×

ثناء العلماء على الصحابة رضوان الله عليهم

ثناء العلماء على الصحابة رضوان الله عليهم

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

ثناء العلماء على الصحابة رضوان الله عليهم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا في الحلقة الماضية الحديث عن فضائل الصحابة رضوان الله عليهم عموماً من السنة النبوية، مع بيان أقوال أهل العلم في ذلك.. واليوم إن شاء الله سيكون الحديث حول فضائل الصحابة عموماً من أقوال علماء الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة.. والله الموفق..

ثناء العلماء على الصحابة رضوان الله عليهم:

لقد كثر الثناء في كلام السلف على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بما امتازوا به من الصفات الطيبة  والسيرة الحسنة والأخلاق المشرقة والأعمال الصالحة التي جعلتهم أهلاً لأن يكونوا أصحاباً ووزراء لخير البرية محمد صلى الله عليه وسلم.. فمن ذلك:-

1- قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:إن الله نظر إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء. المسند ( 1 / 379 ).

2- قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أوائك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كان على الهدى المستقيم والله رب الكعبة. الحلية (1/305 – 306 ). ومنهاج السنة ( 1 / 166 ).

 

3- قال حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمداً بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال:{ رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.. } الآية 29 من سورة الفتح، قاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها. مروج الذهب (3/75 ).

4- وقال علي رضي الله عنه كما رواه أبو نعيم في الحلية بإسناده إلى أبي أراكة قال:صلى علي الغداة ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح كأن عليه كآبة، ثم قال:لقد رأيت أثراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أرى أحداً يشبههم والله إن كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صفراً بين أعينهم مثل ركب المعزي قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين. الحلية (1/76 ).

5- وقال علي رضي الله عنه أيضاً:أوائك مصابيح الهدى يكشف الله بهم كل فتنة مظلمة، سيدخلهم الله في رحمة منه، ليس أوائك بالمذاييع – أي الذين يشيعون الفاحشة ويذيعونها – البذر ولا الجفاة المرائين. الحلية (1/77). والبداية والنهاية (8/7 ).

6- وروى مسلم في صحيحه ( 3 / 1461 ) بإسناده إلى الحسن بن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل على عبيد الله بن زياد فقال:أي بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إن شر الرعاء الحطمة )، فإياك أن تكون منهم، فقال له اجلس فإنما أنت من نخالة – أي من قشور أو حثالة - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال:وهل كانت لهم نخالة، إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.

وقول عائذ بن عمرو رضي الله عنه هنا إنما هم من جزل الكلام وفصيحه وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة رضي الله عنهم كلهم صفوة الناس وسادات الأمة وأفضل ممن بعدهم وكلهم عدول قدوة لانخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم وفيمن بعدهم كانت النخالة. انظر شرح مسلم ( 12 / 216 ).

7- ذكر السيوطي في الدر المنثور ( 4/ 272 ) عن أبي صخر حميد بن زياد قال:قلت لمحمد بن كعب القرظي:أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أريد الفتن ؟ قال:إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له:وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه ؟ قال:ألا تقرأ:{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبوعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم }، أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم، قلت:وما اشترط عليهم ؟ قال:اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول:يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك، قال أبو صخر:لكأني لم أقرأها قبل ذلك وما عرفت تفسيرها حتى قرأها عليّ محمد بن كعب.

8- روى أبو نعيم بإسناده إلى الحسن البصري.. أن بعض القوم قال له أخبرنا صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:فبكى وقال:ظهرت منهم علامات الخير والسيماء والسمت والهدي والصدق وخشونة ملابسهم بالاقتصاد وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل ومطعمهم و مشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم ونحلت أجسامهم واستخفوا بسخط المخلوقين في رضى الخالق، ولم يفرطوا في غضب ولم يحيفوا ولم يجاوزا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم وبذلوا أموالهم حين استقرضهم ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم وهانت مؤنتهم وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم. الحلية ( 2 / 150 ).

9- روى الإمام أحمد بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال:أحق من صدقتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه. المسند ( 3/ 134 ).

1- ذكر ابن كثير في البداية ( 8 / 13 ) عن أيوب السختياني أنه قال:.... ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق.

إلى غيرها من الأقوال الكثيرة الكثيرة والتي تبين فضل الصحابة عموماً لما قدموه من الأعمال الصالحة وبما لهم من شرف الصحبة.. انظر على سبيل المثال:جامع بيان العلم ( 2/ 36 ) وطبقات ابن سعد ( 2/ 342 – 343 ) والحلية ( 1 / 84 – 85 ).

وكما جاء الثناء على الصحابة عموماً من التابعين، كذلك أثنى عليهم غيرهم من أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم ممن جاء بعدهم من أئمة العلم والهدى،  وقد أكثرت من الإحالة إلى هذه الكتب ليعلم مدى حرص العلماء في الثناء على الصحابة ومدى معرفتهم لأقدارهم ومكانتهم.. لمزيد بيان ذلك راجع:العقيدة الطحاوية مع شرحها ( ص 528، 531 – 532 )، و شرح السنة للبغوي ( 1 / 229 ) ومناقب الشافعي للبيهقي ( 1 / 442 – 443 ) وأعلام الموقعين ( 1 / 79، 80، 82 ) وطبقات الحنابلة ( 1 / 30 ) و السنة للإمام أحمد ( ص 17 ) وجامع بيان العلم وفضله ( 2 / 227 ) ومقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ( 1 / 7 –8 ) ورسالة أبي زيد القيرواني مع شرحها في تقريب المعاني ( ص 22- 23 ) وعقيدة السلف أصحاب الحديث الرسالة السادسة للصابوني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/129 ) و العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ( ص 142 – 151 ) والرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة ( ص 300 – 301 ) ولوامع الأنوار البهية ( 2/ 379 – 380 ) ودراسات تاريخية في رجال الحديث ( ص 32 ) إلى غيرها من الكتب.

والذي نخلص إليه من تلكم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام السلف الذي تقدم في بيان فضل الصحابة على وجه العموم، أنه يجب على كل مسلم أن ينقاد لما دل على إثبات فضلهم رضي الله عنهم ويسلم لهم بذلك ويعتقد اعتقاداً جازماً أنهم خير القرون، وأفضل الأمة بعد النبيين، ومن لم يسلم لهم بذلك أو يشك فيه فليتدارك نفسه ويتب إلى الله، لأن مقتضى ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كذب الله ورسوله لا حظ له في الإسلام.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ومع فضائل معاوية رضي الله عنه خصوصاً وأقوال أهل العلم في ذلك مع الرد على شبهة:( قول اسحاق بن راهوية أنه لم يثبت في حق معاوية فضائل، مع تفسير قول الإمام البخاري أنه لم يجد في فضائل معاوية شيء )..