×

الزيدية في التاريخ المعاصر، و موقفها من أهل السنة..

الزيدية في التاريخ المعاصر، و موقفها من أهل السنة..

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

الزيدية في التاريخ المعاصر، و موقفها من أهل السنة..

لقد انقرضت فرق الزيدية المختلفة التي أشرنا إليها، أو ذابت في فرق الشيعة الأخرى، و ما بقي من الزيود الآن فهم متمسكون بآراء تلتقي بجملتها مع آراء المعتزلة وأصولهم، والرافضة في معتقداتهم.

أما بالنسبة لموقفها من أهل السنة فإنه يمكننا أن نحكم عليهم من خلال الحديث عما لاقاه أهل السنة في اليمن خلال هذه الفترة، وربطه مع عصر مؤلف كتاب عقائد الثلاث و السبعين فرقة: أبو محمد اليمني، فهذا المؤلف كان موجوداً سنة ( 540 هـ ) ولم يعرف عن هذا المؤلف أكثر من هذا، حيث بقي تاريخ ولادته و وفاته أو أي شيء يخص أو يتعلق به أو ما يشير إلى شخصه مجهولاً، بل إن الذي يظهر من خلال ما عرف من عصره الذي عاش فيه في اليمن و هو عصر سيطرة الإسماعيلية على بلاد اليمن، أنه تعمد إخفاء شخصيته، حيث إن المؤلف كتب هذا الكتاب و فضح و كشف أباطيل الباطنية التي كانت تملأ كبتهم، و كانوا يلبسون به على العوام وأشباه العوام، و بما أنه كان يعيش تحت دولتهم و يصطلي بنار فتنتهم، و يسمع و يرى ما يدعون إليه من الباطل والضلال، فكشف من أمرهم ما لم يصل إليه غيره ولم يتمكن منه سواه، و مرد ذلك كما قال: ( و ذلك أني خبير بهم جداً لقرب الدار من الدار، و لكثرة ما قرأت من كتبهم الشنيعة و عرفت معناها و رموزاتها المؤدية إلى تعطيل الشريعة والمؤلفة في الأمور الوضعية.. ) ثم ذكر عدداً من كتبهم.

( عقائد الثلاث والسبعين فرقة (1/512-513)، هذا و مثله كثير و سبب مقنع تمام الإقناع بضرورة إخفاء المصنف رحمه الله تعالى لشخصه والاكتفاء بكنيته التي من المؤكد أنه كذلك غير مشتهر بها، بل إنه يحترس عند عزو بعض الأقوال لمعاصريه فلا يذكر أسماءهم، و من أمثله ذلك قوله: ( وأخبرني من أعرفه بنسبه و باسمه في وقتنا هذا ) ثم ذكر قوله. عقائد الثلاث والسبعين فرقة (1/424)، و قد كشف عن الإسماعيلية من الضلال والفساد ما لم يكشفه من سبقه بمثل عمله، مع دقة في توخي الصواب والبعد عن الهوى، قال رحمه الله تعالى: ( ولم أقل ذلك كذباً بسبب البغضة بيني و بينهم، وإن كنت وإياهم كما قال الأول:

ولن يراجع قلبي حبهم أبداً وكنت من بغضهم مثل الذي ركنوا

وإنما الصدق أولى بالرجل من سواه ) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (1/512).

فلو علم طواغيت الإسماعيلية عن شخص هذا الكاتب لركبوا الصعب والذلول في القضاء عليه، كما هي سجيتهم، و قد تحدث المؤلف رحمه الله عن الزيدية وأسهب في الحديث عن فرقهم و طوائفهم و معتقداتهم و كان مع كل طائفة يختم حديثه بقوله فالحذر منهم، و كان في حديثه عن هذه الفرقة  الزيدية  ضمن حديثه عن الفرق التي يقال لهام الرافضية.

والآن نأتي للحديث عن الزيدية في العصر الحاضر، ففي عام ( 1337 هـ ) عندما قرر الترك الجلاء على بلاد اليمن خشي الشوافع  أهل السنة  من سيطرة الزيدية على بلادهم.

يقول العبدلي  مؤرخ حضرموت  في كتابه هدية الزمن في أخبار ملوك لحج و عدن ( ص 263): ( و لما تحقق اليمانيون الشافعية جلاء الأتراك عن البلاد اليمانية ذعروا، و جاء كثير من أعيان اليمن الأسفل من مشايخهم و ساداتهم و زعمائهم إلى عدن يستفهمون عن مصيرهم فلم يوافق طلبهم هوى الباعة، وأعرض عنهم الوكيل السياسي في عدن، و عادوا خائبين، و لم ينفعهم إخلاصهم للأتراك و جهادهم بالنفس والنفيس مع ( علي سعيد باشا ) نفعاً، فلم يعنهم الأتراك على نبيل أمانيهم بل أعانوا الإمام عليهم.و حاول بعض الشافعية المقاومة فلم تتحد كلمتهم و ساق الإمام جيشاً من قبائل الزيدية و ضباط الأتراك على حبيش ؛ فنشبت معارك دموية استدامت ستة أشهر ثم هزمت جموع الشافعية وأذعن جميعهم لحكم الإمام والسيطرة الزيدية على كره منهم ).

و في بلاد الضالع استمرت المعارك بين الزيدية والشوافع عامين كاملين كانت الحرب فيها سجالاً. نفس المصدر السابق ( ص 276).

وعندما قام الصلح بين الشيخ ( محمد صالح الأخرم ) من مشايخ الشافعية ومندوب الإمام ( يحيى ) لم يعد الشيخ محمد صالح إلى بلاده حتى وضع أعز أقاربه رهينة، ولم تمض أشهر حتى ملأ السيد يحيى أمير جيش قعطبة السجون من أبناء الأشراف الردفانيين وغيرهم، يسوقهم العريفة بالحبل والسوط مكبلين بالحديد كالمجرمين وأذاقوهم من سوء المعاملة والغطرسة مالا يتحمله الأحرار، بل ما دونه حريق النار، و لم ينج من سوء المعاملة حتى الشيخ محمد صالح الأخرم نفسه ؛ اعتقلوه في قعطبة سبعة أشهر ولم يرحموا ضعفه ولا شيخوخته ولم يتخلص إلا بعد أن افتدي نفسه وأتباعه بوافر المال و رهن خيرة الرجال. هدية الزمن (ص 277).

و في شهر ربيع الثاني من تلك السنة ( 1346 هـ ) ألقت الطيارات البريطانية على مدن اليمن منشوراً أنذرت فيه الزيود بأنه عند حدوث أي تعد جديد من العساكر الزيدية سيقابل بإلقاء القنابل، و في شهر شعبان دخل جماعة من الزيدية إلى بلاد آل قطيب واختطفوا الشيخ ( مقبل عبد الله ) عم الشيخ آل قطيب والشيخ ( عبد النبي العلوي )  لا يجوز التمسي بهذا الاسم لأنه من باب التعبيد لغير الله عز وجل  شيخ آل علي، فأنذرت الطيارات أمير جيش قعطبة أن يرفع النساء والأطفال في ظرف ( 24 ) ساعة، وابتدأ إلقاء القنابل بعد انتهاء تلك المدة فعلاً واستمرت ثلاثة أيام، و في ( 25 ) رمضان أذاعت الطيارات المنشور الآتي، و نصه: ( إلى أهل المذهب الشافعي في اليمن و في المحمية البريطانية، بعد السلام، لقد علمتم أنه بناء على انتهاك حرمة المحمية البريطانية من الأمام والزيود وتعديهم عليها، أجبرنا على إلقاء القنابل على حامية الزيود، وبما أن هذه الحاميات أقامت نفسها بينكم فلعلكم قاسيتم من تأثير هذه القذائف ما قاسيتم، فذلكم ذنب الزيود لا ذنبنا ). هدية الزمن (ص 283). و لم يتمكن أمراء الشوافع من طرد الزيود من بعض المدن إلا بمساعدة الطائرات الإنجليزية. المصدر السابق (ص 286).

و هكذا وقع الشوافع ( السنة ) بين فكي كماشة، حيث كان الزيود واضطهاداتهم من جانب، والنيران الحامية التي كانت تمطر بها قراهم من قبل الطائرات الإنجليزية بسبب ملاحقة الزيود من جانب آخر. و ما من شك في أن الإنجليز قد افلحوا إلى حد كبير في استغلال العداء بين الشوافع ( السنة ) و الزيود في إضعاف الطائفتين ؛ لمزيد من تثبيت أقدامهم في المنطقة، على أن ذلك لا يعفي الزيود الحانقين من تبعة قتالهم ومحاولتهم إخضاع الشوافع ( السنة ) واضطهادهم، ولا غرابة من وقوف الشوافع ( السنة ) مع الدولة العثمانية السنية في وجه القوات الزيدية، وعلى كل حال فمهما بلغت مظالم الأتراك فلا تعد شيئاً في مقابل الزيدية الشيعية.

و ما وقع من الزيود من ظلم و قتال وإخضاع للشوافع السنة منسجم تماماً مع ما آل إليه المذهب الزيدي عند المتأخرين من رفض و سب للصحابة رضوان الله عليهم، و قد عانى علماء اليمن المتحررون من أغلال المذهب الزيدي كـ ( الصنعاني و الشوكاني ) وغيرهما من غلو هؤلاء الزيدية في الرفض و حنقهم على الصحابة و كتب السنة. راجع كتاب: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين و آثارهما في حياة الأمة، علي بن بخيت الزهراني (1/584-588).

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: ( و من بعد ذلك ضعف المذهب الزيدي ؛ والمذاهب الشيعية الأخرى قد غالبته، أو طوته، أو لقحته ببعض مبادئها، و لذلك كان الذين حملوا اسم هذا المذهب من بعده لا يجوزون إمامة المفضول، فأصبحوا يعدون من الرافضة، و هم الذين يرفضون إمامة الشيخين أبي بكر و عمر رضي الله عنهما، و بذلك ذهب من الزيدية الأولى ابرز خصائصها ). تاريخ المذاهب الإسلامية (1/51).

وعلى كل فلا نطيل الكلام، فحالهم في العقيدة معتزلة، و ناهيك بعقيدة تنبذ كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعتمد على الفلسفة. و في الفقه على أبي حنيفة، و قد قال بعضهم: إذا أردت أن توافق الحق فخالف أبا حنيفة. و في التشيع ينتهي بهم الحال إلى الرفض، حتى قال بعضهم: ائتني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبيراً.

وقد سُؤل الشيخ مقبل بن هادي - حفظه الله - عنهم فقال: هم بعيدون عن السنة، ثم ذكر مقولة: ائتني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبير. راجعها في: بغية الطالب الألمعي لفتاوى المحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي ( ص 1 ).

و مما ينبغي أن يعلم أنهم أصبحوا ليسوا بزيدية كما يدّعون، و لقد أحسن والد محمد بن إسماعيل الأمير إذ يقول:

يـدعـون أنـهـم زيـديـة وهـم عن نـهـجـه بـمـعـزل.

و يقول إسحاق بن المتوكل مورداً إشكالاً على المذاهب الزيدية لا يستطاع حله:

أيـهـا الأعـلام مـن سـادتـنـا ومـصـابـيـح ديـاجـي الـمشكل

خـبـرونـا هـل لـنا مـن مذهب يـقـتـدى فـي الـقول أو فـي العمل

أم تـركـنا هـملاً نـرعـى بـلا سـائـم نـقـفـوه نـهـج السـبـل

فـإذا قـلـنا ليـحـيى قـيـل لا هـهـنا الـنص لـزيـد بـن عـلـي

و إذا قـنـا لـزيـد حـكـمـوا أن يـحـيـى قـوله الـنـص الـجـلي

قـرروا الـمـذهب قـولاً خارجاً عـن نـصـوص الآل فـالبـحـث وسل

ثـم مـن نـاظـر أو جـادل أو رام كـشـفـاً لـقـذى لـم يـنـجـل

قـدحـوا فـي ديـنه واتـخذوا عـرضـه مـرمـى سـهـام الـمـنـصل.

راجع كتاب: المخرج من الفتنة للشيخ مقبل بن هادي الوادعي ( ص 77-78).

وكم سمعنا و شاهدنا كيف كانوا  أي الزيدية - يرحبون بالشيوعية خاصة بعد رحيل الاستعمار  رحيل اسمي فقط  ينضمون إلى صفوفه من أجل ضرب أهل السنة، فخيبهم الله، فلا سَلِمَ لهم دينهم و لم يستطع الشيوعيون أن يحققوا لهم ما وعدوهم به من ضرب أهل السنة، و لقد صدق أبو محمد ابن حزم  رحمه الله  حيث يقول: ما نصر الله الإسلام بمبتدع. فلو رأيت المخذولين من أهل صعدة يوزعون نسيخة الضليل المبتدع أحمد بن زيني دحلان ( فتنة الوهابية )، بل لقد جمعوا كتب الطاعنين في السنة حتى ولو كان المؤلف نصرانياً أو علمانياً، المهم أن يكون فيها طعن على السنة و أهلها، فخيبهم الله.

وما يلاقيه شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي  حفظه الله  و باقي طلبة العلم في اليمن في الوقت الحالي من التضييق و محاولا القتل المستمرة، من قبلهم و من إخوانهم الصوفية، لعرفت مدى الحقد الذي يحمله هؤلاء الرافضة، عليهم من الله ما يستحقون، و صدق والله ابن حزم  رحمه الله  حين يقول: إن الله ابتلى الإسلام بالصوفية و الشيعة. والأمر كما قال ابن حزم، فإن هاتين الطائفتين باب فتنة، و آلة لكل مناوئ للإسلام.