×

الإخبارية والأصولية

الإخبارية والأصولية

الكاتب: إحسان الهي ظهير

الإخبارية والأصولية

وهناك اختلاف آخر حدث بين الاثنى عشرية في القرون المتأخرة وهو اختلاف ما يسمى باختلاف الأخباريين والأصوليين، فافترقت الاثنا عشرية إلى فرقتين متحاربتين متعاديتين حملت إحداهما على الأخرى وشنعت الأخرى على الأولى، وكثر النزاع حتى اتهم الأخباريون الأصوليين بالخروج عن التشيع الحقيقي الأصلي، وكتبت الكتب وألفت الرسائل وتحزبت الأحزاب، فقال الأخباريون: نعتقد بظاهر ما ورد به الأخبار، متشابهة كانت أم غير متشابهة فنجري المتشابهات على ظواهرها ونقول فيها ما قاله سلفنا" [1].

وبعبارة صريحة أكثر:

إن الأخباريين هم الذين يتمسكون بظواهر الحديث مقابل الأصوليين الذين يرون الأدلة العقلية من الأدلة الشرعية [2].

ومعناه أن الأخباريين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث. والمعروف أن الحديث عند الشيعة ما نقل عن أحد أئمتهم المعصومين حسب زعمهم الاثنى عشري ومن رسول الله أيضاً، فكل ما نقل عن هؤلاء فهو حديث عندهم وهو حجة لأنه منقول عن معصوم وحجة، وما نقل عن الحجة حجة على اليقين، ثم لا ينظر عندهم أن هذا الحديث ما منزلته وشأنه مادام وجد في الأصول الأربعمائة ونقل منها، والأصول عند القوم الكتب التي ألّفها وجمعها أصحاب الأئمة [3].

فمادام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة فإنها لا تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش، لا عن السند لأنها من صاحب الإِمام ولا عن المتن لأنه من الإِمام، وعقول الناس قاصرة عن إدراك كنه ما يقوله الإِمام حسب رواية الامام المعصوم الخامس عند الشيعة محمد الباقر:

إن حديث آل محمد صعب مستعصب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد، وإنما الهالك أن يحدّث أحدكم شىء منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا والله ما كان هذا، والإِنكار هو الكفر" [4].

وقد نقلوا عن موسى الكاظم -الإِمام السابع المعصوم حسب زعمهم- أنه قال لأحد شيعته علي بن سويد السائي:

ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ولا تحصر حصرنا، ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا: هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لم قلناه، وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك ولا تكشف بما استكتمتك" [5].

وعلى ذلك فإن الرجوع إلى دليل آخر من الأدلة العقلية ليس إلا جهل وضلال في نظر هؤلاء وإذا لم يوجد في المسألة شىء فعليه الإرجاء حتى يأتي فيه خبر عن إمام من الأئمة كما رووا عن جعفر بن الباقر أنه ْسئل عن رجل اختلف عليه رجلان في دينه من أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ فقال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه" [6].

وذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى -الإِمام الثامن المعصوم عنده- أنه قال:

وما لم تجدوه في شىء من هذه الوجوه فردّوه علينا، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا" [7].

وإن رجع إلى شىء آخر ضلّ وأضلّ كما نقلوا عن موسى الكاظم عن محمد بن حكيم أنه قال:

قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم عن الناس حتى إن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ الله علينا بكم، فربّما ورد علينا شىء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شىء فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به؟.

فقال: هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيم، قال: ثم قال: لعن الله أبا حنيفة" [8].

وأيضاً:

عن سمعة بن مهزان عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:

قلت: أصلحك الله إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يردّ علينا شىء إلا وعندنا فيه شىء مسطر وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشىء الصغير ليس عندنا فيه شىء فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟

فقال: وما لكم وللقياس؟ إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون، فقولوا به، وإن جاءكم مالاً تعلمون فيها -وأهوى بيده إلى فيه- ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت أنا، وقالت الصحابة وقلت، ثم قال: أكنت تجلس إليه؟ فقلت: لا ولكن هذا كلامه، فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس بما يكتفون به في عهده؟.

قال: نعم وما يحتاجون إليه يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شىء؟ فقال: لا هو عند أهله".

هذا هو مذهب الأخبارية من الإِمامية، أي العمل بالأخبار المنقولة عن المعصومين حسب زعمهم أو المنسوبة إليهم بدون النظر إلى شىء آخر.

وأما الأصوليين فرأوا أن هناك دليل العقل ومنه البراءة الأصلية والاستصحاب وغيرها، ومثل للبراءة الأصلية السيد محسن أمين في كتابه بقوله:

البراءة الأصلية فيما لا نص فيه بوجوب ولا تحريم بعد الفحص لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، ومنه قولهم عدم الدليل على كذا فيجب انتفاءه وهذا يكون مع الشك في الوجوب، ومثل له المحقق في المعتبر بقولنا: ليس الوتر واجباً لأن الأصل براءة العهدة، ومنه أن يختلف الفقهاء في حكم بالأقل والأكثر فنقتصر على الأقل كما يقول بعض الأصحاب في عين الدابة نصف قيمتها، ويقول الآخر: ربع قيمتها، فيقول المستدل: ثبت الربع إجماعاً، فينتفي الزائد نظراً إلى البراءة الأصلية ويكون مع الشك في التحريم كالشك في حرمة التدخين وحرمة شرب قهوة البنّ، فيقال: لم يقم دليل على التحريم والأصل براءة الذمة" [9].

ثم ذكر الأخباريين ومذهبهم بقوله:

الأخبارية الإمامية أنكروا البراءة الأصلية وأوجبوا الاحتياط في مواردها للأخبار الآمرة بالاحتياط الحاثة عليه المحمولة على الاستحباب أو مورد العلم بالتكليف والشك في المبرىء المعارضه بقولهم عليهم السلام: كل شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه فتدعه وأمثاله".

وكذلك ذكر مغنية "أن الأخباريين ينكرون الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي" [10].

واتهم الأخباريون الأصوليين:

أن الباعث لهم على الاختراع هذه القواعد الأصولية والأدلة الأربعة الشرعية هو أنسهم بكتب المخالفين للإمامية بلا ضرورة داعية إليه وبدون قيام حجة حاكمة"[11].

فألف كل فئة كتباً كثيرة لتأييد مسلكهم، فمن الأخباريين ألف محمد أمين ابن محمد شريف الاسترا آبادى كتابه المشهور (الفوائد المدنية).

وردّ عليه نور الدين العاملي بكتابه (الفوائد المكية في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية)[12].

 

[1] موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلامية للشيخ التهانوي ج 1 ص 93 ط. خياط. بيروت.

[2] لغت نامه دهخدا ص 1485 ط. طهران 1326.

[3] أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الثاني ص 93.

[4] الأصول من الكافي ج 1 ص 401، باب ما جاء أن حديثهم صعب مستعصب.

[5] رجال الكشي ص 386 ط. كربلاء.

[6] الأصول من الكافي، كتاب فضل العلم ج 1 ص 66.

[7] عيون أخبار الرضا للقمي - نقلاً عن الكافي في الأصول، الهامش ص 66.

[8] الكافي في الأصول ج 1 ص 56.

[9] أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص 18.

[10] علم أصول الفقه في ثوبه الجديد لمحمد جواد مغنية ص 354 ط. دار العلم. بيروت.

[11] الفوائد المدنية في الرد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية لمحمد أمين ط. طهران.

[12] انظر لذلك كتاب الشريعة. للطهراني ج 16 ص 359.