×

ترجمة زيد بن علي، وسبب خروجه ومقتله رضي الله عنه وآرائه

ترجمة زيد بن علي، وسبب خروجه ومقتله رضي الله عنه وآرائه

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

ترجمة زيد بن علي، وسبب خروجه ومقتله رضي الله عنه وآرائه..

تمهيد:-

بعد قتل الحسين بن علي رضي الله عنه، ظهرت معظم الفرق التي تزعم التشيع، بل وأخذت دعوى التشيع تتصاعد في الغلو، وفي أيام علي بن الحسين بن علي الملقب بزين العابدين، طمع الشيعة في استجلابه إليهم، غير أنه كان على ولاء تام ووفاء كامل لحكام بني أمية متجنباً لمن نازعهم، بل إن يزيد بن معاوية وهو الخليفة كان يكرمه ويجلسه معه. راجع التشيع والشيعة (ص 204).

و قد أنجب علي بن الحسين عدداً من الأولاد منهم:-

زيد بن علي بن الحسين، ومحمد بن علي بن الحسين المكنى بأبي جعفر الباقر، وعمر بن علي بن الحسين وتسمية علي بن الحسين ابنه باسم عمر إفحام لكذب الشيعة فيما يدعون من كراهية علي لأبي بكر ولعمر؛ حيث إنهم يجنبون أولادهم التسمية باسم خيار الصحابة -.

و قد اختلف الشيعة في أمر زيد بن علي ومحمد بن علي أيهما أولى بالإمامة بعد أبيهما؟

فذهبت طائفة إلى أن الإمامة لزيد فسموا زيدية، وهؤلاء يرتبون الأئمة ابتداءً بعلي بن أبي طالب، ثم ابنه الحسن ثم الحسين، ثم هي شورى بعد ذلك بين أولادهما كما ترى الجارودية، وهي فرقة من غلاة الزيدية، راجع المقالات والفرق (ص 18)، ثم ابنه علي بن الحسين زين العابدين، ثم ابنه زيد وهو صاحب هذا المذهب ثم ابنه يحيى بن زيد، ثم ابنه عيسى بن زيد كما ترى الحصينية منهم، كما قال القمي في المقالات والفرق (ص 74) -، وبعد ذلك يشترطون في الإمام أن يخرج بسيفه سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين، وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإمامة لمحمد بن علي بن الحسين المكنى بأبي جعفر الباقر، انظر التشيع والشيعة (ص 204).

أولاً: ترجمة زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه:-

هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ولد سنة ( 80 هـ ) تقريباً، وتوفي سنة (122 هـ )، أمه أم ولد، كانت أمة أهداها المختار إلى علي زين العابدين، فأنجبت له زيداً.

كان زيد كما تذكر كتب التراجم: شخصية فذة، صاحب علم وفقه وتقوى، اتصل بواصل بن عطاء وأخذ عنه، واتصل بأبي حنيفة وأخذ عنه، وكان أبو حنيفة يميل إلى زيد ويتعصب له.

وبعض العلماء كالشهرستاني يصرح بتلمذة زيد لواصل بن عطاء ولأبي حنيفة، لكن الأستاذ أبو زهرة يرى أنها ليست تلمذة بمعنى الكلمة، وإنما كان اتصاله بزيد على سبيل المذاكرة لتساويهما في العمر؛ إذ إن واصل بن عطاء وزيد بن علي ولدا في سنة ( 80 هـ )؛ ولكن هذا لا يمنع أن يتتلمذ ويتأثر زيد بواصل بن عطاء، وأن يتتلمذ كذلك على أبي حنيفة، فإن تأثر زيد بهما وتأثر الزيدية بعد ذلك بالمعتزلة والحنفية ظاهر على سبيل التلمذة لا المذاكرة التي يذهب إليها أبو زهرة، ولهذا قيل: ( الزيدية معتزلة في الأصول، حنفية في الفروع ). راجع: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام (1/199).

روى عن أبيه زين العابدين وأخيه الباقر وعروة بن الزبير وأبان بن عثمان بن عفان، وعنه ابن أخيه جعفر بن محمد وشعبة والأعمش وسعيد بن خثيم وابن أبي الزناد، وغيرهم. راجع ترجمته في كل من الكتب التالية: سير أعلام النبلاء للذهبي (5/389-391) وتهذيب الكمال للمزي (10/95-98) وطبقات ابن سعد (5/325) وطبقات خليفة (ص 258) والتاريخ الكبير للبخاري (3/403) وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/158-159) وفي غيرها من كتب التاريخ كأنساب الأشراف للبلاذري والمنتظم لابن الجوزي ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ونحوها من الكتب المستوعبة لتراجم الرجال.

ثانياً: سبب خروجه ومقتله رضي الله عنه:-

خرج زيد على الخليفة الأموي وأشهر السلاح في وجهه، فما هو الدافع لزيد بن علي لهذا الخروج؟

حسب ما تذكر كتب المصادر: أن زيداً خرج على بني أمية منكراً للظلم والجور، وبعضها يذكر أنه لم يكن يريد الخروج، ولا طلب الخلافة، ولكن حدث في تصرف هشام بن عبد الملك وعماله إهانات وإساءة لزيد لم يطق أن يعيش معها مسالماً لهشام بن عبد الملك، وذلك أن زيداً أحس أن والي المدينة من قبل هشام وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث، ووالي هشام على العراق يوسف بن عمر الثقفي يتعمدان الإساءة له، وربما تصور أن ذلك بإيعاز من الخليفة نفسه، فقرر أن يذهب للشام ويشرح أمره لهشام ليزيل ما فيه نفسه من تخوف أن يثور عليه زيد، لكن حدث ما لم يكن في حسبانه، فقد قابله الخليفة مقابلة غير لائقة به، حاصلها: أن زيد وقف بباب هشام فلم يؤذن له بالدخول مدة، فكتب له كتاباً يشرح أمره ويطلب الإذن فكتب هشام في أسفل الكتاب: ارجع إلى أميرك بالمدينة، فعزم زيد على مقابلته وقال: والله لا أرجع إلى خالد أبداً، ودار بينهما نقاش كان في نهايته أن خرج زيد متوجهاً إلى الكوفة. فجاءه أهلها وعاهدوه على نصرته، ثم نكسوا على أعقابهم حين تراءى الجمعان، جيش الخلافة وهؤلاء الأوباش، وفي هذا الموقف الحرج قام هؤلاء وسألوه ليأخذوا حجة في الهرب ولرداءة معتقدهم قالوا: له: إنا لننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب، فقال زيد دون نفاق -: إني لا أقول فيهما إلا خيراً، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيراً، وقد كانا وزيري جدي، فلما سمعوا هذا الجواب تفرقوا عنه ورفضوه، فقال لهم: رفضتموني؟ - فسموا رافضة وبقي في شرذمة قليلة سرعان ما قضي عليهم، وقتل زيد. انظر: الكامل لابن الأثير (5/229-235 و242-247) والبداية والنهاية لابن كثير (9/329-330) ومروج الذهب للمسعودي (3/217-220) ومقاتل الطالبين للأصفهاني ( ص 86-102). ويجب أن تدرك المبالغات التي ذكرها المسعودي والأصفهاني بناء على تشيعهما.

ثالثاً: آراء زيد بن علي رضي الله عنه:-

للشيعة عموماً آراء متضاربة متناقضة وأفكار تأثرت بجهات شتى من وثنية ومجوسية ويهودية ونصرانية إلا القليل منهم.

أما بالنسبة لزيد فإن آراءه كما ذكر علماء الفرق والمؤرخون نوجزها فيما يلي:

 1- في السياسة: يرى زيد جواز ولاية المفضول، أي إن الإمامة عنده ليست وراثة، فإذا اقتضت المصلحة تقديم المفضول فلا بأس بذلك، وكان مع تفضيله لعلي على أبي بكر يرى أن خلافة الشيخين خلافة صحيحة، حيث يقول: ( كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحرب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشان لمن عرفوا باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ). راجع كلامه في هذا الشأن في الملل والنحل للشهرستاني (1/155).

و في كلامه هذا بعض الأمور التي فيها نظر، فإن الصحابة ما كانوا ليحقدوا عليه أي على علي رضي الله عنه - قتل أقربائهم من المشركين، وأما الشدة فإن عمر كان أشهر منه فيها، وقد ولاه الصحابة أمرهم.

 2 - القول بعدم عصمة الأئمة أو وصايتهم من النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقول الإمامية وبعض فرق الزيدية، فإن زعمهم عصمة الأئمة أو وصايتهم كان أساسه الاعتقاد الخاطئ أن تولي الأئمة كان من النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتصرف إلى بوحي، ومن غير المعقول أن يختار الله ورسوله الأئمة ثم يجري عليهم الخطأ في أحكامهم وهم المرجع للدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

و لكن زيداً لم يلتفت إلى هذا القول الخاطئ والاعتقاد الباطل فيما قيل عنه. انظر: الإمام زيد لأبو زهرة (ص 191)، ولكن الزيدية في عصرنا الحاضر يقولون بعصمتهم، انظر: نصيحة الإخوان (ص 4).

 3 - لم يقل بالمهدي المنتظر ولا بالغائب المكتوم، في حين زعمت الجارودية من الزيدية أن محمد بن عبد الله بن الحسن لم يمت، وأنه يخرج ويغلب، وفرقة أخرى زعمت أن محمد بن القاسم حي لم يمت، وأنه يخرج ويغلب، وفرقة قالت مثل ذلك في يحيى بن محمد صاحب الكوفة. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (1/141).

 4 - حكم في مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين تبعاً لرأي المعتزلة، وقيل: إنه خالفهم في تخليده في النار، وقال: لا يخلد في النار إلا غير المسلم. الإمام زيد لأبو زهرة (ص 204).

و لكن الشعري في المقالات (1/149) ينقل عن فرق الزيدية القول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، كما تقول الخوارج والمعتزلة، وأنهم مجمعون على ذلك.

 5 - قال بالإيمان بالقضاء والقدر من الله تعالى، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار بتمكين الله له، وبها يحاسب فيثاب أو يعاقب كما يذكره عنه أبو زهرة في كتابه الإمام زيد (ص 208). رغم أن الزيدية معتزلة في الأصول بسبب تلمذة زيد على واصل بن عطاء زعيم المعتزلة.

 6 - لم يقل بالبداء على الله، وهو القول بحدوث حوادث جديدة متغيرة في علم الله على حسب ما يحدث -، وهذا القول تزعمته الكيسانية وكثير من الروافض، واعتقاده كفر، ومذهب زيد أن علم الله تعالى أزلي قديم، وأن كل شيء بتقديره سبحانه، وأن من النقص في علم الله أن يغير إرادته لتغير علمه، ولم يتأثر بعقائد الإمامية في هذا. الإمام زيد (ص 211) ومواقف الرافضة منه في مقالات الإسلاميين (1/113).

 7 - لم يقل بالرجعة المزعومة عند الشيعة، وهي بدعة غريبة، وهي أن كثير من العصاة سيرجعون إلى الدنيا ويجازون فيها قبل يوم القيامة، وينتصف أهل البيت ممن ظلموهم، كما أنه يرجع أقوام آخرون لا عقاب عليهم لينظروا ما يحل بمن ظلم أهل البيت. مقالات الأشعري (1/144- 145).

لكن هل استمر الزيدية على هذه المبادئ التي قيلت عن زيد؟

الجواب: قطعاً لا، فقد جاءت طوائف حرفت مذهب زيد، ورفضوا خلافة الشيخين، كما هو مذهب الجارودية والسليمانية، والبترية أو الصالحية، والنعيمية، واليعقوبية سيأتي الحديث عن هذه الفرق ومعتقداتها -، كما وأنهم قالوا بالرجعة، وعصمة الأئمة وغير ذلك من الأقوال.

توقفنا في الحلقة الماضية عند الحديث عن زيد بن علي وعن أسباب خروجه وعن أهم آرائه، واليوم إن شاء الله سوف يكون الحديث حول تحقيق نسبة بعض الكتب إلى زيد بن علي رحمه الله..