×

الزيدية عبر تاريخ الإسلام

الزيدية عبر تاريخ الإسلام

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

الزيدية عبر تاريخ الإسلام

الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله، صلوات الله و سلامه عليه..

و بعد :-

فإن من أكبر الفرق على الإطلاق وأكثرها انتشاراً، هي فرقة الشيعة على تعدد طوائفها واختلاف نحلها، بدءاً بالسبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي كان رأساً في إذكاء نار الفتنة والدس بين صفوف المسلمين، إلى الرافضة الاثنا عشرية في يومنا هذا، حيث كانت و لا تزال هذه الفرق، وبالاً و شراً على المسلمين على طول تاريخهم، وفي جميع مراحل حياتهم، و قد تأثر الشيعة في كثير من عقائدهم الباطلة بالعقائد اليهودية و الفارسية وغيرها.

و قد أخذ كثير من فرق الشيعة بالتمويه على الناس للدخول في فرقتهم، مستغلين في ذلك حب الناس لآل البيت، و مع مرور الزمن استطاع الشيطان أن يضل هذه الفرقة ضلالاً بعيداً، و يغويهم عن الصراط المستقيم إغواءً عظيماً، و صاروا أخطر على المسلمين من الخوارج.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (2/477-482): و هؤلاء الرافضة الشيعة إن لم يكونوا شراً من الخوارج المنصوصين، فليس دونهم...، فإن أولئك إنما كفّروا عثمان وعلياً وأتباع عثمان وعلي فقط، دون من قعد عن القتال أو مات قبل ذلك، والرافضة كفرت أبابكر وعمر و عثمان وعامة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم و رضوا عنه، وكفروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المتقدمين والمتأخرين...، ولهذا يكفرون أعلام الملة.. و يستحلون دماء من خرج عنهم و يسمون مذهبهم مذهب الجمهور.. و يرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى؛ لأن أولئك عندهم كفار أصليوّن و هؤلاء مرتدون، و كفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي؛ و لهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين كما عاونوا التتار على المسلمين، و كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكيز خان ملك الكفار إلى بلاد الإسلام، و في قدوم هولاكو إلى بلاد العراق ، وهم مع هذا يعطلون المساجد التي أمر الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه، فلا يقيمون فيها جمعة ولا جماعة، و يبنون على القبور المكذوبة مساجد يتخذونها مشاهد، حتى إن مشائخهم من يفضلها على حج البيت الذي أمر الله به و رسوله، و وصف حالهم يطول.

ومازال أمر هؤلاء الشيعة في زيادة حتى بلغ بطائفة القرامطة و هم من غلاتهم أن يروّعوا الآمنين من المسلمين في أنحاء عديدة من الدولة الإسلامية ويعيثوا في الأرض فساداً حتى آل بهم الحال إلى اجتياح البلد الحرام، و هتكوا الحرمات، و سفكوا دماء الحجيج، و دفنوا القتلى في بئر زمزم، و قلعوا باب الكعبة وأخذوا الحجر الأسود معهم، حيث مكث عندهم اثنين وعشرين سنة  من عام 317-339 هـ -، وألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً، وقتلوا من العلماء والحفاظ خلقاً كثراً، و من الناس من لا يحصيهم إلا الله، وهابت الدولة جانبهم وكسروا جيوشها في عدة مواقع، وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنع أنهم كفار زنادقة، و قد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب.

ثم ابتلي المسلمون حين ضعف أمر الخلافة بطائفة من الشيعة وهم البويهيون حيث استطاعوا أن يسيطروا على مقاليد الحكم في بغداد، وأن يهينوا الخلفاء العباسيين الذي ليس بيدهم من الأمور شيء، و قد أراد البيهويون نزع الخلافة من العباسيين وإعطائها لإخوانهم العبيديين بزعمهم أنهم من آل البيت، ثم عدلوا عن ذلك. و قد لاقى أهل السنة في عهد بني بويه، الكثير من المآسي والنكبات، فكانت لا تمر سنة واحدة إلا و يحدث بين الرافضة وأهل السنة كثير من المصادمات والفتن، حيث كان الرافضة في يوم عاشوراء من كل عام يفعلون بدعتهم الشنعاء و يغلقون الأسواق، و تخرج نساؤهم حاسرات سافرات نائحات على الحسين و يلطمن وجوههن، و يكتبون على أبواب المساجد لعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، كما يلعنون أبابكر و عمر وعثمان، وكان الحكام البويهيون يأمرون بذلك، و يذودون عن إخوانهم الرافضة، و كان هؤلاء البويهيون على صلة بالقرامطة والعبيديون في مصر.

واستطاع بنو حمدان وهم من الشيعة أيضاً أن يقيموا لهم دولة في حلب والموصل و ما جاورهما، وإن كان لنبي حمدان في صد غارات الروم وجيوشهم، فإن لهم من التشيع والتواطؤ مع القرامطة شيء عظيم. راجع البداية والنهاية (11/270).

كما نجح العبيديون ينسبون زوراً و بهتاناً إلى فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في بسط سلطتهم على بلاد المغرب و مصر والشام، و قد امتلأت البلاد رفضاً و سبأ للصحابة من بني بويه و بني حمدان و العبيديين، و كل ملوك البلاد مصراً و عراقاً و و شاماً و خراسان وغير ذلك من البلاد كانوا رفضاً، و كذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة. البداية والنهاية (11/247).

و قد كان هؤلاء العبيديون أشر حالاً وأكثر وبالاً، و قد حكم العلماء بكفرهم و فسوقهم و فجورهم وأنهم ملحدون، زنادقة معطلون، و للإسلام جاحدون، قد عطلوا الحدود و أباحوا الفروج، وأحلوا الخمر و سفكوا الدماء، و سبّوا الأنبياء ولعنوا السلف وادعوا الربوبية[1].

و قد استمرت هذه النبتة الرافضية الباطنية الخبيثة قريباً من ثلاثمائة سنة، حتى زالت على يد الملك العادل الصالح السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، و في عهد هذه الدولة الأسود استحوذ الفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها، حتى بيت المقدس، و لم يبق مع المسلمين سوى حلب و حمص وحماة و دمشق و بعض أعمالها، و جميع السواحل مع الفرنج، و النواقيس النصرانية والطقوس الإنجليزية تضرب في شواهق الحصون والقلاع[2].

وقد استطاع الصليحيون أيضاً وهم من غلاة الشيعة أن يقيموا لهم دولة في اليمن استمرت قرابة القرن من الزمن، حاولوا خلالها ضم الحجاز لهم وكانوا دعاة للعبيديين في مصر، و كانوا أيضاً من غلاة الشيعة الذين يسعون إلى هدم العقيدة وتقويض شرائع الإسلام، شأنهم في ذلك شأن القرامطة والعبيديين وغيرهم من طوائف الباطنية الأشرار.

والجدير بالذكر وهو مما يؤسف له حقاً؛ أن هذه الدول أو أكثرها قام على أكتاف السنة، ولو أن هؤلاء لم يساعدوا على قيامها، أو لو أنهم قاوموها لانهارت بأقرب فرصة، و لكن غفلة عوام السنة تجعلهم ألعوبة بيد أعدائهم، يضربون بهم، و يقيمون العروش على أكتافهم، فقبائل كتامة لم تكن شيعية أو إسماعيلية قبل أن يتلاعب بهم أبو عبد الله الشيعي  أحد المؤسسين للدولة العبيدية -، وهم الذين أقاموا الدولة العبيدية، والبيهيون حكموا بغداد عاصمة الخلافة، و كان من العلماء والوزراء السنة من يعمل معهم و يساعدهم[3].

و في أثناء حكم هؤلاء الشيعة الروافض اشرأبت أعناق اليهود والنصارى وقويت شوكتهم وصاروا أكابر بعد أن كانوا صاغرين، و وصل بعضهم إلى كراسي الوزارة، وألحقوا بالمسلمين من المظالم ما الله به عليم و استطاع الصليبيون في عهدهم الأسود أن يستولوا على بيت المقدس دون أن يبذل واليها من قبل العبيديين أدنى مقاومة، و لكن الله عز وجل أبطل مكر الشيعة وأوهن كيدهم، و حل الخلل والضعف في دولهم و مكن لدينه وأظهره على دين الشيعة ومذهبهم، و ذلك بظهور دولتين سنيتين قويتين، و هم الغزنويون والسلاجقة.

فأما الغزنويون فقد أعادوا للجهاد قيمته و رفعوا رايته و وصلت فتوحاتهم إلى الهند وأحرقوا كتب العبيديين و رفضوا دعوتهم حين دعوهم وقتلوا داعيتهم، و قتلوا من الباطنية خلقاً كثيراً. البداية والنهاية (12/30-32 ).

وأما السلاجقة فقد استطاعوا أن ينقضوا على البويهيين الرافضة في بغداد، و يحرروا الخلافة العباسية من رقبتهم، بعد أن وصل بهم الحال في آخر الأمر أن دعوا على المنابر لخليفة العبيديين، وأرادوا أن يكون للشيعة كامل السلطان وعظيم الهيمنة على ديار الإسلام كلها، و لكن الله فضحهم وسلبهم ملكهم و رد كيدهم في نحرهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، بأن قيض الله لهذه الأمة من أظهر دينه وأعلى كلمته و هم السلاجقة الذين ردوا للخلافة اعتبارها و مكانتها، وأبطلوا ما كان يفعله الروافض من السب للصحابة ومن البدع الشنيعة الأخرى، و خرج التوقيع من ديوانهم بكفر من سب الصحابة وأظهر البدع. البداية والنهاية (12/86، 99 ).

و نتيجة لغفلة المسلمين وتهاون خلفائهم، تمكن الرافضي الخبيث ابن العلقمي من الوصول إلى وزارة الخلفية العباسي المستعصم بالله، فكانت النتيجة لتلك الغفلة والثقة بأمثال ابن العلقمي من الروافض أن حل بالدولة الإسلامية والخلافة العباسية من الاجتياح الهمجي والاحتلال البربري من قبل هولاكو وجيشه من التتار المجرمين، حيث قتل الخليفة و قتل من أهل بغداد ما يقدر في بعض الروايات بمليون و ثمانمائة ألف قتيل، فيهم من العلماء والحفاظ والفقهاء والأمراء والأعيان الجم الغفير، و كل ذلك كان بسبب ممالأة هذا الوزير الرافضي ومصانعته لهولاكو وقطعان التتار الهمج. البداية والنهاية (13/215).

و بعد ردح من الزمن تمكن الشيعة الصفويون من أن يقيموا لهم دولة قوية في فارس، قامت بينها و بين الدولة العثمانية كثير من المصادمات العنيفة والحروب الضارية، و قد عملت هذه الدولة الشيعية على نشر المذهب الشيعي في الأناضول، و هي الموطن الأصلي للدولة العثمانية، و لقي المذهب الشيعي استجابة واسعة بين رعايا الدولة و بخاصة في شرق الأناضول، و لكن السلطان سليم الأول أحس بالخطر الشيعي القادم، فجيش الجيوش و جند الأجناد واستطاع أن ينزل الهزيمة بالشاه إسماعيل ملك الصفويين، و دخل عاصمتهم تبريز، واستولى على كثير من الأقاليم التي كانت تحت يدهم، و لكنه لم يقض عليهم تماماً بسبب انشغاله بالحروب والفتوحات في الشرق العربي الإسلامي. الدولة العثمانية دولة مفترى عليها (1/18-19 ). ولا تزال طوائف الرافضة إلى يومنا هذا تسيطر على فارس وتعمل على نشر مذهبها في أنحاء العالم.

و هكذا كان هؤلاء الروافض الباطنية على تباين نحلهم واختلاف طوائفهم العدو الأكبر والخطر الأعظم على المسلمين، وكانوا و مازاوا خنجراً مسموماً استعمله أعداء الإسلام من تتار و صليبيين و يهود من أجل هدم هذا الدين، و قد رأيناهم حينما وصلوا إلى الحكم سرعان ما ألقوا بأقنعتهم المزيفة وكشفوا عن وجوههم الخبيثة، وظهر ما كان مختفياً من الحقد والكراهية ضد المسلمين، فاضطهدوهم و قتلوهم وعذبوهم، و لولا أن الدين محفوظ من عند الله، وأن الله يبعث له من يجدده و يظهره لاستطاع هؤلاء الأشرار القضاء على الإسلام، وإبادة المسلمين نهائياً، فالشيعة هي الفرقة الكبرى والشوكة المسمومة التي تولت كبر شق عصا المسلمين وتفريق كلمتهم، وإضعاف أمرهم، و كما قال شيخ الإسلام : فبهذا تبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء و أحق بالقتال من الخوارج. مجموع الفتاوى (28/482). بتصرف من كتاب : الانحرافات العقدية والعلمية (1/51-64).

و بعد هذا العرض السريع لأهم دول الشيعة و عن كيفية تكونها و الأحداث التي مرت بها الأمة الإسلامية في عهدهم، منذ أن ظهرت فرقة السبئية إلى اليوم، نصل من خلال ذلك إلى الحديث عن موضوع بحثنا وهو الحديث عن طائفة الزيدية.

 

[1] انظر : الوثيقة التي أصدرها العلماء في بغداد عام ( 402 هـ ) بشأن العبيديين، في الكامل لابن الأثير (9/236) و البداية والنهاية (11/369).

[2] البداية والنهاية (11/256) و (13/219).

[3] انظر : أيعيد التاريخ نفسه ( ص 61 )