×

مقارنة بين الشيعة والسنة في معنى حديث غدير (خم)

مقارنة بين الشيعة والسنة في معنى حديث غدير (خم)

الكاتب: أبو بكر هشام ابن ادريس بنعزى المغربي

مقارنة بين الشيعة والسنة في معنى حديث غدير (خم)

يزعم الشيعة كما سبق ومر معنا، أن هذا الحديث دليل على أن عليا هو الخليفة الشرعي من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما لا يرى السنة علاقة بين الحديث وبين ما ذهب إليه الشيعة لا من قريب ولا من بعيد، لا على الحقيقة ولا المجاز، لا بالنص ولا الإيماء، وأن الحديث إنما يدل على وجوب محبة علي رضي الله عنه وموالاته وتزكية إيمانه ظاهرا وباطنا، فالمولاة تجب لكل مؤمن، وفي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لنا بأن نوالي عليا دليل على إيمانه الباطني وبراءته من تهم النواصب والخوارج له بكونه مرتدا وما شابه ذلك،

فمجمل قول السنة في معنى الحديث ما يلي:

أولا: معنى الحديث:

أن من كان محبا للنبي صلى الله عليه وسلم ناصرا له فيجب عليه محبة علي ونصرته وهذا الفضل لكل مسلم ومسلمة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عليا بالذكر بيانا لفضله وزيادة في شرفه وشهادة على صحة إيمانه الباطني وردا على من كان يُبغضه، وإلا فإنه يلزم من كل من اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم مولى له يحبه وينصره فعليه أن يتخذ أتباعه أولياء له يحبهم وينصرهم، فإن أبغضهم وعاداهم فقد تناقض وفي هذا يقول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [التوبة: 71] إلى غيرها من الآيات، فنحن نثبت بهذا الحديث فضيلة لعلي سامية وهي أن إيمانه الباطني كإيمانه الظاهر، أما الشيعة فيثبتون به ما لا يدل عليه الحديث وما لا يعترف به علي نفسه وما لا تعرفه العرب.

ثانيا: لو أراد صلى الله عليه وسلم بذلك الإمارة والسلطان، لأفصح لهم به؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس، ولقال لهم: يا أيها الناس هذا ولي أمركم، والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا.

وما كان من هذا شيء، ووالله لئن كان الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر، والقيام به للمسلمين من بعده، ثم ترك علي أمر الله ورسوله أن يقوم به، أو يعذر فيه للمسلمين، إن كان أعظم الناس خطيئة لعلي إذ ترك أمر الله ورسوله، وحاشاه من ذلك"

ثالثا: نقل الحافظ ابن عساكر 4/166 عن الحافظ البيهقي حديث فضيل بن مرزوق أن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سئل فقيل له: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من كنت مولاه فعلي مولاه))؟ فقال: ((بلى: ولكن والله لم يعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الإمارة والسلطان. ولو أراد ذلك لفصح لهم به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أنصح للمسلمين. ولو كان الأمر كما قيل لقال: يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًّا لهذا الأمر وجعله القائم للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله، لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله). ورواه البيهقي من طرق متعددة في بعضها زيادة وفي بعضها نقصان والمعنى واحد. فنحن نفهمه كما فهمه ابن علي رضي الله عنه وسبط الرسول صلى الله عليه وسلم

رابعا: إنكار أهل العربية قاطبة ثبوت ورود "المولى" بمعنى "الأولى". بل قالوا لم يجئ قط "المَفْعَلُ" بمعنى "أَفْعَلُ" في موضع ومادة فضلا عن هذه المادة بالخصوص، إلا أن أبا زيد اللغوي جوز هذا متمسكا فيه بقول أبي عبيدة في تفسير {هي مولاكم} أولى بكم. لكن أهل العربية خطؤوه في هذا التجويز والتمسك قائلين بأن هذا القول لو صح لزم أن يقال مكان فلان أولى منك مولى منك، وهو باطل منكر بالإجماع.

خامسا: أنه لو سُلِّم بأن المولى بمعنى الأولى فلا يلزم أن تكون صلته بالتصرف، إذ كيف تقرر الصلة ومن أية لغة؟؟؟

فإنه يحتمل أن لا يكون المراد: أولى بالتصرف في غيره، كما في قوله تعالى { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا } [آل عمران: 68] وظاهر أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى بالتصرف في جنابه المعظم، فإذا كان نفس اللفظ وهو "أولى" لا يدل بذاته على أحقية التصرف في الغير فكيف يدل عليه لفظ مغاير له مادة ومعنى كـ"مولى"؟؟؟؟

سادسا: أن القرينة البَعدية تدل صراحة على أن المراد من الولاية المفهومة من لفظ «المولى» أو «الأولى» المحبة، وهي قوله: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، ولو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور أو الأولى بالتصرف لقال: (اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك)، ولم يكن ذلك وإنما ذكر صلى الله عليه وسلم المحبة والعداوة، وفي هذا دليل صريح على أن المقصود إيجاب محبته والتحذير من عداوته، لا التصرف وعدمه،

فهذه بعض تعليلات أهل السنة لعدم اعتبار الحديث نصا في ما تدعو إليه الشيعة، ويستحيل أن يكون تنصيب علي رضي الله عنه خليفة من بعد الرسول من أصول الدين، ونزل على الرسول صلى الله عليه وسلم تهديد وانتهار حتى يُبلغ هذا الأصل الديني، ثم يُبلغه بتعبير كهذا الذي هو في حكم عدم التبليغ لما يحتمله من معاني بظاهرها تدل على عكس ما أُمر بتبليغه،

وهنا بعض ما يشهد للكلام السابق من اللسان العربي، وذلك أن الحديث عربي وقاله أفصح العرب، فوجب اعتبار اللسان العربي في فهم مراد الحديث،

إن العدول عن لفظ "الأولى" واستعمال "المولى"، مع اختلافهما مادة وتصريفا يُوجب للعاقل وقفة، فإن لفظ "المولى" إما أن يتعدى بنفسه فنقول: "الله مولى المؤمنين"، أو أن يتعدى باللام فيُقال: "أنا مولى لك"، وفي كلا التعديين يستحيل أن يكون معنى "المولى" المتصرف في غيره، ففي قولنا: الله مولى المؤمنين ليس المراد منها قطعا أنه متصرف في المؤمنين فالله سبحانه وتعالى متصرف في كل الخلق، ولكان قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] معناه: الله متصرف في المؤمنين، والكافرون لا أحد يتصرف فيهم وهذا كفر بواح، وأيضا في تعديها باللام لا تحتمل التصرف، بل لها معنى واحد سواء تعدت باللام أو بنفسها، لأنها في تعديها بنفسها يكون المضاف إليها مجرورا باللام المقدرة، فقولنا: "الله مولى المؤمنين"، أي "مولىً لهم"،

أما مادة "أولى" فإنها لا تتعدى بنفسها، وهي من أوزان التفضيل فيجب أن تتعدى بحرفين "الباء" الداخل على المفضل به و"مِن" الداخلة على المفضل عنه، فيُقال مثلا: "أنا أولى بهذا منك"، فهل يصح في الأذهان أن يُقال: (علي مولى بالخلافة منكم؟؟؟)،

فهذا التفريق الأول بين اللفظين من جهة المادة والتصريف، وفي كلام العرب قول الشاعر:

الله حسبي فيك من كلِّ ما ... يُعَوِّذُ العبدُ به المَولى

ولا تَزل تَرفُلُ في نعمةٍ ... أنت بها من غيرك الأولى

ففي المولى لم يتعد إلا باللام المقدرة والمعنى: "المولى له" وفي الأولى تعدى بـ"الباء" و"من" مع تقديم ما محله تأخير، والأصل: أنت الأولى بها من غيرك.

فبهذا يُعلم الفرق بينهما، وأن كلمة المولى يُراد منها عند اطلاقها المحب والنصير، قال الشاعر في المثال المشهور في المسائل البصرييات:

فلم يغوني ربي فكيف اصطحابنا ... ورأسك في الأغوى من الغي منغوي

عدوك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوي ليس ذلك بمستوي

وكم موطنٍ لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قُلة النيق منهوي

نداك عن المولى ونصرُك عاتمٌ ... وأنت له بالظلم والغمر مختوي.

وكلمة "أولى" إن هي تعدت باللام خرجت مخرج التهديد

ثانيا: أنَّا إن رجعنا إلى اللسان العربي نجد لكلمة "المولى" معان كثيرة جدا وليس منها الإمام أو الخليفة، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعمل لفظا يدل على أكثر من معنى إلا المعنى الذي من أجله عوتب وهُدِّد وانتُهر، وهذا باطل ويدل على بطلان قول الشيعة في الحديث وسبب وروده رأسا.

قال الثعالبي وهو أحد أئمة اللغة العربية والمرجع اللغوي في عصره وبعده:

(المولى: هو السيد والمُعْتِق والمُعْتَقْ وابن العم والصِّهر والجار والحليف)([1]).

فالسيد يُسمى مولى والمراد بالسيد مالك العبد، فيُقال فلان مولى العبد الفلاني أي سيده، ومن هذا قول الشاعر:

لو عرف الإنسان مقدارهُ ... لم يفخر المولى على عبدهِ

أمس الذي مرعل قربه ... يعجز أهل الأرض عن ردهِ

أي لم يفخر سيد على عبده، أيضا ومثله قول اللغوي ابن الرعاء في شيخه في اللغة بهاء الدين ابن النحاس:

سلم على المولى البهاء وصف له ... شوقى إِليه وأننى مملُوكُهُ

أبدًا يحركني إِليه تشوقي ... جسمي به مَشْطوُره مَنْهُوكُهُ

لكن نحلت لبعده فكأنني ... ألف وليس بممكن تحريكهُ

أي سلّم على السيد، فأنزل شيخه منزلة سيده وأنزل نفسه منزلة العبد المملوك.  

والمعتق وهو السيد الذي أعتق مملوكه يُسمى مولى بمعنى أنه معتق لا أنه سيده لأنه صار حرا، والمُعتَق أيضا يُسمى مولى باعتبار أن كان عبدا وأُعتق لا أنه مملوك لغيره، وباقي معانيها واضحة، إلا أنَّا لا نرى أن من ضمن معانيها الخليفة أو الإمام؟

وابن العم أيضا يسمى مولى،

وقد أنشد في هذا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ للفضل بن العباس بن عُتْبة بن أَبي لهب يُخاطب بَنِي أُميَّة فقال:

مَهلاً بَنِي عَمِّنَا مَهْلاً مَوَالِينا ... لا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا ما كانَ مَدْفُونَا

لا تجعَلُوا أَن تُهِينُونَا ونُكْرِمَكُمْ ... وأَنْ نكفَّ الأَذَى عنكمْ وتُؤْذونَا

اللهُ يَعْلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ ... ولا نَلُومكُمُ أَلا تُحِبُّونَا

ثالثا: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أثبت لعلي في الحديث وُجوب وَلايته وليس وِلايته، فالقصة والحديث واللغة يشهدان للأول دون الثاني، فسبب قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك هو الخصومة التي حصلت بين علي رضي الله عنه وبعض الصحابة واشتكوا بعلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟؟) يُذكر الصحابة بقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم)، فقالوا جميعا: بلى، أي أنت كذلك وما تُحبه نُحبه ووجب علينا حُبه ولو كانت أنفسنا تخالف ذلك، فقال لهم بعدها: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، أي من كنت مولى له يُحبني وينصرني فلا يُبغض عليا بل يتخذه أيضا مولى له يُحبه وينصره، ثم دعا مع كل من امتثل للحديث وأحب عليا فقال: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)، فتتمة الحديث شارحة للحديث فمن اتخذ عليا مولى له يحبه وينصره والاه الله أي أحبه ونصره، ومن لم يتخذ عليا مولى له بأن يُبغضه ويُعاديه عاداه الله، فبهذه القرينة وذكر المحبة والمعادة يتبين أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم هو الوَلاية، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: (فإذا أَحبَّ لله وأبغض لله فقد استحق وَلاية الله)، ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة لقال وهو أفصح القائلين، فهذا الخليفة عليكم من بعدي، أما التعبير الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم يدل على غير الإمامة والخلافة أكثر مما يدل على الإمامة، وهذا فيه انتقاص لله وللشريعة الإسلامية،

إذ كيف يُتصوّر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كاتما لهذا الأصل الديني طول زمان دعوته وهو يتهرب من دعوة الناس إليه، إلى أواخر حياته حيث نزل التهديد والانتهار له بأن يُبلغ ما كان مستنكفا عن تبليغه، ثم يُبلّغه الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب مجمل ويترك الألفاظ القطعية الواضحة في اظهار ذلك المراد ويعدل عنها إلى ألفاظ لا تحتمل ذلك المعنى لا بالوضع ولا بالظاهر، ثم يُنزل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الأسلوب المجمل لأصل أصول الدين آية إكمال الدين (اليوم أكملت لكم دينكم)، فهل كان الله سبحانه وتعالى عاجزا على أن يُكمل دينه إلا بهذا التعبير المجمل الذي لا يُبين حكما فرعيا فضلا عن ركن من أركان الدين؟؟، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم خائفا أن يرتد القوم إن هو قال هذا القول الذي لا يدل إلا على وجوب محبة علي ونصرته خصوصا، ومحبة ونصرة كل مؤمن عموما؟؟؟،

إن هذا الأسلوب لو قاله في الجاهلية لقبلوه منه، فلو قال لأبي جهل وأبي لهب قبل الرسالة: (من كنت مولاه فعلي أو العباس أو غيرهما مولاه)، لقبلوه منه لأنه لا يدل على استخلاف ولا تصرف

ويكفي في بيان أن الحديث لا يراه الشيعة نصا في خلافة علي رضي الله عنه، أنهم لا يستدلون بألفاظه على ذلك، بل يزيدون من عندهم ألفاظا ليست في الحديث، فإنّا نقول: (الحديث دليل على أن عليا هو مولى لكل مؤمن ومؤمنة، وأن من والى عليا والاه الله، ومن عادى عليا عاداه الله)، فنعتقد بالحديث كما هو من غير تحريف لألفاظه، أما الشيعة فيقولون في الحديث: (الحديث دليل أن عليا خليفة من بعد الرسول)، مع أنه ليس في الحديث ذكر للفظ الخليفة ولا لفظ من بعدي

ولو فسرنا المولى في الحديث بمعنى الخليفة وقلنا إن عليا هو الخليفة من بعد الرسول بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (فعليٌّ مولاه)، فإنه يلزم تفسير المولى بالخليفة في قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم: 4]، أي أن الله سبحانه وتعالى هو الخليفة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وجبريل هو الخليفة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل مؤمن صالح فهو خليفة على الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا لا يلتزمه أحد، فإن كان لفظ المولى في الآية لا يدل على الإمامة أو الخلافة، فلا حجة به في الحديث

رابعا: ليس في الحديث ما يدل على اختصاص علي رضي الله عنه بهذه المنقبة دون غيره من الصحابة، لأن موالاة المؤمنين تجب لكل مؤمن، والقاعدة المتفق عليها في جميع الشرائع (أن وصف شخص بفضيلة عامة هي منقبة له لا أنها خاصة به)، وهذه الفضيلة أثبتها الله تعالى في كتابه لجميع المؤمنين فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [التوبة: 71]، فالموالاة ثابتة لكل المؤمنين ووصف علي رضي الله عنه بها خاصةً منقبةٌ له، مثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر عندما سمعه يقرأ {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 28] ، فقال له: سيقولها لك المَلَك يا أبا بكر، فهذا لا يعني أنه لن يقولها لأحد، لأن هذه فضيلة عامة تشمل كل المؤمنين الذين بلغوا درجة الاطمئنان، وتخصيص أبي بكر بها إنما هو منقبة له لا أنها خاصة به دون غيره.

خامسا: لو سلمنا بأن المولى في الحديث تعني الخليفة، وخالفنا العرب والعجم وقلنا بما لا تقوله العرب، فإنه يظل الحديث مشكلا، وأقصى ما يدل عليه هو أن عليا رضي الله عنه إن هو استلم الخلافة فخلافته شرعية، فليس فيه أنه لا مولى لنا إلا هو، وإثبات أمر لأمر لا يلزم نفيه عن غيره ما لم يكن بأسلوب القصر الحقيقي دون الإضافي، فالحديث يدل أن عليا خليفة شرعي إذا تولى الخلافة، ولا يدل أن خلافة من قبله أو بعده غير شرعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم علِم بعلم الله تعالى أن الخلفاء الثلاثة ستكون سيرتهم حسنة عند الجميع وسيكون لهم أعمال تشهد لهم بالخير من فتح البلدان وتوسعة الرقعة الإسلامية، وأن عليا رضي الله عنه سيكون في زمانه فتنة وقتاله للمؤمنين دون الكفار، حيث أنه لن يفتح أرضا ولن يقاتل كافرا، وهذا قد يُوقع الريبة في قلوب بعض الناس فيحكموا عليه بأن خلافته غير شرعية بسبب هذه الأفعال، فاحتاج إلى مدح من النبي صلى الله عليه وسلم وحديث يُصحح له خلافته رضي الله عنه، وهذا إن سلمنا أن لفظ المولى يدل على الخليفة في لغة من اللغات.

وبسبب هذه الإجمالات والاحتمالات تطاول من الشيعة من تطاول على جناب النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بأنه أضلَّ الأمة حيث لم يوص لأحد من بعده بالنص.

وبهذا يتبين للقارئ الفرق بين السنة والشيعة في التعامل مع الحديث، وأن قول الشيعة كثير التضارب مخالف للسان العربي مناف للسياق منافر للسابق واللاحق من الكلام، وبعد ذلك فهو غير قطعي في ما يذهبون إليه.

تصفية لما سبق:

بيَّنا فيما سبق أن المولى ليس من معانيها ألبتة الخليفة أو الحاكم، وهذا لا يُنازعنا فيه لغوي، وبيّنّا أيضا أن "مَفْعَل" لا يأتي بمعنى "أفعل"، مادة وتصريفا ومعنى، فضلا عن المولى بمعنى أولى وهما من جنس الوزن كما سبق في مقدمة هذا الفصل، وأنه حتى لو سلمنا بذلك، فإن كلمة "أولى" لا يلزم منها التصرف في الغير كما في قوله تعالى: { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران: 68] ، إلا أنَّا لا نُسلم أصلا بأن "المولى" يأتي بمعنى "أولى"، وهنا نناقش بعض ما يُمكن الاعتراض به على ما ذهبنا إليه:

قال ابن الأنباري:

والمولَى من الأَضْداد؛ فالمولَى المنعِم المعتِق، والمولَى: المنعَم عليه المعتَق. وله أَيْضاً معان ستَّة سوى هذين: فالمولَى الأَوْلى بالشَّيء، قال الله عزَ وجلّ: النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ، فمعناه هي أَوْلى بكم، قال لَبِيد:

فغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تحسِبُ أَنَّهُ ... مَوْلَى المخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها[2].

فابن الأنباري يرى أن المولى جاءت بمعنى أولى، ونقاشنا مع الأنباري هو في ثبوت هذا في اللغة، لا أن الحديث أُريد به ذلك فإنه من أبعد الاحتمالات للقرائن المتصلة بالحديث، ولاستعماله صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ المجمل في تبليغ أصل ديني وهذان ضدان لا يجتمعان، أن يُبلغ أصلا دينيا تكفر الأمة بتركه بتعبير لا يدل عليه وبتعبير يُضل العرب عن المعنى الذي فهمه الشيعة والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن مثل هذه التعابير.

والجواب على ما قال ابن الأنباري وغيره في تفسير الآية أنهم لم يريدوا بتفسيرهم ذلك أن المولى بمعنى الأولى، بل هم يُفسرون المولى بالمكان المصاحب لهم الذي يقال فيه إنه أولى بهم، فيكون تفسيرهم للمولى على معناها الحقيقي وهو الصاحب الملازم، ولفظ الأولى زائد عن المولى لازم له.

قال النسفي في تأويله للآية:

{مَأْوَاكُمُ النار} مرجعكم {هِىَ مولاكم} هي أولى بكم والحقيقة مولاكم محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما يقال هو مثن للكرم أي مكان لقول القائل إنه لكريم.

وقال المظهري رحمه الله في تفسيره للآية:

النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ أى مكانكم الذي يقال فيه وهو أولى بكم، أو ناصركم على طريقة قولهم تحية بينهم ضرب وجيع أو متوليكم أي يتولكم كما توليتم موجباتها.

وقال البنتني في تفسيره "مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، في تفسيره للآية:

(مَأْواكُمُ النَّارُ أي منزلكم النار، هِيَ مَوْلاكُمْ أي هي موضعكم الذي تصلون إليه).

وبهذا نحمل قول المرأة في البيت، أي المكان الأولى بالمخافة

وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد نفي الناصر على البتات، ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع، ومنه قوله تعالى: يغاثوا بماء كالمهل.

فإن تبين أن الآية حملها المفسرون على غير كلمة "أولى" وإنما على معنى المولى مثل الناصر والصاحب، وقولهم موافق للغة بالإجماع، بينما حملها على "أولى" مختلف فيه ومن اللغوين من لا يقول به، علمنا أنه لا حجة في الآية ليُقال إنه قد تأتي "مولى" بمعنى "أولى"، وهذه المناقشة لا علاقة لها بالحديث ولا متمسك للشيعة به لما سبق وذكرنا.

ومما يعترض به الشيعة على ما قدمناه في معنى الحديث، ما رواه الإمام أحمد في مسنده:

(عن البراء بن عازب ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكُسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين فصلى الظهر و اخذ بيد علي رضي الله عنه فقال : "ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ قالوا: بلى. فأخذ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه و عادِ من عاداه". فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة).

أما بالنسبة لهذه الزيادة وهي لقيه عمر فقال له: "أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة"، فإنه ومن جهة سندها فإنها لا تصح ومدارها كله على (علي بن زيد)، وهو ضعيف لا يصلح للتفرد فضلا عن المخالفة. وعلي بن زيد هذا هو ابن جدعان، وسأكتفي بمصدر واحد في التعديل والتجريح، وهو الكامل في الضعفاء للجرجاني، قال رحمه الله:

(حدثنا موسى بن العباس، حدثنا أيوب بن إسحاق، قال: سمعت محمد بن المنهال يقول: سمعت يزيد بن زريع يقول: لقد رأيت علي بن زيد ولم أحمل عنه فإنه كان رافضيا.

حدثنا ابن حماد، حدثنا عباس، عن يحيى، قال: علي بن زيد ليس بحجة.

وفي موضع آخر سئل يحيى، عن عاصم بن عبد الله، وابن عقيل، وعلي بن زيد بن جدعان فقال علي بن زيد أحبهم إلي. (أي مقارنة بالاثنين فهو أحبهم إليه من جهة العلم)

حدثنا ابن حماد، حدثنا معاوية، عن يحيى، قال: علي بن زيد بن جدعان بصري ضعيف.

سمعت ابن حماد قال: سمعت البخاري يقول: علي بن زيد بن جدعان القرشي الأعمى البصري أبو الحسن قال عبد الصمد عن شعبة كان علي رفاعا.

سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي علي بن زيد بصري واهي الحديث ضعيف لا يحتج بحديثه.

حدثنا زكريا بن جعفر الرملي، حدثنا أيوب بن سليمان بن سافري، قال: سألت أحمد بن حنبل عن علي بن زيد فقال ليس بشيء.

حدثنا أحمد بن علي، حدثنا عبد الله بن الدورقي قال يحيى بن معين كان شعبة يحدث عن علي بن زيد عن يوسف بن ماهك وكان حماد بن سلمة يقول يوسف بن مهران.

حدثنا محمد بن علي، حدثنا عثمان بن سعيد سألت يحيى عن علي بن زيد بن جدعان قال ليس بذاك القوي.

 

حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا ابن مكرم الأثرم، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن زيد، قال: سمعت علي بن زيد ذكر عن يوسف بن مهران، قال: كان يشبه حفظه بحفظ عمرو بن دينار.[3]،

ولا شك أن مثله لا تُقبله روايته إن هو انفرد بها ولم يُخالف غيره، فكيف وقد خالف كل من روى الحديث عن البراء رضي الله عنه، فجميع رواة الصحيح رووا الحديث عن البراء دون هذه الزيادة إلا علي بن زيد بن جدعان ومضى معك حكمه، فبهذا يتبين أن الاحتجاج بهذه الرواية لا يصح لعدم صحتها، كما أنه ليس له أي شاهد أو متابع ليرفع على الأقل الحديث إلى مرتبة الاحتجاج، فضلا عن مرتبة المعارضة للأحاديث الصحيحة.

وأيضا هو يروي الحديث عن عدي بن ثابت وهو منكر الحديث ورافضي وداع إلى التشيع، ولا يشفع له توثيق بعض العلماء لأن الجرح المفصل مُقدم على التعديل المجمل كما هو معلوم عند أصحاب هذا الفن.

وفي سند الحديث أيضا أبو هارون العبدي وهو متروك الحديث[4]

ثم ولو سلمنا بصحتها فيبقى الإشكال قائما، وهو أن المولى المراد منها في كلام عمر رضي الله عنه، على معناها العربي المحب والناصر، وليس الخليفة فليست تلك من معانيها كما سبق، وأنه يجب على كل مسلم أن يُحب عليا وأن بُغضه نفاق.

وأيضا لو سلمنا أن المولى في الحديث وفي قول الفاروق رضي الله عنه معناه الخليفة وأن عمر هنأه لذلك، فهذا يدل على أن عليا لم يُنصب خليفة قبلها، لا في حديث الدار، ولا بحديث المنزلة، والثقلين، فإن حملوا الحديث على أنه تنصيب لعلي بالخلافة لزمهم أن لا يكون لهم دليل على خلافته إلا هذا الحديث، وقد علمت وهَن حجيته،

ومن الأحاديث التي يذكرها الشيعة محاولين رد الحقائق السابقة، ما رواه الإمام أحمد في مسنده في فضائل الصحابة وفيه: (جاء رهط إلى علي بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. فقال: كيف أكون مولاكم، وأنتم قوم عرب؟، قالوا: سـمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فهذا مولاه. قال رياح: فلما مضوا اتبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري).

ففي هذا الحديث عكس ما أراد منه الشيعة، فإن عليا عليه السلام هو نفسه لم يكن يعلم من لفظ المولى الخليفة أو ما رادفها، فلو كان من معانيها الخليفة، وأنه صار خليفة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فعلي مولاه)، لما أنكر عليهم بقوله: (وأنتم قوم عرب)، لأنه إن كان خليفة فهو خليفة على العرب والعجم، فما وجه اخراجه للعرب؟؟. وإنما قد يكون عليرضي الله عنه فهم من اللفظ معنى السيد والمعتق، لأنه لا يُنادى بهذا اللفظ غالبا إلا "السيد"، فقال: (كيف أكون سيدكم أو معتقكم وأنتم قوم عرب)، ومعلوم أن الأنصار عرب أقحاح أحرار أسياد، فبينوا له أنهم إنما أرادوا بقولهم ذلك ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الغدير، ومن الأدلة على أن الأنصار لم يريدوا من قولهم ذاك إلا المعنى السابق، ولم يريدوا معنى الخليفة الذي لا يحتمله اللفظ أصلا.

أنَّا قد رأينا الأنصار الذين رووا حديث الغدير وعملوا بمضمونه ونادوا عليا بـ(يا مولانا) تطبيقاً لمعنى الحديث الشريف، هم الذين وقفوا جنباً إلى جنب مع الإمام علي رضي الله عنه في حربه ضد أهل الشام، في حين أنهم لم يجدوا أدنى حرج في تنصيب أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه خليفة عليهم وعلى المسلمين عموما. ولو كانوا قد فهموا من الحديث معنى الخلافة لكانوا أول من سلّمها لعلي فالخلافة ستخرج من أيديهم لا محالة إما لأبي بكر وإما لعلي، ولا مصلحة لهم تقتضي أن ينكروا حق علي وهم يعلمونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار لعلي قولهم لزيد رضي الله عنه: (أنت أخونا ومولانا).

وفي الختام نذكر أقوالا لبعض مراجع الشيعة في بيان أن حديث الغدير ليس بنص في اثبات الخلافة لعلي رضي الله عنه

يقول الطبرسي: (لم يصرح النبي لعلي بالخلافة بعده بلا فصل في يوم الغدير وأشار إليها بكلام مجمل مشترك بين معاني يحتاج إلى تعيين ما هو المقصود منها إلى قرائن)[5]،  

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

 

 

([1])  "فقه اللغة وسر العربية" (ص: 263)

[2]  "الأضداد لابن الأنباري" (ص: 46 المفردة 19)

[3]  "الكامل في الضعفاء للجرجاني (6/335-336)، وراجع تقريب التهذيب جـ1 رقم (475) ص (694) وتهذيب الكمال في أسماء الرجال جـ21 رقم (47) ص (434) وقال عنهم الجوزجاني في كتابه الشجرة في أحوال الرجال ص (194) ((على بن زيد واهي الحديث ضعيف، وفيه ميل عن القصد، ولا يحتج بحديثه) وراجع السلسلة الصحيحة جت4 ص (344).

[4]  (تقريب التهذيب ترجمة4840).

[5]  فصل الخطاب 205 – 206