×

غزوة بدر الكبرى

غزوة بدر الكبرى

الكاتب: ابو اسحاق القطعاني

غزوة بدر الكبرى

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ فَاجْتَمَعَ حديثُهم فِيمَا سقته مِنْ حَدِيثِ بَدْرٍ قَالُوا:

لَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا مِنْ الشَّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وَقَالَ: "هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ فَاخْرُجُوا إلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنْفِلُكموها". فَانْتَدَبَ الناسُ، فَخَفَّ بعضُهم وَثَقُلَ بعضُهم، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْقَى حَرْبًا[1].

وقد يستشكل البعض تخلُف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عنه في هذه الغزوة وقتاله الفعلي الأول! فنقول: إن الجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أن هذا الخبر يدل على أن تخلفهم لم يكن خذلانا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل غاية ما فيه أنهم ما ظنوه يلقى حربًا بهذه الضراوة وهذا ظاهر الحال، فهذه عيرُ تجارةٍ لا جيش حربٍ، وحماتها ذو عدد قليل.

الوجه الثاني: قلة عدد من كان مع أبي سفيان يحمون قافلته، كانوا ثلاثين أو أربعين[2]، فضلا عن عدم وجود داعي الحرب، فخرجوا في عدد قليل[3] لا يريدون إلا هذه العير.

أخرج الطبري في تاريخه 2/421 بسند صحيح إلى عروة بن الزبير أنه قال:

ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ رُكْبَانِ قُرَيْشٍ مُقْبِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الساحل، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نَدَبَ أَصْحَابَهُ وَحَدَّثَهُمْ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الأَمْوَالِ، وَبِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَخَرَجُوا لا يُرِيدُونَ إِلَّا أَبَا سُفْيَانَ وَالرَّكْبَ مَعَهُ، لا يَرَوْنَهَا إِلَّا غَنِيمَةً لَهُمْ، لا يَظُنُّونَ أَنْ يَكُونَ كَبِيرُ قِتَالٍ إِذَا لَقُوهُمْ.

الوجه الثالث: قد شهد لهم أصحابهم أنهم يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا يستزيدونهم في المحبة والإيمان، قال ابن إسحاق في حديثه: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدث:

أَنَّ سَعْدَ بْنَ معاذ قال: يا نبي الله، ألا نبتني لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، ونُعد عِنْدَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ، ثُمَّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عريشٌ، فكان فيه ارتحال قريش ودعاء الرسول عليهم[4] وكان معه في عريشه أبو بكر الصديق رضي الله عنه[5]. مرسل

تنيبه: وجود أبي بكر معه في عريشه دل على مكانته من النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يلازم القائد في مقامه في الجيش وفي عريشه إلا ثقاته ومحبيه ومن يأتمنهم، وهو الذي يحميه في مقامه هذا، وفي صحيح مسلم من حديث عُمَر بْن الْخَطَّابِ، قَالَ:

لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَ[6]

وفيه ما يدل على مؤازرته له ومكانته منه في دخوله وخروجه عليه في عريشه في الغدوة والروحة. انتهى.

الوجه الرابع: أن هذا الخروج كان أمرًا مفاجئًا فما كان جميع الحضور على استعداد له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه خبر عير أبي سفيان اشترط على من يخرج معه أن يكون ظهره حاضرًا، فطلب بعضهم أن يأتوا بظهورهم فرفض ذلك واشترط في الخروج من حضر ظهره،

روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أنه قَالَ:

بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُسَيْسَةَ عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ، قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا»، فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «لَا، إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»[7].

الوجه الخامس: أن منازل هؤلاء الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت في عوالي المدينة فإن انتظرهم فاتتهم القافلة وفاتهم ما يطلبون يقول ابن القيم:

وَجُمْلَةُ مَنْ حَضَرَ بَدْرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ وَثَمَانُونَ، وَمِنَ الْأَوْسِ أَحَدٌ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْخَزْرَجِ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ[8]، وَإِنَّمَا قَلَّ عَدَدُ الْأَوْسِ عَنِ الْخَزْرَجِ، وَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ، وَأَقْوَى شَوْكَةً، وَأَصْبَرَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لِأَنَّ مَنَازِلَهُمْ كَانَتْ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَجَاءَ النَّفِيرُ بَغْتَةً، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتْبَعُنَا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا»، فَاسْتَأْذَنَهُ رِجَالٌ ظُهُورُهُمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَسْتَأْنِيَ بِهِمْ حَتَّى يَذْهَبُوا إِلَى ظُهُورِهِمْ، فَأَبَى وَلَمْ يَكُنْ عَزْمُهُمْ عَلَى اللِّقَاءِ، وَلَا أَعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، وَلَا تَأَهَّبُوا لَهُ أُهْبَتَهُ، وَلَكِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.[9]

وهذا يدل على أنه لم يتخلف عنه أحد إلا من كان له عذر قَبِله النبي صلى الله عليه وسلم كعثمان بن عفان لما مرضت زوجته فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء معها ليمرضها[10] وخلَّف معه أسامة بن زيد كما سيأتي في موضعه، وكذلك استعمل ابن أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ ورَدَّ أَبَا لُبَابَةَ من الروحاء، واستعمله على المدينة[11] ... فلو كان أصحابه جبناء أو منافقين، أما كان الوحي ليصوبه في هذا الفعل ويحذره؟! فإن آحاد الناس لا يأتمن على ماله إلا الأمين، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليستأمن على دينه ودولته إلا الأمناء، ومن هم أحق بهذا الأمر.

الوجه السادس: أن هذه الحرب[12] قد دقت طبولها وأجراسها فجأة ولم يكن النبي ولا أصحابه يعلمون بها قال ابن جرير:

وَلَمْ يسمع بنفرة قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اصحابه، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم بَدْرًا ... وَلَيْسُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ قُرَيْشًا خرجت لهم[13]

بل كان النبي وأصحابه بالقرب من بدر وقريش أسفل منهم وهم لا يعلمون بذلك بل لما وقع راوية قريش أسيرًا في أيديهم وأخبرهم أنها قريش وأنهم أسفل منهم لم يصدقوه وفي ذلك أنزل الله قوله " إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ"[14]

 

بل وتجلت ثقته بأصحابه في الحرب بأن دَفَعَ اللِّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بن عمير (وكان أبيضا)[15]، وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ إحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ، وَالْأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الْأَنْصَارِ[16].

وهذا يُظهر ثقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هؤلاء الأصحاب فيعطيهم الرايات، وفي القتال تتعلق كل الأبصار بالراية فمتى سقطت الراية انهزم الجيش! على خلاف ما يصوره الروافض من نفاق أصحابه! وكأن النبي كان في حالة غفلة شديدة عن نفاقهم، بل ولا يحذر أمته منهم والأدهى أن يسكت الوحي عن ذلك!

وظهرت معاني الإخاء والتعاون وبذل النفس لله ولرسوله ولدينه بين أصحابه ليحققوا الغاية التي خرج النبي بأصحابه من أجلها تلبية لطلبه وأمره، حتى كان يتعاقب على البعير الواحدِ الرجلان والثلاث! فقد كان بإمكانهم أن يعتذروا عن ذلك!

وَكَانَتْ إبِلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَاعْتَقَبُوهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ، مَوْلَيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بعيرًا[17].

فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، ورضي الله عنهم يتعاقبون على االبعير الواحد ليدركوا ساحة القتال، وهذا عمر وأبو بكر يتعاقبون على بعير ليصاحبوا نبيهم إلى أرض القتال. ألا بُعدًا للرافضة وسُحقًا.

ويشهد له ما أخرجه الإمام أحمد في مسند بسند حسن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:

كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَا نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: " مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا[18] "

وكان من تمام ثقته بهم أنه لما بلغه خبر مسير قريش إليهم استشار الناس في أمره، وفي هذا الموضع تحديدًا – المشورة - بلغ بالرافضة من السذاجة والسماجة أن اتهموا الشيخين بالجبن في ردهما على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أعرض عنهما! وتمسكوا بلفظ رواية أنس عند ابن عساكر 60/159 أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شاور الناس يوم بدر فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقالت الأنصار يا رسول الله فقال المقداد بن الأسود والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد فعلنا فشأنك يا رسول الله ... وذكر الحديث.

إلا أن هذا الخبر فيه سقط في الكلام لا ينتظم إلا به، وهذا السقط في جملة "فقالت الأنصار يارسول الله فقال المقداد" فماذا قالت الأنصار؟! ثم راجعت مختصر تاريخ دمشق 25/211 فوجدته أثبت لفظة ساقطة من هذا الخبر فجاء فيه "فقالت الأنصار: يا رسول الله أوص فقال المقداد بن الأسود"

ولنا مع هذا الخبر وقفة فإن ابن عساكر يروي هذا الخبر من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه، وهذا الخبر موجود في مسند الإمام أحمد 21/21/ ح13296 بنفس الإسناد عن عبد الصمد عن حماد عن ثابت عن أَنَسٍ:

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِيَّانَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ .... الخبر. وهذا هو أصل الخبر الذي نقله ابن عساكر وفيه زيادة مهمة جدًا وهي قوله " فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِيَّانَا تُرِيدُ؟"

وكذلك أخرجه الإمام أحمد في الرواية التي بعدها مباشرة 13297من رواية عفان عن حماد عن ثابت عن أنس وفيها " فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبِحَارَ لَأَخَضْنَاهَا" ... الخبر.

وهذه الزيادة إنما تدل على أن إعراض النبي عليه السلام عن كليمهما لم يكن لشيء في نفسه منهما ولا لما ادعاه الروافض قبحهم الله إنما أعرض لأنه أراد أن يعرف رأي الأنصار وفي بيان هذا المعنى يقول ابن إسحاق:

وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بَرْك الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ[19].

فهذا موقف المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين، وهو واضح جلي للنبي صلى الله عليه وآله لا يحتاج أن يستفسر عنه فهؤلاء هم الذين تركوا المال والدار والأهل وفارقوا البلاد والعباد للهجرة معه، لكنه أراد أن يعرف ما عند الأنصار! ويذكر ابن إسحاق كلام الأنصار في هذا الموقف فيقول:

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا النَّاسُ" وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بُرآء مِنْ ذمامِك حَتَّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا، فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أبناءَنا ونساءَنا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتخوَّف أَلَّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ[20].

ولقائل أن يقول في هذا المقام: كيف يتخوف رسول الله في هذا المقام من الأنصار، وهم قد خرجوا معه بالفعل إلى هذا الموضع؟!

فنقول: إن الأنصار بل وكل أصحابه لما خرجوا معه لم يخرجوا للحرب ابتداءً، وما ظنوا أن تقوم حرب أصلا، إنما خرجوا ليظفروا بهذه العير قليلة العدد في الحماية، ولما انتهوا إلى الموضع الذي انتهوا إليه علموا بخروج قريش على رأس ما يناهز الألف من فرسانها، تريد قتال محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وهنا تختلف المعادلة كليًا، وتختلف الحسابات اختلافًا جذريًا، فهذه طبول الحرب تقرع أبوابهم في هذا المكان على غير سابق علم أو إنذار! فلابد من معرفة ما في صدور هؤلاء الذين بايعوه وأن يستبين أمرهم، خاصة وأن كل السرايا التي سبقت هذه الواقعة إنما كان يشهدها المهاجرون فقط! والآن يتغير الوضع وهم على عتبات أبواب حرب طاحنة بلا إنذار ولا عدة ولا استعداد وهم في قلة العدد، فلما فهم الأنصار هذا أجابوه جوابًا تنقطع دونه الأعناق ويسدون به كل ثغر من ثغور الظن.

قال ابن إسحاق: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَجَلْ".

فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد بهذه المقالة الأنصار ليعلم رأيهم في هذه الحرب المقبلة عليهم بلا هوادة.

قال ابن إسحاق:

قَالَ- سعد بن معاذ - فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عهودَنا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضته لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُريك مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عينُك، فسِر بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ[21].

فهؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، صُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء لَوْ سار بهم إلَى بَرْك الْغِمَادِ لَجَالَدْوا مَعَه مِنْ دُونِهِ، حَتَّى يبْلُغَهُ، ولَوْ اسْتَعْرَضْ بهم الْبَحْرَ فخاضه لَخاضوهُ معه، مَا تخلَّف منهم رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا يكْرَهُون أَنْ يلْقَى بهم عدوا، فأين هؤلاء مما يدعيه الرافضة قبحهم الله وأذلهم من جبن أصحابه؟! ومن فرارهم في المعارك؟! ومن ادعاءهم أن نصرة الدين كله قد انحصر في رجل واحد وسيفه؟! بل نحن نقول إن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم هذا الرجل وسويفهم كلها ذاك السيف.

قال ابن إسحاق: فسُر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونشَّطه ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أنظر إلى مصارع القوم".

وكيف لا يُسر من كان له أصحابٌ كأصحابه؟! وجندٌ كجنده؟ ورجالٌ كرجاله، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكذلك تتجلى ثقة النبي صلى الله عليه وآله في مشورته لأصحابه في أيما مكان ينزلون؟ بل ويعمل بمشورتهم.

قال ابن إسحاق في حديثه: فحُدثت عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلمة، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا:

أَنَّ الحُباب بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الجَموح قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أرأيتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أنزلَكه اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرأيُ والحربُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ ثُمَّ نُغَوِّر مَا وَرَاءَهُ مِنْ القُلُب، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فنمْلؤه مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ أشرتَ بِالرَّأْيِ". فَنَهَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مَعَهُ مِنْ النَّاسِ فَسَارَ حَتَّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أمر بالقُلُب فغُوِّرت، وبنى حَوْضا على القُلُب الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فيه الآنية[22]. ضعيف لجهالة من روى عنه ابن إسحاق، لكن يشهد له قول الله تبارك وتعالى "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" فالشورة من الثوابت في هذا الدين بنصوص الكتاب والسنة.

 

[1] السيرة النبوية لابن هشام 2/182

[2] تاريخ الطبري 2/427 عن ابن إسحاق بلا إسناد.

[3] كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فهذا عدد كثير بالنسبة لعدد من كان مع أبي سفيان يحمي عير قريش، وقليل بالنسبة لعدد من خرج من قريش لهذه الحرب إذ كانوا ألفًا. صحيح مسلم 3/1383/ح1763

[4] السيرة النبوية 2/192

[5] السيرة النبوية 2/195

[6] صحيح مسلم 3/1383/ح1763

[7] صحيح مسلم 3/1509/ح1901

[8] يكون إجمالي العدد ثلاثمائة وسبعة عشر وهو أقل مما ذكر مسلم برجلين، وقد جاءت الروايات بأقرام مختلفة ولعل أصحها ما ذكره مسلم ثلاثمائة وتسعة عشر

[9] زاد المعاد 3/168

[10] صحيح البخاري 5/15/ح3698 جزء من حديث ابن عمر

[11] السيرة النبوية لابن هشام 2/186 وهو كلام ابن هشام.

[12] وهذا الوجه يختلف عن الوجه الرابع ففي الوجه الرابع كانت الفجأة في الخروج للقاء عير ابي سفيان، أما في هذا الوجه فالفجأة في معرفتهم بقدوم قريش وقرار الحرب فتنبه.

[13] تاريخ الطبري 2/422

[14] المصدر السابق 2/423

[15] هذه الإضافة من ابن هشام

[16] السيرة النبوية 2/186، وفي 2/187 قال ابن هشام: "وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ معاذ".

[17] المصدر السابق، من قول ابن إسحاق.

[18] أخرجه الإمام أحمد في ثلاث مواطن 7/17/ح30901، 7/76/ح3966، 7/128/ح4029 كلهم من طرق عن عَاصِم ابْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ به.

[19] السيرة النبوية 2/188، قال ابن كثير في البداية والنهاية 3/263 (ط الفكر) هكذا رواه ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ

[20] السيرة النبوية 2/188.

[21] المرجع السابق.

[22] السيرة النبوية 2/192