×

التحقيق في نسبة كتاب ( المجموع ) لزيد بن علي رضي الله عنه

التحقيق في نسبة كتاب ( المجموع ) لزيد بن علي رضي الله عنه

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

التحقيق في نسبة كتاب ( المجموع ) لزيد بن علي رضي الله عنه

طبع هذا المسند والذي يعرف أيضاً بالمجموع الفقهي مرتين في ميلانو بإيطاليا سنة (1919 م ) باعتناء غريفيني، وصور بالأوفست مرات في بيروت وغيرها، وطبع في مصر سنة (1340 هـ ) في ( 399 ) صفحة، وكتب على غلافه: ( وهو ما رواه عن أبيه عن جده، ويسمى بالمجموع الفقهي، لذكره بعض المسائل الفقهية، نفع الله به آمين، جمعه عبد العزيز بن إسحاق البغدادي رحمه الله ).

و قام على طبعه عبد الواسع بن يحيى الواسعي، وقدم له مقدمة تعوزها الدقة، وفيها أشياء باطلة، وقرظ له بعض علماء الأزهر، وهم: محمد بخيت المطيعي، وعبد القادر بن أحمد بدران الدمشقي، وعبد المعطي السقا، ووضع طابعه في المقدمة سؤال وجوابه في الزيدية لبكر بن محمد عاشور الصدفي مفتي الديار المصرية آنذاك -، والشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر آنذاك -.

و قد لام هؤلاء الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى؛ فقال بصدد كلامه على هذا الكتاب: ومما يؤسف له أن يقرظه بعض أفاضل العلماء من شيوخنا علماء الأزهر، غير متحرين معرفة ما فيه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ناظرين إلى عاقبة وثوق العامة ممن لا يعرف الصحيح من السقيم بوجود توقيعاتهم على مدائح لهذه الأكاذيب، ولله الأمر من قبل ومن بعد. التعليق على المحلي (2/75).

وتكلم هذا الكلام بصد تعليقه على قول ابن حزم: فإن قيل: فإنه قد روي من طريق زيد عن أبيه عن جده عن علي؛ قلت: يا رسول الله ! أمسح على الجبائر؟ قال: نعم، امسح عليها. انظر نحوه في مطبوع مسند زيد ( ص 74-75). قلنا أي الشيخ أحمد شاكر -: هذا خبر لا تحل روايته؛ إلا على بيان سقوطه لأنه انفرد به أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وهو مذكور بالكذب. أ هـ. المحلي (2/75).

قال الشيخ أحمد شاكر معلقاً على كلام ابن حزم وقبل ما ذكرناه عنه آنفاً: أبو خالد هذا وضاع، قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له؛ تحول إلى واسط. وقال أحمد: يروي عن زيد عن آبائه أحاديث موضوعة؛ يكذب. وقال ابن معين: كذاب غير ثقة ولا مأمون، وأحاديثه التي يرويها هي التي عرفت باسم مسند زيد، أو المجموع الفقهي. التعليق على الحلى (2/75).

فالعجب من قول ناشر هذا الكتاب (ص 1 ) عن هذا الكذاب: إن الأئمة من أهل البيت متفقون على الاحتجاج به والرواية عنه والاعتراف بفضله !! والأعجب منه أن السيد يحيى بن الحسين بن المؤيد بالله جمع رسالة في توثيق أبي خالد هذا، كما قال الشوكاني في ترجمته في البدر الطالع (2/330).

و لست هنا بصدد تفصيل كلام جهابذة الجرح والتعديل على أبي خالد هذا، وإنما همي هنا الإشارة إلى أن هذا الكتاب مكذوب على الإمام زيد رحمه الله، ولذا؛ قال أحمد شاكر أيضاً في تقديمه لعمل محمد فؤاد عبد الباقي في القيام بمراجعة ترجمة مفتاح كنوز السنة ( ص: ع ) في معرض حديثه عن الأصول التي فهرسها د. أ. ي. فنسنك ما نصه: (.. والكتاب الرابع عشر: المسند المنسوب لإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المتوفى شهيداً سنة (122 هـ )، وهذا الكتاب عمدة في الفقه عند علماء الزيدية من الشيعة، لو صحت نسبته إلى الإمام زيد عليه السلام؛ لكان أقدم كتاب موجود من كتب الأئمة المتقدمين؛ إلا أن الراوي له عن زيد رجل لا يوثق بشيء من روايته عند أئمة الحديث، وهو أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، رماه العلماء بالكذب في الرواية، قال الإمام أحمد بن حنبل في شأنه: كذاب يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة ). أ هـ.

ولا يفوتني في الختام أن أنبه على ما يلي:

أولاً: جامع هذا المسند كما على غلافه عبد العزيز بن إسحاق البغدادي، قال عنه الناشر ( ص 13): ( كان ثقة عالماً فاضلاً، عارفاً بالفقه )، وقبل ذلك: ( وروى عنه.. ومحمد بن أبي الفوارس ).

قلت: أسند الخطيب في تاريخه (10/458-459) عن أبن أبي الفوارس هذا قوله في جامع هذا المسند ما نصه: ( كان البقال هذا أحد المتكلمين من الشيعة، وله كتب مصنفه على مذهب الزيدية، يجمع حديثاً كثيراً )، قال: ( وكان له مذهب خبيث، ولم يكن في الرواية بذاك،سمعت منه أجزاء فيها أحاديث رديّة، ولذا ترجمه الذهبي في الميزان (2/623) وتاريخ الإسلام ( وفيات 351-380)، وابن حجر في اللسان (4/25) وترجمته مظلمة في هذه الكتب وغيرها.

ثانياً: الراوي لهذا المسند عن أبي خالد الواسطي الكذاب، هو إبراهيم بن الزِّبرقان، قال عنه ناشر هذا المسند ( ص 13): ( وثقه ابن معين، وروى عنه الحافظ أبو نعيم ).

قلت: ولم يسلم من غمز.. قال عنه أبو حاتم في الجرح والتعديل (1/100): ( يكتب حديثه ولا يحتج به ).

ثالثاً: أما الراوي عن ابن الزبرقان؛ فهو نصر بن مزاحم، وهو رافضي جلد، واتهمه أبو خيثمة بالكذب، ورماه جميع من الجهابذة كما تراه في ترجمته في الميزان (4/253) وغيره.

رابعاً: ذكر الشوكاني في البدر الطالع (2/330) في ترجمة السيد يحيى بن الحسين بن الإمام المؤيد بالله محمد بن الإمام القاسم بن محمد الشهاري الزيدي، أنه قد تصرف في هذا الكتاب؛ فقال: ( ورأيت بخط السيد يحيى بن الحسين وهو ابن الإمام القاسم بن محمد أن صاحب الترجمة تواطأ هو وتلامذته على حذف أبواب من مجموع زيد بن علي، وهو ما فيه ذكر الرفع والضم والتأمين ونحو ذلك، ثم جعلوا نسخاً وبثوها في الناس، وهذا أمر عظيم وجناية كبيرة، وفي ذلك دلالة على مزيد الجهل وفرط التعصب، وهذه النسخ التي بثوها في الناس موجودة الآن؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله ). أ هـ.

خامساً: قد سلك الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه الإمام زيد ( ص 233-275) مسلكاً غريباً في إثبات نسبة هذا الكتاب لإمام زيد ضارباً أقوال أئمة الجرح والتعديل عرض الحائط، مع أن فيه نقولاً في عدم صحة هذا الكتاب عن علماء لم نذكرهم، فاقتضى التنبيه والتنويه، والله الموفق.

و الخلاصة.. هذا الكتاب مكذوب ومنحول على الإمام زيد والإسناد إليه مظلم، ورجاله غير ثقاة ابتداءً من جامعه إلى الراوي له عنه. راجع: كتب حذر منها العلماء مشهر حسن سلمان (2/271-275)، حيث أجاد في نقد هذا الكتاب وأفاد. وانظر أيضاً كتاب: المخرج من الفتنة للشخ مقبل بن هادي الوادعي ( ص 76).

و إتماماً للفائدة أعرج على ذكر بعض الكتب والرسائل التي نسبت إلى زيد بن علي رضي الله عنه، فمن هذه الكتب:-

كتاب: ( الوصية ) وفي سنده من لا يعرف إلا الحافظ أحمد بن محمد بن سيعد بن عقدة، وهو ضعيف.

كتاب: ( النير الجلي في قراءة زيد بن علي ) وهو كتاب في القراءة، ألفه أبو حيان التوحيدي، وأبو حيان هذا من زنادقة القرن الرابع، واسمه علي بن محمد بن العباس البغدادي، له ترجمة في سير أعلام النبلاء (17/119)، قال عنه الذهبي: ( إنه ضال ملحد، وذكر عن بعضهم أنه كان كذاباً قدح في الشريعة وقال بالتعطيل )، وذكر الذهبي عن أبي الفرج بن الجوزي أنه قال: ( زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وأشدهم على الإسلام أبو حيان؛ لأنهما صرحا وهو مجمج ولم يصرح.

كتاب: ( الرد على القدرية ) وكتاب: ( الرد على المرجئة ) وليس لهما أسانيد.

كتاب: ( التفسير ) وهو من طريق عمرو بن خالد الواسطي، وقد تقدم الحديث عن عمرو بن خالد هذا.

وعلى كل فلم يثبت إلى زيد بن علي رحمه الله نسبة كتاب، والذي ظهر لي أن الزيدية سرّق، سرقوا الكلام على العقيدة من كتب المعتزلة، أخرجها لهم من العراق القاضي جعفر بن أحمد بن عبدالسلام في القرن السادس، وسرقوا الغلو في أهل البيت من الرافضة من العراق، وسرقوا الفقه من كتب الحنفية.

أما في علم الحديث فقد قال علامة اليمن محمد بن إبراهيم بن الوزير في كتابه ( الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ): ( أنه لا يجوز الرجوع إلى شيء من كتب الزيدية في علم الحديث؛ لأن علم الحديث مبني على أصلين: أحدهما علم الرجال، والآخر علم العلل، وليس للزيدية كتاب في هذين الفنين. راجع كتاب: المخرج من الفتنة للشيخ مقبل ( ص 76 77 ).