×

شبهة: محاولة معاوية رضي الله عنه نقل منبر الرسول

شبهة: محاولة معاوية رضي الله عنه نقل منبر الرسول

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

شبهة: محاولة معاوية رضي الله عنه نقل  منبر الرسول

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن شبهة: اتهام معاوية رضي الله عنه بشرب الخمر..  واليوم سيكون الرد إن شاء الله عن قضية محاولة معاوية رضي الله عنه نقل  منبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصاه إلى الشام..

وقبل أن أذكر الرد أود التنبيه إلى أني سأعتمد في هذه الحلقة على ما ذكره الدكتور خالد الغيث في كتابه مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري.. مع تصرف يسير وتعليق بسيط.. هذا للعلم والله الموفق..

ذكر الإمام الطبري رحمه الله في كتابه التاريخ ( 5/ 239 ) في حوادث سنة 50 هـ، قال محمد بن عمر: وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل إلى الشام، فحرك فكسفت الشمس حتى رُئيت النجوم بادية يومئذ، فأعظم الناس ذلك..

وفي رواية: قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال: قال معاوية: إني رأيت أن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه..

وفي رواية: قال محمد بن عمر - بعد أن ساق سند الرواية -: كان عبدالملك قد هم بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب: أذكرك الله عزوجل أن تفعل هذا، أن تحوله، إن أمير المؤمنين معاوية حركه فكسفت الشمس.

 

تحدثت الروايات السابقة عن القضايا التالية:-

1- عزم معاوية رضي الله عنه نقل منبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصاه إلى الشام.

2- ربط كسوف الشمس بتحريك منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- اتهام معاوية رضي الله عنه ببغض أهل المدينة ( الأنصار ).

 

وفيما يلي دراسة هذه القضايا..

أولاً: بالنسبة لخبر عزم معاوية رضي الله عنه نقل منبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصاه إلى الشام، فقد ذكره الزبير بن بكار كما قاله ابن حجر في الفتح ( 2 / 463 ) واليعقوبي في التاريخ ( 2 / 238 ) وابن الجوزي في المنتظم ( 5 / 227 ) دون أن يشيروا إلى خبر العصا، أما ابن الأثير في الكامل ( 3 / 463 ) وابن كثير في البداية ( 8 / 45 ) فقد أوردوا خبر المنبر والعصا..

 

هذا ولم أقف على رواية صحيحة تؤكد مزاعم  – محمد بن عمر المعروف بالواقدي -، هذا فضلاً عن أن دين معاوية رضي الله عنه وعدالته وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمنعه من حمل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام، وهو يعلم قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة ) البخاري ( 4 / 119 ).

 

هذا وقد أورد عبدالرزاق في المصنف ( 3 / 183 ) خبر قدوم معاوية رضي الله عنه المدينة وزيادته درجات المنبر دون الإشارة إلى إرادة معاوية نقل المنبر إلى الشام، أو أخذ العصا..

 

ثانياً: خبر ربط كسوف الشمس بتحريك المنبر، فقد ذكره عبدالرزاق في المصنف ( 3 / 183 ) والزبير بن بكار كما قاله ابن حجر في الفتح ( 2 / 464 ) وابن الجوزي في المنتظم ( 5 / 228 ) وابن الأثير في الكامل ( 3 / 464 ) وابن كثير في البداية ( 8 / 45 ).. بينما ذهب اليعقوبي في تاريخه ( 2 / 238 ) إلى حدوث زلزلة عند تحريك المنبر..

 

وهذا الخبر لم يرد بإسناد صحيح، فضلاً عن أن كسوف الشمس على افتراض حدوثه، فإنه لم يكن نتيجة لتحريك المنبر، بل ربما تزامن مع تحريك المنبر ليس إلا، وقد حصل ما يشبه ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم..

 

أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه ( 2 / 612 ) من طريق المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله.

 

وفي رواية عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده. المصدر السابق ( 2 / 623 ).

 

ثالثاً: اتهام معاوية رضي الله عنه ببغض أهل المدينة ( الأنصار )؛ لكونهم قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا الخبر أورده ابن الأثير في الكامل ( 3 / 464 ) وهو خبر ضعيف الإسناد..

 

وهذه القضية ذات شقين: أحدهما اتهام الأنصار رحمهم الله بخذلان عثمان رضي الله عنه، وأما الشق الآخر فهو اتهام معاوية رضي الله عنه ببغض الأنصار.

 

فيما يتعلق بالشق الأول وهو اتهام الأنصار بخذلان عثمان رضي الله عنه فإن ذلك من أكاذيب الإخباريين، حيث أورد خليفة بن خياط في تاريخه ( ص 173 ) بسند حسن لغيره أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال لعثمان: هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، فقال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا. ويمكن مراجعة روايات أخرى في هذا الموضوع في كتاب فتنة مقتل عثمان للدكتور محمد عبد الله الغبان ( 1 / 406- 408 ).

 

أما الشق الثاني والمتعلق ببغض معاوية رضي الله عنه للأنصار لكونهم قتلة عثمان رضي الله عنه، فمردود بما ورد في الشق الأول من حقيقة موقف الأنصار من عثمان رضي الله عنه..

 

كما أن تقريب معاوية رضي الله عنه للأنصار وتوليته إياهم في مناصب هامة وحساسة يرد هذه الفرية، ويمكنك مراجعة أخبار معاوية رضي الله عنه مع الأنصار في كتاب الإصابة ( 5 / 371 ) وتاريخ الطبري ( 5 / 315 )والاستيعاب ( 2 / 504 ).

 

وفي الختام.. أحمد الله على كل حال.. ووفقنا الله وإياكم لما فيه خير المآل.. وجعلنا ممن يحسن الظن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ونشر محاسنهم، ويذب عنهم ما علق بسيرتهم من التهم الباطلة.. والظنون الآثمة الزائفة.. والهروج المارجة التي هي كسراب بقيعة يحسبه الرائي حقيقة.. حتى إذا ما فتش عن أمره، ووقف على حده، لم يجده شيئاً، ووقف على حقيقة قد أفلت عنه، فاتهم نفسه بالقصور واتهم من انخدع به بالتهور والسعور..

 

ولا ريب أن من ينشر مثل هذا السراب في الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء أكان ذلك في طيات الكتب أو على رؤوس العامة، هو ممن لا يعرف للصحابة قدراً ولا حرمة.. ولا يفقه من قوله تعالى { ربنا اغفر لنا ولإخواننا } إلا تلاوة ووقفاً، ولابد يوماً أن يخصم وعلى رؤوس الأشهاد يجزم..

 

وياليت شعري.. ما يروم من وراء ذلك ؟ أيروم دنياً فانية ؟ أم يريد الظهور على غيره ببنيات الطريق ؟

 فإننا نقول لتلك النابتة النكدة الممقوتة التي أطلت برأسها في زماننا، تريد أن تنفث سموم مرضها وباطلها بين المسلمين للنيل من معاوية رضي الله عنه.. وكأني بها عمياء شوهاء لا حراك لها تريد أن تزاحم ما عليه سلف الأمة من صفاء ونقاء تجاه الصحابة رضوان الله عليهم..

 

وما دار حول معاوية رضي الله عنه من شبه وأقوال محرفة على غير وجهها فكثيرة لا كثرها الله، قد أفرزها أهل الأهواء والبدع بدافع عقائد فاسدة، وآراء باطلة ماكان لها أن تأخذ حيزاً من عقائد المسلمين؛ إلا مع انتشار الجهل ودعاته.. وقلة العلم ودعاتة..

 

وهذا ما دعاني إلى الكتابة في هذا الأمر.. وجر مداد قلمي على هذه الصفحات لأنصر بها من نصر الدين ومن نصر شريعة رب العالمين، من المهاجرين والأنصار وأخص بها خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما..

 

ومهما يكن من أمر؛ فلن تقوم للباطل دولة؛ اللهم صولة وجولة، ثم يزهقه الله ويدمغه بالحق، فالحمد لله رب العالمين.. فيا أيها القارئ لهذه الصفحات.. هذه بضاعة مزجاة مسوقة إليك.. وهذا فهم صاحبه وعقله معروض عليك.. لك غنمه وعلى كاتبه غرمه.. لك ثمرته وعلى كاتبه عائدته.. فإن عدم منك حمداً وشكراً، فلا يعدم منك عذراً، وإن أبيت إلا الملام فبابه مفتوح..

 

هذا مجمل ما أردت قوله.. و أرجو الله ألا أكون ممن تخدعه الشمس بطول ظله.. و قد قلت بمقدار

ما اجتهدت.. و ما شهدت إلا بما علمت.. إن هي إلا خطرات.. بعضها متمنىً فات.. و بعضها لا يزال في بطون المؤلفات.. لم آتِ فيها على آخر إرادة.. ولا أزعم أني وفيّت على الغاية في الإفادة.. على أني قد كنت تمنيت أن أكتب أكثر فما أنجزت.. لكن لا ضير أن أصف النجم في سراه.. و إن لم أستقر في ذراه.. إن هي إلا لبنة على طريق الحق.. و أرجو أن تكون بقيمة الدرة.. و ما أراني بعد قد شفيت غلة النفس.. و بلغت بها أمنيتها.. فإنها تنظر إلى كثيرٍ و كثير.. و أما أنا فإني أشد فقراً إلى عون الله و توفيقه و تثبيته..        

 اللهم اهدنا لأحسن الأحوال و الأفعال لا يهدي لأحسنها إلا أنت.. و ارزقنا صلاح الظاهر و الباطن.. و صدق النية.. و حسن الخاتمة.. اللهم إني أحببت رسولك صلى الله عليه وسلم.. وأحببت صحابته وسيرتهم رضي الله عنهم.. فلا تحرمني لقياهم والاجتماع بهم مع قائدهم وشفيعهم في جناتك جنات الخلود.. آمين..