×

المختار بن أبي عبيد الثقفي

المختار بن أبي عبيد الثقفي

الكاتب: إحسان الهي ظهير

المختار بن أبي عبيد الثقفي

من بين هذه الفرق كلها اشتهرت فرقة المختار بن أبي عبيد الثقفي لما كان له من صولة وجولة باسم القصاص بدم الحسين رضي الله عنه، وقد ذكر المختار هذا، الكشي في (رجاله) عن محمد بن مسعود قال: حدثني ابن أبي علي الخزاعي قال: [حدثني] خالد بن يزيد العمري عن الحسن بن زيد عن عمر بن علي: أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين - رضي الله عنه - بعشرين ألف دينار فقبلها وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت.

قال: ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما أظهر الكلام الذي أظهره فردها ولم يقبلها، والمختار هو الذي دعا الناس إلى محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية وسمو الكيسانية، وهم المختارية، وكان لقبه كيسان ولقب بكيسان لصاحب شرطته المكنى أبا عمرة وكان اسمه كيسان. وقيل إنه سمي كيسان بكيسان مولى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين ودله على قتلته، وكان صاحب سره والغالب على أمره، وكان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين - رضي الله عنه - أنه في دار أو موضع إلا قصده وهدم الدار بأسرها وقتل كل من فيها من ذي روح، وكل دار بالكوفة خراب فهي مما هدمها، وأهل الكوفة يضربون به المثل فإذا افتقر إنسان قالوا "دخل أبو عمرة بيته" حتى قال فيه الشاعر:

إبليس بما فيه خير من أبي عمرة ... يغويك ويطغيك ولا يعطيك كسرة"

ولقد ذكره ولهوزن أيضًا بالتفصيل، ولعل الحديث عنه أطول حديث في كتابه نقطع منه هذا الجزء لتصوير الرجل وتحليله الذي حلل به شخصيته:

كان المختار ينعت بأنه سحار [1]"، وأنه "الدجال" ويوصف عادة بـ"الكذاب". وهذا الوصف لا لأنه زعم أنه مكلف من قبل ابن الحنفية، بل لأنه تبدى على أنه نبي. حقًّا إنه لم يسم نفسه بهذا الاسم، ولكنه أتى أفعالاً من شأنها أن تعطي عنه هذه الفكرة، فكرة أنه نبي. وكان يتكلم وكأنه جالس في الحضرة الإلهية، يعلم الغيب، ويسجع سجع الكهان بطلاقة ومهارة. ويريد أن يفرض شخصيته على الناس، وأفلح في هذا أيضًا وإن كان نجاحه لدى الخاصة والعقلاء أقل منه لدى العامة والدهماء. وطالما حالفه النصر اتسعت دوائر المؤمنين به. فلما مني بالهزيمة أدبرت عنه الدنيا. وراحت الروايات تطلق سهامها على ذكراه بعد مقتله. في البدء كانت تذمه دون أن تشوه صورته. ولكنها راحت بعد ذلك في مرحلة متأخرة تنعته بنعوت أملاها الحقد. وهذه النعوت نفسها هي التي تسود الصورة التي كونتها عنه الأجيال التالية. و "دوزي" لا يستخدم غيرها لرسم الصورة التي عملها للمختار في كتابه "مقالة في تاريخ الإسلام": فيقول عنه إنه هو الذي أمر بإطلاق الحمام البيض، وأنه كان خارجيًّا ثم زبيريًّا ثم شيعيًّا، وأنه ابتدع القول بالبداء في الله كيما يبرر تقلبه هو من مذهب إلى مذهب. ولكن لا يحق للمرء أن يجعله معرضًا للسخرية من أجل أن يفهمه على حقيقته. ولحسن الحظ كان لنشر "تاريخ" الطبري الفضل في وضع حد لهذا النحو من تصوير الرجل.

فإن كان لابد من الإجابة عن السؤال: هل كان المختار نبيًّا صادقًا أو متنبئًا كاذبًا؟ - فلا مناص من تعديله إلى هذه الصيغة: أكان المختار مخلصًا أم غير مخلص؟ قد يأخذ عليه المرء أنه استعان بالتنبؤ للوصول إلى الحكم. ولكن هذا المأخذ عينه قد يؤخذ على محمد، وعلى المرء أن يلاحظ أن الإسلام دين سياسي وأن أي نبي مسلم لابد أن يسعى إلى الحكم. ولكن ما هو أشد من ذلك المأخذ خطرًا وأكبر وزنًا هو أنه تستر وراء شبح وناطور خيالي (هو محمد بن الحنفية) لم يعرف عن أمره شيئًا ولم يشأ أيضًا أن يعلم عن أمره شيئًا. فلم يكن ضميره نقيًّا من هذه الناحية، ولكن الظروف في ذلك الحين لم تسمح له - بوصفه مسلمًا وشيعيًّا - أن يظهر باسمه هو الخاص، بل كان عليه أن يخلق لنفسه مركز "أمين" للمهدي المستتر ... وإن المختار اتخذ نقطة ابتدائه من بدعة غريبة غامضة اختط بها المختار وهي "السبئية".

والسبئية كانت قد اتخذت اتجاهًا أنشأ يسيطر على طبقات واسعة بحيث اضطرت الشيعة بوجه عام إلى اتخاذ موقف أشد حدة بإزاء الإسلام السني وازداد إبراز الخلافات بين الشيعة والسنة. والسبئية يسمون أيضًا "الكيسانية" وكان كيسان زعيمًا للموالي، فإن كان في نفس الوقت زعيمًا للسبئية، فيستنتج من هذا أن السبئية والموالي كانوا شيئًا واحدًا تقريبًا [2] ".

واعتمادًا على هذا الاستنتاج مضى البعض فزعم أن التشيع كمذهب ديني إيراني الأصل، لأن غالبية موالي الكوفة كانوا إيرانيين.

قال دوزي[3]": "كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي، الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد.

لقد كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي أمرًا غير معهود ولا مفهوم، لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه مادام محمد لم يترك ولدًا يرثه، فإن عليًّا هو الذي كان يجب أن يخلفه وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي.

ومن هنا فإن جميع الخلفاء - ما عدا عليًّا - كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوي هذا الاعتقاد عندهم كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم. وهم قد اعتادوا أيضًا أن يروا في ملوكهم أحفادًا منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي وذريته. فالطاعة المطلقة "للإمام" الذي من نسل علي - كانت في نظرهم الواجب الأعلى، حتى إذا ما أدى المرء هذا الواجب، استطاع بعد ذلك بغير لائمة ضمير أن يفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيرًا رمزيًّا وأن يتجاوزها ويتعداها.

لقد كان "الإمام" عندهم هو كل شيء، إنه الله قد صار بشرًا. فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات - ذلك هو الأساس في مذهبهم" وعلى نحو مشابه يتحدث أ. ملر في كتابه المذكور سابقًا ج1 ص327، ويضيف إلى هذا أن الفرس كانوا - تحت تأثير الأفكار الهندية قبل الإسلام بعهد طويل - يميلون إلى القول بأن الشاهنشاه هو تجسد لروح الله التي تنتقل في أصلاب الملوك من الآباء إلى الأبناء.

أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين - فهذا أمر لا سبيل إلى الشك فيه، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين، فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه[4]"

وأما عقائدهم الباقية فإنها لمبسوطة موجودة في كتب الفرق، ولقد ذكرنا ما فيها الكفاية وتفي بالمطلوب.

 

[1] الطبري ج2 ص730 س13، ص686 س7

[2] ص623 س14، ص651 س2

[3] في كتابه المذكور آنفًا، ص220 وما يليها

[4] الخوارج والشيعة ص165 إلى 169.