×

أبو هريرة

أبو هريرة

الكاتب: وليد قطب

أبو هريرة

اسمه ولقبه:

اختلف المؤرخون في اسمه، وهو في أصح الروايات، عبد شمس في الجاهلية، وعبد الرحمن بن صخر الدوسي الأزدي في الإسلام، ولقبه أبو هريرة لهِرَّة كان يحملها ويعتني بها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه أبا هرّ. وقد ولد رضي الله عنه في بادية الحجاز سنة 19 قبل الهجرة، وأمه ميمونة بنت صبيح.

أبو هريرة في الجاهلية:

كان أبو هريرة رضي الله عنه قبل أن يسلم يعيش فقيرًا معدمًا في قبيلة بعيدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول رضي الله عنه عن نفسه: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعُقْبَة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا.

إسلام أبو هريرة:

أسلم رضي الله عنه على يد الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، وهو من أوائل الذين أسلموا على يد الطفيل، وكان عمره رضي الله عنه حينما أسلم حوالي ست عشرة سنة.

أثر الرسول في تربية أبي هريرة:

كان للنبي صلى الله عليه وسلم الأثر الأكبر في تنشئة وتربية أبي هريرة رضي الله عنه، فمنذ أن قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يفارقه أبدًا، وفي سنوات قليلة حصّل من العلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يحصله أحد من الصحابة رضي الله عنه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوجِّهه كثيرًا؛ فعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أوصيك يا أبا هريرة بخصالٍ لا تدعهن ما بقيت". قال: أوصني ما شئت. فقال له: "عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تلغ، ولا تله. وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فإنه صيام الدهر. وأوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما وإن صليت الليل كله؛ فإن فيهما الرغائب" قالها ثلاثًا.

أهم ملامح شخصية أبي هريرة:

استيعابه للحديث:

قال أبو هريرة رضي الله عنه: "ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأذن له".

قال البخاري: "روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صاحبٍ وتابعٍ". وممن روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعائشة رضي الله عنها أجمعين.

عبادة أبي هريرة:

عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أَثْلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا.

وعن عكرمة أن أبا هريرة رضي الله عنه: كان يسبح في كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: أسبح بقدر ذنبي.

تواضع أبي هريرة:

عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذٍ خليفة لمروان، فقال: "أَوْسِعِ الطريق للأمير".

ورع أبي هريرة وخوفه:

عن أبي المتوكل أن أبا هريرة رضي الله عنه كانت له زنجية فرفع عليها السوط يومًا، فقال: "لولا القصاص لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت لله عز وجل".

جهاد أبي هريرة:

كان رضي الله عنه ممن شهد غزوة مُؤْتة مع المسلمين؛ يقول رضي الله عنه: "شهدت مؤتة، فلما دنونا من المشركين رأينا ما لا قِبل لأحد به من العُدَّة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أَقْرَم: يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعًا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدرًا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة".

بعض مواقف أبي هريرة مع الرسول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنست منه، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟" قال: كنت جنبًا؛ فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: "سبحان الله! إن المسلم لا ينجس".

وعن أبي العالية، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرات فدعا فيهن بالبركة، وقال: "اجعلهن في مزودك، فإذا أردت أن تأخذ منه شيئًا فأدخل يدك فخذه، ولا تنثره". فجعلته في مزودي، فوجهت منه رواحل في سبيل الله تعالى، وكنت آكل منه وأطعم، وكان في حقوتي حتى كان يوم قتل عثمان رضي الله عنه، فوقع فذهب.

بعض مواقف أبي هريرة مع الصحابة:

مع عمر بن الخطاب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه ليستعمله، فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد طلبه من كان خيرًا منك؟! قال: مَن؟ قال: يوسف بن يعقوب عليهما السلام. فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة ابن أميمة أخشى ثلاثًا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حكم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.

مع عثمان بن عفان:

روى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: إني لمحصور مع عثمان رضي الله عنه في الدار. قال: فرُمِي رجل منا، فقلت: يا أمير المؤمنين، الآن طاب الضراب، قتلوا منا رجلاً. قال عثمان رضي الله عنه: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت سيفك؛ فإنما تراد نفسي، وسأقي المؤمنين بنفسي. قال أبو هريرة رضي الله عنه: فرميت سيفي لا أدري أين هو حتى الساعة.

بعض مواقف أبي هريرة مع التابعين:

عن سعيد بن مرجانة أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار، حتى إنه يعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج".

أثر أبي هريرة في الآخرين:

دعوته وتعليمه:

كان أبو هريرة رضي الله عنه صاحب أثر كبير في كل مَن حوله بما يحمله من كنوز عظيمة، وهي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أسدى رضي الله عنه للأمة خيرًا عظيمًا بنقله هذا الكمّ الضخم والكبير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها فقال: يا أهل السوق، ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسَّم، وأنتم ها هنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه. قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة، فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نرَ فيه شيئًا يُقسّم. فقال لهم أبو هريرة رضي الله عنه: أما رأيتم في المسجد أحدًا؟ قالوا: بلى، رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرءون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام. فقال لهم أبو هريرة رضي الله عنه: ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد روى عنه الكثير من الصحابة والتابعين، ووصل عددهم إلى ما يزيد على أربعمائة، وورد عنه رضي الله عنه في الكتب التسعة (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي) ما يزيد على ثمانية آلاف وسبعمائة حديثٍ.

 

وفاة أبي هريرة:

لما حضرت أبا هريرة رضي الله عنه الوفاةُ بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: "بُعد المفازة، وقلة الزاد، وعقبة كئود المهبط منها إلى الجنة أو النار".

وقد تُوُفِّي أبو هريرة رضي الله عنه بالمدينة سنة سبع وخمسين، وله ثمانٍ وسبعون.