×

تفسير: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا

تفسير: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا

الكاتب: وليد قطب

تفسير: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا
 

قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا }:

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ»[1].

قال العلماء ركوبه صلّى الله عليه وسلّم البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد النّاس هو النّهاية في الشّجاعة والثّبات[2].

لأنّ ركوب الفحولة مظنّة الاستعداد للفرار والتولّي، وإذا كان رأس الجيش قد وطّن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه. فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر ج8 ص32.

وعند مسلم: فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»، ثُمَّ صَفَّهُمْ. صحيح مسلم (ح1776).

(فاستنصر) أي: طلب من الله تعالى النّصرة على أعدائه. ففيه استحباب الدّعاء عند قيام الحرب. الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج: محمّد الأمين الهرري ج19 ص251.

ومعنى «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ»، أي: أنا النّبي حقّا فلا أفر، ولكن أثبتُ. فتح المنعم شرح صحيح مسلم: موسى شاهين لاشين ج7 ص234.

(صفّهم) أي: صفّ المسلمين صفوفًا للحرب وللكرّ بعد الفر. الكوكب الوهَّاج ج2 ص252.

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «لَمَّا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَانْكَشَفُوا نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ فَتَرَجَّلَ». رواه أبو داود في سننه (ح2658).
(فَتَرَجَّلَ) أَيْ مَشَى عَلَى الرِّجْلِ وَفِي كُتُبِ اللُّغَةِ تَرَجَّلَ نَزَلَ عَنْ رَكُوبَتِهِ وَمَشَى انْتَهَى. عون المعبود شرح سنن أبي داود: العظيم آبادي ج7 ص229.

ومعلوم من حال نبيّنا وغيره من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام عدم الفرار لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم لوعد الله في رغبتهم في الشهادة ولم يثبت عن أحد منهم أنّه فرّ، ومن قال ذلك في النّبي قُتِل ولم يُستَتب عند مالك. الكوكب الوهَّاج: محمّد الأمين الهرري ج19 ص250.

قوله تعالى: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }:

قد كان للنّبي صلّى الله عليه وسلّم من الذّكر الحظّ الوافر. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: الملّا علي القاري ج2 ص436.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». رواه مسلم (ح117).

أي لم يكن ممتنعاً من الذكر. العرف الشذي شرح سنن الترمذي: الكشميري ج1 ص123.

لا تمر عليه لحظة إلَّا هو يذكر الله تعالى سرًّا أو جهرًا. الكوكب الوهَّاج: محمّد الأمين الهرري ج6 ص369.

معظم المقصود أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يذكر الله تعالى متطهّرا ومحدثا وجنبا وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج للنّووي ج4 ص68.

 

[1] رواه البخاري (ح2864) وانظر (ح4317)

[2] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنّووي ج12 ص114.