×

لماذا لم يقم معاوية الحد على قتلة عثمان

لماذا لم يقم معاوية الحد على قتلة عثمان

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

لماذا لم يقم معاوية الحد على قتلة عثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن مسألة بيعة الحسن لمعاوية، واشتراط الحسن أن تكون ولاية العهد من بعد معاوية له.. واليوم سيكون الرد إن شاء الله عن مسألة استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان، مقابل توليه الخلافة.. إو بصيغة أخرى، لماذا لم يقم معاوية الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه بعد أن آلت إليه الخلافة..

قبل الإجابة على على هذه الشبهة.. ليسأل أحدنا نفسه هذه الأسئلة:-

لماذا أبقى علي رضي الله عنه على أهل الفتنة في جيشه أثناء حرب الجمل ؟

ولِمَ لَمْ يخرجهم من جيشه أثناء توجهه إلى الشام ؟

لما انتصر  علي رضي الله عنه على أهل الجمل، لماذا لم يوقع القصاص على هؤلاء القتلة ؟!

وأيضاً لماذا لم يوقع القصاص عليهم بعد ذلك، خاصة بعد أن انتهى الخلاف بينه وبين معاوية بعد حرب صفين ؟!

لماذا لم يقم الحسن بن علي رضي الله عنه بإيقاع القصاص على قتلة عثمان بعد أن تولى الخلافة من بعد أبيه ؟!

إلى غيرها من الأسئلة الكثيرة التي تدور في خلد الواحد منا.. لماذا تناسينا هذه الأسئلة والإجابة عليها، وتمسكنا فقط بشبهة مطالبة معاوية رضي الله عنه بالخلافة مقابل استغنائه عن المطالبة بقتلة عثمان ؟!! مع أنه لم يرد إلينا رواية واحدة لا صحيحة ولا ضعيفة تفيد استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان مقابل توليه الخلافة..

ولنا أن نقول: إن السبب في إبقاء علي على أهل الفتنة في جيشه وعدم إقامة الحد عليهم؛ أنهم   – أي أهل الفتنة - كانوا سادات في أقوامهم، فكان علي يرى أن يصبر عليهم إلى أن تستقر الأمور.. فقد كان رضي الله عنه ينظر إلى القضية نظرة مصلحة ومفسدة، فرأى أن المصلحة تقتضي تأخير القصاص لا تركه، فأخر القصاص من أجل هذا..

 

وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.. ففي حادثة الإفك تَكَلم في الطاهرة المطهرة عائشة رضي الله عنها بعض الناس، وكان الذي تولى كبر هذا الأمر عبد الله بن أبي بن سلول، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يعذرني في رجل وصل أذاه إلى أهلي ؟ قام سعد بن معاذ وقال: أنا أعذرك منه يارسول الله، إن كان منّا معشر الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا بقتله، فقام سعد بن عبادة فرد على سعد بن معاذ، وقام أسيد بن حضير فرد على سعد بن عبادة، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، فصار النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. انظر الخبر بتمامه في البخاري حديث رقم ( 4141 ).

 

ولنسأل أنفسنا: لماذا لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم حد القصاص على ابن سلول ؟

الجواب: لاشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اغتم بهذه الإشاعة وأعلن على الملأ وفي المسجد ثقته بزوجته وبصاحبه ابن المعطل، ولكن حسن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة، أوقف فتنة كادت أن تقع بين الحيين، وقد دلت هذه المعالجة من الرسول صلى الله عليه وسلم للمشكلة التي حاول ابن سلول استغلالها على حسن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في تدبير الأمور وتجنب المشاكل وتفويت الفرص على المغرضين المندسين بين صفوف المؤمنين، وكان نتيجة ذلك أن جافى ابن سلول قومه، فكانوا هم الذين يعنفونه ويفضحون دسائسه..

 

وقد أجاب عدد من العلماء عن الحكمة التي من أجلها ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد على ابن سلول.. من مثل القرطبي رحمه الله في تفسيره ( 12 / 201 – 202 ) بقوله: وإنما لم يحد عبد الله بن أبي لأن الله قد أعد له في الآخرة عذاباً عظيماً، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصاً من عذابه في الآخرة وتخفيفاً عنه، مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد إذ المقصود إظهار القاذف وبراءة المقذوف..

 

وقال أيضاً: ويحتمل أن يقال إنما ترك حد ابن أبي استئلافاً لقومه واحتراماً لابنه، واطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه.

 

قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ( 2 / 127 – 128 ): وقيل الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار – كما هو الحال بالنسبة لقتلة عثمان، فإنهم أعلاج من قبائل شتى -، وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين..

 

 وقال أيضاً: وقيل بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته عليه، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مراراً، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعاً فيهم، رئيساً عليهم – كذلك الحال بالنسبة لقتلة عثمان رضي الله عنه -، فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده..

 

قلت: وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم عظم مكانة ابن سلول في قومه.. فإنه وقبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان الأوس والخزرج قد اتفقوا على أن يجعلوا عبد الله بن أبي ملكاً عليهم، فهو له عندهم منزلة عظيمة، ولا ننسى موقفه في غزوة أحد حين رجع بثلث الجيش.. لهذا السبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد عليه للمصلحة التي ينشدها، وتجنباً للمفسدة التي ستترتب على إقامة الحد عليه، إذ رأى أن جلده أعظم مفسدة من تركه..

 

وهكذا كان موقف علي رضي الله عنه من قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، رأى تأخير القصاص أقل مفسدة من تعجيله، لأن علياً رضي الله عنه لايستطيع أن يقتل قتلة عثمان أصلاً، والسبب في ذلك أن لهم قبائل تنتصر لهم وتدافع عنهم، والأمن غير مستتب، ومازالت الفتنة مستمرة، ولا أدل على ذلك من قيام هؤلاء الخوارج من قتل علي رضي الله عنه بعد أن حاربهم في النهروان، وكذلك المحاولة التي تعرض لها كل من معاوية وعمرو رضي الله عنهما.. ولا ننسى محاولات القتل التي تعرض لها الحسن بن علي رضي الله عنهما على يد هؤلاء الخوارج..

 

 وقد أجاب الإمام الطحاوي رحمه الله عن سبب تأخر علي رضي الله عنه في إقامة الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه بقوله: و كان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان، من لم يُعرف بعينه و من تنتصر له قبيلته، و من لم تقم عليه حجة بما فعله، و من قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله.شرح الطحاوية (ص483).

 

و على كل حال فإن علي رضي الله عنه، كان موقفه، موقف المحتاط منهم، المتبرئ من فعلهم.

وهو و إن كان لم يخرجهم من عسكره فقد كان يعاملهم بحذر و ينظر إليهم بشزر، حتى قال الإمام

الطبري : بأنه لم يول أحد منهم أثناء استعداده للمسير إلى الشام، حيث دعا ولده محمد بن الحنفية

و سلمه اللواء، و جعل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قائد الميمنة، و عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه على الميسرة، و جعل على مقدمة الجيش أبا ليلى بن عمر بن الجراح، و استخلف على المدينة قثم بن العباس رضي الله عنهم. تاريخ الطبري (4/445).

 

و هذه بادرة منه رضي الله عنه ليعلن تبرؤه من أولئك المارقين، و يثبت قدرته على السيطرة على أمر المسلمين من غير عون منهم، فقد كان له في المسلمين الموالين له و المؤيدين لخلافته ما يغنيه عن الاستعانة بهم و التودد إليهم..

 

و هذا أقصى ما يمكنه فعله بتلك الطائفة إذ ذاك، و هو كافٍ في عذره، لأنهم مئات و لهم قرابة وعشائر في جيشه، فما يأمن لو عاملهم بأكثر من هذا من الشدة أن يمتد حبل الفتنة في الأمة، كما حصل ذلك لطلحة و الزبير و عائشة بالبصرة حين قتلوا بعضاً منهم، فغضب لهم قبائلهم و اعتزلوهم. إفادة الأخيار للتباني (2/52).

و يناقش الإمام الباقلاني هذا الموضوع  فيقول: و على أنه إذا ثبت أن علياً ممن يرى قتل الجماعة بالواحد  فلم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم، و بأن يحضر أولياء الدم مجلسه، و يطلبون بدم أبيهم و وليهم.. و إن قتل قتلة عثمان، لا يؤدي إلى هرج عظيم و فساد شديد، قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه، و إنّ تأخير إقامة الحد إلى وقت إمكانه و تقصّي الحق فيه أولى و أصلح للأمة و ألمّ لشعثهم و أنفى للفساد و التهمة عنهم. التمهيد في الرد على الملحدة (ص231).

 

و إن السياسة الحكيمة تقتضي ما كان ينادي به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من التريث و الأناة وعدم الاستعجال؛ إذ إن الأمر يحتاج إلى وحدة الصف و الكلمة لإيجاد موقف موحد، و مواجهة ذلك التحدي الذي يهدد مركز الخلافة، بيد أن الخلاف في الرأي أضعف مركز الخلافة الجديد، و قضى بالتالي على كل الآمال في نيل ثأر الخليفة المقتول.

 

ولذلك لما وصلت الخلافة إلى معاوية لم يقتل قتلة عثمان أيضاً ؟ والسبب: لأنه صار يرى ما كان يراه علي رضي الله عنه من قبل، فعلي رضي الله عنه كان يرى قضية إيقاع القصاص على قتلة عثمان واقعاً، في حين كان معاوية رضي الله عنه يراه نظرياً، فلما آلت الخلافة إليه، رآه واقعاً..

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل لم يكن عليّ مع تفرق الناس عليه متمكناً من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شراً وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكراً، وكان لهم قبائل تغضب لهم.

 

وقال أيضاً: ولما سار طلحة والزبير رضي الله عنهما إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان، قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق، ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي، وصار أميراً على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا.. إلى أن قال: وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت، فأما إذا أقبلت فإنها تزين، ويظن أن فيها خيراً، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء، صار ذلك مبيناً لهم مضرتها، وواعظاً لهم أن يعودوا في مثلها.. والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم، ومن استقرأ أحوال الفتن التي جرت بين المسلمين، تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله.. انظر: أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، لشيخ الإسلام ابن تيمية ( ص 48  – 50 ).

 

ولاشك أن الحالة التي يعيشها الخليفة الراشد علي رضي الله عنه، والوضع الذي أدركه حينذاك، خلاف ما يظنه المطالبون بدم عثمان رضي الله عنه من أهل الشام وغيرهم، وذلك يكمن في أمور جِد خطيرة لها اعتبارها وملابساتها مما نحسبه قد خفي عليهم، منها:-

 

1- أن قتلة عثمان من أهل الفتنة كثيرون جداً، فكان من الصعب مطالبتهم، في حين نرى الفتنة تزداد يوماً إثر يوم.

2- أن قتلة عثمان من أهل الفتنة هم في جيش علي رضي الله عنه، ومن قبائل كثيرة مختلفة، يعسر مطالبتهم والبحث عنهم، والأمر بعد لم يستتب لخليفة المسلمين، وقد تقرر عند فقهاء المسلمين أن الحدود قد تُأخر – لاتترك بالكلية – عن أصحابها حالة الجهاد والفتن، كما هو متروك للمصلحة العامة التي يراها ولي أمر المسلمين إذا خاف كبير مفسدة؛ بل نجد قاعدة: ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) من القواعد المعتبرة التي هي من مقاصد الشريعة الإسلامية.

3- أن قتلة عثمان من أهل الفتنة لا يزالون في تمكين واستيلاء على بعض الأمور، وكذلك لهم عدد وأعوان، حينذاك يخشى من مطالبتهم، في وقت يرى فيه علي رضي الله عنه أن تجتمع الكلمة، وتأتلف القلوب، ويسود الأمن وتنظم الأمور، ومن ثم تتبين وتنكشف الغمة ويتعرّ القتلة من أعوانهم وعددهم، وتقام الحدود الشرعية فيهم وفي غيرهم. انظر: تسديد الإصابة في شجر بين الصحابة، لذياب بن سعد الغامدي ( ص 55  – 56 ).

 

يقول القاضي أبو يعلى الفراء رحمه الله في كتابه القيم: تنزيه خال المؤمنين معاوية ( ص 85 ): ووجه اجتهاد علي رضي الله عنه في الامتناع أشياء:-

 

أحدها: أنه لم يعرفهم بأعيانهم ولا أقامت شهادة عليهم بقتلهم، وقد كان كثيراً ما يقول: من قتل عثمان فليقم، فيقوم أربعة آلاف مقنع  – أي ملبس بالحديد – وقيل أكثر.

 

الثاني: لو عرفهم بأعيانهم وخاف قتل نفسه، وفتنة في الأمة تؤول إلى إضعاف الدين وتعطيل الحدود، فكان الكف عن ذلك إلى وقت انحسام الفتنة وزوال الخوف، وهذا حال علي في أتباعه.   – وكذا أدرك معاوية رضي الله عنه ما نظن أنه كان خافياً عليه بعد أن آلت إليه الخلافة -.

 

وخلاصة الأمر: فإن علياً ومعاوية رضي الله عنهما ما كانا يستطيعان إقامة القصاص على قتلة عثمان، لا عجزاً.. بل خوفاً من الفتنة وافتراق الأمة.. والله أعلم..

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة وشبهة أخرى..  أخوكم: أبو عبد الله الذهبي..