×

الشك عند الغزالي

الشك عند الغزالي

الكاتب: موقع الدرر السنية

الشك عند الغزالي

وقد احتلت هذه المسألة مكاناً بارزاً لدارسي الغزالي، بل وكثرت المقارانات بينه وبين ديكارت، صاحب الفلسفة المعروفة التي قال فيها: " أنا أفكر، إذاً فأنا موجود "، بل أثبت أحد الباحثين أن ديكارت قد اطلع على كتاب الغزالي (المنقذ من الضلال) وأنه اقتبس منه فكرة الشك، والكلام حول شك الغزالي وكنهه وإلى أي مدى كان يطول، ولكن الثابت أن منهج الشك عند الغزالي تمثل في أمرين:

أحدهما: عملي، وهو ما عايشه وسطره بوضوح في كتابه (المنقذ من الضلال)، ويلاحظ هنا أن الغزالي يشرح ما جرى له، ولذلك سماه داءً ومرضاً.

والثاني: شك منهجي، وهو الذي أشار إليه في بعض كتبه، ومن ذلك قوله: " ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعاً، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال، نعوذ بالله من ذلك "، وهذا الشك هو الذي يذكر في أول واجب على المكلف، هل هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك، وإذا كان الأول والثاني قد أخذ به بعض الأشاعرة فإن الثالث - وهو الشك- إنما يؤثر القول به عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي.

رابعاً: تصوف الغزالي وفلسفته.

بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري حتى كاد أن يكون جزءاً منه، ولكن ما نوعية التصوف الذي اعتنقه الغزالي بقوة حتى قال فيه في المنقذ - بعد شرح مطول لمحنته ورحلته وعزلته -: " ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطريق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به " ثم يشرح ويوضح فيقول: " وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك إلا كالدهليز للسالك إليه " - ثم يوضح أكثر فيقول: " ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه.."، ما نوع تصوف الغزالي الذي يقول فيه هذا الكلام - خاصة المقطع الأخير منه -؟.

لقد كان التصوف قبله متمثلاً بتصوف المحاسبي، ثم القشيري، وقد سبق حقيقة تصوفهما، وما يحمله من بدع مخالفة للسنة، فهل كان تصوف الغزالي من هذا النوع، أم كان تصوفاً من نوع آخر.

إن هناك من يدافع عن الغزالي، ويرى أن تصوفه تصوف سني، وأنه هاجم الفلاسفة والمتكلمين لنصرة طريق الصوفية، ولكن المطلع على كتبه - وما ألفه منها للخاصة – كـ(مشكاة الأنوار)، و(المعارف العقلية)، و(ميزان العمل)، و(معارج القدس)، و(روضة الطالبين)، و(المقصد الأسنى)، و(جواهر القرآن)، و(المضنون به على غير أهله)، يرى شيئاً آخر غير التصوف المعروف.

إن مفتاح معرفة شخصية الغزالي أمران:

أولهما: ما سبق نقله عنه من أن لكل رجل كامل ثلاث عقائد، إحداها ما يتظاهر به أمام العوام ويتعصب، والثانية: ما يسار به في التعليم والإرشاد - وهو يختلف بحسب حال المسترشد الطالب -،والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه ولا يطلع عليه إلا من هو شريكه في المعرفة، إذاً الغزالي -حتماً - يخفي جوانب خاصة وسرية من عقيدته.

والثاني: جمع أقواله ولمحاته - التي يشير دائماً إلى سريتها والضن بها - ثم مقارنتها بأقوال من سبقه من الفلاسفة - المائلين إلى الإشراق والتصوف - كابن سينا وغيره، وقد تنبه إلى هذا المنهج بعض الباحثين، ونحن هنا نذكر نماذج فقط من أقواله التي تدل على أن تصوفه كان تصوفاً فلسفياً إشراقياً، وإن هجومه على الفلاسفة في التهافت لم يكن إلا بمنهج النوع الأول من العقيدة -لكل إنسان - وهي العقيدة التي يتعصب لها ويذب عنها:

يقول الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين) عن علم المكاشفة: " هو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها، فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك، حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله، وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض..الخ" ثم يقول عن هذه الكشوفات التي تحصل: " وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، على سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار وهذا هو العلم الخفي ..."، إن هذا الكلام الخطير يقوله الغزالي في أهم وأشهر كتاب من كتبه، وقد ألفه في أواخر عمره بعد عزلته ورجوعه إلى بغداد، ومما يلاحظ أن لفتات كثيرة تشبه هذا الكلام جاءت متفرقة في هذا الكتاب الكبير.

ويقول في كتابه (مشكاة الأنوار) وهو من كتبه التي ألفها للمخاصة ولذلك يقول في مقدمته: " أما بعد فقد سألتني أيها الأخ الكريم.. أن أثبت إليك أسرار الأنوار الإلهية، مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية "، ثم يقول: " ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقى صعباً تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين، وقرعت باباً مغلقاً لا يفتح إلا للعلماء الراسخين، ثم ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، بل صدور الأحرار قبور الأسرار، ولقد قال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر ..."، وبعد أن يذكر تأويلات باطنية وفلسفية عجيبة يقسم الناس - في آخر الكتاب - إلى أصناف، ومنهم المحجوبون بمحض الأنوار، وهؤلاء أيضاً أصناف وبعد أن يذكر الصنف الأول والثاني يقول: " والصنف الثالث ترقوا عن هؤلاء وقالوا: إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين، وعبادة له، وطاعة من عبد من عباده يسمى: ملكاً، نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر في الأنوار المحسوسة، فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك، ويكون الرب تعالى محركاً للكل بطريق الأمر، لا بطريق المباشرة، ثم في تقسيم ذلك الأمر وماهيته غموض يقصر عنه أكثر الأفهام، ولا يحتمله هذا الكتاب"، ثم يقول: " فهؤلاء الأصناف كلهم محجوبون بالأنوار المحضة، وإنما الواصلون صنف رابع تجلى لهم أن هذا " المطاع " موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ لسر لا يحتمل هذا الكتاب كشفه، وإن نسبة هذا المطاع نسبة الشمس في الأنوار..."، وهذا المطاع هو العقل الأول عند الفلاسفة.

وفي معارج القدس - وهو من كتبه الفلسفية الخاصة - ينهج فيه نهج الفلاسفة في بحوثهم عن النفس الإنسانية، ويذكر خصائص النبوة، وأنها ثلاث: قوة التخيل، وقوة العقل، وقوة النفس - وهذا نفسه هو كلام الفلاسفة الذين يقولون: إن النبوة مكتسبة -، ويفسر الغزالي آية النور اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ [النور: 35]، بقوله: " فالمشكاة مثل العقل الهيولاني، فكما أن المشكاة مستعدة لأن يوضع فيها النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل... ثم إذا حصلت له المعقولات فهو نور على نور، نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري، ثم هذه الأنوار مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة إليه كالسراج بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض، فتلك النار هي العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية "، وهذا لا يحتاج إلى تعليق، ومنها يتضح ما يقصده الغزالي بالأسرار، والتي يقول فيها في كتابه (المعارف العقلية): " وهذا القدر الذي كتبنا وذكرنا في هذه الأوراق نخبة أسرار غير مكتوبة، وإشارات مكنونة، ورموز مستورة.. ولا يحل أن يوضع الورد بين الحمير، ويطرح الدر في فم الخنزير"، وقد صرح في كتابه هذا بأمور غريبة وعجيبة حقاً.

ويقول الغزالي في كتابه – (جواهر القرآن) - " وهذه العلوم الأربعة أعني علم الذات، والصفات، والأفعال، وعلم المعاد، أودعنا من أوائله ومجامعه القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر، وكثرة الشواغل والآفات، وقلة الأعوان والرفقاء، بعضَ التصانيف، لكنا لم نظهره، فإنه يكل عنه أكثر الأفهام، ويستضر به الضعفاء، وهم أكثر المترسمين بالعلم، بل لا يصلح إظهاره إلا على من أتقن علم الظاهر، وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة حتى ارتضت نفسه، واستقامت على سواء السبيل "، ثم يقول محذراً: " وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات ".

وفي (إلجام العوام عن علم الكلام)، مع أنه كتاب في المنع من علم الكلام أن يدرس للعامة إشارات عديدة إلى مثل هذه العلوم المستورة.

وفي (روضة الطالبين): يشرح بشكل واضح كيف تتم الكشوف، والعقبات التي تحول دونها، وهي ست عقبات، وماذا يحصل لكل من تجاوز عقبة من العقبات وكيف يصل إلى السكر والفناء، وفي كلامه عن الروح ولماذا منع رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من إفشاء سر الروح، قسم الناس إلى أعوام وخواص، ثم ذكر من ترقى عن العامية قليلاً من المعتزلة والأشعرية، ثم قال: " فإن قيل لمَ لا يجوز كشف السر مع هؤلاء؟ فيقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك، وقالوا هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص "، والغزالي في (المقصد الأسني) وإن رد على الاتحادية أو أصحاب وحدة الوجود، إلا أنه ذكر أموراً فلسفية وأشار إلى سريتها، فصرح بأن الله معشوق - كما يقوله الفلاسفة - ولما أشار إلى أبدية الإنسان وأنه لا سبيل عليه للعدم قال: " وكشف ذلك بالحقيقة مما لا يحتمله هذا الكتاب ".

وهذا الذي ذكره الغزالي في كتبه هو ما يؤكده تلاميذه ومنهم ابن العربي الذي يقول عنه -بعد أن لقيه وتتلمذ عليه - " ولا ينكر أحد من الإسلاميين، لا من الفقهاء، ولا من المتكلمين، أن صفاء القلب وطهارته مقصود شرعي، إنما المستنكر أن صفاءه يوجب تجلي العلوم فيه بذاته "، ثم يقول - بعد ذكر الطائفة الثانية من المتصوفة كالمحاسبي والقشيري -: " ونجمت في آثارهما أمم انتسبت إلى الصوفية، وكان منها من غلا وطفف، وكاد الشريعة وحرف، وقالوا - كما تقدم - لا ينال العلم إلا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن، وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علماً دائماً مستمراً حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة ويسمع أقوالها، ويطلع على أرواح الأنبياء ويسمع كلامهم، ووراء هذا علو ينتهي بمشاهدة الله، يدخلونه في باب الكرامات إذ كان من المجوزات "، ثم قال: " ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدينة السلام في جمادى الآخر سنة تسعين وأربعمائة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين... فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه، مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته؛ فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول انكشفت الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر وهو: أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات فيه، عند مقابلتها عرياً عن الحجب، كالمرآة في ترائي المحسوسات عند زوال الحجب "، ثم يقول ابن العربي: " قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثيرية موجدة .. "، وهذه الأقوال موجودة في كتبه، وقد نقلنا ما يشبهها سابقاً.

ومن الأمور الخطيرة في مذهب الغزالي ميله إلى تأويل عذاب القبر، وعذاب النار ونعيم الجنة، بتأويلات قرمطية باطنية، حتى ذكر في المضنون به على غير أهله: أن نصوص النعيم " مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم، ويشتهونه غاية الشهوة "، ويقول: " والرحمة الإلهية ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملته أفهامهم "، ولا يقول قائل: إن هذا في كتاب (المضنون) - وهو مشكوك في صحة نسبته إلى الغزالي - لأن الغزالي صرح بشيء من ذلك في كتابه (الأربعين) - الذي لا يشك أحد في نسبته إليه - فقال: " أما قولك: إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات، فهذا صحيح، وهو كذلك، ولكني أراك عاجزاً عن فهمه ودرك سره وحقيقته، إلا أني أنبهك على أنموذج منه تشويقاً لك إلى معرفة الحقائق، والتشمر للاستعداد لأمر الآخرة، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون "، ثم يضرب مثالاً، ويؤوله ثم يقول: " لعلك تقول: قد أبدعت قولاً مخالفاً للمشهور، منكراً عند الجمهور، إن زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكاً مجاوزاً حد تقليد الشرائع، فهل يمكنك -إن كان كذلك - حصر أصناف العذاب وتفاصيله؟ فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور، فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم، ومحل ولادتهم، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم وإنما يسافر منهم الآحاد "، ثم يذكر كيف يترقى الإنسان حتى " يفتح له باب الملكوت، فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، وغشاوة الأشكال، وهذا العالم لا نهاية له "، ولا شك أن مذهب الغزالي الفلسفي الصوفي قاده إلى مثل هذه التأويلات الخطيرة - نعوذ بالله من الخذلان -.

هذا هو أبو حامد الغزالي - من خلال لمحات سريعة عن منهجه وعقيدته - الذي تأثر به من جاء بعده، ويمكن تلخيص هذا التأثير بما يلي:

التأكيد على إنكار السببية، فقد تأثر به من جاء بعده، دون الانتباه إلى تحفظاته التي أوردها.

تكريس قانون التأويل الكلامي في المذهب الأشعري، وقد جاءت صياغة هذا القانون بشكل مركز على يد الرازي.

تحويل المعركة من معركة مع المعتزلة - والفلاسفة من باب أولى - إلى معركة مع الفلاسفة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من الأشاعرة لكنه هجوم من منطلق صوفي.

إنه لا مانع أن يحمل الإنسان أكثر من عقيدة - حسب الأحوال - وهذا ما نشاهد نموذجاً له عند الرازي، الذي ظهر في بعض كتبه فيلسوفاً وبعضها أشعرياً.

نقله التصوف من التصوف المعروف قبله - على ما فيه من بدع تصغر أو تكبر -إلى تصوف فلسفي إشراقي، وإذا كان هذا المذهب جاء عند الغزالي على شكل عقيدة مخفية لا يصرح بها للعوام، فإن الأشاعرة من بعده صرحوا بتبنيهم للفلسفة- أحياناً - أو لبعض آراء الفلاسفة.

كما أن المنطق الأرسطي - بقي بعد الغزالي - على ما صرح به الغزالي من أنه آلة، وأنه لا علاقة له بالعقيدة.

وأخيراً بقي الغزالي - في كتابه (الإحياء خاصة) - مرجعاً يرجع إليه فئات كثيرة من الناس على مختلف مشاربهم وعقائدهم، لأن كلاً منهم يجد في هذا الكتاب ما يوافق هواه. (15)