×

الرد على زعم رواية الحسن البصري: الولد للفراش وللعاهر الحجر

الرد على زعم رواية الحسن البصري: الولد للفراش وللعاهر الحجر

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

الرد على زعم رواية الحسن البصري

الولد للفراش وللعاهر الحجر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن شبهة طعن الحسن البصري رحمه الله في معاوية وأنه - أي معاوية   – استخلف من بعده ابنه يزيد وكان سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير.. واليوم سيكون الرد إن شاء الله عن المطعن الثالث الوارد في رواية الحسن البصري السابقة، وهو: ادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر.

الجواب: المراد بزياد هنا؛ هو زياد بن سمية، وهي أمه كانت أمة للحارث بن كلدة، زوجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف. انظر ترجمته في الإصابة (2 / 527 – 528 )، والاستيعاب ترجمة رقم ( 829 ) وطبقات ابن سعد ( 7 / 99 ) وغيرها.

 إن قضية نسب زياد بن أبيه تعد من القضايا الشائكة في التاريخ الإسلامي؛ لأنها تثير عدداً من الأسئلة يصعب الإجابة عليها، مثل:-

1- لماذا لم تثر هذه القضية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، مثلما أثيرت قضايا مشابهة لها عند فتح مكة ؟

مثل قضية: نسب ابن أمة زمعة بن قيس الذي ادعاه عتبة بن أبي وقاص، انظر القصة في صحيح البخاري مع الفتح ( 12 / 32 – 33 ).

2 – لماذا لم تثر هذه القضية في حياة أبي سفيان رضي الله عنه ؟

3- لماذا لم تثر هذه القضية في أثناء خلافة علي رضي الله عنه، خاصة عندما كان زياد من ولاة علي؛ لأن في إثارتها في تلك الفترة مكسباً سياسياً لمعاوية رضي الله عنه؛ إذ قد يترتب على ذلك انتقال زياد من معسكر علي إلى معسكر معاوية ؟

4 – لماذا أثيرت هذه القضية في سنة ( 44 ه) وبعد أن آلت الخلافة إلى معاوية رضي الله عنه ؟

ومهما يكن من أمر فإن قضية نسب زياد تعد من متعلقات أنكحة الجاهلية، ومن أنواع تلك الأنكحة ما أخرجه البخاي في صحيحه من طريق عائشة رضي الله عنها: ( إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء  – بمعنى: أنواع -: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها  – أي يعين صداقها – ثم ينكحها.

ونكاح آخر، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها   – حيضها -: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه  – أي اطلبي منه الجماع – ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد  – النجيب: الكريم الحسب -، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.

ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.

والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أردهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها و دعوا لها القافة  – جمع قائف، وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفية   – ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه به  – أي استلحقه به – ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك.

فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم. الفتح مع الصحيح ( 9 / 88 – 89 ).

وقد أقر الإسلام ما نتج عن تلك الأنكحة من أنساب، وفي ذلك يقول ابن الأثير: فلما جاء الإسلام.. أقر كل ولد ينسب إلى أب من أي نكاح من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرق بين شيء منها. الكامل في التاريخ ( 3/ 445 ).

وأما الذراري الذين جاء الإسلام وهم غير منسوبين إلى آبائهم   – كأولاد الزنى –  فقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه أبو داود بإسناده قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن فلاناً ابني، عاهرت – أي زنيت – بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر. صحيح سنن أبي داود ( 2 / 430 ).

أما القول إن سبب سكوت أبي سفيان رضي الله عنه من ادعاء زياد هو خوفه من شماتة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر القصة في الاستيعاب لابن عبد البر ( 2 / 525 ). فهذا القول مردود بما يلي:-

1 – إن قضية نسب ولد الزنا قد ورد فيها نص شرعي ولم تترك لاجتهادات البشر.

2 – إن الإسلام يجب ما قبله.

3 – إن عمر رضي الله عنه توفي قبل أبي سفيان رضي الله عنه، فلماذا لم يدّع أبو سفيان زياداً بعد وفاة عمر ؟.

4 – إن في إسناد هذا الخبر محمد بن السائب الكلبي، وقد قال عنه ابن حجر: ( متهم بالكذب ورمي بالرفض ) التقريب ( 479 ).

وأما اتهام معاوية رضي الله عنه باستلحاق نسب زياد فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلاً عن أن صحبة معاوية رضي الله عنه وعدالته ودينه وفقهه تمنعه من أن يرد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاسيما وأن معاوية أحد رواة حديث ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) الفتح ( 12 / 39 ).

وبعد أن اتضحت براءة معاوية رضي الله عنه من هذا البهتان فإن التهمة تتجه إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان، وهذا ما ترجح لدي من خلال الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أبي عثمان قال: لما ادعى زياد، لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من ادعى أباً في الإسلام غير أبيه، يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام )، فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحيح مسلم بشرح النووي ( 2/ 51  – 52 ) والبخاري مع الفتح ( 12 / 54 ).

قال النووي رحمه الله معلقاً على هذا الخبر: (.. فمعنى هذا الكلام الإنكار على أبي بكرة، وذلك أن زياداً هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه: زياد بن أبيه، ويقال: زياد بن أمه، وهو أخو أبي بكرة لأمه.. فلهذا قال أبو عثمان لأبي بكرة: ماهذا الذي صنعتم؟

وكان أبو بكرة رضي الله عنه ممن أنكر ذلك وهجر بسببه زياداً وحلف أن لا يكلمه أبداً، ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، أو يكون مراده بقوله: ما هذا الذي صنعتم ؟ أي ما هذا الذي جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على فاعله الجنة ). شرح صحيح مسلم ( 2 / 52 ).

وقال أيضاً: قوله: ادُّعِي ) ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبني لما لم يسم فاعله، أي ادعاه معاوية، ووجد بخط الحافظ أبي عامر العبدري   – وهو إمام من أعيان الحفاظ من فقهاء الظاهرية ( ت 524هـ )، انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي ( 4 / 1272 ) – ( ادَّعَى ) بفتح الدال والعين، على أن زياداً هو الفاعل، وهذا له وجه من حيث إن معاوية ادعاه، وصدقه زياد فصار زياد مدعياً أنه ابن أبي سفيان، والله أعلم. شرح مسلم ( 2 / 52 –  53).

وقد تبينت براءة معاوية رضي الله عنه من هذه التهمة فيما تقدم من القول، وبذلك ينتفي الوجه الذي ذهب إليه النووي في كلامه عن ضبط الحافظ أبي عامر العبدري لكلمة ( ادَّعَى ).

ويزيد هذا الأمر تأكيداً ما أورده الحافظ أبو نعيم في ترجمة زياد بن أبيه حيث قال: ( زياد بن سمية: ادَّعَى أبا سفيان فنسب إليه ) معرفة الصحابة ( 3 / 1217 ).

وبذلك يكون زياد هو المدعي، ولذلك هجره أخوه أبو بكرة رضي الله عنه. والله تعالى أعلم. مقتبس  من كتاب: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري للدكتور خالد الغيث ( ص 372 –     379 ).

وقد أجاب الإمام ابن العربي رحمه الله عن هذه الشبهة بجواب آخر له وجه من الصحة أيضاً، فقال فيما معناه: أما ادعاؤه زياداً فهو بخلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال لعبد بن زمعة: ( هو لك الولد للفراش وللعاهر الحجر ) باعتبار أنه قضى بكونه للفراش وبإثبات النسب فباطل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت النسب، لأن عبداً ادعى سببين، أحدهما: الأخوة، والثاني: ولادة الفراش، فلو قال النبي صلى الله عليه وسلم هو أخوك، الولد للفراش لكان إثبابتاً للحكم وذكراً للعلة، بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها وأعرض عن النسب ولم يصرح به، وإنما هو في الصحيح في لفظ ( هو أخوك ) وفي آخر ( هو لك ) معناه أنت أعلم به بخلاف زياد، فإن الحارث بن كلدة الذي ولد زياد على فراشه، لم يدعيه لنفسه ولا كان ينسب إليه، فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز بل فعل فيه الحق على مذهب الإمام مالك. انظر تفصيل ذلك في كتاب العواصم من القواصم ( ص 248  – 255 ) بتخريج محمود مهدي الاستانبولي و تعليق الشيخ محب الدين الخطيب وهو من منشورات مكتبة السنة بالقاهرة.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة وشبهة أخرى..