×

التشيع الأول والشيعة الأولى

التشيع الأول والشيعة الأولى

الكاتب: وليد قطب

التشيع الأول والشيعة الأولى

إن لفظة الشيعة لا تطلق إلا على اتباع الرجل وأنصاره فيقال: فلان من شيعة فلان أي ممن يهوون هواه كما قال الزبيدي: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.

        فلم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه الأصلي والحقيقي هذا كما لم يكن استعمالها إلا لأحزاب سياسية وفئات متعارضة في بعض المسائل التي تتعلق بالحكم والحكام، وقد شاع استعمالها عند اختلاف معاوية مع علي رضي الله تعالى عنهما بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه فكان يقال عن أنصار رضي الله عنه الخليفة الراشد الرابع والأحق بالخلافة من معاوية وغيره وكانوا يشايعونه ويناصرونه في حروبه مع معاوية رضي الله عنه كما كان شيعة معاوية يرون الأمر بالعكس للجوء قتلة عثمان بن عفان إلى معسكر علي رضي الله عنه وتحت كنفه حسب زعمهم وما دام هؤلاء كذلك لم يكونوا معتقدين بثبوت الخلافة وأحقيتها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن قتل القتلة ونفذ فيهم حد السيف رجعوا إليه وإلى التسليم بخلافته والانقياد لأمره كما نقله المؤرخون أن معاوية رضي الله عنه قال لمن بعث إليه من قبل

علي رضي الله عنه من عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة يدعونه إلى الجماعة والطاعة:

        " أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به[1] ولكنه آوى قتلة عثمان فيدفعهم إلينا حتى نقلتهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة "[2].

وقال بمثل هذه المقولة لأبي الدرداء ولأبي أمامة المبعوثين أيضاً من قبل علي رضي الله عنه:

" اذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام "

وقبل ذلك حينما أرسل علي رضي الله عنه جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى بيعته " طلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان "

        وإن المؤرخين ذكروا أيضاً أن أبا الدرداء وأبا أمامة عندما رجعا إلى علي قالا له ذلك، فقال:

 هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا "[3]

هذا ولسنا الآن بصدد بيان أسباب الحروب التي دارت بين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه وغيره ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام في مدحه الحسن رضي الله عنه ـ انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً طائفة كانوا يرون علياً رضي الله عنه خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار[4] وقوم رأوا أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حيث أنه يريد الثأر لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته للمسلمين الذي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة المشهورة لأخذ الثأر عنه يوم الحديبية وسميت فيما بعد هذه البيعة بيعة الرضوان حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله [5].

وكذلك أطلقت هذه اللفظة على حزب سياسي موحد لبني علي وبني العباس بتركيب شيعة آل محمد مقابل شيعة بني أمية ولم يكن إطلاقها إلا لبيان رأي سياسي في من تولى الحكم وفي من يحق أن يتولاه وقد صرح بذلك شيعي مشهور ناقلاً عن كتاب الزينة للسجستاني:

        ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي بن أبي طالب وإظهاره الطلب بدم عثمان واستمالته عدداً عظيماً من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية وصار أبتاع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم واستمر ذلك مدة ملك بني أمية ".[6]

ونقل أيضاً من نقيب الشيعة بحلب:

كل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقال: شايعه كما يقال والاه من الولي والمشايعة وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعواناً لهم وأنصارا وأتباعا، فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنو علي وبنو عباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سمو شيعة آل محمد ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب فلما ملك بنو العباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر منهم فرقة من الشيعة "[7]

        وقد كررنا لفظ السياسة حيث نقصد من ورائها أنه لم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام كما أقر بذلك سيدنا علي رضي الله عنه حيث قال مخاطباً جنده عن معاوية وعساكره.

        أوصيكم عباد الله تقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد به وخير عواقب الأمور عند الله وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة [8]".

        هذا وقد زاد علي رضي الله عنه المسألة وضوحاً وبياناً في كتاب له كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ويبين فيه حكم من ناضلوه وقاتلوه وموفقه منهم:

        وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد وبنينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء [9] ".

 ولأجل ذلك منع أصحابه من سب أهل الشام وأنصار معاوية وشتمهم إياهم أيام حربهم بصفين:

        إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتهم أعمالهم وذكرتهم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم " اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم [10] ".

 ويؤيد ذلك حديث شيعي مشهور رواه الكليني في صحيحه ( الكافي ) عن جعفر بن محمد الباقر ـ الإمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة ـ أنه قال: ينادي مناد من السماء أول النهار إلا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون "[11].

ومن طريف ما ذكرنا أن أبا العالية وهو تابعي مشهور أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإن روى عنه أبو خلدة أنه قال: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلى من الطعام الطيب فجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان ما يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافراً؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم [12] ".

        ولا ننكر أنه كان هناك أناس تأثروا بدسائس يهودية وأفكار مدسوسة وخرجوا عن الجادة المستقيمة وأعطوا هذا الخلاف صبغة دينية أمثال السبأيين وغيرهم ممن وقعوا في حبائل اليهودية المبغضة للإسلام وهم الذين كانوا يؤججون نار الحرب كما خبت نيرانها كما سنفصل القول فيما بعد إن شاء الله ولكن عامة الناس كانوا على منأى عنها.

        فهذه هي بداية استعمال هذه اللفظة ثم اختص بكل من يوالي علياً وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته كما قال ابن الأثير في نهايته:

        وأصل الشيعة الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم (؟). أنه يتولى علياً رضي الله عنه وأهل بيته حتى صار لهم اسماً خاصاً فإذا قيل من الشيعة عرف أنه منهم وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم وتجمع الشيعة علي شيع وأصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة "[13]".

        وأما ادعاء من يدعي بأن هذه اللفظة كانت شائعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما كان التشيع موجوداً في عصره والشيعة موجودون في زمنه فلا ينهض به دليل ولا يقوم به برهان كما قال محمد الحسين في ( أصل الشيعة وأصولها ).

إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام ـ هو نفس صاحب الشريعة ـ يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وازدهرت في حياته [14] ثم أثمرت بعد وفاته [15]".

        وبمثل ذلك القول قال الآخر " إن التشيع ظهر في أيام نبي الإسلام الأقدس الذي كان يغذى بأقواله عقيدة التشيع لعلي عليه السلام وأهل بيته ويمكنها في أذهان المسلمين ويأمر بها في مواطن كثيرة [16]".

        ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافياً فقال:

        إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن عليه السلام من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين [17] ".

 ولا يخفى ما فيه من المجازفة بالقول والغلو لأن معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى الإسلام وإلى وحدانية الله عز وجل والإقرار برسالته وطاعته وإلى الاتحاد والاتفاق والتآلف والمحبة والمودة بل كان يدعو إلى التحزب والتفرق والتشيع لعلي دون غيره كما أنه حسب دعوى المظفري كان يجعل علياً شريكاً له في نبوته ورسالته مع أن كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي أنزله الرحمن وضمن حفظه قرآنه وبيانه خال من كل هذا [18] بل ويعكس ذلك أنه مليء بالدعوة إلى طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والاعتصام بحبل الله وحده والتمسك بالقرآن والسنة والتجنب لما سواهما كما أمر المسلمين بالاتفاق والاتحاد والتسمي باسم الإسلام والمسلمين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم[19] لا تشتمل ولا تصرح إلا بهذا كله لا غير فلقد قال الله عز وجل: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] وقال { وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وقال {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7] وقال {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 115]  وقال {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وقال { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ } [النساء: 65] وقال جلا وعلا { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] وقال { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] وقال {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] وقال { وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الروم: 31، 32] وقال {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19] وقال {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

        وأخيرا أخبر الكون ومن في الكون بأنه لم يرسل نبيه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين إلا بما أرسل به الرسل والأنبياء من قبل حيث أمره أن يقول {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: 9] وكما قال {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13]

ولقد بين جلا وعلا سبحانه وتعالى مجملاً بما أرسل الرسل من قبله حيث قال {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 25].

        كما فصل في مواضع عديدة من القرآن بذكر كل واحد منهم برسالته وبمثل ذلك تماماً وردت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة.

        وأما القوم فهم على خلاف ما بينه الرب جل وعلا وبينه رسوله العظيم عليه الصلاة والسلام حيث يزعمون أنه لم يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلا للدعوة إلى التشيع والتفرق وإلى الإشراك في ذات الله وصفاته وإشراكه علياً وأولاده في النبوة والرسالة والإطاعة ثم يسردون لإثبات ذلك روايات كلها باطلة وموضوعة رواية ودراية رواية حيث إن الرواة الذين رووا تلك الأحاديث شيعة ضالون ووضاعون كذابون ولم ترد هذه الروايات في كتب موثوقة معتمدة ودراية حيث تعارض القرآن ونصوصه كما تخالف العقل لأن العقل يقتضي أن لا يكون الشرائع مقصودها ومهمتها الدعوة إلى الحب لأشخاص والولاية لهم وبسبب هذه الولاية دخولهم في الجنة ونجاتهم من النار كما أن الآيات القرآنية تنفي ذلك نفي باتاً حيث لم يجعل الحب وحتى حب الله كافياً للفوز والنجاح في الآخرة حيث قال الله عز وجل { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31].

        وما الاتباع إلا الإيمان بالله والعمل الصالح حسب أوامر الله ونبيه صلى الله عليه وسلم والاجتناب عن نواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } [يونس: 9] وقال { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } [البروج: 11]..

        ولقد اضطربت أراء القوم أنفسهم في بد نشأة التشيع وتكوينه حيث قال إمام الشيعة في الفرق النوبختي أن نشأته لم تكن إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كتب: " قبض رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته عليه السلام ثلاثاً وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فافترقت الأمة ثلاث فرق ( فرقة منها ) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، " وفرقة منهم " ادعت الإمرة والسلطان وهم والأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي " وفرقة " مالت إلي بيعة أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على خليفة بعينة وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته واعتقل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه وقالوا رضيه النبي صلى الله عليه وآله لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبو بكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجي والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي عليه السلام قال: الأئمة من قريش: وقال بضعهم أنه قال: الإمامة لا تصلح إلا في قريش: فرجعت الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغماً لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون: قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن الجن قالت:

قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة **** ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده

وهذا قول فيه بعض النظر لأنه ليس في التعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما [20] "

وأما ابن النديم الشيعي [21] فيرى أن تكوين الشيعة لم يكن إلا يوم وقعة الجمل حيث قال:

ولما خالف طلحة والزبير[22] علي رضي الله عنه وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي عليه السلام ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك باسم الشيعة ".

        ومنهم من قال: اشتهر اسم الشيعة يوم صفين[23] ".

وبمثل ذلك القول قال ابن حمزة وأبو حاتم وغيرهما من الشيعة وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه وبمثل هذا القول قال ابن حزم في ( الفصل ) [24] من المتقدمين وأحمد أمين [25] وغيره الكثيرون الكثيرون من المتأخرين.

        ويقول شيعي معاصر: إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كياناً مميزاً له طابع خاص [26].

        ولأجل ذلك اضطر محسن الأمين إلى أن يقول:

        سواء كان إطلاق هذا الاسم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعد الجمل فالقول بتفضيل علي عليه السلام وموالاته الذي هو معنى التشيع كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر بعده إلى اليوم [27] ".

        و المظفري أن يقول:

        فكان التجاهر بالتشيع أيام عثمان[28].

        وهو الصحيح [ لأن الأسماء لا توجد قبل المسميات ] ولا الأحزاب قبل الخلافات فلما وجد الخلاف تحزب لكل رأي حزب وتعصبوا جماعات وفرقاً فآنذاك وجدت الجماعات ووجدت لها الأسماء ولم يكن هناك خلاف بين المسلمين ولم يتعصب له أشخاص قبل مقتل عثمان ذي النورين رضي الله عنه وقبل النتائج التي نتجت من قتله وبعد تولية علي رضي الله عنه إمرة المؤمنين وخلافة المسلمين وعندئذ نشأ الخلاف فمنهم من رأى رأي علي رضي الله عنه وأنصاره ومنهم ومن رأى رأي طلحة والزبير ثم رأي معاوية وأتباعه وهناك تحزب حزبان سياسيان كبيران بين المسلمين شيعة علي وشيعة معاوية وكل واحد من هؤلاء يرى رأيه في تولية الحكم وتدبير الأمور ودينهما واحد وعقائدهم واحدة متفقة كما بيناه آنفاً.

        نعم كان هناك خلاف قبل شهادة عثمان رضي الله عنه والذي جر إلى قتل عثمان ولكنه لم يكن إلا بين قادة اليهود والمخدوعين المغترين الواقعين في حبائل الدسائس اليهودية الأثيمة وبين المسلمين وإمامهم كما سيأتي بيانه في باب مستقل كما أنه وقعت الخلافات البسيطة الطفيفة ولكنها لم تبقى إلا للحظات لرجوع الفريق الثاني إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لقول الله عز وجل { وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }

        كالخلاف الذي وقع بين الأنصار والمهاجرين يوم السقيفة حيث رجع الأنصار عن رأيهم إلى رأي المهاجرين وبايعوا أبا بكر اتفاقا واتحادا ولم يكن هناك فريق ثالث كما يزعمه الشيعة ولم يقدم اسم رجل ثالث للخلافة والإمارة غير سعد بن عبادة وأبي بكر وعلى ذلك لم يكن هناك خلاف ولا نزاع ولا [ زعماء ولا قادة ] لهذه الآراء والأحزاب كما شهد بذلك علي رضي الله عنه حينما دخل عليه عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين كما رواه عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب فقالوا له:

        " بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم علي عليه السلام: وهل فزعتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا وهذه نسخة الكتاب من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين: السلام عليكم فإني احمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.

        أما بعد إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وآله نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل وشهيداً على هذه الأمة وأنتم يا معشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار منيخون على حجارة خشن وحيات صم وشوك مبثوث في البلاد تشربون الماء الخبيث وتأكلون الطعام الجشيب وتسفكون دماءكم وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم [ بينكم ] بالباطل سبلكم خائفة والأصنام فيكم منصوبة  [ والآثام بكم معصوبة ] ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فمن الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله فبعثه إليكم رسولاً من أنفسكم وقال فيما أنزله من كتابه: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم وقال:ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم وكنتم أول المؤمنين تعرفون وجهه وشيعته وعمارته فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وأمركم أن تعاطفوا وتباروا و تباذلوا وتراحموا ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتقاذف وعن شرب الخمر وبخس المكيال ونقص الميزان وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم: ألا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلماً وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به وكل شر يباعد من الجنة ويدني من النار نهاكم عنه.

        فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وآله تنازع المسلمون الأمر بعده فوا الله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعدي، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس ممن تولى الأمر من بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه وآله وإبراهيم عليه السلام فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً يكون مصيبته أعظم علىّ من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت " كلمة الله هي العليا " ولو كره الكافرون.

        فتولى أبو بكر تلك الأمور فسير وسدد وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله جاهدا [29] ".

        ومثل ذلك في ( مقالات الإسلاميين ) للأشعري:

        وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبضه الله عز وجل ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأردوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهم [ فـ]ـقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة في قريش فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير وبعد أن جرد الحباب بن المنذر سيفه وقال أنا المحكك وعذيقها المرجب من يبارزني بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال، ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته فقاتل أهل الردة على ارتدادهم كما قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم فأظهره الله عز وجل عليهم أجمعين وأوضح الله به الحق المبين وكان الاختلاف بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمامة ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن ولي عثمان بن عفان رضوان الله عليهم وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالاً كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين، وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافاً إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضوان الله عليه مصيباً في أفعاله قتله قاتلوه ظلماً وعدواناً، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.

ثم بويع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فاختلف الناس في أمره فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.    

ثم حدث الاختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير رضوان الله عليهم وحربهما إياه وفي قتال معاوية إياه وصار علي ومعاوية إلى صفين [30] ".

        ومثل الخلافات الأخرى كالخلاف في موضع دفن الرسول وقتال مانعي الزكاة وغيرها، فلم تكد تظهر هذه الخلافات حتى تلاشت بعد عرض الأمور على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما.

        ولكن الخلاف الذي لم ينحل والنزاع الذي لم ينته كان هو ذلك الاختلاف الذي شتت شمل المسلمين وفرق جمعهم وجعلهم فريقين كبيرين يرأس الأول منهما علي رضي الله عنه والثاني معاوية رضي الله عنه، ونكرر القول بأن هذا الخلاف لم يجر واحداً منهما إلى تكوين مذهب جديد واعتناق عقائد جديدة ولا إلى إنكار ما ثبت في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الانحراف عن الجادة المستقيمة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون المهديون من بعد كما لم يكن هناك مباغضة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين قضوا نحبهم قبل كما اختلقها شيعة اليوم ن ولا إثارة إلى الضغائن القبلية والمبنية على الحسب والنسب، وخاصة لم يكن لأنصار علي رضي الله عنه، الخلص منهم، عقائد الشيعة اليوم، المنطوية على بغض السلف الصالح وعلى الأخص أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والمبنية على إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي أخذوها عن عبد الله بن سبأ وتوارثوها عن اليهودية البغيضة كما سنبرهن ذلك قريباً إن شاء الله بل، كانوا محبين لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج النبي الطاهرات المطهرات، والمقتفين آثارهم والمقتدين هداهم، وعلى رأسهم علي رضي الله عنه أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الأمين الراشد الرابع حيث كان يحبهم حباً جماً ويظهر موالاته لهم ويعاند كل من يعارضهم، ويعاقب كل من يتكلم فيهم، كما كان يحارب بكل قوة وشدة تسرب أفكار السبئية واليهودية في أتباعه وأنصاره وشيعته، ويطرد كل من يشك فيه بتسممه من هذه العقائد المسمومة

        فلقد ذكر الشيعة أنفسهم بأن علياً رضي الله عنه سمى أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين السابقين الثلاثة، بأبي بكر وعمر وعثمان[31] وابنه الحسين كذلك سمى أبناءه بأي بكر وعمر[32] وكذلك الآخرون من أبناء علي وأبناء الحسين سمو أبناءهم بأسماء هؤلاء الأخيار البررة تحبباً إليهم وتبركاً بهم [33].

        وأما الاقتداء والاتباع فلقد ذكرنا عنه كثيراً في كتابنا ( الشيعة وأهل البيت ) ولا نريد تكرار ما قلناه هناك فليرجع إلى ذلك، ولكنا نثبت هاهنا عبارة عن ألد أعداء السنة وأكبر السبابين اللعانين الشيعة، عن الملا باقر المجلسي الشيعي الإيراني الذي يلقب بخاتمة المحدثين، والذي ألف أكبر مجموعة في الحديث باسم ( بحار الأنوار ) فهو يكتب في كتابه ( جلاء العيون في حياة ومصائب أربعة عشر معصوماً ) أن حسين بن علي بن أبي طالب صالح معاوية بن أبي سفيان على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سيرة الخلفاء الراشدين [34] وأن لا يعين أحداً بعده وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين [35] ".

        فجعل الحسن بن علي ـ وهو الإمام الثاني عند الشيعة ـ أحد شروط الصلح مع معاوية أن يكون متبعاً لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، كما أنه لم يجعل العمل بسيرة هؤلاء شرطاً من أهم الشروط إلا لأنه كان يحسن فيهم الظن ويعتقد فيهم الخير ويؤمن بتقواهم وطهارتهم زيادة على إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص.

        هذا ومثل هذا كثير لمن تتبع أخبار علي وأولاده[36] رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.

        ونريد أن نضيف إلى ذلك أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما لم يؤد إلى التكفير والتفسيق فيما بينهم ولا إلى المقاطعة الدائمة والمباغضة الأبدية والهجران والقطيعة كما تصوره القوم في العصور المتأخرة وكما وضعت الأساطير والقصص، بل كل واحد من الحزبين كان يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، ولم يكن يظنه كافراً خارجاً عن الإسلام لما اتفق معه ولم يصالحه ولم يبايعه ولم يأمر ولم يأمر أخاه الحسين ولا قائد جيشه قيس بن سعد أن يبايعاه كما ثبت ذلك في كتب الشيعة وهذه هي ألفاظ الكشي:

        جبرائيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالوا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن فضل غلام محمد بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن أقدم الأنصاري وقدموا الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره فقال يا قيس إنه إمامي ـ يعني الحسن عليه السلام [37] ".

        وقبل ذلك أبوه علي بن أبي طالب ـ وهو الإمام المعصوم الأول عند الشيعة ـ خاطب معاوية بقوله في رسالته التي أرسلها جوابا له ـ حسب زعم القوم:

        " لم يمنعنا قديم عزنا وعادي طولنا على قومن أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء [38] ".

        وكذلك لو كان هناك مسألة الكفر والنفاق لما تزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من معاوية بن مروان بن الحكم[39] ".

        و( رملة ) بنت علي كانت أم سعيد [ بنت ] عروة بن مسعود الثقفي[40]وابنته الثانية خديجة كانت متزوجة من عبد الرحمن بن عامر الأموي [41] ".

        وكان أبوه عامر بن كريز الأموي أميراً على البصرة من قبل معاوية وشريكاً في حرب الجمل مع طلحة والزبير ضد علي "رضوان الله عليهم جميعاً " وأن خديجة بنت علي كانت من أم ولد له كما ذكرها الطبرسي في الأعلام[42] والمفيد في الإرشاد[43] ".

        كما أن إحدى بناته تزوجت من عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي[44].

وكما أن بنات الحسن وبنات الحسين زوجن من الأمويين وبنات الأمويين زوجن من أبناء الهاشميين ومن أولاد علي بالأخص. ولقد ذكرنا هذه المصاهرات بين بني أمية وبين بني هاشم في كتاب ( الشيعة وأهل البيت ) ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذلك ولكن نذكر هاهنا واحدة من بنات الحسن وواحدة من بنات الحسين. فلقد تزوجت سكينة بنت الحسين وحفيدة علي من حفيد عثمان بن عفان: زيد بن عمرو بن عثمان

وزيد بن عمرو بن عثمان هذا هو الذي كانت عنده سكينة بنت الحسين فهلك عنها فورثت عنه[45] ".

        وكذلك نفيسة بنت زيد بن حسن بن علي تزوجت من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، قد ذكر هذا الزواج شيعي نسابة مشهور أيضاً في كتابه وما أقبحه في التعبير:

        " وكان لزيد بن الحسن بن علي ابنة اسمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فولدت له منه وماتت بمصر.... وكان زيد يفد إلى الوليد بن عبد الملك ويقعده على سريره ويكرمه لمكان ابنته ودفع له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة [46] ".

والجدير بالذكر أن زيد بن الحسن هذا كان ممن حضر كربلاء مع عمه الحسين رضي الله عنه، كما أن حفيدة الحسن بن علي: زينب بنت الحسن المثنى أيضاً كان متزوجة من الوليد بن عبد الملك الأموي[47].

وأبوها الحسن بن المثنى أيضاً ممن حضر كربلاء مع عمه وصهره الحسين وجرح جرحاً شديداً. ونلفت الأنظار إلى أن الستة من حفيدات الحسن من أبناء مختلفين كن متزوجات من الأمويين من قادتهم وزعمائهم، [ و هذه المصاهرات عدد منها أصحاب الأنساب ] أكثر من عشرين مصاهرة [ وكلها حصلت بعد الخلاف الذي ] وقع بين علي ومعاوية وبعد حروب الجمل وصفين[48] وكذلك تزوج كثير من الهاشميين من بنات الأمويين ومن الأسرة الحاكمة بالذات كما كان بينهم الصلات والهبات ولقاء وزيارات وخاصة بين أئمة الإثني عشرية وعوائلهم حيث لم يقم واحد منهم [ بمحاربة الأمويين ] ومنازعة ملكهم غير الحسين بن علي رضي الله عنهما. وأما حروب والده العظيم علي بن أبي طالب مع معاوية فمشهورة معروفة، كما أن مصالحة أخيه الأكبر مع معاوية أمر مشهور لا يستطيع إنكاره أحد، وأما ما روي عن ابن الحسين زين العابدين علي، والراوي هو بخاري القوم الكليني، [ حيث ] يروي في صحيحه الذي قال فيه محدث الشيعة النوري الطبرسي " هو أحد الكتب الأربعة التي عليها تدور رحى الفرقة الإمامية. وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء.... وإذا تأمل فيها المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه وتورثه الوثوق ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها [49] ".

أن علي بن الحسين قال ليزيد بن معاوية: " أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع[50] ".

وكذلك كان البقية ممن أدركوا بني أمية، وعلى منوالهم من أدركوا الدور العباسي اللهم إلا الذين حاربوا ونازعوا الملك فلم يكن حظهم حليفهم حيث حوربوا ممن حاربوا وقتلوا، كما لم يكن معاملة الشيعة وخاصة الإثني عشرية مع أئمتهم طيبة حيث رفضوهم وكفروهم، فقوتلوا وحوربوا من جانب ( الأعداء ) وكفروا ورفضوا من قبل ( الأحياء ) بدعوى: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر[51].

وعن الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك: ويوم ترى الذين كذبوا على الله؟ قال: كل من زعم أنه إمام وليس بإمام، قلت وإن كان فاطمياً علوياً 3 ".

وحصيلة البحث أن التشيع الأول لم يكن مدلوله العقائد المخصوصة والأفكار المدسوسة، كما لم تكن الشيعة الأولى إلا حزباً سياسياً يرى رأي علي رضي الله عنه دون معاوية رضي الله عنه في عصر علي. وأما بعد استشهاده وتنازل الحسن عن الخلافة فكانوا مطاوعين لمعاوية أيضاً، مبايعين له، كما حصل مع إمامهم الحسن وأخيه الحسين وقائد عساكره قيس بن سعد، ولم يكن بينهم خلاف ديني ولا نزاع قبلي ولا عصبية الحسب والنسب، وكانوا يفدون على الحكام ويصلون خلفهم، كما كان الحسن والحسين هما ابنا علي وفاطمة وسبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدان على معاوية.

" فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما: مرحباً وأهلاً، ويعطيهما عطاء جزيلا وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا بن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت لا وأحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه [52] ".

وكذلك ذكر المجلسي عن جعفر بن الباقر ـ الإمام السادس عند الشيعة ـ أنه قال الإمام الحسن يوماً للإمام الحسين وعبد الله بن جعفر إن هدايا معاوية ستصل في أول يوم من الشهر القادم ولم يأت هذا اليوم إلا وقد وصلت الأموال من معاوية وكان الإمام الحسن بن علي [ مديناً بديون كثيرة فأداها ] من ذلك المال وقسم الباقي بين أهله وشيعته، وأما الإمام الحسين فبعد أداء الديون قسم ماله إلى ثلاث حصص قسماً لشيعته وخاصته وقسمين لأهله وعياله، وكذلك عبد الله بن جعفر [53] ".

وكذلك ذكر الكليني أن مروان بن الحكم فرض لعلي بن الحسين مالاً كما فرض لشباب المدينة الآخرين:

استعمال معاوية مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم فقال علي بن الحسين عليهما السلام: فأتيته فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين، ففرض لي [54] ".

وكذلك عم الحسين والأخ الأكبر لعلي رضي الله عنه، عقيل بن أبي طالب كان يفد على معاوية رضي الله عنهما ويأخذ منه الهدايا والهبات ومرة "أعطاه مائة ألف درهم [55] ".

وقد أقر بذلك ابن أبي الحديد الشيعي حيث كتب:

ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف، وابنه يزيد أول من ضاعفه، كان يجيز الحسن والحسين بن علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم وكذلك كان يجيز عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر[56] ".

 

وكذلك أبو مخنف الغالي:

وكان معاوية يبعث إليه ( أي إلى الحسين ) في كل سنة ألف ألف دينار سوى الهدايا من كل صنف [57] ".

كما كانوا يصلون خلف الحكام وأمراء معاوية، وقد ذكر جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين " أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها[58]".

وكان مروان أميراً آنذاك على المدينة كما أن أبان بن عثمان أمير المدينة من قبل عبد الملك بن مروان الأموي قدم إلى الصلاة من قبل علي بن محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية حيث قال له أبو هاشم بن محمد بن علي:

نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذاك ما قدمناك فتقدم فصلى عليه[59] ".

كما صلى على ابن أخي علي عبد الله بن جعفر الطيار [60] ".

وكما صلى أبوه على جدهم عم النبي صلى الله عليه وسلم وعم علي رضي الله عنه ن علي عباس بن عبد المطلب:

توفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع [61] ".

هذا ومثل هذا لكثير.

وبعد هذا العصر تطور التشيع وتغيرت الشيعة، وتأثر وتأثروا من أفكار يهودية ومجوسية ونصراني، وبعقائد مدخولة مدسوسة، نقمة على الحكام ومخدوعين بالتزويرات اليهودية والدسائس المجوسية، ومتأثرين من الذين تظاهروا بالإسلام تستراً على مكايدهم الخبيثة وتدابيرهم الهدامة، ومن الاختلاط بالفرس والبابليين، ومن الموالي الكارهين للعرب، الحاكمين عليهم والفاتحين بلادهم، والآخذين زمام أمورهم.

والذي تولى كبر هذه العقائد والأفكار كان عبد الله بن سبأ مبعوث اليهود المتستر وراء اسم الإسلام، والمؤجج نار الفتنة، والنافخ فيها ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين المنتخب بالاتفاق، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتيه وابن عمته، الجواد الكريم، السخي ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، كما سنتحدث عنه في الباب الآتي مفصلاً وبالأدلة والبراهين إن شاء الله تعالى

ولا شك أن كثيراً من أتباعه ـ أي عبد الله بن سبأ ـ السبئيين والمجوس واليهود والمنافقين دخلوا في معسكر علي رضي الله عنه تحت ستار شيعة علي، كما دخل بعض منهم في معسكر معاوية رضي الله عنه ولكنهم لم يكونوا لا من شيعة ولا من شيعة معاوية، بل هم كانوا كتلة مستقلة وفئة باغية، لها أفكارها وعقائدها، ولها أغراضها وأهدافها، وهم الذين كانوا يسعون بالفساد ويضرمون نار الحرب كلما أراد الطرفان لصلح والاتحاد بينهما، ومنهم نشأت فتنة الخوارج الذين كفروا علياً وعثمان ومعاوية معاً، لأنه لم يكن همهم إسقاط خلافة عثمان ولا تحريض الناس عليه، بل كان كل ما يقصدون هو القضاء على دولة الإسلام وسد باب فتوحاتهم وغزواتهم، ولذلك عندما نجحوا بإيقاع الفتنة بين المسلمين وتأليبهم على خليفة رسول الله الراشد الثالث وتفريق كلمة المؤمنين والتشتيت بينهم، تألبوا على عليّ كما تألبوا عليه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر أو مجادل بلا حق وعلم وبصيرة.

ومما لا شك فيه أن الشيعة الأولى المخلصين كانوا من هؤلاء براء، كما كان إمامهم وقائدهم يتبرأ منهم ويطردهم ويقتلهم. نعم ولكن الشيعة ـ أي شيعة علي كان يغلب عليهم التخاذل والتكاسل والجبن وعدم الاستقامة والعزيمة والنجدة والجلد والمروءة عكس ما كانوا عليه شيعة عثمان أو شيعة معاوية رضي الله عنهما، كما كان يغلب عليهم عدم الوفاء والإخلاص والأمانة والصدق عكس مخالفيهم، وعلى ذلك كان علي رضي الله عنه يشكو منهم ويواجه الصعاب والمتاعب مع شجاعته النادرة وجرأته المشهورة وإقدامه المعروف وتفوقه على الأقران، ولأجل ذلك كان يقول لهم:

يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة ـ والله ـ جرت ندما وأعقبت [ سقما ]، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيضا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب لا علم له بالحرب.

لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع[62]".

ويقول مقارناً بينهم وبين شيعة معاوية:

أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا: أشهود كغياب وعبيد كأرباب، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلى عشية، كظهر الحنين، عجز المقوم وأعضل المقوم.

        أيها القوم الشاهدة بأبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواءهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم.

        يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين، صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمى ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر، والله لكأني بكم فيما أخالكم أن لو حمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها [63]".

        وأكبر دليل على خذلان الشيعة علياً أن أخاه الحقيقي وكبير شيعته وابن أبيه عقيل بن أبي طالب تركه والتحق بمعاوية رضي الله عنه وحارب تحت لوائه ضده كما أقر بذلك مؤرخ شيعي كبير:

        إن عقيلاً فارق أخاه علياً في أيام خلافته وهرب إلى معاوية وشهد صفين معه[64] ".

        وأما ما فعلوه بالحسن وبعده بالحسين فهذه ودائع في التاريخ لا يمكن التستر عليها، ولو سردنا كل ذلك لطال بنا الكلام.

        وأما عدم أمانتهم و[ عدم ] صدقهم وصفائهم فقد أقر بذلك جعفر بن الباقر الملقب بـ[ الصادق ] حيث ذكر أمامه أحد تلامذته عبد الله بن يعفور قال:

      قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله ولا عتب على من دان بولاية إمام من الله 2 ".

 

 

[1] - انظر إلى القول العدل الذي صدر من رجل يصب عليه الشيعة ويلاتهم ودفائن حقدهم وبغضهم بدعوى أنه قال في علي كيت وكيت فانظر إليه كيف يصرح بأننا لا نتهمه بقتل عثمان بل نصدق قوله في براءته من دمه ولا نقول بما ينكره علي رضي الله عنه.

[2] - البداية والنهاية ج 7ص257 ط بيروت الطبري ج5 ص6، الكامل ج3 ص290.

- [3] البداية والنهاية ج 7ص 253- 259 ط بيروت

[4] - كما استشهد علي رضي الله عنه على أحقيتها له إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى فإن خرج منهم بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أتى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى( نهج البلاغة ص367)

[5]- بقوله جل وعلا { لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة "".

 [6]- أعيان الشيعة لمحسن الأمين / الجزء الأول القسم الأول ص 12.

[7] - غاية الاختصار في أخبار بيوتات العلوية المحفوظة من الغبار لسيد تاج الدين بن حمزة الحسيني نقيب حلب.

[8] - نهج البلاغة ص 367 ط بيروت.

[9] المصدر السابق 448.

[10] المصدر السابق 323.

[11] الكافي في الفروع ج 8 ص 209.

[12] سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج 4 ص 210 طبقات ابن سعد ج 7 ص 114.

[13] - النهاية لابن الأثير ج 2 ص 244.

[14] - واستشهد على ذلك بروايات واهية موضوعة و مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تصح منها ولا رواية واحدة مثل ( أن علياً وشيعتهم لهم الفائزون ) وعلى ذلك قال ابن الحديد الشيعي الغالي: أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا في بدء الأمر أحاديث مختلفة في فضائل أئمتهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم ( شرح نهج البلاغة ج1ص 783 ).

[15] ومن أعجب العجائب أن رجلاً كهذا يكذب بكل وقاحة ولا يستحي حيث ينسب رواية باطلة موضوعة ألا وهي رواية الطير في الصحيحين ولا وجود لها فيهما:

            " وكذلك من عد عدداً كبيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وأطلق عليهم بأنهم كانوا شيعة علي مثل محسن الأمين ومحمد حسين الزين وآل كاشف الغطاء وغيرهم فلا ندري بماذا يجيبون عن أحاديث كثيرة مروية في صحاحهم التي تحكم على ارتداد جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثلاثة سلمان وأبو ذر والمقداد "انظر تفصيل ذلك في كتابنا الشيعة والسنة " فهل هؤلاء كانوا كفرة مع كونهم شيعة علي ثم وكيف قبل سلمان إمارة من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟ " حياة القلوب للمجلسي ج2ص780". وكان أحد القادة الذين أرسلهم الفاروق لفتح المدائن ( ابن كثير ج7ص67 ).

[16] - أصل الشيعة وأصولها ص 87.

3 - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص29.

[17]- تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص 8، 9 ط قم.

[18] - ولعل هذا من أهم دواعي إنكار القرآن والاعتقاد فيه بالتغيير والتحريف والنقصان من قبل الشيعة لأنهم لا يجدونه مؤازراً لهم ومناصرا بل كل ما فيه يخالف التشيع وعقائدهم بأصولها وفروعها ويفند مزاعمهم ويسفه عقولهم وآراءهم وأفكارهم. فانظر لتفصيل ذلك ومعرفته كتبانا ( الشيعة والسنة ) و ( الشيعة والقرآن )

[19] - والعجب كل العجب أن الشيعة الذين ينكرون الأحاديث الصحاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه لأن رواة هذه الأحاديث وحملتها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم ارتدوا ـ عياذا بالله حسب زعمهم ـ يثقون بروايات هؤلاء ومروياتهم.

ولا ندري كيف أن الشيعة يتمسكون بالروايات الموضوعة الباطلة والأحاديث الواهية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لأنه اختلق هذه الروايات واخترعها رجال منهم أو وضعها رواتهم والدعاة إلى أباطيلهم وأضاليلهم.

وقلما تجد الشيعة يتمسكون بحديث صحيح أو يعتقدون بل كل بضاعتهم الموضوعات أو الأساطير والقصص.

[20] - فرق الشيعة النوبختي ص 23-24.

[21] - هو ابن الفرج محمد بن إسحاق النديم الكاتب الفاضل الخير الماهر المتبحر الشيعي الإمامي مصنف كتاب الفهرست المولود سنة 297هـ المتوفى سنة 385هـ " الكنى والألقاب للقمي ج1ص 425-426"

[22] - الفهرست لابن النديم ص 249

[23] - روضات الجنات للخوانساري ص88

[24] - الفصل في الممل والأهواء والنحل ج 4ص79

[25] - فجر الإسلام ص266 ط8

[26] - الصلة بين التصوف والتشيع لكامل مصطفى الشيبي ص 23.

[27] - أعيان الشيعة القسم الأول الجزء الأول ص 13.

[28] - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص15

[29] - الغارات للثقفي ج1ص302 –307 وورد مثل ذلك في شرح نهج البلاغة لابن الحديد الشيعي والميثم البحراني الشيعي وفي ناسخ التواريخ وفي مجمع البحار للمجلسي وغيرها ومن أراد التفصيل في ذلك فليرجع إلى كتابنا  ( الشيعة وأهل البيت ).

[30] ـ مقالات الإسلاميين للأشعري ج1ص39.

[31] - أعلام الورى للطبرسي ص 203، الإرشاد للمفيد ص 186، تاريخ اليعقوبي ج 2ص 119، مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني ص 142، كشف الغمة للأربلي ج 2ص64، جلاء العيون للمجلسي ص582.

[32] - أعلام الورى للطبرسي ص 213، تاريخ اليعقوبي ج3ص228، مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني ص ص78ص119، منتهى الآمال ج1ص240.

[33] - التنبيه والإشراف للمسعودي الشيعي ص263، جلاء العيون للمجلسي ص582.

[34] - فليلاحظ لفظ الخلفاء الراشدين لأن الذين أعمى الله أبصارهم لا يستحيون من تأويلات سخيفة ركيكة كلما عرض عليهم دليل أو برهان مثبت في كتبهم وعن أعيانهم.

[35] - جلاء العيون للمجلسي ج1 ص293 ط طهران 1398هـ، الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ص163 ط طهران، منتهى الآمال للعباس القمي ص314.

[36] - ونبذة غير يسيرة موجودة في كتابنا ( الشيعة وأهل البيت ) من أراد ذلك فليرجع إليه.

[37] - رجال الكشي ص102، أيضاً منتهى الآمال ص316، و جلاء العيون للمجلسي ج1ص395.

[38] - نهج البلاغة تحقيق صبحي صالح ص 386، 387 ط بيروت.

[39] - نسب قريش ص45، جمهرة أنساب العرب ص87.

[40] - الإرشاد للمفيد ص186، إعلام الورى للطبرسي ص203.

[41] - جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص68.

[42] - ص203

[43] - ص186

[44] - البداية والنهاية ج 9ص69 ط بيروت

[45] - نسب قريش للزبيري ج4ص120، المعارف لابن قتيبة ص94، جمهرة أنساب العرب لابن حزم ج1ص86، طبقات ابن سعد ج6ص349.

[46] - عمدة الطالب في أنساب أبي طالب ص70، طبقات ابن سعد ج5ص234.

[47] - جمهرة أنساب العرب.

[48] - ولا ندري من أين جاء الشيعة بهذه الاعتقادات أن محاربة علي كفر، والمحارب معه كافر، فهؤلاء أولاده وأهل بيته يكذبون هذه الأقاويل ويفندون هذه المزاعم.

[49] - مستدرك الوسائل للطبرسي ج3ص546 ط مكتبة دار الخلافة طهران 1321هـ.

[50] - كتاب الروضة من الكافي ج8 ص 235.

[51] - الكافي في الأصول ج1 ص373.

[52] - البداية والنهاية ج 8ص150، 151 ط بيروت

[53] - جلاء العيون للمجلسي ص 376.

[54] - الكافي في الفروع، كتاب العقيقة باب الأسماء والكنى ج6 ص19.

[55] - الآمالي للطوسي ج2 ص 334ط النجف

[56] - شرح ابن أبي الحديد ج2 ص823.

[57] - مقاتل أبي مخنف ص7.

[58] - البداية والنهاية ج 8ص258 ط بيروت

[59] - طبقات ابن سعد ج 5 ص 86.

[60] - الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 267، الإصابة لابن حجر ج 2 ص 281، أسد الغابة لابن الأثير ج 3 ص 135.

[61] - البداية والنهاية ج 7ص 162، الاستيعاب ج 3 ص 100.

[62] - نهج البلاغة ص67

[63] - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 15 ط الهند.

[64] - الأصول من الكافي ج 1 ص 237.