×

شبهة اتهام معاوية بشرب الخمر

شبهة اتهام معاوية بشرب الخمر

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

شبهة اتهام معاوية بشرب الخمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن مسألة: اتهام معاوية رضي الله عنه بقتل عبدالرحمن بن خالد بن الوليد..  واليوم سيكون الرد إن شاء الله عن شبهة اتهام معاوية بشرب الخمر..

إن مما لاشك فيه أن اتهام الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه بشرب الخمر، يكمن وراءه أغراض وأهداف أخرى الغرض منها الطعن في دين هذا الصحابي وخلقه، ومن ثم اتخاذ هذه التهمة ذريعة للطعن في ولده يزيد واتهامه بشرب الخمر.. كما فعلوا..

وقد استدلوا على مطعنهم هذا برواية مبتورة عند الإمام أحمد رحمه الله كما في المسند ( 5 / 347 ) عن عبد الله بن بريدة قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفراش، ثم أُتينا بالطعام فأكلنا، ثم أُتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثم ناول أبي، ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم...

وهؤلاء المبتدعة حينما يستدلوا بهذا الحديث لم يذكروا السند ولا تتمة متن الحديث.. وإنما كان قولهم: بسند رجاله رجال مسلم !!!!

قلت: فأما السند: قال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني عبد الله بن بريدة..

وأما تتمة المتن: ( ثم قال معاوية: وكنت أجمل شباب قريش وأجودهم ثغراً، وما شيء كنت أجد له لذة كما كنت أجده وأنا شاب غير اللبن، أو إنسان حسن الحديث يحدثني)

وقد حاول أهل الأهواء بهذا الخبر، التلبيس على القارئ بأن معاوية رضي الله عنه كان ممن يشرب الخمر بعد إسلامه، وبعد ثبوت تحريم شرب الخمر.

وهذا مندفع بأمور:-

1- أن لفظ الشرب لا يقتضي أن يكون المشروب خمراً.

2- مناولته لبريدة بن الحصيب الشراب، فلو كان خمراً لما أخذه بريدة، ولأنكر عليه ذلك.

 -3أن قوله: ( ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ) هو من قول معاوية وليس من قول بريدة، ويدل على ذلك ما حُذف من متن الخبر الذي أشرنا إليه سابقاً، فدل على أن الشراب لم يكن خمراً، بل لعله كان لبناً.

وكذلك فإسناد الخبر فيه لين؛ فزيد بن الحباب في حفظه ضعف، ومثله حسين بن واقد..

ولكن لنفرض صحة الخبر السابق و أن ما جاء فيه، ثبوت شرب معاوية رضي الله عنه للخمر.. لكن هل هذا الذي شربه معاوية خمراً مسكراً، أم نبيذاً، أم لبناً كما أسلفت..

قلت: كانت الخمر تصنع في بلاد العرب من عدة أنواع من الفواكه، وكان غالب العرب يشربون الخمر كمشروب مفضل في المجتمع الجاهلي.. وكان الخمر يصنع في الغالب من عصير العنب أو نقيع التمر أو العسل والحنطة والشعير.. وكان النهي بالطبع عن المسكر فقط من هذه الأصناف أو غيرها.

وكان العصير ( الشراب ) من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو العسل يسمى نبيذاً، والنبيذ قد يتحول إلى خمر إذا جعله يتخمر، ولذا يكون الخمر أصله من النبيذ.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب النبيذ، ولكن إذا تجاوز ثلاثة أيام لا يشربه. مجمع الزوائد للهيثمي ( 5 / 61 ) بسند صحيح. والحكمة واضحة، حيث كان يخشى من تغيره وتحوله إلى خمر.

وبلاد الشام مشهور بها شراب الطِّلاء، وهو شراب من الدبس وسمي طِّلاء لأنه يشبه طلاء الإبل وهو القطران الذي يدهن به. الفتح لابن حجر ( 10 / 66.(

وكان أبو عبيدة بن الجرح ومعاذ بن جبل وأبو طلحة يشربون بالشلام من الطلاء، مما طبخ على الثلث –   بمعنى أنهم يطبخون الطلاء حتى يذهب منه الثلثان ويبقى الثلث -. وهذا سند صحيح كما في تعليق التعليق لابن حجر ( 5 / 25 (.

ولهذا فقد كان معاوية رضي الله عنه لا يرى في مثل هذه الأشربة شيئاً.. وهكذا راينا أن شرب النبيذ هو مما اختلف فيه فقهاء ذلك العصر وبالأخص في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وإن كان منشأ ذلك الاختلاف في الغالب هو الورع، وإلا فإن المسكر ليس موضع خلاف.

ولِمَ لا يكون هذا الطلاء هو أحد الأشربة التي كان يتناولها معاوية رضي الله عنه وأهل الشام، ولا يرون فيها شيئاً.. وقد ظن من رآه يشرب ذلك الشراب أو غيره ظنه خمراً.

وهل يصح هذا في حق معاوية رضي الله عنه ؟؟!! وكأن معاوية رضي الله عنه لا يعرف حد الخمر ولا حكم الخمر وما يترتب عليها من المصائب، وبكونها من أكبر الكبائر والذنوب..

فكيف يظن أو يعقل أن معاوية رضي الله عنه يسلك هذا المسلك، ومعاذ الله أن نعتقد في معاوية الصحابي الجليل وأخو أم المؤمنين وكاتب الوحي المبين غير الحق ؟! فهو أعرف بأحكام الشرع وأتقى لله وأطوع من أن يجهل حكم الخمر..

ثم إن معاوية رضي الله عنه هو راوي الحديث الشهير، الذي يتعلق بالخمر وجزائها وعقابها في الدنيا، قال معاوية رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من شرب الخمر فاجلدوه ) قالها ثلاثاً ( فإن شرب الرابعة فاقتلوه (. المسند ( 4 / 95، 96، 101 (

فكيف يغفل أن يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلق بالخمر، ثم يقوم بشربها وتقديمها لغيره علناً وأمام الناس ؟؟؟!!

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة والأخيرة وشبهة أخرى..