×

مقارنة بين السنة والشيعة في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم من خلال آيتَي المائدة

مقارنة بين السنة والشيعة في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم من خلال آيتَي المائدة

الكاتب: أبو بكر هشام ابن ادريس بنعزى المغربي

مقارنة بين السنة والشيعة في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم من خلال آيتَي المائدة

كما سبق فالشيعة يقولون بأن آية "التبليغ" نزلت في حق علي رضي الله عنه وأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُبلغ ولاية علي لجميع الناس، وكان الرسول يخشى الناس فلم يُبلغهم ذلك، حتى نزلت الآية مهددة للرسول بنفي صفة الرسالة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن هو لم يفعل ذلك،

ولا يخفى ما في هذا الكلام من انتقاص من جناب النبي صلى الله عليه وسلم

قال الشيعي ابن طاووس في كتابه "التحصين" على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: (إن جبرئيل "ع" هبط إليَّ مرارا ثلاثا فأمرني عن السلام رب السلام أن أقوم في هذا المشهد و أعلم كل أبيض و أسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ووليكم بعد الله ورسوله نزل بذلك آية هي إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ و علي بن أبي طالب الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع يريد الله تعالى في كل حال فسألت جبرئيل ع أن يستعفي لي السلام من تبليغي ذلك إليكم أيها الناس لعلمي بقلة المتقين...)[1] ثم قال بعد ذلك شتائم رافضية على لسان خير البرية وهو بريء من عجمة تلك الشتائم صلى الله عليه وسلم  

فنلاحظ في كلام ابن طاووس أن جبريل ينزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات يأمره بتبليغ هذا الفرض والركن والأصل الديني الذي لا تنفع بدونه شهادة التوحيد، والنبي صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله يستنكف ويرده بحجة أن القوم غير متقين، مع أنه جاء إلى الناس وهم عباد أصنام، فسفّه آلهتهم ودعاهم إلى عبادة الله وحده ولم يُبال صلى الله عليه وسلم بشرك الناس ومخالفتهم جميعا له،  بل أكثر مما قاله ابن طاووس في الطعن في جناب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان ممتنعا عن تبليغ فرائض الدين وأصوله مداهنة للناس وتأخذه في ذلك لومة لائم، فقد زعم محمد بن محمد السبزواري أحد مراجعهم في القرن السابع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُرد تبليغ هذا الأصل حتى بعد نزول الآية، وأنها قد نزلت عليه أكثر من مرة وهو يُنازع جبريل صلى الله عليه وسلم فيها حيث قال:

(حدثنا الحاكم الرئيس الإمام مجد الحكام أبو منصور علي بن عبد الله الزيادي (أدام الله جماله) إملاء في داره يوم الأحد الثاني من شهر الله الأعظم رمضان سنة ثمان وخمسمائة قال: حدثنيِ الشيخ الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمّد الدرويستي إِملاء اً ورد القصبة مجتازاَ في أواخر ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة قال: حدثني أبومحمّد بن أحمد (رضي الله عنه) قال: حدثني الشيخ أبوجعفر محمّد بن علي بن الحسين (رضي الله عنه) قال: حدثني أبي قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن زرارة بن أعين الشيباني قال: سمعت الصّادق جعفر بن محمّد (عليه السّلام) قال:

«لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مكة في حجة الوداع فلما انصرف منها - وفي خبرِ آخر: وقد شيعه من مكة اثنا عشرألف رجل من اليمين، وخمسة آلاف رجل من المدينة - جاءه جبرائيل (عليه السّلام) فقال له: يا رسول الله إِنّ الله تعالى يقرؤك السّلام، وقرأ هذه الآية { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا جبرائيل إنّ الناس حديثوا عهدٍ بالإسلام فأخشى أن يضطربوا ولا يطيعوا، فعرج جبرائيل إلى مكانه ونزل عليه في اليوم الثاني، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نازلاً بغدير فقال له: يا محمّد قال الله تعالى{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسالَتَهُ} فقال له: يا جبرائيل أخشى من أصحابي مِن أن يخالفوني، فعرج جبرائيل ونزل عليه في اليوم الثالث، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بموضع يقال له: غدير خم وقال له: يا رسول الله قال الله تعالى: (يا أيًّها الرَّسول بَلّغ مآ أنزِلَ إِليكَ مِن رَبِكَ وإِن لَم تَفعل فَمَا بَلَّغتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعصِمُكَ مِن الناسِ)[2]،

 

وهذا طعن في الرسول أقبح من الأول، فإنه قد قيل له قبل نزول الآية أن يُبلغ الناس أن عليا إمام من بعده فاستنكف عن ذلك، فجاءه جبريل صلى الله عليه وسلم بآية من الله يأمره أن يُبلغ ويقول له: (بلغ ما أنزل إليك) ويستنكف الرسول غير مبال بهذا الأمر الذي تخر الجبال بسببه، ثم يرجع له جبريل بأمر مع تهديد ويُخبره أنه إن لم يُبلغ هذا الشيء فهو ليس برسول لله، ولم ينزجر بهذا التهديد ولم يُبلغ ذلك مما يجعله غير رسول لأن فعل الشرط قد وقع فإنه قد امتنع عن التبليع ارضاء لأناس كفار فيجب وقوع جواب الشرط وهو نفي الرسالة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الله قد أخلف عهده وشرطه ولم ينف الرسالة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن عذره وهو ارضاء المشركين وخوف مخالفتهم له مقبول عند الله (ولا حول ولا قوة إلا بالله) فأنزل الله سبحانه وتعالى أنه يعصمه من الناس، بمعنى آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الدين كله وهو لا يعلم أنه معصوم من الله عن أذى الناس إلا في آخر فرض وهو الولاية، وقبلها من ثلاث وعشرين سنة لم يكن معصوما من الناس، ثم إن الرسول ومع كل هذه التهديدات والوعيد له من الله سبحانه وتعالى بأنه معصوم لم يُبلغ ما أمره الله سبحانه وتعالى، حيث أنه لم ينص على ولاية علي وإمامته في غدير خم بنص لا يحتمل تأويلا كما هو الأصل في أصول الدين، بل أخبره بلفظ يدل على أكثر من سبعة عشر معنى وليس منها الإمامة والخلافة والإمارة كما سيتبين إن شاء الله.

  بل وقد صرح مرجعهم البهبهاني أن الله لم يعصم نبيه في أي تبليغ، زيادة على أنه زجره وانتهره بسبب تركه تبليغ هذا الأصل الديني خوفا من الناس فقال ناسبا كلامه لأهل البيت:

 (وفي روايات أهل البيت عليهم السلام إنه كان نزول آية الولاية يوم عرفة فخشي رسول الله (ص) قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرقوا ويرجعوا إلى الجاهلية فسأل جبرائيل أن يسأل ربه العصمة من الناس. وانتظر أن يأتيه جبرائيل بالعصمة من الناس من الله جل اسمه، فأخّر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف، فأتاه جبرائيل بالولاية، ولم يأته بالعصمة، فأخر تبليغها حتى أتى "كراع الغميم" بين مكة والمدينة، فأتاه جبرائيل وأمره بالذي أتاه من قِبل الله، ولم يأته بالعصمة. فقال: يا جبرائيل إني أخشى قومي أن يُكذبوني، ولا يقبلوا قولي في عليّ عليه السلام فرحل، فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرائيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس)[3].

 

وهذا الكلام فيه من التناقضات ما الله به عليم، فإن فيه أن الرسول امتنع عن تبليغ أمر الله سبحانه وتعالى خشية على الناس من الارتداد وخوفا عليهم من أن يعودوا للجاهلية، فما علاقة هذا السبب الذي منعه من تبليغ فرض الله بسؤاله للعصمة وإصراره على معاندة الله وعدم تبليغه أمر الله حتى يعصمه، واستمر اصراره وعناده لأمر الله حتى أنزل الله عليه العصمة مقرونة بالزجر له والانتهار له (لا حول ولا قوة إلا بالله)،؟؟؟، مع أن المنطق والعقل يقتضيان أن يسأل العصمة لقومه لا لنفسه، لأنه خشي عليهم من الارتداد لا أنه خشي على نفسه، إلا أنهم أبوا إلا الطعن في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة النقل والعقل.

 

 


[1]  التحصين (1/29) وفي "اليقين" للمؤلف نفسه (1/164)، وفي الأربعين للشيرازي (1/107)،

[2]  "معارج الأخبار"، ويُعرف أيضا بـ"معارج اليقين في أصول الدين" (3/14)، وفي "مستدرك سفينة البحار" (3/43)

[3]  "مصباح الهداية في تحقيق الولاية" للبهبهاني (1/332)، ومثله عند هاشم البحراني في "كشف المهم في طريق خبر غدير خم" (1/193)، وفي التفسير الصافي للكشاني (2/55)، والاحتجاج للطبرسي (1/70)، وفي غيرها.