×

حوار هادئ مع صديقي الشيعي

حوار هادئ مع صديقي الشيعي

الكاتب: الشيخ ابو اسحاق

سلسلة حوار هاديء مع صديقي الشيعي – الفصل الأول – (2)

التشيع بأقلام شيعية

الاستاذ ابو اسحاق

حوار

يقول القمي: الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب، المسون شيعة علي زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته[1]، ويوافقه النوبختي على هذا التعريف[2]

 

وهذا التعريف من أقدم تعريفات الشيعة لأنفسهم ولا نجد فيه كثيرًا من أصول التشيع مثل العصمة والنص على الإمامة والبداء والرجعة والتقية والمتعة ... إلخ واقتصر التعريف على ذكر الإمامة.

 

فيبقى لك صديقي الشيعي أحد خيارين لا ثالث لهما، إما أن تقول أن هذين ليس من الشيعة - وهما شيعيان إماميان إثني عشريان – أو أن تقول أن من جاء بعدها قد انتحلوا تشيعًا لم يكن فيمن قبلهم.

 

وكذلك يُلاحظ على هذا التعريف دعواه وجود الشيعة في زمن النبي عليه السلام، والتشيع في الحقيقة دينٌ لا مذهب دين مستقل عن دين الإسلام لذلك سمى الصدوق كتابه "الاعتقادات في دين الإمامية" وتأمل صديقي الشيعي قوله "دين الإمامية" فلا يستغبينك أحد ويقول هو من جملة مذاهب أهل الإسلام، لا بل هو دين وله اعتقادات خاصة به.

 

وزعم القمي والنوبختي وغيرهما أن هذا التشيع كان في زمان النبي عليه السلام هي دعوى عارية من الصحة، ومحاولة بائسة لإضفاء صبغة شرعية على "دين الإمامية" فضلا عن أن القرآن يُكَّذب هذه الدعوى، فالله يقول في كتابه { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [آل عمران: 19] وكذلك يقول {  وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [آل عمران: 85] فلا دين إلا الإسلام ولا يقبل الله غيره من أحد كان، وكذلك يقول {  مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } [الحج: 78] فلا يُعقل أبدًا أن يظهر هذا في زمان النبي عليه لسلام والنبي يؤيده ويخالف ربه صراحة.

 

كما يُلاحظ كذلك على هذا التعريف عدم لقول فيه بالوصية، ولا الوصي، والا القول بأن الإمامة في وُلدِ علي.

 

تعريفٌ آخر:

يرى المفيد أن لفظ التشيع هو عبارة عن لفظ يُطلق على أتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد النبي بغير فصل ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء[3].

 

وقد تلاحظ صديقي الشيعي – وربما يتهلل وجهك فرحًا وسرورًا وتُبدي لنا بعضًا من ثناياك – ظهور مجموعة من الاعتقادات الشيعية في هذا التعريف – فهو أغنى من سابقه بها – عن تعريف من سبقوه.

 

لكن ألا يوحي لك هذا أن هناك نوع ما من التطور – الاعتقادي – يطرأ على علم الشيعة بمرور الزمن!

 

في هذا التعريف وضع المفيد اعتقادًا لم يكن عند غيره ولا عند الذين سبقوه ونسبه إلى اعتقاد الشيعة! وما ذلك إلا بسبب وقوع نوع من التجديد في عروق الدين الشيعي!

 

إلا أننا على الرغم من ذلك نجد أنه يغيب عنه جملة كبيرة من اعتقادات شيعة اليوم، كالوصية وإمامة ولد علي والنص والعصمة ... إلخ.

لكن الأمر العجيب في المفيد ولعلك صديقي الشيعي تلحظ هذا، هو محاولته المستميتة في دفن التاريخ فتراه يجعل من أشراط التشيع إنكار خلافة أبي بكر وعمر وعثمان – وهم قد تولوها سواء رضي هو أو أبى ذلك – والقول بالإمامة المباشرة لعلي بعد النبي بغير فصل، وهذا الشرف لم يتحصل إلا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

 

والأعجب من هذا كله اتهامه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأنه كان ينافق أصحاب النبي عليه السلام وعليهم الرضوان، - العمل بالتقية - بل ويجعل ذلك من اشراط التشيع! فيرى أنه يجب اعتقاد أن أمير المؤمنين كان ظاهره تابعٌ لهم وباطنه متبوعًا! بل والأشنع من ذلك أنه يسحب هذا الظن بالنبي عليه السلام! فيقول "وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي عليه السلام ثلاثون سنة منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر ممنوعا من التصرف في احكامها مستعملا للتقية والمداراة ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحنًا بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين، ومضطهدًا بفتن الضالين، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ممتحنًا ثلاث عشر سنة من نبوته ممنوعًا من أحكامها خائفًا ومحبوسًا هاربًا ومطرودًا لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعًا عن المؤمنين ...."[4]

 

أرأيت صديقي الشيعي! يرى أن أمير المؤمنين يعيش ثلاثين سنة مستعملا للتقية والمداراة وكذلك يرى أن النبي فعل هذا، لكن الذي يدعونا للتساؤل حقًا، إذا كان علي أبي طالب استعمل التقية والمداراة "ظاهره أنه تابع للخلفاء الثلاثة وباطنه متبوع" فيلزم من قياس المفيد أن النبي فعل هذا مع المشركين الكافرين!

 

ولا أخالك صديقي الشيعي تصدق مثل هكذا أكذوبة، فالنبي عليه السلام قد جاهد في الله حق جهاده في الزمن المكي والزمن المدني، وكان معه أصحابه رضوان الله عليهم في الزمانين مجاهدين صابرين محتسبين.

 

وعلى الرغم من بشاعة تعريف المفيد وسماجته، إلا أنه قد أغفل كذلك الكثير من أصول الدين الشيعي! لكن الأيام حُبلى بالمفاجأت فهذا الطوسي يأتي ليرسي قاعدة في دين التشيع وهي قاعدة الوصية والأمر الإلهي[5] فلا تغضب صديقي الشيعي، فهذا الدين يقبل كل جديد وكلما مرت عليه الأيام كلما أُضيفت إله اعتقادات وأصول فهذا التوصي يضع للشيعة أصل الأصول "الإمامة بالنص الإلهي" ويلخصه مغنيه بقوله "لفظ الشيعة علمٌ على من يؤمن بأن عليًا هو الخليفة بنص النبي"[6] ولعلي قد أطلت عليك صديقي الشيعي، فاقبل اعتذاري، ولكني كنت مغرمًا بتتبع التطور الدلالي للفظة التشيع، كما أُغرمتُ بقبوله لكل جديد واعتباره بأنه من أصول الدين أو المذهب، ولكني أدركت في النهاية أني قد أطلت عليك الحديث والثرثرة، فسأُمسك قلمي، وأغلق فمي إلى أن تستجمع قواك للقائنا القادم لنبقر بطون الكتب فنعرف التشيع ونلحظه عن قرب.

 

 

 

[1] المقالات والفرق ص15

[2] فرق الشيعة ص17

[3] أوائل المقالات ص39

[4] الإرشاد ص12

[5] يرى أن وصف التشيع يُطلق على من اعتقد إمامة علي للمسلمين بوصية من الرسول وبإرادة من الله. تلخيص الشافي 2/56

[6] محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان ص15

الكاتب: الشيخ ابو اسحاق

سلسلة حوار هادئ مع صديقي الشيعي – الفصل الأول – (1)

بقلم أبو اسحاق

حوار

الحمد لله الواحد القهار، والصلاة والسلام على النبي المختار، والرضوان الدائم على أهل البيت والخلفاء والأئمة الأطهار، اللهم ارض عن ساداتنا أبي بكر الصديق وعمر أبا حفص وعثمان ذي النورين وعلي الكرار.

صديقي الشيعي:

هذه دعوة لنتعرف معا على ماهية الشيعة والتشيع، تعريفه، أصوله، جذوره، والانحدارات الدلالية لمعناه على مر العصور والتاريخ.

 

 معنى لفظة الشيعة في لغة العرب:

هم الأنصار والأتباع وكل جماعة اجتمعوا على رأي فهم شيعة وجمعها شِيَع وأشياع[1] وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علي وأهل بيته رضوان الله عليهم حتى صار لهم اسمًا خاصًا[2].

 

وبعد هذا السرد للمعنى اللغوي، نفهم أن لفظة التشيع تُطلق على من اتبع رأي أهل البيت وهذا هو بيت القصيد من سردنا للمعنى اللغوي، وذلك حتى نجعله ميزانًا نقيس عليه اعتقادات الشيعة لنرى هل هم متبعون لأهل البيت أم مخالفون لهم يجافونهم!

 

وهذا يجرنا بدوره إلى النظر في إحدى العلل التي من أجلها تسمت الرافضة بالرافضة، وابتعدت عن مسمى التشيع، وهذا المعنى سيظهر لك صديقي الشيعي في ثنايا كلامنا فستعلم أنهم تسموا بالرافضة بسبب مخالفاتهم لأهل البيت!

وقبل أن ننتقل من هذا المقام نود أن نلفت انتباه القارئ إلى نكتة بديعة، ألا وهي أن مادة التشيع قد وردت في القرآن الكريم على أشكال شتى ومعان شتى سنضرب لك بها أمثلة.

 

قال الله:  {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [الأنعام: 159]  والشيع هنا معناها فِرقًا.

قال الله { هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } [القصص: 15] وشيعته هنا تعني من أهله.

قال الله {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا } [مريم: 69]  وشيعة هنا تعني الملة.

قال الله "  { أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } [الأنعام: 65] و شِيَعًا تعني أهواء مختلفة.

 

صديقي الشيعي ألم تلاحظ شيًا؟! ألم يلفت هذا الخطاب القرآني في مواطنه المختلفة نظرك إلى شيء؟!

بالتأكيد لفت انتباهك أن لفظ الشيعة غالبًا لم يرد في مورد المدح في القرآن الكريم! بل هو في محل الذم!

أليست هذه بمسألة غريبة! وربما تكون مريبة بعض الشيء!

 

المسألة تحتاج إلى الانتباه والتمعن فهذا الخطاب القرآني لا يخاطبنا جذافا إنما ألفاظه في غاية الدقة والإحكام، يقول شيخ الإسلام ابن القيم " وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم" فانتبه فإن الطريق وعرٌ والسائر قليل الحيلة وقد يكون منعدم الزاد!

 

[1] تهذيب اللغة للأزهري 3/40 بتصرف.

[2] لسان العرب لابن منظور 8/189