×

الحسين بعيون سنية (2)

الحسين بعيون سنية (2)

الكاتب: وليد قطب

الحسين بعيون سنية (2)

 

بقلم الأستاذ: أبو اسحاق

 

الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للهدى، ونكت في قلوب أهل الطغيان فلا تعي الحكمة أبدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدًا أحدا، فردًا صمدا، ما اتخذ صاحبًة ولا ولدا، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، ما أعظمه عبدًا وسيدا، وأكرمه أصلاً ومحتدا، وأبهره صدرًا وموردا، وأطهره مضجعًا ومولدا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه غيوث الندى، وليوث العدى، صلاةً وسلامًا دائمين من اليوم إلى أن يُبعث الناسُ غدا.

 

أبو عبد الله الحسين بن علي، بذكره تحزن القلوب وتدمع المقل، نذكرُ الدماء الطاهرة التي أُريقت على أرض كربلاء في حادثة الطف.

 

لكن في حينها طرق بابي سؤالٌ على غير انتظار ولا سابق إنذار، لم آذن له بالدخول فإذا به يقتحم علي خلوتي، يبعثر كتبي وينثر أقلامي حولي ثم يبادرني مفاجئًا بسؤاله قائلاً:

ماذا تعرف السنة عن الحسين؟

قلت: عندنا أخباره وفضائله وأيامه في الكتب، ثم بادرته بسؤالي

وماذا تعرف الشيعة أيضًا عن الحسين؟!

فوقف حائرًا تائهًا يحاول جمع الأحرف المبعثرة يمنة ويسرة ليصوغ بها عبارات لوصفه ثم قال آخرًا.

"يالثارات الحسين!" & "يامنصور أمت!"

 

فتملكني الخجل وانتابني الحسرة، ثم وقفت متسائلاً ألا تعرفون غير هذا عن الحسين؟!

فقلت: قتلتوا ابن بنت نبيكم!

فقال: بل أنتم قتلتموه.

فقلت: بل أنتم قتلتموه... ثم تجادلنا ساعًة على هذا المنوال نتبادل التهم.

فقلت: ما رأيك لو أبحرنا معًا في الكتب لنعلم من قتلة الحسين؟!

فإذا به يراوغني! كأن في الأمر شيئًا مريبًا، ثم بدأ في التهرب وإلقاء التهم.

 فأمسكت بتلابيبه وقلت هذه الكتب، فلن نبرح مكاننا حتى نعلم قاتليه، وعلى من نلقي التهم!

فوافق على مضاضة – لكنه في النهاية وافق – فأسرعت وأتيته بكتابين مهمين جليلين عظيمين أصلين في التاريخ إليهما المرجع والمنتهى، "تاريخ الطبري" و "البداية والنهاية".

فقال: ما أضخمهما.

فقلت: وما أضخم الحدث.

ثم خففت الحدة والتوتر بيننا فأتيته بفنجان قهوة وأحضرت لنفسي عصير القصب! ثم فتحنا الكتب.

فإذا بمعاوية بن أبي سفيان يبايعه الحسن!

قال: قد أخطئنا المقال.

قلت: لا فذاك أخوه، وبه تكنى أبوه، ومعاوية الأصل والخصم، ولن أكون أنا أو أنت الحكم!

ثم أخذتُه على حين غرة منه فسألته، إن كان أبو الحسن قد قاتل معاوية، وابنه الحسن صالحه وأخوه الحسين سار على الدرب معه، فلماذا تغير الأمر بعد ذلك إذن؟

قال: لأنهم ظلموه!

قلت: فيم ظلموه؟

قال: قد أخذوا حقه في الخلافة والملك!

قلت: الحسين لم يقل ذلك، ولا الحسن، ولا أبو الحسن! لكن ها أنا ذا وأنت والكتب.

فإذا بالشيعة يرفضون بيعة الحسن! ويندمون عليها وتلاقوا بإظهار الحسرة والندم! حتى قالوا للحسن يَا عَارَ الْمُؤْمِنِينَ. فيقول الحسن: الْعَارُ خَيْرٌ مِنَ النَّارِ.

قلت: هذا ظننا بأهل البيت من التقوى والورع.

فقال: بايعه وصالحه لأنه كان في قلة.

قلت: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الجِبَالِ، اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا تَقْطُرُ أَسْيَافُهم مِنَ الْحِدَّةِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ.

ويبدو أن الشيعة قد أدمنوا القتال وسفك الدماء ولم يكونوا يهتموا اصلا بأمر الحسين أو الحسن، إنما أرادوا أن يتاجروا بدماء أهل البيت، فلو أنهم أرادوا الحسين، فلماذا كاتبوا الحسن ليتنازل عن الصلح، فلما أعرض عنهم، كاتبوا أخيه محمد بن الحنفية فأعرض عنهم، فكاتبوا الحسين فأعرض عنهم ثم ظلوا يكاتبوا أهل البيت حتى أن الحسن وابن الحنفية قد عرفوا ما يريده الشيعة.

فقال: وما الذي أراده الشيعة.

قلت: قاله الحسن: يَا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قَتْلُكُمْ أَبِي، وَطَعْنُكُمْ إِيَّايَ، وَانْتِهَابُكُمْ مَتَاعِي.

وهذا يزيد بن الأصم يقول: خَرَجْتُ مَعَ الْحَسَنِ، وَجَارِيَةٌ تَحُتُّ شَيْئًا مِنَ الْحِنَّاءِ عَنْ أَظْفَارِهِ، فَجَاءَتْهُ إِضْبارَةٌ مِنْ كُتُبٍ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ هَاتِ الْمِخْضَبَ. فَصَبَّ فِيهِ مَاءً، وَأَلْقَى الْكُتُبَ فِي الْمَاءِ، فَلَمْ يَفْتَحْ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مِمَّنْ هَذِهِ الْكُتُبُ؟ قَالَ: «مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مِنْ قَوْمٍ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى حَقٍّ، وَلَا يُقْصِرُونَ عَنْ بَاطِلٍ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَخْشَاهُمْ عَلَى نَفْسِي، ولَكِنِّي أَخْشَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَأَشَارَ إِلَى الْحُسَيْنِ.

فهذا الحسن يشهد أنهم لا يرجعون إلى حق! ولا يقصرون عن باطل! وأنه يخشى على أخيه الحسين منهم، فرحم الله الحسن.

وكذلك محمد بن الحنفية لما كاتبوه فهم نفس الذي فهمه الحسن، فرفض طلبهم وأخبر الحسين وقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا دماءنا.

ثم التفتُ إليه فإذا به واجمٌ لا يحرك ساكنًا، فقلت له مالك سكت؟

فقال: أنت تحدثني عن غير الحسين، مالي أنا وللحسن وابن الحنفية؟

فقلت: هذا أصل الكلام، ومن لا يعرف الأصل لا يعرف الفرع، فهل فهمت الأصل؟

قال: نعم.

قلت: فمن قتل الحسن؟

فسكت.

قلت: غدًا ألقاك لنكمل ما بدأناه.

وللحديث بقية إن شاء الله....

 

مواد ذات صلة:

الحسين بعيون سنية (1)