×

مقارنة بين قول السنة والشيعة في تفسير آيتي المائدة

مقارنة بين قول السنة والشيعة في تفسير آيتي المائدة

الكاتب: أبو بكر هشام ابن ادريس بنعزى المغربي

مقارنة بين قول السنة والشيعة في تفسير آيتي المائدة

وسنقارن بين قول السنة والشيعة في تأويل آيتَي المائدة، والحاكم بينهما هو السياق والمعنى والسبب، إذ أي تأويل مخالف لهذه الأشياء الثلاثة فلا عبرة به.

وقد مضى قول الشيعة في ربط الآية بحديث الغدير، أما أهل السنة فعندهم أن الآية لا علاقة لها بحديث الغدير، وإنما لها علاقة بما بعدها وما قبلها، وأن اجتزاء شطر الآية المتصل بما قبله وبعده وجعله في معنى مغاير لمعنى ما قبله وبعده، من أقبح الأساليب المخالفة للبلاغة والفصاحة في كلام الناس فكيف بكلام رب الناس؟؟!!

قال الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة:

 {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة: 65 - 67].

فمن تدبر هذه الآيات بهذا السياق البليغ قطع بأن ربط الآية بحديث الغدير هو محض افتراء، إذ لا يُتصور أن يُخاطب الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب ويأمرهم بإقامة التوراة والإنجيل بكل ما فيها ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقطع الله هذا الخطاب ويقول لرسوله بلغ ما أنزل إليك من ربك في إمامة علي، ثم يقطع الخطاب مرة أخرى ويرجع للكلام مع أهل الكتاب ويقول لهم: لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل، فهذا لا يقبله عاقل،

ولو اجتزأنا آية (يا أيها الرسول بلغ)، يبقى ما قبلها وما بعدها متصلا، حتى أن الله سبحانه وتعالى أعاد نفس العبارات، فقال في أول الآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} [المائدة: 66]، وقال في آخر الآية: { لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68].

فبهذا يُعلم أن تفسير آية التبليغ بحديث الغدير مخل بسياق الآية، أما تفسير أهل السنة والجماعة للآية فهو على نوعين: تفسير خاص وآخر عام،

التفسير الأول: التفسير الخاص: وهو جعل آية التبليغ في أهل الكتاب خاصة بدليل السياق، والذي أمره الله سبحانه وتعالى لنبيه أن يُبلغه هو المذكور بعد الآية بـ"قل"، لأن قل بإجماع الناس معناها بلِّغ، فيكون الله سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يٌبلغ أهل الكتاب ويقول لهم: {يا أهل الكتاب لستم على شيء}، وأهل الكتاب يُفيد العموم فيدخل في ذلك كل كتابي مسالما كان أو محاربا، رجلا أو امرأة، حرا أو عبدا، وشيء نكرة في سياق النفي تفيد العموم أي لستم بعلماء ولا صالحين ولا مرضيين عند الله ولا متبعين لرسلكم إلى غير ذلك من سلب كل صفات الكمال منهم، وهذا لا شك أنه يُثير غضبهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما هم عليه من بغضهم له، ويجعلهم يتحدون جميعهم مسالمهم ومحاربهم، مما يُناسبه أن يُبشَّر صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى له: {والله يعصمك من الناس}.

وقوله: {حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}، أي أن هذا الذم وهو كونكم لستم على شيء يظل ملتصقا بكم حتى تقيموا التوراة والإنجيل فتطبقوا ما فيهما من إقامة الحدود والقصاص على الغني والفقير، وتتبعوا الرسول المذكور في التوراة والإنجيل. وتتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وهو "القرآن"، فالله أنزل القرآن لجميع البشرية

قال البغوي رضي الله عنه: (وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى حنانا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المائدة: 68].

وقيل: بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود)[1].

وقال الرازي في تفسيره للآية بعد أن نقل عشر روايات في سبب نزولها:

(واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها).

التفسير الثاني: التفسير بالعموم: حيث تُحمل آية التبليغ على العموم وما قيل في التفسير السابق هو جزء من ذلك العموم، وقوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} في حد ذاته مفيدا للعموم، فـ"ما" من ألفاظ العموم، مما يدل على أنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه من ذلك قوله لأهل الكتاب: {يا أهل الكتاب لستم على شيء}، قال النسفي: ({يا أيها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من رّبِّكَ} جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه)[2].

فإن قيل: أليس قد روى ابن مردويه وابن أبي حاتم والسيوطي في الدر المنثور أنها نزلت في غدير خم؟؟

قلنا: أما ابن مردويه فلا يُعلم أنه روى ذلك بسند وإنما يُنقل عنه ذلك من غير سند إليه ولا سند منه،  فإن قال ذلك كان جوابنا عليه كجوابنا على قول الشيعة، والمخالف للصواب واحد سواء انتسب إلى السنة أو لم ينتسب إليها، فنرد عليه بأنه قول مخالف لسياق الآية، ثم إن تَفرُّد ابن مردويه بروايتها كاف لمعرفة أنها لا أصل لها، فإن السلف كلهم فسروها بتفاسير وذكروا في سببها أقوالا، ولم يقل منهم أحد إنها نزلت في علي رضي الله عنه ولا في غدير خم، وإنما أقوالهم محصورة في حملها على العموم أو حصرها في أهل الكتاب، ثم تفسير ابن مردويه من التفاسير التي لا تعتمد الصحة في النقل وخصوصا في أسباب النزول، ومثله السيوطي فتفسيره ليس إلا مختصرا لـ"ترجمان القرآن"، حذف منه الأسانيد والعنعنات، واقتصر برواية ما أُثر في سبب نزول الآية سواء كان صحيحا أو مكذوبا، وسماه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" أي بما أُثر بقطع النظر عن صحته أو ضعفه، وأما ابن عساكر فقد رواها بسند موضوع، وهذا سنده للرواية:

حدثنا أبي ثنا عثمان بن حرزاد، ثنا إسماعيل بن زكريا، ثنا علي بن عابس عن الأعمش ابنى الحجاب، عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:

نزلت هذه الآية يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي بن أبي طالب.

وفي هذا السند راويان لا تُجبر رواياتهم علي بن عابس: وهذا قال فيه ابن حبان المشهور بالتساهل "فحش خطؤه وكثُر وهمه"، وقال فيه ابن معين: "ليس بشيء".

وقد كان فيه تشيعا، ويروي بأسانيد باطلة بعض ما ينصر به مذهبه، ولذلك ترك العلماء حديثه،

قال الجرجاني: (حدثنا ابن حماد، حدثنا عباس، عن يحيى، قال علي بن عابس ليس بشيء.

حدثنا الجنيدي، حدثنا البخاري قال يحيى بن معين رأيت علي بن عابس ليس بشيء هو الأسدي الأزرق بياع الملاء)[3].

عطية العوفي ضعيف ومدلس أيضا وقد عنعن في الحديث، وقد عده النسائي من الضعفاء والمتروكين في كتابه: (الضعفاء والمتروكين برقم "481")، وإني أرى رفع عطية العوفي الحديث إلى أبي سعيد الخدري خطأ من الناقل عنه أو أنه فهم منه أن مراده أبا سعيد الخدري، وذلك أن عطية العوفي مشهور بالتدليس وكان يروي عن السائب إلا أنه لا يذكره باسمه وإنما بكنية له غريبة وهي "أبو سعيد" مع أن الكثيرين لا يعرفونه بهذه الكنية وإنما بأبي النضر، وكان عطية يذكر كنيته هذه ليوهم أن المقصود هو أبو سعيد الخدري،

قال ابن الصلاح: (وهو –أي السائب- الذي يروي عنه عطية العوفي التفسير موهما أنه أبو سعيد الخدري).

ولو كنا نقبل أحاديثه لقبلنا حديث: (عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما). فليس لهذا الحديث أي علة في سنده غير عطية العوفي.

هذا مع العلم بأنه قد صح عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهم أن الآية نزلت في المدينة، وغدير خم ليس في المدينة.

وبهذا يظهر أنه ليس لأهل السنة في سبب نزول الآية إلا قولان، حملها على أهل الكتاب خاصة أو تعميمها، وأن كلا القولين موافقان لسياق الآية من سباقها ولحاقها، بخلاف حملها على حديث "غدير خم" فإنه خروج عن السياق تماما مما يُفسد نمط الفصاحة، ومعلوم أي القولين أرجح.

فائدة:

في قوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك}، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُبلغ ولم يذكر المفعول الأول، فلم يذكر من سيُبلغ مما يدل على العموم للقاعدة البيانية: "حذف المعمول يُفيد الشمول"، فيكون معنى الآية بلغ جميع الناس، وقوله: "ما أنزل إليك" فما تُفيد العموم والمعنى جميع الذي أنزلناه إليك، فيكون معنى الآية بلغ جميع الناس جميع ما أنزل إليك، وهذا يدل على أنه لم يُسِر لأحد بشيء أنزله الله إليه لا لعلي ولا لغيره، وإلا كان صلى الله عليه وسلم مخالفا للآية الكريمة، فهذه الآية تنقض عقيدة الشيعة كلها، يفهم هذا كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أما آية إكمال الدين وربط الشيعة لها بحديث غدير خم فقد خالفهم السنة في هذا أيضا.

وقبل أن نذكر قول أهل السنة ونقارنه بقول الشيعة نقف على بعض تناقضات الشيعة في هذا الربط الذي ربطوه.

يزعم الشيعة أنه لم يُنادَ بشيء مثلما نودي بالولاية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصّب عليا خليفة من بعده في أكثر من موضع، ثم يقولون بأن الله سبحانه وتعالى أتم دينه يوم غدير خم الذي نصب فيه الرسول عليا خليفة في زعمهم، وهذا يُناقض أمورا:

يناقض أن الرسول قد نصب عليا في حديث: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، وحديث: "الدار" وفي تصدقه راكعا وغير ذلك، فلو كان الدين يتم بتنصيب عليٍّ خليفة لكان قد تم يوم تصدقه راكعا أو يوم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، أو أن هذه الأحاديث لا تدل على الولاية.

•  أنهم يزعمون أن الولاية أصل من أصول الدين، فهل يُعقل أن يكون أصل الدين كله آخر ما يُبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم؟؟، هل يُتصور أن يدعوا الرسول في أول الأمر إلى الفروع ويكون آخر دعوته أصلا؟؟؟.

•  الآية تقول بأن الله أتم عليهم في ذلك اليوم نعمه عليهم، بينما تزعم الشيعة أن الصحابة كلهم ارتدوا في ذلك اليوم، فهل النعمة التي أتمها الله عليهم هي رجوعهم إلى الكفر؟؟، مع العلم أن تمام النعمة هي غفران الله للذنوب كلها، فإتمام الله سبحانه وتعالى نعمه على الصحابة لا يكون إلا بمغفرته له سبحانه وتعالى لجميع ذنوبهم، كما قال تعالى في حق نبيه: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}

•  يزعم الشيعة أن هذه الآية آخر ما نزل وهي في إمامة علي رضي الله عنه وهي نص في ذلك وأن الصحابة ارتدوا حينها، ثم يزعمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب يوم رزية الخميس وقبل موته بخمسة أيام كتابا فيه التنصيص على خلافة علي رضي الله عنه، وعلى هذا إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مستدركا على الله عز وجل حيث أن الآية لم تكن كافية في بيان خلافة علي رضي الله عنه فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم كتابة كتاب في إمامة علي يكون أوضح في البيان من الآية ومن قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، أو أن الله سبحانه وتعالى هو من أمر الرسول بكتابته، فيكون الله سبحانه وتعالى استدرك على نفسه، فأخبر أن آخر التكاليف هو الاعتقاد بأصل الدين وهو ولاية علي رضي الله عنه، ثم نسخ خبره وبدا له أن يكون آخر التكاليف هو كتابة الكتاب وليس حديث: (من كنت مولاه..).

•  ويقولون أيضا: إن الدين قد كمُل بهذه الآية مع زعمهم أن الناس تحتاج إلى مشرِّعين من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم يزيدون عما أكمله الله في حياته، وينقصون ما أبرمه في حياته وينسخون ما أحكمه، ويُحكمون ما نسخه، ويُقيدون ما أطلقه، ويُخصصون ما أعمّه. فأي كمال وأي إتمام؟؟

 

أما أهل السنة والجماعة فلا يرون أن الآية نزلت في الغدير ولا لها علاقة به، فالآية نزلت يوم الجمعة من يوم عرفة وليس من يوم الغدير كما جاء في الصحيحين وعند النسائي في سننه وغيره،  ولم تكن آخر ما نزل ولا هي نص بلفظها في عدم نزول تشريعات بعدها وإنما كمال الدين بنزولها المراد منه عدم نسخ حكم من الأحكام لتكليفية سواء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده، وبالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أحوال الشرائع وقوانين الاجتهاد، وصورة إكمال الدين في يوم نزول الآية كان بحج المسلمين حجَّة الإسلامِ، بعد فرضِ الحجِّ ولم يكونوا قد حجوا قبل ذلكَ، ولا أحد منهم، فلما حجوا اُتِمت لهم الأركان كلها،  وأيضا: أعادَ الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الحجَّ على قواعدِ إبراهيمَ عليه السلامُ، ونفَى الشرك وأهلَه، فلم يختلطْ بالمسلمينَ في ذلكَ الموقفِ منهم أحد،

 

 

[1]تفسير البغوي (2/68)

[2]  تفسيرالنسفي (1/461)

[3] الكامل في الضعفاء (6/322)