×

الاجتهاد والتقليد

الاجتهاد والتقليد

الكاتب: أحمد بن زيني دحلان

الاجتهاد والتقليد

ثم إن العلماء قسموا المجتهدين إلى مجتهد مطلق ومجتهد مذهب ومجتهد فتوى. فالمجتهد المطلق من كانت له ملكة وأهلية لاستنباط كل مسئلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح كالأئمة الأربعة رضي الله عنهم. ومجتهد المذهب من كانت له ملكة وأهلية للاستنباط من قواعد إمامه فإذا عرضت عليه مسئلة لم ينص عليها إمامه يستنبطها من قواعد مذهبه وربما أنه يقتدر أن يستنبط بعض المسائل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس لكن لا يقدر على ذلك في كل مسئلة وذلك كأصحاب الأئمة كأبي يوسف ومحمد صاحبي الإمام أبي حنيفة والمزني والربيع صاحبي الإمام الشافعي. وهكذا أصحاب بقية الأئمة ولو كانوا يقتدرون على استنباط كل مسئلة من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس لكانوا يجتهدون اجتهادا مطلقا ولا يقلدون أئمتهم، فهذا هو الفرق بينهم وبين المجتهد المطلق. وأما مجتهد الفتوى فهم أصحاب الترجيح للأقوال من أرباب المذاهب وهم من كملوا في العلم والمعرفة ولم يصلوا لرتبة مجتهد المذهب ومجتهدي الفتوى كثيرون كالرافعي والنووي وابن حجر والرملي في مذهب الشافعي. وأما من لم يصل إلى رتبتهم فلا يجوز له الترجيح بل لا يجوز له إلا مجرد النقل عنهم. وكان شيخنا رحمه الله يتعجب ممن يدعون الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة في هذا العصر ويقول إنما حملهم على ذلك الجهل المركب لأنهم ليس فيهم شيء من شروط مجتهدي الفتوى فضلا عن شروط مجتهدي المذهب فضلا عن شروط المجتهد المطلق، وإنما لبس عليهم الشيطان ففارقوا السواد الأعظم وصاروا يتخبطون وربما خرقوا إجماع الأئمة الأربعة في بعض المسائل وإذا أشكل عليهم شيء من الآيات والأحاديث يرجعون إلى كتب التفسير وشروح الحديث ويأخذون بما يقولون ويقلدونهم في ذلك مع أن مؤلفي التفسير وشروح الحديث الذين أخذوا بأقوالهم وقلدوهم كلهم مقلدون فهم ما رضوا بتقليد الأئمة الأربعة وقلدوا بعض أتباعهم وكل ذلك دليل على جهلهم ولو قرؤا كتب العلم لعرفوا قدر أنفسهم فلا حول ولا قوة إلا بالله. فيجب على ولاة الأمر وفقهم الله لكل خير أن يمنعوهم من ذلك التخبط ويأمروهم بالدخول في السواد الأعظم بتقليد أحد الأئمة الأربعة رضي الله عنهم.

وإذا كان بعض أهل السنة من المقلدين لأحد الأئمة الأربعة وقع في قلبه شيء من شبه المبتدعة الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم وأردت مناظرته فالزمه أولا بأن الأئمة الأربعة الذين منهم إمامه كلهم يعتقدون نزاهة الصحابة وترتيبهم في الفضل على حسب ترتيبهم في الخلافة فيجب عليه أن يتبع إمامه الذي قلده. فإن لم ينفع فيه ذلك تقيم عليه الحجة التي أقمتها على المبتدعة من الآيات والأحاديث.