×

الرد على استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان

الرد على استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

الرد على استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن مسألة استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان، مقابل توليه الخلافة.. إو بصيغة أخرى، لماذا لم يقم معاوية الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه بعد أن آلت إليه الخلافة.. واليوم سيكون الرد إن شاء الله عن مسألة:-

هل معاوية رضي الله عنه خليفة أم ملك ؟

هل تندرج فترة حكم معاوية تحت مسمى ( الملك العضوض ) ؟

وقبل أن أبدأ أود أن أنبه إلى أنني سأعتمد كثيراً في كتابه هذه الحلقة على رسالة الأستاذ خالد الغيث: مرويات خلافة معاوية رضي الله عنه في تاريخ الطبري، مع إضافات بسيطة وتعليقات قليلة مني، هذا للعلم والله الموفق..

وقبل الإجابة على هذين السؤالين ينبغي أن نتعرف على معنى الملك العضوض.

قال الخطابي في غريب الحديث ( 1/250 ): العضوض جمع عِض، وهو الرجل الخبيث الشرس الخُلُق.

وقال ابن منظور في اللسان ( 7/188): العض: الشد بالأسنان على الشيء... وقال في موضع آخر ( 7/191): ومُلك عضوض: شديد فيه عسف وعنف، أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون عضاً.

وقال الفيروز آبادي في القاموس ( ص 835 ): العضوض: ملك فيه عسف وظلم.

وبعد معرفة المقصود بالملك العضوض، يتضح لنا عدم انطباقه على عهد معاوية رضي الله عنه، ومن تأمل فضائل معاوية رضي  الله عنه يجزم بذلك. راجع للأهمية حلقات فضائل معاوية رضي الله عنه.

ومن أجل تصنيف عهد معاوية رضيي الله عنه فلابد من استعراض أهم الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الخلافة والخلفاء ..

1- عن سفينة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء. انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني (3/879).

2- عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً  – أي عتو وقهر – فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. السلسلة الصحيحة (1/8).

3- عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال ثم تكلم بكلام خفي عليّ قال: قلت أبي: ماقال ؟ قال: كلهم من قريش. صحيح مسلم ( 12/201 ).

وقد جاء هذا الحديث بصيغ كثيرة.. جاء في بعضها: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا ؟ قال ثم يكون الهرج – أي الفتن والقتل -. انظر هذه الزيادة في صحيح سنن أبي داود ( 3/807 ).

وقد تناول الأئمة الأعلام هذه الأحاديث بالشرح والتفصيل وأطالوا النفس في ذلك فأجادوا وأفادوا.

وفيما يلي خلاصة ما ذكروا في هذه المسألة:-

قال القاضي عياض عن الجمع بين حديثي سفينة وجابر: قد توجه هنا سؤالان، أحدهما: أنه قد جاء في الحديث الآخر الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً، وهذا مخالف لحديث اثني عشر خليفة، فإنه لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة، والأشهُر التي بويع فيها الحسن بن علي ؟

والجواب عن هذا: أن المراد في حديث الخلافة ثلاثون سنة، خلافة النبوة، وقد جاء مفسراً في بعض الروايات خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً، ولم يشترط هذا في الاثني عشر.

السؤال الثاني: أنه قد ولي أكثر من هذا العدد ؟  والجواب:-

1- هذا اعتراض باطل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل لا يلي إلا اثنا عشر خليفة، وإنما قالي يلي  وقد ولي هذا العدد ولا يضر كونه وُجِد بعدهم غيرهم، وهذا إن جعل المراد باللفظ كل وال.

2- ويحتمل أن يكون المراد مستحق الخلافة العادلين، وقد مضى منهم من عُلِم، ولابد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة.

3- وقيل: إن معناه أنهم يكونون في عصر واحد، ويتبع كل واحد منهم طائفة.

4- ويحتمل أن المراد من يعز الإسلام في زمنه ويجتمع المسلمون عليه.. وهذا قد وجد قبل اضطراب بني أمية واختلافهم.

وقد ختم القاضي عياض كلامه بقوله: ويحتمل أوجهاً أخرى، والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم. انظر شرح صحيح مسلم للنووي ( 12/201-203).

كما تكلم ابن الجوزي عن الحديث الذي يرويه جابر بن سمرة رضي الله عنه فقال: قد أطلت البحث عن معنى الحديث، وتطلبت مظانه، وسألت عنه فلم أقع على المقصود به؛ لأن ألفاظه مختلفة.. ثم وقع لي فيه شيء:

فأما الوجه الأول: فإنه أشار إلى ما يكون بعده وبعد أصحابه، وأن حكم أصحابه مرتبط بحكمه، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم، فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية، وكأن قوله ( لا يزال الدين – أي الولاية – إلى أن يلي اثنا عشر خليفة )، ثم تنتقل إلى صفة أخرى أشد من الأولى.

وأما الوجه الثاني: يحتمل أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان.

والوجه الثالث: أن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة، يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم. انظر: فتح الباري ( 13/225-227 ).

وقد أدلى ابن حجر بدلوه في الكلام على حديث جابر بن سمرة فقال: الأولى أن يحمل قوله ( يكون بعدي اثنا عشر خليفة ) على حقيقة البعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصديق إلى عمر بن عبدالعزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لم تصح ولايتهما ولم تطل مدتها وهما، معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده. فتح الباري ( 13/228 ).

وبعد استعراض كلام ابن حجر وردوده على من سبقه بخصوص حديث جابر، ظهر لي أنه قد فاته الاطلاع على كلام نفيس لابن كثير حول حديث جابر..

قال ابن كثير: ومعنى هذا الحديث البشارة بجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره.. وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامراء، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثناعشرية، من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم.

وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام وأن يقيم من صلبه اثني عشر عظيماً، وهم الخلفاء الاثناعشر. تفسير ابن كثير ( 2 /34 ).

وقال في موضع آخر من تفسيره ( 3/312 ): وفي هذا الحديث دلالة على أنه لابد من وجود اثني عشر خليفة عادل.. يكونون من قريش ويلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين بل يكون وجودهم في الأمة متتابعاً ومتفرقاً، وقد وجد منهم أربعة على الولاء هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ثم كانت بعدهم فترة ثم وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى، ومنهم المهدي.

قلت: وهذا الوجه الذي ذهب إليه ابن كثير يعد أقرب الأوجه إلى نص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل الزيادة التي وردت في سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال: فلما رجع    – أي الرسول صلى الله عليه وسلم – إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا ؟ قال: ثم يكون الهرج.

وهذا الهرج هو الذي يحصل في آخر الزمان، ومن أجل ذلك فقد أخرج أبو داود في سننه أحاديث جابر بن سمرة في الخلفاء في كتاب المهدي.

ومن خلال الأحاديث التي تقدم ذكرها في الخلافة والخلفاء نستنتج المراحل التالية:-

1- مرحلة خلافة النبوة، وهذه المرحلة كما تقدم انتهت بتنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه في شهر ربيع الأول من سنة 41هـ.

2- مرحلة الخلفاء الاثني عشر.

3- مرحلة المُلك العضوض.

4- مرحلة الملك الجبري.

5- ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.

وبالنسبة لمرحلة الخلفاء الاثني عشر فإنه استناداً إلى الوجه الذي ذكره ابن كثير، فإن هذه المرحلة تمتاز بأن مداها الزمني يتخلل المراحل الأخرى كلها، وخلفاء هذه المرحلة يكون ظهورهم في الأمة متتابعاً ومتفرقاً – وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة -، ويبدأ ظهورهم من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم – أي بخلافة أبي بكر رضي الله عنه – وتكتمل هذه المرحلة بظهور آخرهم في آخر الزمان حيث يعقب خلافته ( الهرج ).

وقد ذكر ابن كثير أن من خلفاء هذه المرحلة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ولما كان معاوية رضي الله عنه أفضل من عمر بن عبد العزيز، فهذا يعني دخول معاوية رضي الله عنه في خلفاء هذه المرحلة، هذا والله تعالى أعلم.. وقد تقدم معنا في حلقات مضت ذكر المفاضلة بين معاوية رضي الله عنه وعمر بن عبدالعزيز رحمه الله..

وأما بالنسبة لإجابة السؤال الأول وكون معاوية رضي الله عنه خليفة أم ملكاً، فإنه استناداً إلى حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه وإلى ما تقرر من كلام ابن كثير رحمه الله حول حديث جابر، وكذلك استناداً إلى ما تقدم من فضائل معاوية رضي الله عنه، فإن معاوية يعتبر أحد الخلفاء الاثني عشر الذين أعز الله بهم الإسلام..

قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله في لمعة الاعتقاد: ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين، رضي الله تعالى عنهم.

و قبل أن ننتقل إلى الحديث عن شبهة أخرى، أورد رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين، فقد قال: إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين و أخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة. انظر هذا القول في العواصم من القواصم ( ص213).

وقال في موضع آخر: فهو  – أي معاوية – من الخلفاء الراشدين.. نقلاً عن كتاب فصل الخطاب في مواقف الأصحاب ( ص 131 ).

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة وشبهة أخرى..