×

في ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام (4)

في ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام (4)

الكاتب: مقبل بن هادي الوادعي

في ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام (4)

ومنها: أن الحجاج لم ينفروا من منى في سنة ثلاث عشرة إلا وقت الزوال من اليوم الرابع عشر من ذي الحجة لرغبة التجار في ذلك فازدادوا في الإقامة بمنى يومًا ملفقًا.

وفي هذه السنة حج صاحب كلوه وأحسن إلى أعيان الحرم وغيرهم وزار المدينة النبوية.

ومنها: أن في يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثمانمائة خطب بمكة للإمام المستعين بالله أبي الفضل العباس بن المتوكل محمد ابن المعتضد أبي بكر بن المستكفي سليمان بن الحاكم أحمد -المقدم ذكر جده- لما أقيم في مقام السلطنة بالديار المصرية، والشامية بعد قتل الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق صاحب مصر، ودعي له على زمزم في ليلة الخميس الحادي والعشرين من الشهر المذكور عوض صاحب مصر. ودام الدعاء له عوض السلطان بمصر إلى أن وصل الخبر بأن الملك المؤيد أبا النصر شيخ بويع بالسلطنة بالديار المصرية في مستهل شعبان من سنة خمس عشرة وثمانمائة، فدعي للملك المؤيد في الخطبة وعلى زمزم في شوال من السنة المذكورة. ودعي قبله للمستعين دعاءً مختصرًا بالصلاح ثم قطع الدعاء للمستعين بعد سنة ثم أعيد بعد أربعين يومًا ثم قطع بعد نحو خمسة أشهر.

ومنها: أن في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة حصل بين أمير الحاج المصريين جقمق المؤيدي ومن انضم إليه وبين القواد العمرة قتال في المسجد الحرام وخارجه بالمسفلة واستظهر الترك على القواد وأدخل أمير الحاج خيله إلى المسجد الحرام وجعلها بالجانب الشرقي قريبًا من منْزله وأوقدت فيه مشاعله وأوقدت أيضًا مشاعل المقامات ودام الحال على ذلك إلى الصباح. وفي ضحوة يوم السبت سكنت الفتنة واطمأن الناس. وسبب هذه الفتنة أن أمير الحاج المصري أدب غلامًا للقواد على حمله السلاح بمكة لنهي الأمير عن ذلك فطلب مواليه أن يطلقه من السجن فأبى فكان من الفتنة ما ذكرناه فلما أطلقه سكنت الفتنة. ومات بسببها جماعة من الفريقين وكثر بسببها انتهاك حرمة المسجد الحرام لما حصل فيه من القتال والدم وروث الخيل وسمّرت أبوابه إلا باب بني شيبة والدريبة والمجاهدية.

ومنها: أن في هذه السنة أيضًا حصل خلاف في هلال ذي الحجة هل أوله الاثنين أو الثلاثاء؟ فحصل الاتفاق على أن الناس يخرجون إلى عرفة في بكرة يوم الثلاثاء تاسع ذي الحجة على مقتضى قول من قال إنه رئي بالإثنين وأن يقيموا بها ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء ففعل معظم الناس ذلك ودفعوا من عرفة بعد الغروب ليلة الخميس إلى المزدلفة وباتوا بها إلى قرب الفجر، ثم رحلوا إلى منى بعد رحيل المحامل، والمعهود أنّها لا ترحل إلا بعد الفجر وكذا غالب الناس ففاتهم الفضيلة، وما تعرض لهم في سيرهم من عرفة إلى منى أحد بسوء مما علمناه لعناية أمير الحاج لحراستهم وتعرض الحرامية للحجاج المكيين وغيرهم عند مأزمي عرفة في توجههم إليها وحصل للحجاج هؤلاء قتل ونهب وعقر في جمالهم وحصل بمنى نهب كثير في ليلة الأربعاء وليلة الخميس.

ومنها: أن في سنة ثمان عشرة وثمانمائة أقام الحجاج بمنى غالب يوم التروية وليلة التاسع ثم مضوا من منى بعد طلوع الشمس إلى عرفة وأحيوا هذه السنة بعد إماتتها دهرًا طويلاً.

ومنها: أن في سنة أربع وعشرين وثمانمائة: بات كثير من الحجاج بمنى في ليلة التاسع ومضوا منها إلى عرفات بعد طلوع الشمس صحبة محمل مصر والشام والفاعل لذلك أكثرهم من حجاج مصر والشام وأحيوا هذه السنة أثابهم الله.

ومما ينبغي إحياؤه من السنن بمنى: الخطبة بها في أيام الحج، فالله يثبت الساعي في ذلك.

ومنها: أنه لم يخطب بمكة ولا في غيرها لملك أصغر سنًا من الملك المظفر أحمد بن الملك المؤيد شيخ لأنه بويع له بالسلطنة بمصر والشام وله من العمر سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام -بتقديم السين- على ما وجدت في تاريخ بعض أصحابنا. وكانت البيعة له في ثامن المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة بعد موت أبيه.

واستمر حتى خلع في السابع والعشرين من شعبان من السنة المذكورة بدمشق.

ومنها: أن الملك الظاهر أبا الفتح ططر لم يخطب له بمكة وهو حي إلا جمعة واحدة لأنه خطب له بمكة في يوم الجمعة ثاني ذي الحجة أو ثالثه سنة أربع وعشرين وثمانمائة. ومات في الرابع من ذي الحجة من السنة المذكورة. واستمرت الخطبة له بمكة حتى وصل الخبر بموته في أثناء شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وثمانمائة ولم يتفق ذلك لغيره. وخطب بعد ذلك بمكة لولده الملك الصالح محمد.

وفي موسم سنة أربع وعشرين وثمانمائة أبطل الملك الظاهر ططر بعض المكوسات المأخوذة بمكة في الخضر وغير ذلك من المأكولات وغيرها. وألزم به أمير مكة الشريف حسن بن عجلان فوافق على ذلك وكتب ذلك في أساطين المسجد الحرام قبالة باب بني شيبة وغيره.

ومنها: أن مولانا السلطان الملك الأشرف برسباي -نصره الله وأيده- انفرد بالخطبة بمكة أشهرًا ولم يخطب معه لصاحب اليمن ولا لغيره من الملوك وكانت العادة جارية بالخطبة بعده لصاحب اليمن فترك ذكر صاحب اليمن في الخطبة بمكة في أيام الموسم في سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة. وفي سابعه أعيدت الخطبة بمكة لصاحب اليمن المشار إليه وهو الملك الناصر أحمد بن الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن. وأول ما خطب لمولانا السلطان الملك الأشرف برسباي بمكة في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وكانت مبايعته بالسلطنة في ثامن ربيع الآخر من السنة المذكورة بعد خلع الصالح محمد بن الظاهر ططر. وكان الصالح بعد أبيه وله من العمر عشر سنين فيما قيل وهو والمظفر حيان وابتدأ مولانا السلطان الملك الأشرف -نصر الله دولته الشريفة- بشيء حسن وهو أنه منع من تقبيل الناس له الأرض بين يديه تدينًا وتعظيمًا لله سبحانه وتعالى ولم يتفق ذلك لغيره من ملوك مصر. وامتاز أيضًا نصره الله بغزوه الفرنج في بلادها بنواحي قبرص وغيرها وأظفره الله بهم لأن عسكر المنصور أسروا كثيرًا من الفرنج وغنموا من أموالهم طائلاً ووصلوا بذلك إلى مصر في شوال سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وهابه الفرنج كثيرًا ورغبوا أن يكون لهم من السوء مجيرًا، وبعثوا إليه بالهدية ليسعفهم بالأمنية. ومن مزاياه على ملوك مصر-بعد الناصر حسن بن محمد قلاوون- أنه أرسل إلى مكة المشرفة عدة عساكر برًا وبحرًا واستولوا عليها ولم يقاومهم أحد من بني حسن ولا غيرهم وساروا من مكة حتى قاربوا بلاد حلى فلم يتعرض لقتالهم أحد من الناس هيبة له، وعادوا إلى مكة المشرفة سالمين وذلك في سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. وفي ربيع الآخر منها: وصل طائفة من عسكر المنصور من مصر إلى مكة، وفي سادس جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة كان وصول طائفة من عسكر المنصور إلى مكة فاستولوا عليها كما سبق ذكره في آخر الباب قبله. وفي شوال سنة ثمان وعشرين وثمانمائة وصل طائفة من عسكر المنصور في موكبين عظيمين إلى مرسى زبيد باليمن على ليلة منها وفي أحدهما هدية لصاحب اليمن فقوبل الرسول بالكرامة.

ومنها: أن في سنة تسع وعشرين وثمانمائة: تخوف الناس في أيام الموسم حصول فتنة بمكة وفي أيام الحج، وسلم الله وله الحمد. وسبب ذلك أنه قدم إلى مكة جماعة من الأمراء المقدميين وغيرهم من المماليك السلطانية الأشرفية في أوائل العشر الأخير من ذي القعدة وكان الشريف حسن بن عجلان غائبًا عن مكة بناحية الخريفين في جهة اليمن واستدعوه إلى مكة فلم يحضر لتخوفه وحضر إليهم ولده الشريف بركات وأكرموه. ولما أيسوا من حضور الشريف حسن استدعوا سرًا إلى مكة الشريف رميثة بن محمد بن عجلان وأطمعوه ولاية مكة وذلك في يوم عرفة أو يوم التروية فلم يستطع الوصول إليهم لأنه كان مقيمًا عند عمه ولعظم هيبة الأمراء وجماعتهم لم يتظاهر الحرامية بنهب في طرقات الحج بمكة. وخرج الأمراء والترك والحجاج من مكة إلى منى في يوم التروية وباتوا بها إلى الفجر من اليوم التاسع أو قربه، وساروا إلى عرفة فأقاموا بها إلى الغروب، ودفعوا إلى مزدلفة فلم يستطع أحد من الحرامية التعرض للحاج بسوء في مأزمي عرفة ولا غيره، لعناية الأمراء وجماعتهم بحراسة الحاج، وانقضت أيام الحج وأحوال الناس من الحجاج وغيرهم مستقيمة.

وكان الأمراء يرجعون في مصالح الحاج والرعية بمكة إلى رأي مولانا المقر الأشرف الكريم الزيني عبدالباسط ناظر الجيوش المنصورة بالممالك الشريفة -أعلى الله قدره وبلغه وطره- لحسن تدبيره وجودة رأيه. وكان مولانا السلطان الملك الأشرف برسباي صاحب مصر والشام -نصره الله- قد فوض إليه أمر مكة، وعمل المصلحة فيها لكفايته وعظم رتبته، فمشت الأحوال بمكة على السداد -بلغه الله المراد- وبدت منه على عادته بمكة صدقات مبرورة وأفعال مشكورة، وهذه حجته الثانية، وحج قبلها في سنة سبع عشرة وثمانمائة - تقبل الله منه العمل وبلغه الأمل وفسح له في الأجل-.

وهذا آخر ما قصدنا ذكره من الحوادث في هذا الباب. ونسأل الله تعالى أن يجزل لنا على ذلك الثواب. ولولا مراعتنا للاختصار في ذكرها لطال أمر شرحها. اهـ من ((العقد الثمين)).

وعند أن قرأت هذا الباب قارنت بين حالتنا فقد حججت بحمد الله أعوامًا والحجيج في أمن واستقرار وفي عيش رغد، وبين تلكم الحوادث التي ذكرت في الكتاب، فعلمت أن الرافضة يريدون بتلكم التظاهرات الجاهلية فتح باب فتنة، وقد كنت بحمد الله أحذر من تلكم التظاهرات في خطب العيد وفي خطب الجمعة، ولكن من يبلغ تلكم الخطب الناس كلهم فعزمت على تأليف هذا الكتاب وسميته ((الإلحاد الخميني في أرض الحرمين))، أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين،  ويقمع به البدع والمبتدعين، إنه على كل شيء قدير.