×

النوربخشية

النوربخشية

الكاتب: إحسان الهي ظهير

النوربخشية

وهناك طائفة أخرى توجد في وديان هملايا وكوهستان بلتستان المتصلة بتبت الصينية، يدعي الشيعة الاثنا عشرية بأنها فرقة من فرقهم لأنهم يسمون أنفسهم الشيعة النوربخشية نسبة إلى محمد نوربخش

القوهستاني من مواليد سنة 795 هـ، ويقولون:

أنه ولد في قاوين قصبة قوهستان، وكان أبو هاجر من الأحساء، [1]وقيل: إن أباه عبد الله ولد في الأحساء وجدّه محمد ولد في القطيف" [2].

وكان محمد نوربخش مريداً لخواجه إسحاق الختلاني تلميذ السيد علي الهمداني الذي أعجب بقابلياته حتى لقبه بنوربخش بمعنى واهب الأنوار" [3].

ويقولون: إن نسبه اكتشف عن طريق الكشف الصوفي بأنه علوي" [4]

ثم ادعى محمد نوربخش هذا بأنه هو المهدي الذي أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام بمجيئه في آخر الزمان لأن اسمه يواطىء اسمه، واسم أبيه يواطىء اسم أبيه فهو محمد وأبوه عبد الله، وكذلك كنيته حيث سمى أحد أبنائه القاسم، ولقبه أنصاره بالإِمام والخليفة على كافة المسلمين [5].

وكان يقول: لقد كنت أخفي حالي ولكن وجب إظهارها لتقوم الحجة على الناس كافة على صورة تعرّفهم بمظهر الكل والهادي إلى السبيل" [6].

وقد قام بالثورة العلنية الكبيرة ضد حكومة إيران آنذاك وقبض عليه، ولما اطلق سراحه ذهب إلى كردستان وبدأ يبثّ دعوته فيها فانقاد إليه سكانها، وضرب النقود باسمه" [7].

ثم ألقي القبض عليه وأعلن على منبر هرات وهو في قيده يوم الجمعة سنة 840 هـ تنازله عن دعوى الخلافة وما يستتبعها، ثم سيّر إلى كيلان، ومن هناك إلى الريّ، وتوفي هناك سنة 869 هـ [8].

وكان أتباعه موجودين آنذاك بكثرة في بلاد العراق وإيران.

ويظهر من هذا السرد الموجز السريع أن محمد نوربخش لم يكن اثنى عشرياً لأن الاثنى عشرية لا يرون المهدي إلا ابن الحسن العسكري المزعوم، وهذا عكس هؤلاء يعدّ نفسه مهدياً وأكثر من ذلك أنه ردّ في كتابه على من يزعم أن ابن الحسن العسكري هو المهدي الموعود، فقال:

وزعم بعض الناس أن محمد بن الإمام العسكري عليهما السلام هو المهدي الموعود وليس كذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في محمد المهدي الموعود: يواطىء اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي، وقيل: اسم أمه اسم أمي، وفي هذا المهدي لا يواطيء شيئاً منهم إلا اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم" [9].

"والحقيقة أن محمد نوربخش لم يكن شيعياً اثنى عشريا، بل كان صوفياً من أصحاب وحدة الوجود، عرض لانتقال الولاية من آدم والأنبياء إلى أقطاب التصوف وأخرجها من التناسخ واصطلح لها اسم البروز بدلاً منه، فكان وصول الروح إلى الجنين في الشهر الرابع عندهم معاداً إنسانياً يصل الوجود الإنساني بالوجود الحقيقي وجود الله، وربما كان في هذا عنصر يفيد صدور النوربخشية عن الفلسفة الإشراقية كما يفترض الدكتور محمد علي أبو ريان دون أن يجد مبرراً واضحاً يصحح افتراضه. وقد جاء في غزل نوربخش شعر يتصل بوحدة الوجود قال فيه ما ترجمته:

سواء أكنا هادين أم مهديين *** فنحن بالمقارنة بالقدم أطفال مهديون

قطرة نحن من محيط الوجود *** ولا عبرة بمدى طاقتنا من الكشف والشهود

فيا إلهي متى أعود من القطرة *** ويا الهي أبلغني بحر النور

وذكر نوربخش العشق على الصورة التي عبر عنها محمد بن عربي في قوله:

أدين بدين الحب إني توجهت *** ركائبه، فالحب ديني وإيماني

ولكنه أخذ الجانب السلبي من المسألة وعبر عنها بأبيات لطيفة منها ما ترجمته:

منذ اليوم الذي استجليت فيه طلعة حبيبي *** غدوت متميزاً من الخلائق أجمعين

وذلك أني صرت مبرأ من العقيدة والمذهب *** والملة كلية وأصبحت ولا دين لي

وذكر استغراقه في هذا العشق إلى الحد الذي أضاع معه كيانه الشخصي فجعل يتساءل: أأنا نوربخش نفسه أم من أنا؟ " [10].

نعم لا شك في ذلك أن الصفويين لما تسلطوا على إيران وأجبروا الناس على اعتناق التشيع على حد السيف أعلن النوربخشية تشيعهم، ولذلك لما فتح إسماعيل الصفوي التستر كان يسأل الناس عن عقيدتهم، فمن قال: نحن على مذهب نور الله الشيخ نوربخشي لم يكن يتعرض لهم" [11].

وفرّ كثير من مريدي هذا الصوفي الوجودي إلى شبه القارة الهندية ولجئوا إلى الجبال ومناطق منعزلة، فبقوا هناك على طريقتهم الصوفية.

وأكبر دليل على كون القوم غير الاثنى عشرية أن لهم فقهاً خاصاً، كذلك كيان مستقل ومدارس مستقلة ولو أنهم يقومون ببعض الأعمال التي يقوم بها الشيعة الاثنا عشرية من المآتم على الحسين، وغير ذلك ولكنهم يختلفون معهم في أشياء كثيرة أيضاً، ومنها الإِغراق في التصوف والسلسلة الصوفية التي تصل إلى السهروردي وجنيد البغدادي والسرّي السقطي، وكل هؤلاء ليسوا من الشيعة، وقد ذكر محمد نوربخش سلسلته الصوفية بعنوان السلسلة الذهبية، وننقلها من كتابه كما ذكرها:

محمد نوربخش. خواجه إسحاق الختلاني. حضرة أمير الكبير السيد علي الهمداني. حضرة الشيخ محمد المزدقاني. حضرة الشيخ ْعلاء الدولة السمناني. حضرة الشيخ عبد الرحمان الإسفراني. حضرة الشيخ أحمد الذاكر الجوزقاني. حضرة الشيخ علي اللالا. حضرة الشيخ نجم الدين الكبرى. حضرة الشيخ عمار ياسر البديسي. حضرة الشيخ أبو النجيب السهروردي. حضرة الشيخ أحمد الغزالي. حضرة الشيخ أبو بكر النساجي. حضرة الشيخ أبو علي الكاتبي. حضرة الشيخ أبو علي الرودباري. حضرة الشيخ جنيد البغدادي. حضرة الشيخ سرّي السقطي. حضرة الشيخ معروف الكرخي. حضرة الإِمام عليّ الرضا" [12].

ثم ولقد ذكر محمد نوربخش هذا في كتابه عبارة صريحة تدّل على عدم تشيعه وهو يذكر الوقائع التي حدثت بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فداه أبواي وروحي فقال:

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بايع الأنصار والمهاجرون أبا بكر رضي الله عنه علي الإِمارة بالاتفاق لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أمره بإمامة الصلاه الفريضة أيام مرضه فبايع أصحابه كله على أبي بكر اتباعاً لأمره صلى الله عليه وآله وسلم لأن الصلاة عماد الدين وقوامه كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرض ليالي وأياماً ينادي بالصلاة، فيقول عليه السلام: مروا أبا بكر يصلي بالناس.

فلما قبض رسول الله عليه الصلاة وآله وسلم نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لديننا فبايعناه.

وذلك أن علياً عليه السلام لما رأى النزاع بين الصحابة بسقيفة بني ساعدة في الخلافة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزه وقد نزع خاتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يده المباركة، ففوّض الخاتم إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: فاذهب إلى الناس وأدركهم وأجمعهم على إمارتك فذهب إليهم أبو بكر ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فكلّم الناس عمر في إمارة أبي بكر ورضوا بإمارة أبي بكر رضي الله عنه واتفقوا كلهم ببركة خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبتدبير عليّ المرتضى عليه السلام" [13].

وعلى كل فهذه هي الطائفة الأخرى التي اختلف [14]. في تشيعها، ونظن أن هذا القدر كاف في هذا الموضوع.

وقال البعض: إنهم من الشيعة الاثنى عشرية ولكنهم من الفرقة التي ابتعدت عن الاثنى عشرية الخلصّ بنزعاتها الصوفية وبأفكارها المناوئة المختلفة للتشيع الاثنى عشرية.

 

[1] انظر لذلك كتابنا (البابية) ط. إدارة ترجمان السنة لاهور باكستان، وكذلك كتابنا (البهائية). ط. باكستان.

[2] أنساب بيوتات سكان قاين ص 159 ط. طهران 1369.

[3] طرائق الحقائق للحاج معصوم علي ج 2 ص 143.

[4] مجالس المؤمنين للتستري ص 314.

[5] هامش ديوان شمس تبريزي، نقلاً عن الفكر الشيعي والنزعات الصوفية للدكتور كامل مصطفى الشيبي ص 335.

[6] أيضاً ص 336.

[7] مجالس المؤمنين ص 314.

 

[8] ملخص ما ذكره كامل مصطفى الشيبي في الفكر الشيعي ص 333.

 

[9] مشجر الأولياء ص 164 ط. باكستان.

[10] الفكر الشيعي والنزعات الصوفية للدكتور كامل مصطفى الشيبي 339 - 340

[11] مجمع الأوصياء ص 302، نقلاً عن الفكر الشيعي ص 341.

[12] مشجر الأولياء ص 2 ط. باكستان.

[13] أيضاً ص 51 - 52.

[14] لقيني كثير من علماء الشيعة في باكستان فسألتهم عن النوربخشية فالأكثر قالوا بأنهم ليسوا من الاثنى عشرية ولكنهم يدعون التشيع الاثنى عشري لجلب الأموال وحصول المنافع من شيعة الخليج والدول العربية الاثنى عشريين وشيعة إيران أيضاً ولقد رضي علماء الشيعة الإيرانيين بادعائهم هذا لاستكثار عدد الشيعة، وإلا فهم ليسوا من الإمامية الاثنى عشرية.