×

السنة الصحيحة ما صححه أئمة الحديث الثقات المشهورون

السنة الصحيحة ما صححه أئمة الحديث الثقات المشهورون

الكاتب: أحمد بن زيني دحلان

السنة الصحيحة ما صححه أئمة الحديث الثقات المشهورون

ثم يصير البحث والمناظرة معه في بيان التفاضل بينهم واستحقاق الخلافة.

ولا بد أيضا قبل المناظرة أن يمهد بين المتناظرين أصل آخر يكون المرجع إليه عند الاختلاف كالكتاب والسنة الصحيحة والإجماع والقياس.

والمراد بالسنة الصحيحة ما صححه أئمة الحديث الثقات المشهورون بين الأمة في مشارق الارض ومغاربها المشهود لهم بالعلم والمعرفة والإتقان الذين أفنوا أعمارهم في تحصيل الحديث وتدوينه ورحلوا في تحصيله إلى مشارق الارض ومغاربها وعرفوا الصحيح من الضعيف والموضوع وعرفوا الرواة وميزوا الثقة الذي تقبل الرواية عنه من غيره.

وكل ذلك موضح مبسوط في كتب التواريخ والسير وطبقات العلماء بل ألفوا كتبا خاصة في أسماء الرجال طبقة بعد طبقة وذكروا فيها صفاتهم وتواريخ ولاداتهم ووفاتهم وتفاوت درجاتهم في العلم ومن يقبل منهم ومن لا يقبل، كل ذلك لله الحمد موضح مبين بغاية التوضيح والبيان.

فإذا صارت المناظرة والاستدلال من أحد المتناظرين لا يقبل شيء من الروايات ولا من الرواة إلا من حكم الأئمة العارفون بقوله ولا تقبل رواية المجهول ولا من حكموا عليه بالضعف وعدم القبول ولا يقبل في الجرح والتعديل إلا قول الأئمة العارفين.

وأما غيرهم ممن لا معرفة له بالحديث أو لم يذكره أحد من أئمة الحديث ولم يترجموا له في رجال الحديث ولم يبينوا أوصافه فإنه لا يقبل قوله ولا روايته ولا تصحيحه ولا تضعيفه ولا جرحه ولا تعديله. فإذا حصل الاشتباه في أحد تراجع كتب الأئمة فإن وجد مذكورا فيها بالعدالة والمعرفة والضبط قبلت روايته بعد تصحيح إسنادها إليه وإن وصف بعدم ذلك لم تقبل روايته، وكذا لو لم يذكروه أصلا فإنه لا تقبل روايته ولا تصحيحه ولا تضعيفه ولا جرحه ولا تعديله. فإذا اتفق المتناظران على هذا الأصل أيضا أمكنت المناظرة بينهما حينئذ بإيراد ما يورده كل منهما وإقامة الدليل عليه من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس وإسناد ذلك إلى الثقات من الأئمة وإلى كتبهم المشهورة. فإن لم يتفقا على هذا الأصل لا تمكن المناظرة بينهما.

وإذا حصلت المناظرة بينهما فليكن السني حريصا على إقامة البرهان والحجة على خصمه أولا بالآيات القرآنية التي تلزم خصمه الاعتراف بتراهة الصحابة عما يقدح فيهم وفي عدالتهم. ثم بالأحاديث النبوية الدالة على ذلك أيضا.

ولا يذكر له شيئا من الأحاديث إلا بعد إلزامه بما تضمنته الآيات القرآنية، فإن البحث مع المبتدعة في الأحاديث قبل إلزامهم بما تضمنته الآيات لا ينتج بفائدة. وكذلك البحث معهم قبل تقرير المرجع عند الاختلاف على الوجه المذكور آنفا لا ينتج بفائد، ة لأن أدلتهم التي يستدلون بها على مطالبهم كلها تمويهات لا محصول لها عند التحقيق. ولهم أكاذيب واختلاقات ينسبونها إلى سيدنا علي رضي الله عنه والى أهل البيت لا يثبت شيء منها عند التحقيق.

وأما أهل السنة فعندهم أدلة كثيرة على معتقدهم منسوبة إلى الأئمة الثقات وكثير منها منسوبة بالأسانيد الصحيحة إلى سيدنا علي رضي الله عنه وعلماء أهل البيت لا يمكنهم الطعن في شيء منها.

وأما شبهات المبتدعة واستناداتهم التي يستندون إليها فلا يقبلها منهم إلا جاهل غير مطلع على كتب الأئمة الذين يكون المرجع إليهم عند الاختلاف. وأما العالم بالمعرفة والاطلاع فإنه يزيف لهم كل دليل يستندون إليه مخالفا لمذهب أهل السنة ويقيم لهم على ذلك الحجج الواضحة والبراهين الفاضحة. فالعاقل لا يتعب نفسه معهم في المناظرة قبل تمهيد الأمر على الوجه الذي ذكرناه.

ولا بد أن يقرر لخصمه أنه إذا حصل اختلاف في معاني بعض الآيات والأحاديث يكون المرجع في تفسير ذلك وبيانه تفاسير الأئمة المشهورين بالعلم والمعرفة والإتقان وشروح الأحاديث المنسوبة أيضا للأئمة المشهورين بالعلم والمعرفة والإتقان ولا يفسر شيئا من الآيات والأحاديث بالرأي قبل معرفة كلام الأئمة المذكورين. فإن الأخذ بظواهر الآيات والأحاديث قبل عرضها على كلام الأئمة أصل من أصول الكفر كما صرح بذلك كثير من الأئمة منهم الإمام السنوسي في شرحه على أم البراهين.

فلا يجوز تفسير شيء من الآيات والأحاديث بالرأي ولا حملها على معان لم ينص عليها الأئمة المعتبرون.

فلا بد في ذلك كله من النقل عن الأئمة المجتهدين في الدين العارفين بمعاني الكتاب المبين وبأحاديث النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين. فليس لنا أن نقول هذه الآية تدل على كذا وهذا الحديث يدل على كذا إلا بالنقل عن الأئمة المعتمدين لأنا لسنا من أهل الاجتهاد ولا الاستنباط. وقد ذكر العلماء أن مرتبة الاجتهاد قد انقطعت بعد عصر الأئمة الأربعة فلم يوجد بعدهم من فيه أهلية للاجتهاد المطلق. قالوا وأدعاها الإمام محمد بن جرير الطبري وكان إماما جليلا في القرن الرابع فلم يسلموا له بلوغه مرتبة الاجتهاد المطلق وكان متضلعا من العلوم عارفا بالمنطوق والمفهوم. فإذا كان مثل هذا الإمام لم يسلم له الاجتهاد المطلق فما بالك بغيره.

 إنما عزت رتبة الاجتهاد بعد عصر الأئمة ببعد العهد وضعف العلم بالنسبة إلى زمنهم. لأن المجتهد المطلق له شروط كثيرة منها أن يكون ممتلئا بالعلوم عارفا بالمنطوق والمفهوم وبالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمجمل والمبين وغير ذلك من الأقسام.

ولا بد أيضا من أن يكون عارفا بالحديث وأنواعه من صحيح وحسن وضعيف ومنسوخ وغير ذلك وعارفا بالرجال المقبول منهم وغير المقبول ومطلعا على أقوال الصحابة والتابعين وبقية الأئمة المجتهدين وعلى ما قرروه في الآيات والأحاديث وعارفا بمأخذهم وكيفية استنباطاتهم والقواعد التي بنوا عليها أقوالهم في كل مسئلة وغير ذلك مما ذكر العلماء في شروط الاجتهاد. وكل ذلك في هذه الأعصار أصعب من خرط القتاد لطول المدة بيننا وبينهم مع ضعف العلم وغلبة الجهل فلا يجوز لأهل هذه الاعصار الاجتهاد والاستنباط في شيء من الآيات والأحاديث، بل يجب عليهم الأخذ بأقوال أئمة الدين واتباعهم في كل ما يقولون من الأحكام الفقهية وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

ولو لم نقل ذلك لزم الزيغ والضلال والإلحاد في الدين لأن كثيرا من الآيات والأحاديث يعارضها مثلها من الآيات والأحاديث ولا اطلاع لغير المجتهدين على ذلك إلا بالنقل عنهم وبعضها منسوخ وبعضها مخصص وبعضها مجمل وبعضها متشابه إلى غير ذلك من الأقسام وكل ذلك لا يعرفه إلا الأئمة المجتهدون ولا نعرفه نحن إلا بالنقل عنهم. فلذلك كان الأخذ بالظواهر قبل معرفة كلام الأئمة أصل من أصول الكفر. وبعض الآيات والأحاديث تكون عند الأئمة محمولة على معان ظهرت لهم بأدلة وقرائن خفيت علينا فلا يجوز لنا مخالفة أقوالهم فيها.

ولنذكر شيئا من الأمثلة التي تعارضت فيها الأحاديث وأجاب الأئمة عن تعارضها وحملوا كلا منها على معنى صحيح. فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "علي سيد العرب"[1] إن أخذ بظاهره وحمل على عمومه فربما يستدل به المخالف على أفضلية علي على أبي بكر رضي الله عنهما أو على استحقاقه الخلافة قبله، مع أن ذلك معارض بالادلة الكثيرة التي هي أصح وأقوى في الدلالة على أفضلية أبي بكر واستحقاقه التقدم في الخلافة. فإنه قد صحت أحاديث كثيرة على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الخلائق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنه أحق بالخلافة وكل ذلك مبسوط في كتب أئمة أهل السنة.

فحينئذ لا يجوز حمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "علي سيد العرب" على عمومه لكل شيء حتى يعارض ذلك، فحمله الأئمة على أن هذه السيادة في شيء مخصوص كالنسب مثلا والاتصال بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فجمعوا بين النصوص بهذا الحمل ليندفع التعارض.

ومن ذلك أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر» رضي الله عنه قال الأئمة من أهل السنة: إن في ذلك إشارة إلى أنه الخليفة بعده فأمر - صلى الله عليه وسلم - بابقاء خوخة داره غير مسدودة حتى يسهل عليه الدخول للمسجد ليصلي بالناس لأن الخليفة هو الذي يصلي بالناس وكل أمير كان يؤمره - صلى الله عليه وسلم - على جماعة كان يأمره بالصلاة بهم. قالوا ولا يعارض هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سدوا كل باب في المسجد إلا باب علي" رضي الله عنه، لأن الحديث الأول أصح إسنادا وشرط التعارض التساوي ولأنه قاله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفى فيه حين قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وأما حديث علي رضي الله عنه فقد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك ولأن بيت علي رضي الله عنه كان ملاصقا لحجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس له طريق إلى المسجد إلا بفتح باب من بيته إلى المسجد. وأما أبو بكر رضي الله عنه فإنه كان له طريق إلى المسجد من غير احتياج إلى فتح الخوخة وإنما أمر بفتح الخوخة ليسهل تردده إلى المسجد ليصلي بالناس فلا تحصل له مشقة بسلوك طريق آخر.

وهناك أمثلة كثيرة يطول الكلام بذكرها ولو كان الأخذ بظواهر القرآن جائز من غير عرضه على كلام الأئمة لأشكل كثير من الآيات. من ذلك قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} مع قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فبينهما بحسب الظاهر تعارض يندفع بما قرره الأئمة في ذلك. قالوا إن معنى قوله تعالى {وإنك لتهدي} أنك تدل الخلق على الله وتدعوهم إلى الايمان به. ومعنى قوله تعالى: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أنك لا تخلق الهداية في قلوبهم لأن الخالق لذلك هو الله تعالى. وأمثال ذلك في القرآن كثير.

فليس لنا أن نعدل عن كلام الأئمة ونأخذ ذلك بالرأي. فمن فعل ذلك كان من الضالين الهالكين. فيجب على كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يقلد واحدا من الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على صحة مذاهبهم وهم الإمام أبو حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس والإمام الشافعي محمد بن إدريس والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم. فهم وأتباعهم هم أهل السنة والجماعة. وكانت المذاهب في زمن التابعين وأتباعهم كثيرة -مثل مذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه وغيرهم- ولكن غير الأربعة اندرست مذاهبهم ولم تعرف الآن قواعد مذاهبهم التي أسسوا عليها كل مسئلة فلذلك امتنع تقليد أحد منهم الآن، بخلاف المذاهب الأربعة فإنها تدونت مذاهبهم وأسست قواعدها وورد عليها أنظار العلماء قرونا كثيرة وانعقد الإجماع على صحتها، ولا تجتمع الأمة على ضلال لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجتمع أمتي على ضلال" واستند الإمام الشافعي لكون الإجماع حجة من قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} والمراد من الإجماع الذي يكون حجة وهو إجماع أهل السنة والجماعة. ولا عبرة بغيرهم من المبتدعة والفرق الضالة. فإن أهل السنة والجماعة هي الفرقة الجارية على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الأمة «ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وهي التي تكون على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

وإذا نظرت تجد أهل السنة هم الذين قاموا بنصرة الشريعة ودونوها وألفوا الكتب في أيضاحها وبيانها وتحقيقها من كتب التفسير والحديث والفقه والنحو وغير ذلك من العلوم المنقولة والمعقولة أما غيرهم فليس لهم شيء من ذلك وإن وجد لهم شيء من التأليف فعلى سبيل الندرة وملؤا كتبهم بأكاذيب وقبائح تقتضي إبطال الشريعة ورفضها والطعن على ناقليها من الصحابة وغيرهم. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بالسواد الأعظم فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" والسواد الأعظم هم الجماعة الكثيرة وهم أهل السنة والجماعة. فإياك أن تفارقهم فتكون من الهالكين.

 

[1] قال الذهبي في ميزان الاعتدال: باطل.