×

تفسير قوله تعالى: { ورحمة ربك خير مما يجمعون }

تفسير قوله تعالى: { ورحمة ربك خير مما يجمعون }

الكاتب: وليد قطب

تفسير قوله تعالى: { ورحمة ربك خير مما يجمعون }

عن قتادة: { وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } يعني الجنّة. تفسير الطّبري ج21 ص596.

قال مقاتل: يعني الجنّة للمؤمنين خير ممّا يجمع الكفّار من الأموال. التَّفْسِيرُ البَسِيْط للواحدي ج20 ص36.

[الجنّة] خير في نفسها ولا يَصِلها إلّا المؤمن. هميان الزاد لأطّفيّش ج12 ص321.

عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ». حديث صحيح أخرجه الترمذي (ح2362). كَانَ يُجَانِبُ اتِّخَاذَ الْأَسْبَابِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَّا أَنْ تَعْتَرِيَهُ أَحْوَالٌ لَا يَكُونُ مِنْهُ الْقَصْدُ فِيهَا. مستفاد من تبويب ابن حبّان في صحيحه (ح6355).

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجْمَعْ لَهُ غِذَاءٌ وَلَا عِشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ». يُرَادُ بِذَلِكَ كَثْرَةُ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ. معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج3 ص356. والحديث رواه ابن حبّان في صحيحه بإسناد صحيح على شرط الشّيخين وبوّب له: ذِكْرُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لِلْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ حَالَةَ اخْتِيَارٍ لَا اضْطِرَارٍ. (ح6359).

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: «لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ، وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ». رواه مسلم (ح2974). وبوّب له ابن حبّان في صحيحه: ذِكْرُ مَا كَانَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ يَتَنَكَّبُ الشِّبَعَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ (ح6358).

ومن حديث بلال مع عبد الله الهَوْزَنيّ: وفيه كيف كانت نفقةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم؟: فَنَادَيْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنًا فَلْيَحْضُرْ، فَمَازِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِي، وَأَعْرِضُ فَأَقْضِي، حَتَّى إِذَا فَضَلَ فِي يَدَيَّ أُوقِيَّتَانِ أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ، انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟»، فَقُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَضَلَ شَيْءٌ؟»، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهَا»، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ مِمَّا قِبَلَكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ، فَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَصْبَحَ، فَظَلَّ فِي الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ الثَّانِي، حَتَّى كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَ رَاكِبَانِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَكَسَوْتُهُمَا وَأَطْعَمْتُهُمَا، حَتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟»، فَقُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ، حَتَّى أَتَى مَبِيتَهُ، فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ. حديث صحيح رواه ابن حبّان بهذا اللّفظ (ح6351). ومعنى «مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟»: ما حالُ ما عندك من المال؟

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: «يَا عُمَرُ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَلِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرْكَهَا». رواه ابن حبّان (ح6352) بإسناد قويّ.

وتركه - عليه السّلام - الأكل على الخوان وأكل المرقّق، فإنّما فعل ذلك؛ لأنّه رفع الطيّبات للحياة الدّائمة في الآخرة، ولم يرض أن يستعجل في الدّنيا الفانية شيئًا منها، أخذًا منه بأفضل الدّارين، وكان قد خيّره الله بين أن يكون نبيًّا عبدًا أو نبيًّا ملكًا، فاختار عبدًا، فلزمه أن يفي لله بما اختاره. والمال إنّما يرغب فيه مع مقارنة الدّين، ليُستعان به على الآخرة، والشّارع مغفور له، فلم يحتج إلى المال من هذا الوجوه، وكان ضمن الله له رزقه بقوله: { نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [طه: 132]. التّوضيح لشرح الجامع الصّحيح لابن الملقّن ج29 ص463.

((فصل)) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

 «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». رواه بهذا اللّفظ مسلم (ح2970). ومحلّ الشّاهد ههنا: الآل عليهم الرّضوان، إذ كَانوا يَتَنَكَّبُون السَّرَفَ فِي أَسْبَابِ الْأَكْلِ. مستفاد من تبويب ابن حبّان في صحيحه (ح6360).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ». رواه البخاري (ح5414).

فالدّنيا على شفا جرف هار، ومظاهرها فانية لا قيمة لها، فهو قد أغدقها على الدّواب والأنعام وكثير من جهلة بني آدم، والعظيم من رُزِق من تلك الرّحمة العظيمة، لا ممّا يجمعون من الدّنيء الحقير، يظنّون أنّ العظمة به. تفسير حدائق الرّوح والرّيحان في روابي علوم القرآن محمّد الأمين الهرري ج26 ص243.

وهذا ممّا يزهّد في الإنكباب على الدّنيا ويعين على التوكّل والإنقطاع إليه تعالى. بيان المعاني عبد القادر بن ملا حويش ج4 ص69.