×

شبهة اتهام معاوية بدس السم للحسن وقتله

شبهة اتهام معاوية بدس السم للحسن وقتله

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

شبهة اتهام معاوية بدس السم للحسن وقتله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن شبهة لعن علي رضي الله عنه على المنابر بأمر من معاوية.. واليوم سيكون الرد إن شاء الله، عن مسألة بيعة الحسن لمعاوية، واشتراط الحسن أن تكون ولاية العهد من بعد معاوية له.. وإن قضية كهذه فيها إساءة بالغة لشخص الحسن بن علي رضي الله عنه، حيث اتهمته هذه النصوص بالسعي للصلح من أجل الملك و الدنيا ومتاعها الفاني..

وتقدم معنا في حلقة مضت – الحلقة رقم ( 13 ) - الحديث عن شبهة اتهام معاوية بدس السم للحسن وقتله.. ولكن هذه الشبهة لم تأتي من فراغ خاصة أن هناك رواية يتمسك بها المبتدعة تتحدث عن معاهدة الصلح والتي اشترط فيها الحسن على معاوية بأن تكون الخلافة له من بعده.. فكان أمام معاوية هذه العقبة، لذا فإنه لما بدأ يفكر في البيعة ليزيد لم يجد من أن يدس السم إليه، ليتخلص من الشرط !!!

ولمعرفة أبعاد هذه القضية وهذه الشبهة، ثم الخروج بحكم صحيح كان لابد من معرفة كيفية الصلح وما هي الشروط التي اقتضاها ذلك الصلح..

كان الحسن رضي الله عنه معارضاً لخروج أبيه لقتال أهل الجمل وأهل الشام، كما جاء ذلك بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة في المصنف (15/99-100)، و ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 42/456-457).. ثم لما رأى تلك المعارك التي لاشك أنها تركت في نفسه جرحاً بليغاً، خاصة بعد أن رأى تحول المسلمين من فاتحين ومجاهدين إلى جماعات متناحرة شاهرين الرماح في وجوه بعضهم البعض.. ورأى كيف سقط الآلاف من المسلمين، بسبب تلك الحروب التي لاتخدم إلا أعداء الإسلام.. ثم إنه بالتأكيد قد أحس بتلك الأصابع الخفية، التي ساعدت على تأجيج وتوسيع الخلاف بين المسلمين..

 

بعد استشهاد علي رضي الله عنه، اجتمع أنصار علي واختاروا الحسن خليفة لهم من بعد أبيه، وبايع الحسن أهل العراق على بيعتين: بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما يدخل فيه، ويرضوا بما رضي به. انظر: طبقات ابن سعد الطبقة الخامسة ( 5/257 ) بإسناد حسن.

وبعد أن أخذ البيعة منهم قال لهم: الحقوا بطينتكم وإني والله ما أحب أن ألي من إمرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما يزيد على ذرة خردل يهراق منهم محجم دم[1].

هنا ارتاب أهل العراق من شرط الحسن عندما بايعهم، ووقع في حسّهم أن الحسن ليس بصاحب قتال، وقد تعرض الحسن رضي الله عنه لمحاولة اغتيال من قبل أحد الخوارج حينما طعنه في وركه طعنة خطيرة، مرض منها الحسن طويلاً وكادت أن تودي بحياته.. انظر: المعجم الكبير للطبراني ( 3 / 61 ) بإسناد حسن.

وهذا التصرف جعل الحسن يزداد بغضاً لأهل الكوفة، فراسل معاوية في الصلح. وفي المقابل راسل معاوية الحسن ووافق على الصلح، هنا استشار الحسن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في هذا التصرف فأيده. طبقات ابن سعد، الطبقة الخامسة ( 269 ) بسند صحيح.

هذا وقد مرت قضية الصلح بمراحل عدة، أشار إليها الدكتور خالد الغيث في كتابه القيم مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري ( ص 126 – 135 ) وهذا مختصرها:-

المرحلة الأولى: دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن بأن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فتلك الدعوة المباركة هي التي دفعت الحسن رضي الله عنه إلى الإقدام على الصلح بكل ثقة وتصميم.

المرحلة الثانية: الشرط الذي وضعه الحسن أساساً لقبوله مبايعة أهل العراق له، بأن يسالموا من يسالم ويحاربوا من يحارب.

المرحلة الثالثة: محاولة الاغتيال التي تعرض لها الحسن رضي الله عنه على يد الخوارج، كما ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (1/323 ) بسند حسن.

المرحلة الرابعة: إجبار الحسن رضي الله عنه على الخروج لقتال أهل الشام من غير رغبة منه، وهذا الأمر أشار إليه ابن كثير رحمه الله في البداية ( 8/14 ) بقوله: ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحد، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله..

المرحلة الخامسة: خروج معاوية رضي الله عنه من الشام وتوجهه إلى العراق، بعد أن وصل إليه خبر خروج الحسن من الكوفة..

المرحلة السادسة: تبادل الرسل بين الحسن ومعاوية، ووقوع الصلح بينهما رضان الله عليهما.

المرحلة السابعة: المحاولة الثانية لاغتيال الحسن رضي الله عنه، حيث أنه بعد أن نجحت المفاوضات بين الحسن ومعاوية، شرع الحسن في تهيئة نفوس أتباعه على تقبل الصلح الذي تم، فقام فيهم خطيباً، وبينما هو يخطب إذ هجم عليه بعض معسكره محاولين قتله، ولكن الله أنجاه منهم. انظر هذا الخبر في الأخبار الطوال للدينوري ( ص 216 – 217 ).

المرحلة الثامنة: تنازل الحسن بن علي عن الخلافة وتسليمه الأمر إلى معاوية رضوان الله عليهم أجمعين. انظر خبر هذه المرحلة عند الطبراني في الكبير ( 3 / 26 ) بسند حسن وفضائل الصحابة للإمام أحمد ( 2 / 769 ) بسند صحيح.

قال أبو سلمة التبوذكي رحمه الله في معرض الإشادة بجمع عثمان بن عفان رضي الله عنه القرآن: وكان في جمعه القرآن كابي بكر في الردة. السنة للخلال ( 322 ).

قلت: وكذلك كان الحسن رضوان الله عليه في صلحه مع معاوية رضي الله عنه في حقنه لدماء المسلمين، كعثمان في جمعه القرآن وكأبي بكر في الردة.

ولا أدل على ذلك من كون هذا الفعل من الحسن يعد علماً من أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما سجله البخاري في صحيحه لتلك اللحظات الحرجة من تاريخ الأمة المسلمة حين التقى الجمعان، جمع أهل الشام وجمع أهل العراق، عن أبي موسى قال: سمعت الحسن – أي البصري - يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - و كان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء، هؤلاء و هؤلاء، هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم ؟ من لي بضيعتهم ؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس – عبد الله بن سمرة و عبد الله بن عامر بن كريز – فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه و قولا له و اطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما و قالا له و طلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنّا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال – أي فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحاً، قال ابن حجر: فنبه على ذلك خشية أن يرجع عليه بما تصرف فيه ( 13 / 70 ) – و إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها – أي المعسكرين الشامي والعراقي قد قتل بعضها بعضاً، فلا يكفون عن ذلك إلا بالصفح عما مضى منهم - قالا: فإنه يعرض عليك كذا و كذا و يطلب إليك و يسألك، قال: فمن لي بهذا ؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه، فقال الحسن - أي البصري -: و لقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر - و الحسن بن علي إلى جنبه و هو يقبل على الناس مرة و عليه أخرى و يقول -: إن ابني هذا سيد و لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. صحيح البخاري مع الفتح (5/361) و الطبري (5/158).

 و في هذه القصة فوائد كثيرة أفادها الحافظ في الفتح (13/71-72) منها:-

1- عَلَمٌ من أعلام النبوة.

2- فيها منقبة للحسن بن علي رضي الله عنهما، فإنه ترك الملك لا لقلة و لا لذلة و لا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله، و لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين و مصلحة الأمة.

3- فيها ردّ على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً و من معه و معاوية و من معه، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين.

4- فيها دلالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.

5- فيها دلاله على رأفة معاوية بالرعية و شفقته على المسلمين، و قوة نظره في تدبير الملك و نظره في العواقب.

6- فيها جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين.

7- و فيه جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، لأن الحسن و معاوية ولي كل منهما الخلافة و سعد بن أبي وقاص (ت 55هـ) و سعيد بن زيد (ت51هـ) في الحياة و هما بدريان.

قال ابن بطال معلقاً على رواية البخاري: هذا يدل على أن معاوية كان هو الراغب في الصلح، وأنه عرض على الحسن المال ورغبه فيه، وحثه على رفع السيف، وذكره ما موعده جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الإصلاح به[2].

وهناك رواية أخرى أخرجها ابن سعد في الطبقات ( 1 / 330 – 331 ) بسند صحيح وهي لا تقل أهمية عن رواية البخاري في الصلح، وتعد مكملة لها، وهي من طريق عمرو بن دينار: إن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره للفتنة، فلما توفي علي بعث إلى الحسن فأسلح الذي بينه وبينه سراً، وأعطاه معاوية عهداً إن حدث به حدث والحسن حي لَيُسَمِّينَّهُ – أي يرشحه للخلافة من بعده -، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلما وثق منه الحسن، قال ابن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي وقال: اقعد يا هَناهُ – أي يا رجل – اجلس، فجلست، قال: إني قد رأيت رأياً وأحب أن تتابعني عليه، قال: قلت: ما هو ؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقت فيها الدماء وقطعت فيها الأرحام، وقطعت السبل، وعطلت الفروج – يعني الثغور -، فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد فأنا معك على هذا الحديث، فقال الحسن: اع لي الحسين، فبعث إلى الحسين فأتاه فقال: يا أخي أني قد رأيت رأياً وإني أحب أن تتابعني عليه، قال: ما هو ؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر، قال الحسين: أعيذك بالله أن تكذب علياً في قبره وتصدق معاوية، قال الحسن: والله ما أردت أمراً قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري، قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد علي، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك فافعل ما بدا لك.

 

والحقيقة أن الرغبة في الصلح كانت موجودة لدى الطرفين الحسن ومعاوية، فقد سعى الحسن رضي الله عنه إلى الصلح، وخطط له منذ اللحظات الأولى لمبايعته، ثم جاء معاوية فأكمل ما بدأه الحسن، فكان عمل كل واحد منهما مكملاً للآخر رضوان الله عليهم أجمعين.

ومن خلال النصين السابقين، وبالتدقيق في الروايات التي تنص على طلب الحسن الخلافة بعد معاوية، نجد أنها تتنافى مع قوة و كرم الحسن؛ فكيف يتنازل عن الخلافة حقناً لدماء الأمة و ابتغاء مرضاة الله، ثم يوافق على أن يكون تابعاً، يتطلب أسباب الدنيا و تشرأب عنقه للخلافة مرة أخرى ؟!

و الدليل على هذا ما ذكره جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي، إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة، فقال كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت و يحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز. البلاذري في أنساب الأشراف (3/49) و طبقات ابن سعد، الطبقة الخامسة ( ص 258) بسند جيد.

وفي اعتقادي أن هذه القصة عبارة عن إشاعة سارت بين الناس وبالذات بين أتباع الحسن، ثم إنه من الملاحظ أن أحداً من أبناء الصحابة أو الصحابة أنفسهم، لم يذكروا خلال بيعة يزيد شيئاً من ذلك، فلو كان الأمر كما تذكر الروايات عن ولاية العهد، لاتخذها الحسين رضي الله عنه حجة، وقال أنا أحق بالخلافة، ولكن لم نسمع شيئاً من ذلك على الإطلاق.

ومما يؤيد هذا الاعتقاد، ما قرره الأستاذ محمد ضيف الله بطاينة في مقال له منشور في مجلة الجامعة الإسلامية العدد ( 83 – 84 ) سنة 1409هـ، حيث قال: وربما أن هذه الإشاعة – قضية ولاية عهد الحسن بعد معاوية – أطلقت في ظروف متأخرة، أرادت التعريض بالبيعة ليزيد، واتهام معاوية بالخروج على الشورى في استخلافه ولده يزيد، وهي قضية جرت في فترة تالية من الصلح بين الحسن ومعاوية.

 

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ومع شبهة استغناء معاوية عن المطالبة بقتلة عثمان، مقابل توليه الخلافة..

 

 

[1] انظر: طبقات ابن سعد الطبقة الخامسة ( 5/257 ) بإسناد صحيح.

[2] انظر: الفتح ( 13 / 69 ).