×

فضائل الصحابة عموماً ومعاوية رضي الله عنه خصوصاً

فضائل الصحابة عموماً ومعاوية رضي الله عنه خصوصاً

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

فضائل الصحابة عموماً ومعاوية رضي الله عنه خصوصاً

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

 نكمل اليوم ما بدأناه من هذه السلسلة ( شبهات وأباطيل حول معاوية رضي الله عنه ) وقد تقدم معنا الحديث عن إسلامه رضي الله عنه وأنه أخبر عن نفسه أن الإسلام وقع في قلبه عام الحديبية ( 6هـ )، وليس في كونه أظهر إسلامه متأخراً عام الفتح ( 8 هـ ) مطعن فيه.. واليوم إن شاء الله سيكون الحديث عن عدالة الصحابة، وتحريم سبهم أو الطعن فيهم، ثم نعرج على ذكر بعض من فضائل الصحابة عموماً ومعاوية رضي الله عنه خصوصاً مع ذكر أقوال أهل العلم في كل ما تقدم.. والله الموفق..

لم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة، ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية، فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.

لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعديل الصحابة الكرام، مما لا يبقى معها لمرتاب شك في تحقيق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه و بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، و يجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم و إخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، و من ذلك:-

1-  قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيداً }[البقرة/143].

ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن معنى كلمة ( وسطاً ) عدولاً خياراً، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة. تفسير الطبري (2/7) و والجامع لأحكام القرآن (2/153) و تفسير ابن كثير (1/335).

 

 و قد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، و قيل: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم. الكفاية للخطيب (ص64). فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.

 

2 -  قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران/110].

وجه الاستدلال: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها و أول من يدخل في هذه الخيرية و المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول، هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، و ذلك يقتضي استقامتهم في كل حال و جريان أحوالهم على الموافقة دون المخاطبة، و من البعيد أن يصفهم الله عز وجل بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، و هل الخيرية إلا ذلك، كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً – أي عدولاً – وهم غير ذلك. راجع الموافقات للشاطبي (4/40-41).

 

3 -  قوله تعالى {والذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله والذين آووا و نصروا أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم }[الأنفال/74].

وجه الاستدلال: في هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق و من شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.

 

4 -  قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } [التوبة/100].

وجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلاً للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه.

 

5 -  قوله تعالى { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً }[الفتح/18].

و هذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، و وجه دلالة الآية على تعديلهم أن الله تعالى أخبر برضاه عنهم و شهد لهم بالإيمان و زكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من الله تعالى إلا لمن بلغ الذروة في  تحقيق الاستقامة على وفق ما أمر الله به.

 

6 -  قوله تعالى { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله و رضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الإنجيل.. الآية }[الفتح/29].

 

فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه و هذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم. راجع تفسير القرطبي (16/299). إلى غيرها من الآيات الكريمة.

 

وأما دلالة السنة على تعديلهم رضي الله عنهم، فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث يطول تعدادها وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم بتعديلهم، ومن تلك الأحاديث:-

1 -  مارواه الشيخان في صحيحيهما البخاري (1/31) و مسلم  (3/1306) من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (.. ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) الحديث.

وجه الدلالة: أن هذا القول صدر من النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع، و هذا من أعظم الأدلة على ثبوت عدالتهم حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحد.

 

2 -  روى الشيخان في صحيحيهما البخاري (2/287-288) و مسلم (4/1964) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) الحديث.

وجه الدلالة: أن الصحابة عدول على الإطلاق حيث شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية المطلقة.

 

3 -  روى البخاري (2/292) بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ).

وجه الدلالة: أن الوصف لهم بغير العدالة سب لهم، لا سيما و قد نهى صلى الله عليه وسلم بعض من أدركه وصحبه عن التعرض لمن تقدمه، لشهود المواقف الفاضلة فيكون من بعدهم بالنسبة لجميعهم من باب أولى.

 

إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة، فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم و ثنائه عليهم و ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق.

 

الإجماع على عدالتهم رضي الله عنهم.. أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن و غيرها ولا يفرقون بينهم الكل عدول إحساناً للظن بهم و نظراً لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه عليه الصلاة والسلام ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمر الدين والقيام بحدوده فشهاداتهم و رواياتهم مقبولة دون تكلف عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله.

 

و قد نقل الإجماع على عدالتهم جم غفير من أهل العلم، و من تلك النقول:-

1 -  قال الخطيب البغدادي في الكفاية (ص67) بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله و سنة رسول الله التي دلت على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول، قال: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.

 

2- قال ابن عبد البر في الاستيعاب حاشية على الإصابة (1/8): و نحن وإن كان الصحابة رضي الله عنهم قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين و هم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم.

 

3- قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/17): اتفق أهل السنة على أن الجميع – أي الصحابة - عدول و لم يخالف ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.

 

إلى غيرها من الأقوال الكثيرة: انظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/112) و تدريب الراوي للسيوطي (2/214) والمستصفى للغزالي (1/164) و مقدمة ابن الصلاح (ص146-147)، و النووي في شرح مسلم (15/147) و التقريب (2/214) و ابن كثير في الباعث الحثيث (ص181-182) و شرح الألفية للعراقي (3/13-14) والسخاوي في فتح المغيث (3/108). إلى غيرها من الكتب.

 

فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح و دليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عموماً أمر مفروغ منه و مسلم، فلا يبقى لأحد شك ولا ارتياب بعد تعديل الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وإجماع الأمة على ذلك.

 

و هناك مذاهب باطلة ذهب أصحابها إلى القول بخلاف هذا الإجماع وأصحابها ممن لا يعتد بقولهم ولا عبرة بخلافهم، و هي لا تستحق أن تذكر، وإنما تذكر لبيان بطلانها و مجانبتها للحق والصواب.

 

1 -  مذهب الشيعة الرافضة:-

فهم يعتقدون أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ليسوا بعدول بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الخليفة من بعده بلا فصل هو علي رضي الله عنه، و يعتقدون أن جميع الناس هلكوا وارتدوا بعد أن قبض النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفراً يسيراً منهم يعدون بالأصابع، و سبب تكفيرهم لهم أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي رضي الله عنه ولم يعملوا بالنص عليه، ومعتقدهم هذا طافحة به كتبهم. راجع كتبهم: الاختصاص للمفيد (ص6) و كتاب الروضة من الكافي للكليني حديث رقم (356). وغيرها من الكتب.

 

2 -  مذهب المعتزلة:-

أما المعتزلة فقد اضطربت آراؤهم في عدالة الصحابة إلى ثلاث أقوال وإليك مختصرها:-

القول الأول: أن الصحابة جميعهم عدول إلا من قاتل علياً، حيث أن الجمهور منهم صوبوا علياً في حروبه و خطئوا من قاتله فنسبوا طلحة والزبير و عائشة ومعاوية إلى الخطأ. راجع  مقالات الإسلاميين (2/145) والفرق بين الفرق (ص120-121).

القول الثاني: قول واصل بن عطاء، فقد ذهب إلى أن أحد الفريقين من الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان مخطئاً لا بعينه كالمتلاعنين، فإن أحدهما فاسق لا محالة، و أقل درجات الفريقين أنه غير مقبول الشهادة كما لا تقيل شهادة المتلاعنين. فقد قال: لو شهدت عندي عائشة و علي و طلحة على باقة بقل، لم أحكم بشهادتهم. الملل والنحل للشهرستاني (1/49) و ميزان الاعتدال للذهبي (4/329) و الفرق بين الفرق (ص120 ).

القول الثالث: قول عمرو بن عبيد، فإنه يعتقد أن الطرفين المتحاربين في موقعتي الجمل و صفين قد فسقوا جميعاً، و قال: لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أو كان بعضهم من حزب علي و بعضهم من حزب الجمل. الفرق بين الفرق (ص121) والملل والنحل (1/49).

 

3 – المذهب الثالث:-

قال أصحاب هذا المذهب: أن حكمهم في العدالة، حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية، و هو قول  أبي الحسين القطان من علماء الشافعية، كما حكى ذلك السخاوي في  فتح المغيث (3/112). الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/274) و شرح مختصر المنتهى (2/67).

 

4 – المذهب الرابع:-

أما أصحاب هذا المذهب فيعتقدون: أن العدالة لا تثبت إلا لمن لازم النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه دون من رآه، أو زاره أو وفد عليه لمدة قليلة. و هو قول المازري من علماء المالكية، كما حكى ذلك عنه ابن حجر في الإصابة (1/19).    

هذه هي المذاهب التي خالف فيها أصحابها إجماع أهل السنة والجماعة في مسألة عدالة الصحابة، فهي كما رأينا مبنية على شبه واهية لا تزيدها إلى ضعفاً .

 

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ومع حكم سب الصحابة عموماً وخصوصاً وبيان أقوال أهل العلم في ذلك.. والله الموفق..