×

تفسير قوله تعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع

تفسير قوله تعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع

الكاتب: وليد قطب

تفسير قوله تعالى

من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع

 { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [العنكبوت: 5].

عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي» فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيُهْنِكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطْعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا: الْآخِرَةُ أَشَرُّ مِنَ الْأُولَى»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةُ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي» قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، خُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ. قَالَ: «لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي» ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. سنن الدارمي (ح79)، قال المحقّق حسين سليم أسد الداراني: إسناده جيّد. وقال الحاكم في المستدرك (ح4383): هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقد وافقه الذّهبي في التّلخيص. وقد ضعّف بعضهم هذا الحديث، لكن لا بأس من إيراده ههنا لما لقصّة التّخيير فيه من أصل صحيح، وليس الحديث ممّا يستشهد به في حلٍّ أو حرمة، واللّه أعلم.

أبو موهوبة مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو أبو مويهبة الذي روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص حديثا في مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووفاته أخرجه أحمد وغيره. قال البلاذري: شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع وكان يخدم بعير عائشة وكان من مولّدي بني مزينة وكأنّه في الأصل أبو موهوبة ويصغّر فيقال أبو مويهبة. فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ج8 ص459.

وهذا من بلاء الله تعالى الحسن لأنبيائه، عليهم الصّلاة والسّلام، لأنّه يخيِّرهم قبل الموت بين البقاء في الدّنيا على النّعيم والنّبوّة والملك، وبين لقاء الله تعالى، فلا يؤثرون على الله تعالى شيئاً لعظيم معرفتهم به، وأنّ لقاءه عن رضوان هو الشّرف الأكبر والنّعيم الأوفر. القبس في شرح موطّأ مالك بن أنس لابن العربي المالكي ص434.

وَلَا شكّ أَن الْخلد فِي الدُّنْيَا لَا يكون أبدا. نوادر الأصول للحكيم الترمذي ج2 ص326.

قُلْتُ: فَمَتَى أُحِبُّ لِقَاءَ رَبِّي؟ قَالَ: «إِذَا كُنْتَ تُقْدِمُ عَلَى حَبِيبٍ وَتَصِيرُ عَنْ أَمَرٍ قَرِيبٍ». من أسئلة عَبْد اللَّهِ بْن سَهْلٍ لذي النُّونِ الْمِصْرِيّ كما في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نُعيم الأصبهاني ج9 ص392.

((فصل)):

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: انْطَلَقَتْ بِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَاغْفِرْ لَهُ»، قَالَ: فَكَثُرَ مَالِي حَتَّى صَارَ يُطْعِمُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَثُرَ وَلَدِي حَتَّى قَدْ دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، وَطَالَ عُمُرِي حَتَّى قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ أَهْلِي، وَاشْتَقْتُ لِقَاءَ رَبِّي، وَأَمَّا الرَّابِعَةَ، يَعْنِي الْمَغْفِرَةَ. مسند أبي يعلى (ح4236) قال المحقّق حسين سليم أسد: إسناده حسن.

عَنْ أَبِي مُخَيَّلٍ قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبٌ وَأَنَا أَطُوفُ، بِالْبَيْتِ، فَضَرَبَ مَنْكِبِي وَقَالَ: إِنَّكَ الْآنَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَلَا مُؤْمِنِينَ غَيْرَهُمْ، فَدَعْهُمْ أَوْ قَالَ: فَاجْتَنِبْهُمْ. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا كَعْبُ؟ قَالَ: أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ قَالَ: قُلْتُ: يَا كَعْبُ كَبِرَتْ سِنِّي، وَاشْتَهَيْتُ لِقَاءَ رَبِّي أَحْيَا وَأَشِيخُ، أَحْيَا وَأَشِيخُ ". الإبانة الكبرى لابن بطة (ح1263).

عن إِبْرَاهِيم بْن سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، بِصِفِّينَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ، وَهُوَ يُنَادِي: إِنِّي لَقِيتُ الْجَبَّارَ، وَتَزَوَّجْتُ الْحُورَ الْعَيْنَ، الْيَوْمَ نَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ، عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ آخِرَ زَادِكَ مِنَ الدُّنْيَا ضَيَاحٌ مِنْ لَبَنٍ». قال الطّبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ وَلَدِهِ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ، تَفَرَّدَ بِهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. المعجم الأوسط (ح6471).

قال أبو عبد الرّحمن: ورأيت أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم يتّبعون عمّارا كأنّه لهم علَم. الحاكم في المستدرك (ح5687) سكت عنه الذهبي في التلخيص.

«ضَيَاحٌ مِنْ لَبَنٍ» وفي رواية صحيحة عند الحاكم (ح5668) «ضَيْحٌ مِنْ لَبَنٍ»، والضَيْحُ والضَّيَاحُ الَّلبَنُ الخَاثِرُ يُصَبُّ عَلَيِهِ المَاء حَتَّى يرِقَّ. غريب الحديث للخطّابي ج2 ص12.

مَا أَبْكِي عَلَى شَيْءٍ تَرَكْتُهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا كَرَاهَةً مِنْ لِقَاءِ رَبِّي. عن سَلْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ كما في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري (ح1803) و(ح7272) ج2 ص416 و ج7 ص437. وأصل القصّة عند ابن ماجة بسند حسن (ح4104).

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَزْهَرُ: دَخَلْنَا عَلَى جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ نَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: «مَا أَكْرَهُ لِقَاءَ رَبِّي». حسن الظن بالله (ح128) والمحتضرين (ح291) كلاهما لابن أبي الدّنيا.

فَأَنَا مُعْتَزِلٌ فِي مَنْزِلِي هَذَا عَنِ أَهْلِ الْخَطَايَا أَتَذَكَّرُ الْمَوْتِ الَّذِي يَكْرَهُهُ النَّاسُ، وَأَجِدُ لِذِكْرِهِ حَلَاوَةً لِلِقَاءِ رَبِّي. عن أَنْطُونْيُوسَ السَّائِحِ كما في الوجل والتوثّق بالعمل لابن أبي الدّنيا ص38.