×

شبهة: تقتلك الفئة الباغية

شبهة: تقتلك الفئة الباغية

الكاتب: أبو بكر هشام ابن ادريس بنعزى المغربي

شبهة: تقتلك الفئة الباغية

نقض الشبهة:

إن الفتنة التي دارت بين الصحابة بعد مقتل الخليفة الراشد الثالث كان خفاءها وخفاء الصواب فيها أشد من ظلام ليل غير مقمر، فانقسم المسلمون بها ثلاثة فرق، فإنه من نظر إليها من جهة قال: الصواب كله مع معاوية رضي الله عنه فانحاز إليه، ومن نظر إليها من الجهة الأخرى قال: الصواب كله مع علي رضي الله عنه فانحاز إليه، ومن نظر إليها من الجهتين توقف ولم ينحز لأحد، وكان كل واحد منهم مجتهدا فيما مال إليه، والمصيب منهم واحد، وغيره مخطئ مأجور، فجعل الله سبحانه وتعالى عمار بن ياسر علامة على أمرين:

 الأول: أن الخليفة الشرعي واحد من الطائفتين المؤمنتين المتقاتلتين دون غيرهما.

 والثاني: بيان أن الطائفة الأخرى باغية بغيَ المجتهدين، وذلك لجواز تأويل حديث عمار أهو محمول على من باشر قتله أو محمول على من كان سببا في قتله، وكلا الأمرين يُطلق على المتلبس به في اللغة اسم القاتل، ولذلك لم يقطع علي رضي الله عنه بأنه مصيب انطلاقا من الحديث فقال: (.... فالله أعلم أصبنا أم أخطأنا)[1]

ومما يدل على أن التأويل سائغ في حديث عمار أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص (أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه)[2]

ووجه الشاهد أنه أمره بطاعة أبيه ولم يُقيده بزمن الفتنة، وأبوه كان مع معاوية وقد أمره بأن يُقاتل مع معاوية، فلو كان حديث عمار نصا في المسألة بحيث يُضلل من خالفه لما جاز أن يُطلب من عبد الله طاعة أبيه فيما ذهب إليه باجتهاده ولحذَّره من طاعته إن هو طلب منه ذلك لأن الأمر لا مجال للاجتهاد فيه.

مع العلم أيضا من أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بطاعة أبيه ليس نصا في صحة ما ذهب إليه معاوية أيضا وقد تُؤول بتأويلات ليس هذا محلها.

ومن الأدلة أيضا أن كلا منهما كان مجتهدا مأجورا والمصيب هو علي رضي الله عنه وحده، حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ)[3]) والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم "أولى" دليل على أن كليهما كان يرى نفسه على الحق الذي يرضاه الله إلا أن الأولى بهذا الحق من علامته أنه سيقتل الفرقة التي مرقت من جماعة المسلمين فكفروا الصحابة وعموم المسلمين وهم الخوارج والروافض، والذي قاتلهم هو علي ابن أبي طالب لا معاوية.

 

 

[1] رواه أحمد (4/198)، وعبد الرزاق في (المصنف 20971)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق 42/39) عن قيس بن عباد.

[2] رواه الهيثمي في (مجمع الزوائد 7/482) والحاكم في (المستدرك 3/527 و 4/60) والطبراني في (المعجم الكبير 13/236) وابن عساكر في (تاريخ دمشق 31/276).

[3] رواه مسلم (1064)