×

معاوية وفضائله عند الصحاب

معاوية وفضائله عند الصحاب

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

معاوية وفضائله عند الصحابة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن فضائل معاوية رضي الله عنه خصوصاً من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.. واليوم إن شاء الله سيكون الحديث عن فضائل معاوية رضي الله عنه خصوصاً من أقوال أهل العلم من السلف الصالح و الأئمة الأعلام.. مع الرد على شبهة طعن الحسن البصري رحمه الله في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.. والله الموفق..

سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: و الله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا ؟. وفيات الأعيان، لابن خلكان (3 /33)، و بلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه الشريعة (5/2466).

وأخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال: سمعت رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟!  فرأيته غضب غضباً شديداً و قال: لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه و صاحبه و صهره و أمينه على وحيه عز وجل. كتاب الشريعة للآجري ( 5/2466-2467)  شرح السنة لللالكائي، برقم (2785). بسند صحيح.

وسئل المعافى بن عمران، معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. السنة للخلال ( 2/ 435).

 

و كذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة، قيل له: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟

 فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس بهم أحد. كتاب الشريعة (5/2465-2466) بسند صحيح، و كذلك أخرج نحوه الخلال في السنة، برقم (666).

وروى الخلال في السنة بسند صحيح ( 660 ) أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير الناس قرني الذي بعثت فيهم.

 وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال: فكيف لوأدركتم معاوية ؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه ؟ قال: لا والله بل في عدله. السنة للخلال ( 1 / 437 ).

وعن قتادة قال: لوأصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي. السنة للخلال ( 1/438 ).

وعن مجاهد أنه قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. المصدر نفسه، وأورده ابن كثير في البداية ( 8 / 137 ).

وعن الزهري قال: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئاً. السنة للخلال ( 1 /444 ) وقال المحقق إسناده صحيح.

وقد أثنى عليه قبيصة بن جابر الأسدي بقوله: ألا أخبركم من صحبت ؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلاً أفقه فقهاً ولا أحسن مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلاً أعطى للجزيل من غير مسألة منه؛ ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أحب رفيقاً، ولا أشبه سريرة بعلانية منه.. انظر تاريخ الطبري ( 5/ 337 ) وأورد هذا الخبر البخاري في التاريخ الكير ( 7 / 175 ).

 

وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أعظم حلماً ولا أكثر سؤدداً ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجاً ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية. البداية والنهاية ( 8 / 138 ).

وإن الجمع الذي بايع معاوية رضي الله عنه بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك يقول ابن حزم رحمه الله كما في الفصل ( 5 / 6 ): فبويع الحسن، ثم سلم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بخلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته.

و قد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم، يعني الصحابة. انظر البداية والنهاية لابن كثير (8/139).

و سئل الإمام أحمد: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟ قال أبو عبد الله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، و نبين أمرهم للناس. انظر: السنة للخلال (2/434) بسند صحيح.

وقد سئل رجل الإمام أحمد عن خال له ينتقص معاوية رضي الله عنه، وأنه   – أي الرجل – ربما أكل مع خاله، فقال له الإمام أحمد مبادراً: لا تأكل معه. السنة للخلال ( 2/ 448 ).

وقال الربيع بن نافع الحلبي ( ت 241هـ ) رحمه الله: معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه. البداية والنهاية (8/139).  

يقول ابن قدامة المقدسي: ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين رضي الله تعالى عنهم. لمعة الاعتقاد ( ص 33 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة. مجموع الفتاوى ( 4 / 478 ).

وقال أيضاً:.. فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمّره النبي صلى الله عليه وسلم كما أمّر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي.. وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته. الفتاوى ( 4 / 472 ).

وقال: فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمان معاوية. منهاج السنة ( 6 / 232 ).

وقال ابن كثير في ترجمة معاوية رضي الله عنه: وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين.. فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو. البداية والنهاية ( 8 / 119 ).

وقال: كان حليماً وقوراً رئيساً سيداً في الناس، كريماً عادلاً شهماً. البداية ( 8 / 118 ).

وقال أيضاً: كان جيد السيرة حسن التجاوز جميل العفو كثير الستر رحمه الله تعالى. المصدر السابق ( 8 / 126 ).

وقال ابن أبي العز الحنفي: وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين. شرح العقيدة الطحاوية ( ص 722 ).

وقال الذهبي في ترجمته: أمير المؤمنين ملك الإسلام. السير ( 3 / 120 ).

وقال: ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم. المصدر نفسه ( 3 / 159 ).

 

قال محب الدين الخطيب رحمه الله: سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال  ما تقول في معاوية ؟ فقلت له: و من أنا حتى أسأل عن عظيم من عظماء هذه الأمة، و صاحب من خيرة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إنه مصباح من مصابيح الإسلام، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها فغلبت أنوارها على نوره. حاشية محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم ( ص95).

إلى غيرها من الأقوال والآراء في هذا الصحابي الجليل..

وأما عن الشبهة التي يرددها البعض من أن الحسن البصري رحمه الله قد طعن في معاوية رضي الله عنه، فالجواب عنها كالتالي.. لكن وقبل ذلك أورد نص الرواية..

ذكر الطبري في تاريخه ( 3/ 232 ) ضمن حوادث سنة ( 51هـ ) و ابن الأثير في الكامل ( 3/ 487 ) نقلاً عن الحسن البصري أنه قال: أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحد لكانت موبقة له:

(1) أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.

(2) استخلاف بعد ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير.

(3) ادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر.

(4) قتله حِجْراً وأصحاب حِجْر، فيا ويلاً له من حِجْر ويا ويلاً له من حِجْر وأصحاب حِجْر.

وأما الجواب عن هذه الشبهة فهو كالتالي:-

 أولاً: من ناحية السند:-

هذه الرواية مدارها على أبي مخنف، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحيى الأزدي الكوفي، قال عنه الذهبي كما في الميزان ( 3 / 419 ) وابن حجر كما في اللسان ( 4 / 492 ): أخباري تالف لا يوثق به. كما تركه أبو حاتم وغيره، وقال عنه الدارقطني: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة ليس بشيء، وقال ابن عدي شيعي محترق. ميزان الاعتدال ( 3 / 419 )، وعده العقيلي من الضعفاء. انظر الضعفاء للعقيلي ( 4 / 18 – 19 ). و للمزيد من حال هذا الرجل راجع رسالة مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى ( ص 43  – 45 ) ففيها مزيد بيان وتفصيل عن حال هذا الرجل.

وعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه بسبب ضعف سنده، هذا بالنسبة لرواية الطبري. أما رواية ابن الأثير فقد أوردها ابن الأثير بغير إسناد. إذ كيف نسلم بصحة خبر مثل هذا في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب لم يذكر فيه صاحبه إسناد صحيح، والمعروف أن المغازي والسير والفضائل من الأبواب التي لم تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة.

ثانياً: أما من ناحية المتن:-

 سيأتي مزيد بيان ومزيد تفصيل في رد الشبهات التي أثير حول ما جاء ذكره في هذه الرواية في حلقات خاصة منفصلة والله الموفق..

و قبل أن أختم، أورد رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال: إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين و أخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة. انظر هذا القول في العواصم من القواصم ( ص213).

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة مع تفصيل في الرد على ما أثير في رواية الحسن البصري رحمه الله في حق معاوية رضي الله عنه.. والله الموفق..