×

بداية ظهور الطائفة الزيدية ومناطق انتشارها ونفوذها والفرق التي تشعبت منها..

بداية ظهور الطائفة الزيدية ومناطق انتشارها ونفوذها والفرق التي تشعبت منها..

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

بداية ظهور الطائفة الزيدية ومناطق انتشارها ونفوذها والفرق التي تشعبت منها..

بعد أن خرج زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه على الدولة الأموية، التف حوله أوباش الكوفة وأعلنوا له الولاء، بل ألحوا عليه في الخروج ووعدوه بالنصرة والمؤازرة كما ذكرنا في المبحث الثاني -.

و بعد أن دارت الحرب بين الذين خرجوا مع زيد ومع جيش الخلافة، وتخاذل الكثير من أهل الكوفة عن نصرته وطلبهم منه أن يعطيهم رأيه في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في تلك الظروف الحالكة، وقوله تلك المقولة التي كان سبباً في اتخذ أهل الكوفة إياها ذريعة للهرب وخذلان زيد أنه لم يعلن البراءة من الشيخين بل ترحم عليهما وأثنى عليهما، فلم ينل هذا الرد استحسان الشيعة جميعاً ففارقوه، وحدث ما حدث وقتل زيد في تلك المعركة الغير متكافئة، وكان ذلك في سنة (122 هـ )[1].

و كان مع زيد في تلك المعركة ابنه يحيى الذي استطاع الفرار إلى خراسان ولكن الجيوش الأموية طاردته حتى قتل بعد ثلاث سنوات من مقتل أبيه عام (125 هـ )[2].

و رغم هذه النهاية المريرة لزيد وابنه يحيى، فقد استمر الزيدية من وافق زيد في مقولته في الشيخين في الخروج، فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي المعروف ( بالنفس الزكية ) بالمدينة ضد بني العباس وقتل في ( 14 / رمضان من عام (145 هـ )[3].

كما خرج من بعده أي من بعد محمد النفس الزكية أخوه إبراهيم بالبصرة وقتل بها في ( 25 / ذي القعدة من نفس العام )[4].

و خرج أيضاً الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي في خلافة الهادي وقتل عام (169 هـ ). الكامل (6/90-94)، وخرج يحيى بن عبد الله أخو محمد النفس الزكية أيام الهادي والرشيد. الكامل (6/125-126).

واستطاع أحد أئمة الزيدية ويسمى الحسن بن زيد، ويلقب بالحسن الأطروش، أن يؤسس دولة زيدية في أرض الديلم جنوب بحر الخزر عام ( 250 هـ )[5].

كما استطاع الزيدية أيضاً من إقامة دولة لهم في أرض اليمن، وأقامها الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين من ولد القاسم الرسي حفيد إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وذلك أن الهادي ذهب إلى اليمن عام ( 280 هـ ) ودعا إلى مذهبه هناك ولكن لم يجد عوناً من اليمنيين، ثم عاد إلى اليمن ثانية عام (284 هـ ) وذهب إلى صعدة وكان التوفيق حليفه، فبويع بالإمامة وسعى إلى إقامة حكم إسلامي، وعمل على جمع شمل الناس على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واستطاع إقامة العدل وإصلاح أمر الناس وإقامة حدود الله، ودخل في حروب شديدة ضد القرامطة الإسماعيلية أكثر من سبع وعشرين سنة وتوفي بصعدة عام ( 325 هـ ). انظر: تاريخ اليمن السياسي (ص 174-177). وبعدها استطاع الإسماعيلية من التغلب على اليمن وانتهت بذلك دولة الزيود في اليمن.

و بعد حوالي ألف عام من هذا التاريخ استطاع الزيدية استرداد اليمن مرة ثانية إذ قاد الإمام يحيى بن منصور بن حميد الدين ثورة ضد الأتراك عام ( 1322 هـ )، واستطاع أن يؤسس دولة زيدية استمرت حتى سبتمبر عام ( 1962 م ) حيث قامت الثورة اليمنية، وانتهى بذلك حكم الزيود، ولكن لا زالت اليمن معقل الزيود ومركز ثقلهم. انظر: بيان مذهب الباطنية وبطلانه، مقدمة الناشر ( ص: و، ز ).

فرق الزيدية:-

قد خلف من بعد زيد جماعات متعددة التزم بعضها بالآراء التي نادى بها زيد، وانحرف بعضها ومال عن تلك الآراء، ويُذكر من هذه الجماعات أو الفرق: الجارودية، والسليمانية، والصالحية.

أما الجارودية: فهم أتباع أبي الجارود زياد بن المنذر الكوفي ( ت 150 أو 160 هـ )، وقد وصف المحدثون أبا الجارود بأنه كذاب ليس بثقة وأنه كان رافضياً يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروي في فضائل أهل البيت أشياء مالها أصول. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (3/386-387). قال عنه ابن حجر في التقريب (1/270): رافضي، كذبه يحيى بن معين.

و يبدو أن أبا الجارود قد وقع تحت تأثير الرافضة ومن ثم جاءت آراؤه فيها كثير من التطرف والانحراف، فرغم قوله بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه بالوصف دون التسمية، ذهب إلى أن الناس قد قصّروا، حيث لم يتعرفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف، ونصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك. الملل والنحل للشهرستاني (1/157-158).

وتطرفت جماعات من الجارودية أكثر من ذلك فقالت بغيبة الأئمة ونادت برجعتهم وذهبوا إلى أن محمد بن عبد الله الإمام لم يتقل وهو بعد ( حي ) وسيخرج ويملأ الأرض عدلاً، وزعمت طائفة أخرى من الجارودية أن علم ولد الحسن والحسين رضي الله عنهم كعلم النبي صلى الله عليه وسلم، فيحصل لهم العلم قبل التعلم فطرة وضرورة. الملل والنحل (1/159).

بل ردد بعضهم عبارات شبيهة بعبارات الرافضة في هذا الصدد فقالوا مثلاً: الحلال حلال آل محمد صلى الله عليه وسلم، والحرام حرامهم والأحكام أحكامهم، وعندهم جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، كله كاملاً عند صغيرهم وكبيرهم، الصغير منهم والكبير في العلم سواء، لا يفضل الكبير منهم الصغير. المقالات للقمي (ص 72).

أما السليمانية أو الجريرية: فهم أتباع سلميان بن جرير، وقد ذهبوا إلى أن الإمامة شورى وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح في المفضول وإن كان الفاضل أفضل في كل حال، كما يثبتون إمامة الشيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. المقلات للأشعري (ص 68).

لكن ذهبوا إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم تركوا الأصلح بتركهم مبايعة علي لأنه أولاهم بذلك وذلك خطأ، ولكنه لا يوجب كفراً ولا فسقاً، إذ أنه خطأ اجتهادي، غير أن سليمان بن جرير ذهب إلى تكفير عثمان رضي الله عنه للأحداث التي أحدثها بزعمهم -، كما أكفر عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم، بإقدامهم على قتال علي رضي الله عنه، هذا في الوقت الذي رفض فيه آراء الرافضة في التقية والبداء. الملل والنحل للشهرستاني (1/159-160) والحور العين لنشوان الحميري ( ص 155).

أما الصالحية: فهم أتباع الحسن بن صالح بن حي، وهو كوفي ولد عام ( 100 هـ ) وتوفي عام (160 هـ ) وخرّج له البخاري ومسلم في باب الأدب ووثقه الجمهور وقيل إنه ثقة فقيه عابد، ولكنه رمي بالتشيع المعتدل -. التقريب ( 1/167).

و قد ذهب الصالحية إلى مذهب السليمانية في الإمامة، ولكنهم توقفوا في أمر عثمان والحكم عليه بالإيمان أو الكفر، وقالوا إن الأخبار الواردة في حقه وكونه من المبشرين بالجنة توجب الحكم بصحة إسلامه وإيمانه وكونه من أهل الجنة، بينما الأحداث التي أحدثها من استهتاره بتربية بني أمية ونبي مروان واستبداده بأمور لم توافق سيرة الصحابة توجب الحكم بكفره، فقالوا إنا تحيرنا في أمره وتوقفنا في حاله ووكلناه إلى أحكم الحاكمين. الملل والنحل (1/161).

و هناك فرق أخرى مثل: المخترعة ولم يذكر إلى من تنتسب، وفرقة المطرفية أصحاب مطرف الشهابي، وهي فرقة غالية ترى أن سب السلف ثوابه عظيم، وهم أكثر أهل الزيدية غلواً في السب والأذى، وهناك فرقة اليعقوبية أصحاب يعقوب. راجع هذه الفرق في كتاب: عقائد الثلاث والسبعين فرقة لأبي محمد اليمني (1/452-458).

و قد وصف أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية (1/47) الزيدية بأنهم: ( أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية، وأكثر اعتدالاً، وتشيعهم نحو الأئمة لم يتسم بالغلو ؛ بل اعتبروهم أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، واعتدلوا في مواقفهم تجاه الصحابة، فلم يكفروهم وخصوصاً من بايعهم علي رضي الله عنه واعترف بإمامتهم ).

هكذا قال عنهم، والذي يظهر لي أن هذا الحكم غير صحيح على جميع الزيدية كما يظهر من آراء كل طائفة التي ذكرت -، فإن بعض طوائفهم رافضة خلّص، وهم الذي خرجوا عن مبادئ زيد وآرائه، سواء كانوا متقدمين أو متأخرين.

فقد قسم أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية (1/52) الزيدية من حيث الاعتقاد إلى قسمين:-

 1- المتقدمون منهم، المتبعون لأقوال زيد، وهؤلاء لا يعدون من الرافضة، ويعترفون بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

 2 - وقسم من المتأخرين منهم، وهؤلاء يعدون من الرافضة، وهم يرفضون إمامة الشيخين ويسبونهما ويكفرون من يرى خلافتهما.

وكلامه هذا فيه نظر، كما سبق وأن بينا معتقدات كل طائفة من طوائف الزيدية المتقدمين.

 

[1] انظر: الطبري (7/180-181) والكامل في التاريخ (5/242-243).

[2] الطبري (7/227-230).

[3] الكامل (5/529-550).

[4] المرجع نفسه (5/560-570).

[5] انظر: تاريخ الفرق الزيدية (229-260 ).