×

قضية كون معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح أو أنه من الطلقاء

قضية كون معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح أو أنه من الطلقاء

الكاتب: أبو عبد الله الذهبي

قضية كون معاوية رضي الله عنه

من مسلمة الفتح أو أنه من الطلقاء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-

تقدم معنا في الحلقة الماضية تمهيد عام حول ما سيتم طرحه من قضايا في هذه الحلقات.. واليوم إن شاء الله سيكون الحديث عن الشبهة الأولى والتهمة الأولى – وليس في ذلك شبهة ولا تهمة – وهي: قضية كون معوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح أو أنه من الطلقاء..

ولما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قدوتنا في ديننا و هم حملة الكتاب الإلهي و السنة المحمدية، الذين حملوا عنهم أماناتهم حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرتهم كل ما ألصق بهم من إفك ظلماً و عدوانا.. حتى تكون صورتهم التي تعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فنحسن القدوة بهم وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم..

 وقد اعتبر في التشريع الإسلامي أن الطعن فيهم طعنٌ في الدين الذي هم ورائه. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (1/18).

 وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها و تشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة.

قلت: يلهث الكثير ممن استهوته الشياطين بالطعن في معاوية رضي الله عنه، وإن لم يطعن قلل من شأنه بأنه من مسلمة الفتح وأنه من الطلقاء إلى غيرها من الأمور.. حتى وصل بالبعض منهم إلى أن يتوقف في شأنه و يعرضه على ميزان الجرح والتعديل.. ناسياً أو متناسياً أنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأمة قد أجمعت على تعديلهم دون استثناء من لابس الفتن منهم و من قعد.. و لم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. انظر حول عدالة الصحابة: الاستيعاب لابن عبد البر (1/19) و فتح المغيث (3/103) و شرح الألفية للعراقي (3/13-14) والإصابة (1/9) و مقدمة ابن الصلاح (ص 147) والباعث الحثيث (ص 181-182) وشرح النووي على صحيح مسلم (15/149) والتقريب للنووي (2/214) والمستصفى للغزالي (ص 189-190 ) وفي غيرها من الكتب.

ذكر النووي في شرح صحيح مسلم (8/231) و ابن القيم في زاد المعاد (2/126) أن معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح، أي أنه أسلم سنة ( 8هـ )، في حين ذكر أبو نعيم الأصبهاني كما في معرفة الصحابة (5/2496) و الذهبي كما في تاريخ الإسلام - عهد معاوية - ( ص 308) أنه أسلم قبيل الفتح.

وقال قوّام السنة في سير السلف الصالحين ( 2/ 663 ) رواية عن معاوية رضي الله عنه أنه يقول فيها: أسلمت عام القضية، لقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبل إسلامي، وعام القضية هو العام الذي صُد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت ( عام 6 هـ ). وانظر هذا الخبر في تاريخ الطبري ( 5 / 328 ) والبداية والنهاية لابن كثير ( 8 / 21 ) والاستيعاب لابن عبد البر ( 3 / 395 ).

وقال الإمام أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة ( 5 / 2496 ) في ترجمة معاوية رضي الله عنه: كان من الكتبة الحسبة الفصحة، أسلم قبيل الفتح، وقيل عام القضية وهو ابن ثمان عشرة، وعده ابن عباس من الفقهاء، قال: كان فقيهاً..

ومرد الاختلاف بين المصادر حول تاريخ إسلام معاوية رضي الله عنه يعود إلى كون معاوية كان يخفي إسلامه، كما ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (1/131)، وهو ما جزم به الذهبي، حيث قال: أسلم قبل أبيه في عمرة القضاء – أي في سنة ( 7هـ ) – وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه.. وأظهر إسلامه عام الفتح. انظر: تاريخ الإسلام – عهد معاوية – ( ص 308).

وبعد هذا هل يبقى مطعن في معاوية رضي الله عنه من كونه من مسلمة الفتح – وليس في ذلك مطعن - وإن سلمنا بأنه من مسلمة الفتح؛ فهل هذا يقلل من شأن صحبته رضي الله عنه ؟!

وهذا تفصيل في أمر طبقات الصحابة رضوان الله عليهم.. وقد اخترت تقسيم الإمام الحاكم، لأنه المشهور عند العلماء في عدد طبقات الصحابة من أنها اثنتا عشرة طبقة، وهو الذي جرى عليه أكثر الذين كتبوا في طبقات الصحابة رضي الله عنهم. انظر تعليق أحمد شاكر على الباعث الحثيث ( ص 184 )، وقد قسم الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث (ص 22-24 )، أن الصحابة على مراتب:

الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة، مثل أبي بكر و عمر و عثمان و علي و غيرهم رضي الله عنهم.

الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة – و هي دار قصي بن كلاب – و ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أسلم وأظهر إسلامه، حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الندوة فبايعه جماعة من أهل مكة. منهم: سعيد بن زيد و سعد بن أبي وقاص.

الطبقة الثالثة: المهاجرة إلى الحبشة. منهم: حاطب بن عمر بن عبد شمس و سهيل بن بيضاء و جعفر بن أبي طالب.

الطبقة الرابعة: الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة. منهم: رافع بن مالك و عبادة بن الصامت، وأسعد بن زرارة.

الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار – و هذه العبارة فيها نظر؛ لأنه من المعلوم والثابت أنه لم يشترك مع أصحاب العقبة الأولى والثانية أحد من غير الأنصار، اللهم إلا العباس فقد حضر ليستوثق للنبي صلى الله عليه وسلم -. 

الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو بقباء، قبل أن يدخلوا المدينة و يبني المسجد. منهم: أبو سلمة بن عبد الأسد و عامر بن ربيعة.

الطبقة السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. البخاري (2/170-171)، ومنهم: حاطب بن أبي بلتعة، و المقداد بن الأسود و الحباب بن المنذر.

الطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية. منهم المغيرة بن شعبة.

الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان، الذين أنزل الله تعالى فيهم {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }[الفتح/18]، و منهم: سلمة بن الأكوع وابن عمر و سنان بن أبي سنان.

الطبقة العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح، منهم: خالد بن الوليد و عمرو بن العاص.

الطبقة الحادية عشرة: هم الذين أسلموا يوم الفتح، منهم: أبو سفيان بن حرب و عتاب بن أسيد وحكيم بن حزام و بديل بن ورقاء.

الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، و في حجة الوداع و غيرهما، و عدادهم من الصحابة. منهم: السائب بن يزيد و عبد الله بن ثعلبة، و أبو الطفيل بن عامر بن واثلة، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله. 

و وجهة الحاكم فيما ذهب إليه: أنه نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة، و قد لاحظ اعتبارات أخرى كالسبق إلى الإسلام والغزو وما إلى ذلك..

ومن خلال ما سبق ذكره، نجد أن معاوية رضي الله عنه يدخل ضمن الطبقة العاشرة، هذا إذا أخذنا بأنه أسلم بعد الحديبية، أما إذا أخذنا بما هو مشهور من أنه أسلم يوم الفتح فإنه من الطبقة الحادية عشرة، وفي كل خير، فقد فازوا بشرف ال

كما أن معاوية رضي الله عنه من الذين نالوا شرف الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرد ذلك إلى ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، لكونه صهره وكاتبه صلى الله عليه وسلم، هذا وقد روى معاوية عنه ( مائة وثلاثة وستين حديثاً ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قاله ابن حزم في أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد منهم من العدد ( ص55 ).

اتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة. السير للذهبي ( 3 / 162 ). مرويات خلافة معاوية للدكتور خالد الغيث ( ص 33 ).

حدث عنه من الصحابة: عبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو الدرداء وجرير بن عبد الله والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو بن العاص ووائل بن حجر وعبد الله بن الزبير.. ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعروة بن الزبير ومحمد بن الحنفية وعيسى بن طلحة وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وآخرين. انظر معرفة الصحابة لابن نعيم ( 5 / 2497 – 2498 ).

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة وشبهة أخرى والرد عليها..