×

تفسير قوله تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى }

تفسير قوله تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى }

الكاتب: وليد قطب

تفسير قوله تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى }

قال عطاء ومقاتل: يريد والجنّة خير لك من الدّنيا. التَّفْسِيرُ البَسِيْط للواحدي ج24 ص106.

وللآخرة خير لك ممّا أعجبك في الدّنيا. قاله يحيى بن سلام. تفسير الماوردي المسمّى: النكت والعيون ج6 ص293.

وما يلبسك من لباس التّوحيد – غدا - خير ممّا أعطاك اليوم. تفسير القشيري المسمّى: لطائف الإشارات ج3 ص740.

مع أنّه صلّى الله عليه وسلّم قد أوتي في الدّنيا من شرف النّبوّة ما يصغر عنده كلّ شرف، ويتضاءل بالنّسبة إليه كلّ مكرمة في الدّنيا، ولكنّها لمّا كانت الدّنيا بأسرها مشوبة بالأكدار، منغصة بالعوارض البشرية، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم، أو كظلّ زائل، لم تكن بالنّسبة إلى الآخرة شيئا. ولمّا كانت طريقا إلى الآخرة وسببا لنيل ما أعدّه الله لعباده الصّالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنّة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية. فتح القدير: الشّوكاني ج5 ص558.

وسمّيت بالأولى؛ لأنّها خلقت قبل الآخرة على ما قيل. تفسير حدائق الرّوح والرّيحان في روابي علوم القرآن: محمّد الأمين الهرري ج32 ص87.

(فصل) ولهذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أزهد النّاس في الدّنيا، وأعظمهم لها إطراحا، كما هو معلوم [بالضّرورة] من سيرته. ولمّا خيّر، عليه السّلام، في آخر عمره بين الخلد في الدّنيا إلى آخرها ثم الجنّة، وبين الصّيرورة إلى الله عزّ وجلّ، اختار ما عند الله على هذه الدّنيا الدّنية.

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدّثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله - هو ابن مسعود – قال: اضطجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حصير، فأثّر في جنبه، فلمّا استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتّى نبسط لك على الحصير شيئا؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما لي وللدنيا؟! ما أنا والدّنيا؟! إنّما مثلي ومثل الدّنيا كراكب ظل تحت شجرة، ثم راح وتركتها.

ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث المسعودي به، وقال الترمذي: حسن صحيح. تفسير القرآن العظيم: ابن كثير ج8 ص425.

ومن رواية عن عمر الفاروق رضي اللّه عنه: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟»، قُلْتُ: بَلَى. الحديث رواه بهذا اللّفظ مسلم (ح1479) وقد رواه البخاري أيضا (ح1163).

(فصل) عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَقْبَلَ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا رَآهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، قَالَ، فَقُلْتُ: مَا نَزَالُ نَرَى فِي وَجْهِكَ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَقَالَ: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلْقَوْنَ بَعْدِي بَلَاءً وَتَشْرِيدًا وَتَطْرِيدًا». رواه ابن ماجه (ح4082) وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد الكوفي. وقد روى الحديث الطبراني في المعجم الكبير (ح10031) باسناد آخر لكن فيه متّهم. وآفة هذا الحديث رجوعه إلى الشّيعة والرّوافض. وفائدة الإستئناس به ههنا أنّ أهل البيت سيختارون الآخرة لتقواهم.

فِي هَذَا الْبَاب تَخْصِيصه صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم لأهل بَيته بالحثّ على تقوى الله وخشيته وتحذيرهم على أَن لَا يكون أحد اقْربْ إِلَيْهِ مِنْهُم بالتقوى يَوْم الْقِيَامَة وَأَن لَا يؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة اغْتِرَارًا بأنسابهم وَأَنّ أولياءه صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم يَوْم الْقِيَامَة المتّقون من كَانُوا حَيْثُ كَانُوا. الصّواعق المحرقة على أهل الرّفض والضّلال والزّندقة: ابن حجر الهيتمي ج2 ص531.

وَلَقَد طلّق عَليّ الدُّنْيَا ثَلَاثًا وَقَالَ: لقد رقعت مدرّعتي هَذِه حَتَّى استحييت من راقعها. الصّواعق المحرقة ج2 ص533.

ولقد جاءت الغنائم إلى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بعد انتصار المسلمين، فرأى نساؤه أن يستمتعن بشيء من هذه الغنائم، وطلبن منه أن يكون لهنّ نصيب منها، فإذا بالآية الكريمة تردّ على سؤال هؤلاء النّسوة: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً } [الأحزاب: 28-29]، فجمع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم نساءه، وقال لهنّ: «هل تردن الله ورسوله والدّار الآخرة؟ أم تردن الدّنيا وشهواتها؟» فاختارت كلّ واحدة منهن الله ورسوله والدّار الآخرة. العقائد الإسلامية: سيّد سابق ص202.

عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: «لَقَدْ قَالَتِ المَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا، مِنَّا المَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، وَمِنَّا حَمَلَةُ العَرْشِ، وَمِنَّا الكِرَامُ الكَاتِبُونَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ الله اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا نسأم وَلَا نفتر، خلقتَ بَني آدَمَ فَجَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَكَمَا جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الآخِرَةَ. فَقَالَ: لَنْ أَفْعَل، ثُمَّ عَادُوا فَاجْتَهَدُوا المَسْأَلَةَ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِك، فَقَالَ: لَنْ أَفْعَل، ثُمَّ عَادُوا فَاجْتَهَدُوا المَسْأَلَة بِمثْل ذَلِكَ، فَقَالَ: لَنْ أَجْعَلَ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، كَمَنْ قُلْتُ [لَهُ كُنْ] فَكَانَ». رواه الدّارمي في النقض على بشر المريسي (ح37) بإسناد فيه ضعف، لكن له شاهد صحيح من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعًا، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (ح1065). وقد صحّح الحديث غير واحد من أهل العلم. ومحلّ الشّاهد علم الملائكة ويقينهم أنّ الآخرة خير من الأولى فعملوا عملا فيه الطّلب وسؤال الربّ – أعظم به من ربّ -.

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَوْلَا ثَلَاثٌ: لَوْلَا أَنْ أَسِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يُغَبَّرَ جَبِينِي فِي السُّجُودِ، أَوْ أُقَاعِدَ قَوْمًا يَنْتَقُونَ طَيِّبَ الْكَلَامِ، كَمَا يُنْتَقَى طَيِّبُ الثَّمَرِ؛ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ لَحِقْتُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَل». أخرجه ابن المبارك في كتاب الجهاد ص167، وابن أبي الدّنيا في المتمنّين ص80. وأخرجه ابن بَشْران في أماليه ص218 عن أبي الدّرداء رضي اللّه، وانظر حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم ج1 ص51 و ج1 ص212.

وَإِنَّ من ينظر دائما إلى غده ليكون أفضل من يومه يكون عاملا بهذه الآية، فاجعل مُسْتَقْبَلَ حَياتِكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ مَاضِيهَا، وهيّء ما يسعدك أن تلقاه وما يسرّك أن تراه، وباللّه التوفيق.