوله: " نحن ما ذكرنا ذلك السؤال هناك لاعتقادنا أنه لا يمكن الجواب عنه، بل الجواب عنه إجماع الأمة على جواز التمسك بنصوص الكتاب والسنة في المسائل القطعية، وفي هذا الموضوع كلام طويل " ، يقول الزركان معقباً على كلام الرازي هذا: " على أن قوله الأخير لن يغني فتيلاً، بل هو مجرد مخلص لا أقل ولا أكثر، وذلك بدليل أني لم أرَ له في كافة كتبه إلا القول بأن النصوص ظنية الدلالة، وأنها لا تتقدم على العقليات، والدليل على أنه مخلص أيضاً أنه قال: " وفي هذا الموضع كلام طويل" مع أنه لم يبين شيئاً من هذا الكلام الطويل ولو مختصراً، رغم أن الموقف يحتاج إلى البت في هذه المسألة" ، وأقول ماذا سيكون تعليق الرازي لو أنه وجد مثل هذه الطريقة المتناقضة في الاحتجاج استخدمها أحد مخالفيه خاصة المثبتة؟.

جـ رجوعه:

لم يكن الرازي بعيداً عن مذهب السلف، فهو يشير إليه أحياناً لكن ضمن مناقشاته الكلامية والفلسفية، والملاحظ أن عرضه له كثيراً ما يأتي مشوهاً ، فلما كان آخر حياته صرح بترجيحه لمذهب السلف وذلك في كتابيه المتأخرين (المطالب العالية) و(أقسام اللذات)، ثم في وصيته قبل وفاته:

ففي المطالب العالية لما ذكر أدلة وجود الله رجح طريقة القرآن ثم قال: " ونختم هذه الفصول بخاتمة عظيمة النفع، وهي أن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أنها أقرب إلى الحق والصواب، وذلك أن تلك الدلائل دقيقة ولسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات، وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل، ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته".

وفي أقسام اللذات - آخر كتبه - قال: " وأما اللذة العقلية فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها، فلهذا السبب نقول ياليتنا بقينا على العدم الأول، وليتنا ما شهدنا هذا العالم، وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن، وفي هذا المعنى قلت:

نهاية إقدام العقول عقال           وغاية سعي العالمين ضلال

 

 - ثم قال- " واعلم أن بعد التوغل في هذه المضايق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل ..".

وفي وصيته المشهورة قال فيها: " لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن " ثم قال: " ديني متابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما ".

سادساً: أثره فيمن جاء بعده

ويمكن أن يلاحظ ذلك فيما يلي:

أ ـ أن من جاء بعده من الأشاعرة اعتمد - في تقرير أصول المذهب الأشعري- على ما كتبه الرازي، لأنه استقصى ما يمكن أن يقال مما جاء له المتقدمون من الأشاعرة وزاد على ذلك، ومن ثم أصبحت كتبه مصادر ميسرة ومستوعبة لأدلة الأشاعرة في تقرير مذهبهم، والرد على خصومهم.

ب ـ كانت للرازي اجتهادات في المذهب الأشعري، وصلت إلى حد القرب من المعتزلة أحياناً، والرد على أدلة الأشاعرة وتضعيفها أحياناً أخرى، مع النقد لأعلام الأشاعرة في مناسبات مختلفة، ومن الأمثلة على ذلك.

1 ـ نقده للغزالي، وللبغدادي، وللشهرستاني، وقد جاء نقده لهؤلاء في مناظراته في بلاد ما وراء النهر.

وفي مسألة الرؤية ضعف دليل الأشاعرة العقلي، واقتصر في إثباتها على السمع - وقد سبقت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن الماتريدية - .

كما نقد دليل الأشاعرة على إثبات صفة السمع والبصر - وقد مرَّ قريباً-.

وكذا في صفة المحبة بين - كما تقدم - أنه لا دليل لهم على تأويلها بالإرادة.

وفي حصرهم الصفات الثابتة بسبع نقدهم نقداً قوياً  كما سلف.

أما في صفة الكلام، فيعتبر الرازي من الذين ناقشوا حقيقة الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة، وقد ضعف أدلة الأشاعرة العقلية لإثبات هذه الصفة، بل بين أن منازعة الأشاعرة للمعتزلة في هذه المسألة ضعيفة، وصرح بأن الحروف والأصوات محدثة.

اعتذاره لنفاة الصفات بأنهم أرادوا بنفيها إثبات كمال الوحدانية لله تعالى، بل مال إلى مذهب المعتزلة في الصفات حين رد صفتي الإرادة والقدرة إلى صفة العلم.

8 ـ كما نقد الاستدلال بالإحكام والإتقان على العلم، وهو من أدلة الأشاعرة المشهورة.

9ـ دافع عن تكفير المعتزلة والخوارج والروافض، وناقش الأوجه التي كفر بها بعضهم بعضاً، ومن ذلك تكفير الأشاعرة لغيرهم، وفي مسألة الجهل بصفات الله رجح أنه لا يكفر الجاهل بها، وعلل ذلك بأنه يلزم منه تكفير كثير من أئمة الأشعرية بسبب خلافهم في إثبات الصفات، كما رجح أن أهل التقليد ناجون خلافاً لكثير من الأشعرية، وليس المقصود هنا تصويب الرازي أو تخطئته في هذه الأمور التي قرب فيها من منهج أهل السنة، وإنما المقصود أنه خالف فيها كثيراً من شيوخه الأشاعرة.

10ـ تصريحه بالجبر في مسألة القدر - كما تقدم - وذلك خلافاً لشيوخه الذين ينكرون أن يكون قولهم بالكسب يؤدي إلى الجبر.

إلى غيرها من المسائل، التي كان للرازي فيها تأثير فيمن جاء بعده، وذلك بالبعد عن منهج السلف والقرب من بعض فرق الضلال كالمعتزلة وغيرهم كما كان له أيضاً تأثير في وجود الترجيحات المخالفة لمذهب الأشاعرة.

ج ـ ومن الآثار البارزة في المنهج متابعة من جاء بعده له في خلط علوم الفلسفة بعلم الكلام، يقول ابن خلدون: " ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ((أي الفلاسفة)) ودونوا فيها، ورد عليهم الغزالي ما رد منها، ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة، لعروضها في مباحثهم وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات، ومسائله بمسائلها، فصارت كأنها فن واحد، ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات، وخلطوهما فناً واحداً، قدموا الكلام في الأمور العامة، ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها، ثم بالروحانيات وتوابعها إلى آخر العلم، كما فعله ابن الخطيب في المباحث المشرقية، وجميع من بعده من علماء الكلام "، والمتتبع لكتب البيضاوي والتفتازاني والإيجي وغيرهم يلاحظ هذا المنهج واضحاً، حتى إن مباحث الإلهيات - وهي المقصودة - لا تأخذ من الكتاب الواحد منها إلا جزءاً صغيراً في آخر الكتاب، والباقي كله مقدمات منطقية وطبيعية وفلسفية، وقد علل هؤلاء المتأخرون هذا الخلط بمثل قول التفتازاني المتوفى سنة 791هـ،: " لما كان من الباحث الحكمية مالا يقدح في العقائد الدينية ولم يناسب غير الكلام من العلوم الإسلامية خلطها بمسائل الكلام إفاضة للحقائق، وإفادة لما عسى أن يستعان به التقصي عن المضائق وإلا فلا نزاع في أن أصل الكلام لا يتجاوز مباحث الذات، والصفات، والنبوة، والإمامة، والمعاد، وما يتعلق بذلك من أحوال الممكنات" (17)

أبو الحسن الآمدي : المتوفى  سنة 631هـ.

وقد اشتهر بكتابه الكبير الذي لا يزال مخطوطاً وهو (أبكار الأفكار)، وقد اختصره في كتابه الآخر (غاية المرام في علم الكلام)، وهو مطبوع، ومنهج الآمدي يقرب من منهج الرازي في بعض الأمور ومنها:

خلطه علم الكلام بالفلسفة، وهو يُعنى كثيراً بالمصطلحات وبيانها.

نقده لأدلة الأشاعرة في المسائل المختلفة وتضعيفها، فهو مثلاً يقول عن دليل الشهرستاني على حدوث العالم بعد أن نقله بطوله: " وهو عند التحقيق سراب غير حقيقي " ، كما أنه في مسألة حلول الحوادث يستعرض جميع أدلة الأشاعرة على نفيها ثم يضعفها واحداً واحداً ، وإن كان رجح نفيها بدليل اختاره، وكذلك أيضاً اعترض على جواب الأشاعرة عن الاعتراض الموجه لهم حين نفوا الجهة بأن الرؤية لا تكون إلا في جهة فأجابوا عن ذلك بمثال المرآة وأن الإنسان يرى نفسه فيها لا في وجهه، فالآمدي قال عن هذا الجواب " لكن فيه نظر، وهو مما لا يكاد يقوى ".

ميله إلى التصوف الفلسفي، حتى أنه قال في الأبكار في معرض بيانه أن المعرفة قد تحصل بعدة أمور فذكر منها " طريق السلوك والرياضة، وتصفية النفس وتكميل جوهرها حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية، عالمة بها مطلعة على ما ظهر وبطن من غير احتياج إلى دليل ولا تعلم ولا تعليم ".

الحيرة وإيراد الإشكالات، ومن الأمثلة على ذلك قوله في دليل إثبات الصانع الذي أتى به المتكلمون: " وإن أمكن بيان ذلك فهو مما يطول ويصعب تحقيقه جداً على أرباب العقول " ، وقال عن مسألة خلق الأعمال وقول المعتزلة فيها: " وهو موضع غمرة ومحز إشكال " ، وفي مسألة من أهم المسائل في مذهب الأشاعرة وهي القول بأن كلام الله واحد، أورد الاعتراض الذي يقول: لم لا يقال: إن الصفات كالسمع والبصر والكلام والحياة لا ترجع إلى الذات، مثل القول بأن الكلام واحد مع أنه متنوع، فأجاب الآمدي بقوله: " وما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات فَمُشْكِل، وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله تعالى القائم بذاته خمس وصفات مختلفة وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء ".

ومما يلاحظ على الآمدي - مثل الرازي - التقرب إلى سلاطين زمانه - ومن حولهم - بإهداء كتبه إليهم ، ولعل مرد ذلك إلى نوع من طلب الحماية من اعتراض عموم علماء المسلمين وفقهائهم عليه.

ـ أما ما خالف فيه الآمدي الرازي فأمور:

1 ـ منها: أنه مع غلبة الحيرة عليه حتى في الأصول الكبار إلا أن تناقضه أقل من تناقض الرازي، والآمدي يورد أدلة من سبقه بخلاف الرازي الذي يوردها ويستنبط من عنده أدلة أخرى جديدة، مما يوقعه في التناقض.

والآمدي كثيراً ما يرد على الرازي، بل له كتاب لا يزال مخطوطاً اسمه (المآخذ على الإمام الرازي) أو (تلخيص المطالب العالية ونقده) ، كما رد عليه في مسألة حلول الحوادث وقول الرازي: إنها لازمة لجميع الطوائف.

والآمدي لا يتزعزع يقينه في أن أدلة السمع ظنية لا تفيد اليقين، بخلاف الرازي الذي يشكك أحياناً في أدلة العقل، فيحيل على أدلة السمع، وقد رد الآمدي عليه في هذه المسائل، فرد عليه في تعويله على إثبات صفة الكلام على أدلة السمع، وكذلك في إثبات صفة السمع والبصر، وفي إثبات الرؤية، وبين صحة الدليل العقلي لها. (18)