×

الكتاب : دماء على قميص عثمان

الكتاب : دماء على قميص عثمان

الكاتب: جفجاف ابراهيم

 

الكتاب : دماء على قميص عثمان

دماء على قميص
عثمان بن عفان
رضي الله عنه

الدكتور إبراهيم عبد الفتاح المتناوي
*المقدمة*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.
أما بعد:
فإن التاريخ الإسلامي هو سجل الأمة فيه الدروس والعبر من انتصارات وإخفاقات، وحكام خلدهم التاريخ بما قدموه للأمة من أعمال، وحققوا للإسلام من فتوحات، وللإنسانية من حضارات، أخرجت العالم إلى النور بعد الظلمات، وغيرهم لم يحفل بهم سجل التاريخ حينما سقطوا في شرك أعداء الإسلام فمضى حكمهم دون أن يرصد التاريخ لهم إلا الإخفاقات.
وعداء اليهود للإسلام ترجموه إلى مؤامرات وجرائم ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.
وإن عهد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- قد حظي باهتمام وفير من المؤرخين والمفكرين من المسلمين والمستشرقين، وهذا لا يعني أن يتوقف الجميع عن تناول تلك الفترة المهمة من حياة الأمة لأن التاريخ يعيد نفسه فما تتعرض له الأمة في تاريخها المعاصر يكاد يكون صورة مطابقة لفترات تاريخية سابقة خاصة في عهد الخلفاء الراشدين-رضي الله عنه -.
ومن هنا بدأت في تناول هذه المرحلة في سلسلة متتابعة بدأت بيوميات من تاريخ أبي بكر-رضي الله عنه –استعرضت فيها أحوال الأمة بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم ثم بينت دور الصديق- رضي الله عنه – في مواجهة المتنبئين والمرتدين- الذين جاء خروجهم عن الصف الإسلامي بفعل مؤامرات اليهود ودسائسهم- مع إلقاء الضوء على مزاعم المستشرقين حول الصحابة- رضي الله عنه – والرد عليهم.
وصاحبته رضي الله عنه في بداية مسيرة الفتوحات الإسلامية على صفحات ذلك الكتاب إلى وفاته نتيجة تأثره بسم يموت بعده بعام كما ذكر الواقدي في رواية له.

(1/1)


ثم تناولت شخصية الفاروق عمر- رضي الله عنه –من زاوية جديدة أراها لازمة في عصر تتعرض الأمة فيه إلى تدمير عقل الأمة بفكر يتعارض مع الإسلام، وأشغل قلبها بعواطف تحرك الكوامن وتدفعها إلى الانحراف، ومن هنا كان تناولي للجانب العاطفي في حياة عمر-رضي الله عنه – من بعده لتكون كقارب نجاة الأمة أمام هذا الطوفان الغربي اليهودي.
وفي هذا الكتاب ونحن نعيش عصر الهيمنة الغربية اليهودية رأيت إعادة طرح أحداث الفتنة في عهد الخليفة عثمان-رضي الله عنه –استفدت فيه من كل من سبقني- جزاهم الله خيرا- ويبدأ ذلك بإلقاء الضوء على صحبة عثمان- رضي الله عنه –للنبي صلى الله عليه وسلم وما تحمله من مواقف أراها ضرورية في الثبات على الحق! مهما كانت التضحيات وعطاء للدعوة فاق كل وصف جميل أمام ابتلاءات عديدة.
ثم واصلت الصحبة معه- رضي الله عنه- وبينت أثر ذلك في انتشار أفكار السبئين في خلافة أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما –ثم انتقلت إلى خلافته بكل تفاصيلها أملا في معايشة القارئ الكريم لتلك الحقبة التاريخية الهامة في حياة الأمة ورأيت كيف كان يجزل للناس العطاء في وقت توقفت فيه الفتوحات ومال الناس إلى الراحة والدعة، وبينت أثر ذلك في انتشار أفكار السبئيين.
ثم توقفت أمام شخصية ابن سبأ (اليهودي) وناقشت المنكرين لوجودها والمؤيدين، وعرضت عقيدة السبئية بشيء من التفصيل، وتتبعت(ابن سبأ) وهو يتنقل بين الأمصار حتى فتن بفكرة بعض الصحابة- رضي الله عنهم- وأحداث اضطرابات في الكوفة والبصرة ومصر، وناقشت كل المآخذ التي ذكرها على الخليفة- رضي الله عنه-، ثم عايت بعقلي وقلمي أحداث الفتنة بكل يفاصيلها مع ربط الماضي بالحاضر أملا في استفادة الأمة في حاضرها ومستقبلها.
واستعرضت موقف الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم من الفتنة وكيف كانوا جميعا على قلب رجل واحد.

(1/2)


وعايشت أحداث المدينة المنورة وقت الحصار إلى أن سال الدم الذكي على قميص عثمان- رضي الله عنها- وتوقفت مسيرة البحث بعد دفن عثمان- رضي الله عنه-كي أستكملها في الكتاب الرابع(طعنة في قلب علي-رضي الله عنه-).
ختاما أدعوك أيها القارئ الكريم لقراءة هذا الكتاب من باب: (فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).
والله من وراء القصد وهو الهادي على سواء السبيل
أبها
المملكة العربية السعودية
في 6من شوال 1421هـ
أول يناير 2001م
دكتور
أبو العلاء إبراهيم بن عبد الفتاح المتناوي
*التعريف به*
* نسبه:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين، أبو عمرو، وأبو عبد الله، القرشي الأموي.
وأمه: أروى بنت كريز بن حبيب( ) بن عبد شمس، وأمها البيضاء ( ) بنت عبد المطلب بن هاشم.
* كنيته:
كان عثمان- رضي الله عنه- في الجاهلية يكنى(أبا عمرو)، فلما كان الإسلام ولد له من(رقية) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام سماه عبد الله واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ست سنين فنقر ديك عينه فمرض فمات في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرته عثمان بن عفان- رضي الله عنه-( ).
* صفته:
وأما صفته فإنه كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الوجه، رقيق البشرة، بوجهه أثر جدري، كبير اللحية، عظيمها، أسمر اللون، أصلع، عظيم الكراديس( )، عظيم ما بين المنكبين، يصفر لحيته، وقيل: كان كثير شعر الرأس أروح الرجلين ( ) ( ).

*صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم*
في هذه الصحبة الميمونة أعرض أهم المواقف التي حظي فيها عثمان-رضي الله عنه- بصحبة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم وأحاول من خلالها التقديم للصحابي الجليل، ومن هنا يلمس القارئ الكريم عدم تسلسل الأحداث.
* إسلامه:
(

(1/3)


عثمان: إذا مناد ينادينا أيها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة): خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله( ) على أثر الزبير( ) بن العوام-رضي الله عنهم- فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القران، وأنبأهما بحقوق الإسلام، ووعدهما الكرامة من الله، فأمنا وصدقا فقال عثمان-رضي الله عنه-: يا رسول الله قدمت حديثا من الشام فلما كنا بين معان( ) والزرقاء( ) فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا أيها النيام هبوا فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك، وكان إسلام عثمان- رضي الله عنه- قديما قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم( ).

(الحكم بن العاص لعثمان: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟!):
فلما أسلم عثمان بن عفان- رضي الله عنه-أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بنن أمية فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال عثمان- رضي الله عنه-: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه. فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه ( ).
*تزويجه من (رقية) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أبو لهب لابنه عتبة: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنة محمد):
كانت رقية وأم كلثوم ابنتا رسول الله في كنف ابني عمهما، ولما نزلت سورة(المسد) في العام الثالث من البعثة وذاعت في مكة، بل في الدنيا بأسرها، ومشى بعض الناس بها إلى أبي لهب وأم جميل، واربد وجه( ) كل واحد منهما، واستبد بهما الغضب والحنق، ثم أرسلا إلى ولديهما عتبة وعتيبة، وقالا لهما: إن محمدا قد سبهما، ثم التفت أبو لهب إلى ولده عتبة، وقال في غضب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنة محمد، فطلقها قبل أن يدخل بها.

(1/4)


وأما عتيبة، فقد استسلم لثورة الغضب وقال: لآتين محمدا فلأوذينه في ربه وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشتمه، ورد عليه ابنته، وطلقها،فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم سلط عليه كلبا من كلابك)) واستجيبت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأكل الأسد عتيبة في إحدى أسفاره إلى الشام( ).

*تعليق:
ظنت أم جميل بنت حرب وزوجها أبو لهب أنهما بتسريح رقية وأم كلثوم-رضي الله عنهما-، سيصيبان من البيت المحمدي مقتلا، أو سيوهنانه، بغيظهما لم ينالا خيرا وكفى الله البيت النبوي شرهما، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
***
(أحسن زوج رآه إنسان.. رقية وزوجها عثمان): في العام الثالث من البعثة تزوج برقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكان يقال:
أحسن زوج رآه إنسان
... ... رقية وزوجها عثمان

وقالت في ذلك سعدي بنت كريز:
هدى الله عثمانا بقولى إلى الهدى
... ... وأرشده والله يهدي إلى الحق

فتابع بالرأي السديد محمدا
... ... وكان برأي لا يصد عن الصدق

وأنكحه المبعوث بالحق بنته فكانا
... ... كبدر مازج الشمس في الأفق

فداؤك يا ابن الهاشميين
... ... وأنت أمين الله أرسلت للخلق( )
وسعدت رقية- رضي الله عنها- بهذا الزواج من التقي النقي عثمان بن عفان- رضي الله عنه- وولدت له غلاما سماه عبد الله، ولم تلد له بعد ذلك( ).
وتعرض-رضي الله عنه- نتيجة إسلامه لكثير من المحن منها هجرته.
*هجرته على الحبشة:
اشتد الإيذاء بالمسلمين جميعا، وتجاوز الحد حيث توفي ياسر( ) وزوجته، فجاء المستضعفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: ليس لنا من أمرنا صبر، فأذن لنا في الدفاع عن أنفسنا، فقال النبي: ((انتظروا أمر الله)) فنزل قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}( ).

(1/5)


والنبي يتألم أشد الألم إلى أين يذهب المسلمون؟!هل يذهبون إلى الشام، حيث انصرف النصارى هناك عن الدين، والحياة معهم واهية غير مأمونة؟! أو يذهبون إلى الفرس؟! فإن ملوك الفرس يدعون الألوهية، وإن رعياهم يسجدون لهم من دون الله، فهم أشد خطرا على المسلمين من قريش.
*الهجرة الأولى:
ثم اهتدى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحبشة حيث قال للمسلمين:
((لو خرجتم إلى الحبشة، فإن بها ملكا صالحا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق فاخرجوا إليه حتى يجعل لكم فرجا مما أنتم فيه))( ).
وبدأت الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يتألم، وهو يرى الفئة المؤمنة تتسلل سرا( ) خارجة من مكة، ويركبون البحر، وليس لهم معرفة به.
خرج المهاجرون يمتطي بعضهم الدواب، والبعض الآخر يسير على الأقدام، وتابعوا السير حتى وصلوا ساحل البحر الأحمر، ثم أمروا عليهم(عثمان بن مظعون)( )، وشاءت عناية الله أن يجدوا سفينتين، فركبوا مقابل نصف دينار لكل منهم.
علمت قريش، فأسرعت في تعقبهم إلى الساحل، ولكنهم كانوا قد أبحرت بهم السفينتان( ). وصل المهاجرون إلى الحبشة عي شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة، فوجدوا الأمن والأمان وحرية العبادة، فراح شعراؤهم يندون الأشعار فرحا بالنجاة، وأملا في أن يجعل الله لإخوانهم في مكة مخرجا.
وكان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية عثمان ابن عفان ومعه فيهما امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
ولقد أراد أبو بكر الخروج، ولكن ابن الدعنة أجاره، فعاد إلا أنه رد عليه جواره حين رأى العذاب يحيط بالمسلمين دونه( ).
وقد بلغ عدد المسلمين هناك نحو الثمانين لرواية أحمد عن ابن مسعود أنه قال:
((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحو الثمانين))( ).

(1/6)


قدم النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الحسنة للمسلمين في هجرة الحبشة حيث خرجت فلذة كبدة صلى الله عليه وسلم رقية وابن عمه جعفر بن أبي طالب وعثمان-رضي الله عنهم- ليكونوا في مقدمة المهاجرين ركوبا للبحر وما يحمله ذلك من أخطار ووصولا إلى بلاد عهد لهم بها (ليت مسلمى اليوم ينتبهوا إلى ذلك حتى ينصهر الجميع في بوتقة الإيمان ويتحقق فيهم أمل الأمة في التضحية والفداء كي نعيد للإسلام أمجاده.
*عودته من الحبشة:
لم يطق بعض المهاجرين بعدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا، منهم: عثمان بن عفان، ورقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة( )، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، والزبير بن العوام( )، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن ابن عوف( )، وأبو سلمة بن عبد الأسد( )، وامرأته أم سلمة، وعامر بن ربيعة( )، وامرأته ليلى بنت أبى خيثمة، وقد بلغ عددهم نحو ثلاثة وثلاثين رجلا ودخلوا إلى جوار بعض المشركين( ).
واستقر المقام به رضي الله عنه بمكة حتى أذن الله بالهجرة إلى المدينة.
*هجرته على المدينة مع زوجته رقية ومعها السيدة عائشة:
ولما رجع عبد الله بن أريقط إلى مكة بعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر زيدا حارثة( ) وأبا رافع( ) مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيا بأهليهما من مكة، وبعثا معهما بجملين وخمسمائة درهم ليشتريا بها إبلا من (قديد)( )، فذهبا وجاء ببنتي النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وأم كلثوم، وزوجتيه سودة وعائشة وأمها أم رومان وأهل النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها أبي العاص بمكة، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وآل أبي بكر في صحبة عبد الله بن أبي بكر( ).
وننتقل إلى موقف آخر.
* تخلفه في بدر لتمريض زوجته رقية:
(تلهفت لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر ولرؤية أختها زينب في مكة):

(1/7)


وكانت رقية- رضي الله عنها-تنعم بقرب أبيها وزوجها في المدينة المنورة، إلا أن المرض لم يتركها فقد أصيبت بمرض الحصبة ولزمت الفراش في الوقت الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى بدر لقتال المشركين.
وسارع عثمان رضي الله عنه لامتثال الأوامر المحمدية، إلا أنه تلقى أمرا بالبقاء إلى جانب رقية-رضي الله عنها- لتمريضها، وامتثل لهذا الأمر أيضا بنفس راضية وبقي إلى جوار زوجه الصابرة الطاهرة رقية ابنة رسول اله صلى الله عليه وسلم إذ اشتد عليها المرض، وطاف بها شبح الموت.
وراح عثمان- رضي الله عنه- يرنو بعينين حزينتين إلى وجه رقية الذابل، فيغص حلقه بالألم، وترتسم الدموع في عينيه، وتنهال على رأسه الذكريات البعيدة. ورأى رقية- رضي الله عنها- وهي في الحبشة تحدث المهاجرات حديثا يدخل البهجة إلى النفوس، ويبعث الآمال الكريمة في الصدور، وتقص عليهن ما كانت تراه من مكارم أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحركت هذه الذكريات أشجان عثمان-رضي الله عنه- وزادت في مخاوفه، وكان أخشى ما يخشاه أن تموت رقية، فينقطع نسبه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت رقية- رضي الله عنها- تغالب المرض، ولكنها لم تستطع أن تقاومه طويلا فأخذت تجود بأنفاسها وهي تتلهف لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر، وتتلهف لرؤية أختها زينب في مكة، وجعل عثمان-رضي الله عنه- يرنو إليها من خلال دموعه، والحزن يعتصر قلبه( ).
(ودعت نبض الحياة وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ودفنت بالبقيع): وراحت الأفكار تجول في أقطار رأسه: أتموت رقية قبل أن يعود أبوها من غزوته؟! أتموت دون أن يكون آخر من تراه أبيها صلى الله عليه وسلم؟!
إن عثمان يكاد أن ينهار، لولا أنه يتجلد حتى لا يزيد من آلام رقية التي تعاني سكرات الموت.

(1/8)


ورفرفت على شفاه رقية الذابلة آخر ما يرفرف على شفاه الأبرار، حيث راحت تودع نبض الحياة وتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله.
ولحقت رقية بالرفيق الأعلى، ولم تر أباها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان ببدر مع أصحابه الكرام، يعلون كلمة الله، فلم يشهد دفنها صلى الله عليه وسلم.
وجهزت رقية ثم حمل جثمانها الطاهر على الأعناق، وقد سار خلفه زوجها عثمان وهو حزين، حتى إذا بلغت الجنازة البقيع، دفنت رقية هنالك، وقد انهمرت دموع المشيعين.
وسوى التراب على قبر رقية بنت رسول اله صلى الله عليه وسلم، وفيما هم عائدون، إذا بزيد ابن الحارثة قد أقبل على ناقة رسول صلى الله عليه وسلم يبشر بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل المشركين وأسر أبطالهم.
وتلقى المسلمون في المدينة المنورة هذه الأنباء بوجوه مستبشرة بنصر الله لعباده المؤمنين، وكان من بين المستبشرين وجه عثمان الذي لم يستطع أن يخفي آلامه لفقده رقية-رضي الله عنها-.
وبعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم علم بوفاة رقية- رضي الله عنها- فخرج صلى الله عليه وسلم إلى البقيع ووقف على قبر ابنته يدعو لها بالغفران.
لقد ماتت رقية ذات الهجرتين قبل أن تسعد روحها الطاهرة بالبشرى العظيمة بنصر الله ولكنها سعدت بلقاء الله في داره، فنعم عقبى الدار( ) ونتابع الصحبة.
* خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة غطفان (ذي إمر):

(1/9)


ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وخرج في أربعمائة رجلا ومعهم بعض الجياد، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان- رضي الله عنه-فأصابوا رجلا منهم (بذي القصة) يقال له جبار من بني ثعلبة، فأدخل على الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم، وقال: يلاقوك لما سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلال ولم يلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة( ) ونتابع بعد ذلك اتصال صهره- رضي الله عنه- برسول الله صلى الله عليه وسلم.
* تزويجه بأم كلثوم:
(هيئي ابنتي أم كلثوم، وزفيها إلى عثمان وخفقي- اضربي- بين يديها بالدف) كيف تزوج عثمان من أم كلثوم؟ يذكر لنا أبو هريرة-رضي الله عنه- ذلك فيخبرنا: أن عثمان لما ماتت رقية امرأته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يبكيك؟)).
قال: أبكي على انقطاع صهري منك.
قال: ((فهذا جبريل عله السلام يأمرني بأمر الله عز وجل أن يزوجك أختها)).
وفي حديث آخر بمعناه:((أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عشرتها)).
وتروي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق- رضي الله عنها- خبر زواج أم كلثوم من عثمان-رضي الله عنه- فتقول: لما زوج النبي ابنته أم كلثوم قال لأم أيمن: ((هيئي ابنتي أم كلثوم وزفيها إلى عثمان، وخفقي( ) بين يديها بالدف)) ففعلت ذلك، فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثالثة فدخل عليها فقال: ((يا بنية كيف وجدت بعلك؟)) قالت: خير بعل( ).
ويواجه-رضي الله عنه- محنة أخرى، وما أكثر المحن في حياة الدعاة إلى الله جل في علاه.
*وفاة عبد الله بن عثمان:

(1/10)


وفي جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة مات عبد الله بن عثمان بن عفان-رضي الله عنه- من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهو ابن ست سنين، فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ونزل حفرته والده عثمان بن عفان( ) ونتابع صحبته رضي الله عنه في:
*سفارة عثمان في بيعة الرضوان:
في غزوة الحديبية بعث رسول الله خراش بن أميه الخزاعي إلى مكة، وحمله على جم يقال له الثعلب، فلما دخل مكة أرادت قريش قتله فمنعه الأحابيش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعث به إلى مكة، فقال: يا رسول الله! إني أخاف قريشا على نفسي، وليس لي بها من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه إلى قريش ليخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، فخرج عثمان بن عفان حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص( ) فنزل عن دابته وحمله بين يديه وأجاره حتى باغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق حتى أتى أبا سفيان( ) وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال عثمان: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع عثمان وعندما فتحت مكة كان له طلب:

*الأمان لعبد الله بن أبي السرح بعد فتح مكة:
(

(1/11)


ارتد وزعم أنه كان يزيف الوحي، ثم حسن إسلامه): كان قد أسلم وكتب الوحي إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه (حكيم) يكتب (عليم حكيم) وأشباه ذلك، ثم ارتد وقال لقريش: إني أكتب أحرف محمد في قرانه حيث شئت، ودينكم خير من دينه، فلما كان يوم الفتح فر إلى عثمان بن عفان، وكان أخاه في الرضاعة فغيبة عثمان حتى اطمأن الناس، ثم أحضره عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب الأمان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم أمنه فأسلم وعاد، فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((لقد صمت ليقتله أحدكم))، فقالوا: هلا أو مأت إلينا؟ فقال: ((ما كان للنبي أن يقتل بالإشارة، إن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين))( ) وفي وقت الشدة تظهر معادن الرجال حيث قام رضي الله عنه بـ:
*تجهيز جيش العسرة:
(من جهز جيش العسرة فله الجنة): حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على البذل والإنفاق في سبيل الله فقال: ((من جهز جيش العسرة فله الجنة)) وتسابق الخيرون في هذا المضمار،فتبرع عثمان بن عفان رضي الله عنه بثلاثمائة بعير بأحلاسها( ) وأقتابها( ) وبألف دينار جاء بها فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقلبها ويقول: ((اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض))، ويقول: ((ما على عثمان ما عمل بعد اليوم))( ) وينقطع نسب عثمان رضي الله عنه.

* وفاة أم كلثوم رضي الله عنها:
في شهر شعبان سنة تسع( ) من الهجرة النبوية المباركة، شعرت أم كلثوم-رضي الله عنها-بقرب لقاء الله عز وجل، وهبط عليها المرض، فأضحت طريحة الفراش وفي صبح أحد تلك الأيام، كان صوت بلال ينسكب في آذان المسلمين، وتهيأ عثمان- رضي الله عنه- للخروج إلى المسجد النبوي الشريف وألقى نظرة إشفاق على زوجه الصابرة الطاهرة أم كلثوم- رضي الله عنها-، ثم هبط ليصلي الفجر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/12)


كانت أم كلثوم رضي الله عنها ذابلة الجسد، قد نال منها الوهن، فتمددت في فراشها تغالب المرض، ولكن لسانها ظل يتحرك بذكر الله عز وجل، ودخلت عليها أم عياش-رضي الله عنها- فألفتها في النزع الأخير، فأرسلت إلى الرجال في المسجد النبوي الشريف، فأسرع عثمان-رضي الله عنه – إلى داره، فإذا بأم كلثوم- رضي الله عنها- تعالج سكرات الموت، فراح ذو النورين يناديها في وجد وهو مشفق عليها، وعلى نفسه‍ كان يفزعه أن ينقطع بموتها نسبه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعلي- رضي الله عنهم- وبعض الأنصار، ودخل النبي الكريم على ابنته، وهي تجود بآخر أنفاسها فدمعت عيناه الشريفتان، وإن قلبه الشريف ليقطر أسى، ولسانه يتحرك بما يرضي الرب جل وعلا.
وصعدت روح أم كلثوم إلى ربها راضية مرضية تشهد شهادة الحق، وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وأم عطية الأنصارية- رضي الله عنهن-( ).
وصلى عليها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ومن ثم انطلقت الجنازة إلى البقيع ووضعت أم كلثوم- رضي الله عنها- في قبرها.
وكان عثمان-رضي الله عنه –غارقا في حزنه، تنفر الدموع من عينيه على إحدى فرائد البيت النبوي، وإحدى حبات عقده الفريد، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان- رضي الله عنه –وهو يسير مطرقا، وفي وجهه حزن لما أصابه، فدنا منه وقال: ((لو كانت عندنا ثالثة لزوجناكها يا عثمان))( ).
وأورد الهثيمي عن ابن سعد في الطبقات: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو كن عشرا لزوجتهن عثمان))( ).
وننتقل إلى صحبة أخرى.
*صحبته للصديق*
(

(1/13)


لما اشتد المرض بأبي بكر أدار عينيه في أصحابه ليتخير منهم):لما اشتد المرض على الصديق-رضي الله عنه– وأحس بدنو أجله، خاف على المسلمين أن يتنازعوا في سبيل الخلافة، وقد رأى الناس يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقتسموا، ولم يشغله ما هو فيه عن النظر في مصلحتهم من بعده وجمع كلمتهم.
أدار أبو بكر- رضي الله عنه– عينيه في أصحابه يتخير منهم لهذا المنصب رجلا يكون شديدا في غير عنف، لينا في غير ضعف، فوجد كثيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتوفر فيهم هذه الصفات، غير أن عمر– رضي الله عنه– كان أفضلهم في نفسه وأقربهم إلى الصفة التي يجب أن يكون عليها الخليفة، وكذلك كان عمر- رضي الله عنه- في نفوس من اسشتارهم أبو بكر- رضي الله عنه- في أمر الخلافة.
(عثمان بن عفان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته): دعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف( ) فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب؟ فقال: ما تسألني عن عمر ‘لا وأنت أعلم به منى، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: أنت أخبرنا به، فقال: علي ذلك، فقال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله، وشاور معهما سعيد بن زيد( )، وأسيد بن حضير( )، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، الذي يسر من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه( ).
(أبو بكر: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك):ودخل عليه بعض الصحابة، فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال: أبالله تخوفني؟ أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك( ).
(

(1/14)


أبو بكر لعثمان: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب):ثم دعا عثمان فقال: اكتب((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر ابن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب،والخير أردت، ولا أعلم الغيب {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}( ) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته))( ).
(أبو بكر: اللهم؟إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم): ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما، فبايع الناس ورضوا به، ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه بما أوصاه به، ثم خرج من عنده، فرفع أبو بكر يديه وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأي، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح اللهم ولا تهم واجعله من خلفائك الراشدين، وأصلح له رعيته( ).
وقفة سريعة في صحبته لعمر:
* وفي عهد عمر:
كان الناس إذا أرادوا علم شيء من عمر فهابوا أن يسألوه رموه بعبد الرحمن بن عوف أو بعثمان بن عفان. وكانوا يدعون عثمان-رديفا- والعرب تقول ذلك للرجل يرجونه بعد رئيسهم-فإذا أعيا عليهم ذلك الأمر فزعوا إلى العباس بن عبد المطلب( ).
***

*خلافته*
تمهيد:

(1/15)


إن تناول خلافة عثمان رضي الله عنه يحتاج إلى الحيدة التامة وإلى قراءة ما بين السطور، لأن الحديث عن تلك المرحلة من تاريخ الأمة أمر شاق جدا، لما يتخيلها من أحداث جسام أثرت في الفكر الإسلامي ولا تزال،ولكن الإعراض عنها أراه أكثر مشقة على النفس، لأنه غي هذه الحالة قد يقع فريسة لكتابات مغرضة قد تؤدي إلى نوع من الاضطراب.
ومن هنا- رأيت بعد الاستعانة بالله جل في علاه- أن أصحب بروحي وعقلي ذا النورين، أحاول ملازمته رضي الله عنه قدر ما تسمح به المصادر والمراجع، أملا في إجلاء الحقائق، وسبر غورها، وتقليب الأمر من كل الجوانب، ومناقشة آراء الصحابة رضي الله عنهم ولست مع هؤلاء الذين يرفضون مناقشة مواقفهم وآرائهم عن طريق إعطائهم عصمة، نتجت عن شرف صحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك في رأي يعطي الفرصة للمغرضين في النيل منهم، وتضليل جمهرة المسلمين، ويشككهم في صحابة سيد المرسلين.
وإنني أيضا لست مع هؤلاء الذين يخضعون تاريخ صدر الإسلام للمنهج الغربي في كتابة التاريخ، والذي قد يستبيح مناقشة لا توقر عالما، ولا تجل صحابيا.
ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأنهم يجتهدون برأيهم، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، ومن هذه الزاوية أجد الطريق ممهدا دون أن أقل من مكانة هؤلاء الاماجد أو أن أضعهم في قداسة كالتي يحيط بها النصارى رجال الدين عندهم.
وترتيب الأحداث هنا يقتضي منا أن نبدأ بوقفة سريعة عند مقتل الفاروق رضي الله عنه لبيان وصيته بشأن الخلافة وصولا إلى بيعة عثمان رضي الله عنه وننتقل بعد ذلك مع أهم الأعمال داخليا وخارجيا(الفتوحات).

(1/16)


إن الخليفة الفاروق، وإن كان قد أرضى العرب بعد الله بعدله وسلوكه وسياسته، وأرضى الشعوب غير العربية تحت الراية الإسلامية بتطبيق منهج الإسلام فيهم، ومتابعة أعمال الولاة عليهم بعد اجتهاده وتدقيقه في اختيارهم، إلا أن قلويا من غير المسلمين كانت مطوية على الحقد، مفعمة بالسخط عليه، وإن كانت قد تظاهرت بالإسلام.
وقد طعن رضي الله عنه بخنجر مجوسي((أبي لؤلؤة)) بعد مؤامرة نصرانية((جفنية)) وفارسية((الهرمزان))،ولست بصدد مناقشة ذلك، والبحث يتجه إلى كيفية انتقال الخلافة إلى عثمان.
*كيف انتقلت الخلافة إلى عثمان رضي الله عنه؟:
(لو كان أبو عبيدة حيا...): وقيل( ) لعمر: لو استخلفت يا أمير المؤمنين؟ قال: لو كان أبو عبيدة( ) حيا لاستخلفه، وقلت لربي إن سألني سمعت نبيك يقول: ((إنه أمين هذه الأمة))، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة( ) حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: ((إن سالما شديد الحب لله))( ).
(بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد)؟: فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله! ما أردت بهذا؟ ويحك! كيف أستخلف من عجز عن طلاق امرأته؟!لا أرب لنا في أموركم،ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمة محمد! أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافا لا أجر ولا وزر، إني لسعيد. انظر فإن استخلفت فقد استخلفت من هو مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه( ).

*تعليق:
يعني عمر رضي الله عنه من هذا أنه إذا استخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن ترك المر دون استخلاف فقد فعل النبي رضي الله عنه ذلك، وتوفيق الله للخليفة باستبعاد ولده من المرشحين أمر فيه بعد نظر، لأنه لو تم ذلك لوضع عمر رضي الله عنه قاعدة لمن يأتي من بعده. ويقينه القوي تمثل بقوله((ولن يضيع الله دينه)).
(

(1/17)


عليكم بهؤلاء ((إنهم من أهل الجنة)) ): عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنهم من أهل الجنة)) وهم: علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وسعد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فلتختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه وأخرجوا( ).
(فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها): فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، إني أكره الخلاف، قال: إذن ترى ما تكره، فلما أصبح عمر دعا عليا، وعثمانا، وسعدا، وعبد الرحمن، والزبير، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض. إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكني أخافكم فيما بينكم، فيختلف الناس فانهضوا إلى حجرة عائشة رضي الله عنه بإذنها، فتشاوروا فيها ووضع رأسه وقد نزفه الدم فدخلوا فتناجوا، حتى ارتفعت أصواتهم( ).
(إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى تختاروا رجلا): فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إن أمير المؤمنين لم يمت بعد، فسمعه عمر فانتبه، وقال: أعرضوا عن هذا، فإذا أنامت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا عليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله ابن عمر مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فامضوا لأمركم، ومن لي بطلحة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به، ولا يخالف إن شاء الله تعالى.
فقال عمر رضي الله عنه: أرجو أل يخالف إن شاء الله، وما أظن أنيلي هذا الأمر إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان.
فإن ولي عثمان، فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة وأحر به أن يحملهم على الحق، وإن تولوا سعدا فأهلها هو وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعز بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم

(1/18)


وقال للمقداد بن الأسود:إذا وضعتموني في حفرتي، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا( ).
(اقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس): قال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل هؤلاء الرهط بيتا، وقم على رءوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، وإن رضي اثنان رجلا، واثنان رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم ترضوا بحكمه فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس( ).
* تعليق:
1- إن وصية أبي بكر باستخلاف عمر ووصية عمر باستخلاف واحد من الستة هي إبراء للذمة أمام الله ومنعا للخلاف، وحرصا على وحدة الأمة.
2- لا تدبير ولا احتيال لغاية يهدف الصديق وعمر إليها غير وحدة الأمة.
3- من ظن أن الصديق اختيار عمر ليبعد غيره عن الخلافة وأن عمر حين اختار جماعة الشورى ليرجح كفة واحد منهم دون الآخرين فهو ينكر عليهما الإسلام، وهما يودعان الدنيا ويستقبلان الآخرة.
4- وصية عمر تفصح عن أعظم رجالات دساتير الحكم فهو يوازن ويقابل بين الرجال ومن حوله التف الصحابة، وينتهي إلى هذا الترشيح، ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أشار بالرأي فيها.
5- وصية عمر تدل عل بعد نظره، خاصة اختياره ولد عبد الله للترجيح بين المختلفين، فضلا عن إبعاده عن الخلافة،وحين نحى عبد الله بن عوف نفسه فهذا يؤكد بعد نظر عمر.
6- كما جاء اختيار أبي طلحة الأنصاري على رأس خمسين للقضاء على الفتنة في مهدها إذا اختلفت المتشاورين،وقد دل على ذلك حين حذرهم أنه لا يمهلهم لحظة بعد الأيام الثلاثة حتى لا تشتعل فتنة.
7- واختيار صهيب لإمامة الصلاة، لأنه الإمام الذي يرفض الناس إمامته، وقد سبق له إمامتهم.
8- اختيار الستة ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وهم من أهل بدر.

(1/19)


والدليل على ذلك عدم اختيار العباس بن عبد المطلب؛ لأنه ليس من السابقين فقد أسلم عند فتح مكة.
من هنا كانت وصية الخليفة الحكيمة نتيجة لنظرة شاملة لم يدع فيها بقية لنظرة ثابته، ولكن الوصايا مهما بلغت من إحكامها وإلزامها لا تنفذ بغير منفذين، ويقدرون على تنفيذها، ويصدقون النية فيها، فلو لم يكن أصحاب الشورى وقائد الجند وإمام الصلاة في الأيام الثلاثة أهلا؟لأمانتهم لما أغناهم وحزم الخليفة الراحل شيئا في تلك المهمة العاجلة، التي يوشك أن يفسدها كل خطأ في القيام عليها..رحم الله عمر( ).

*اجتماع أهل الشورى:
لما دفن رضي الله عنه جمعهم عبد الرحمن رضي الله عنه وخطبهم، وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق. فتكلم عثمان رضي الله عنه فقال: (... الحمد لله... فأنا مجيب وداع إليك وكفيل بما أقول...))( ).
ثم تكلم الزبير بعده فقال:((... أنا مجيب إلى ما دعوت ومعينك على ما أمرت...))( ).
ثم تكلم سعد فقال: ((... أخذت لطلحة ما ارتضيت لنفسي فأنا كفيل به))( ).
ثم تكلم علي فقال:((... لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم))( ).
(عثمان يرشح عليا وعلي يرشح عثمان): فقال لعلي: تقول: إني أحق من حضر هذا الأمر، لقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك ولم تحضر إلى هؤلاء الرهط، من تراه أحق به؟قال: عثمان، وخلا بعثمان فقال: تقول: شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله وابن عمه ولي سابقة وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن لو لم تحضر، أي هؤلاء أحق به؟ قال: علي. ولقي علي سعدا فقال: اتقوا.
(عبد الرحمن بن عوف: لم أذق في هذه الليلة كثير غمض): ودار عبد الرحمن ليلقى أصحاب رسول الله ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم.
*بين علي وعثمان:

(1/20)


قال عمار بن ياسر ( ): إذا أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا.فقال المقداد بن الأسود( ): صدق عمار إن بايعت عليا، قلنا: سمعنا وأطعنا.
وقال ابن أبي السرح( ): إذا أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة( ): صدقت، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا.
فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص( ): يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتت الناس.
*تعليق:
وإننا نلتمس لهؤلاء عذرا فمن رأى عليا أحق، لأنه ربما يكون في سيرته أقرب إلى منهاج عمر من القوة على الحق, والبعد عن الانغماس في الدنيا والاغترار بزينتها, وأن عثمان فيه رقة ورأفة وقد أخذت منه الشيخوخة مأخذها, ومن كان في مثل سنه كان أقرب إلى استكفاء غيره, والاعتماد على مشورة سواه, وهم لا يدرون من هؤلاء الذين سوف يكونون موضع المشورة.
ومن يميلون إلى اختيار عثمان يرون أن رقة ورأفة عثمان ربما يكون فيهما متنفس للناس بعد خلافة عمر التي اتسمت بالشدة والقوة والتقشف، وربما تكون شيخوخته سببا في تعاطف الناس معه وإشفاقهم عليه، مما يؤدي إلى تماسك الأمة ووحدتها( ).
من هنا يتبين لنا أن المفاضلة ليست في مكانتهما ومنزلتهما في الإسلام، فكلاهما على خير، وهم من العشرة المبشرين بالجنة، ومات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راض، وهما صهرا الرسول، ولن يتسع المقام هنا للحديث عن فضائلهما وكذا كوكبة الصحابة وأرى أننا لسنا في حاجة إلى هذا، ولكنني اجتهدت في هذا التحليل حتى لا يذهب فكر القارئ بعيدا فينزلق فكرة في شرك الفتنة.
(

(1/21)


عبد الرحمن بن عوف: اللهم غني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان فبايعه): قال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن فيها أيها الرهط على أنفسكم سبيلا، ودعا عليا، فقال: عليك عهد الله ميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة الخليفتين من بعده؟ فقال: أرجو أن أفعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي( ).
ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في عثمان فبايعه.
(عبد الرحمن لعلي: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله... على: قدر جهدي وطاقتي): وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا سيفه، حتى ركب المنبر، فوقف وقوفا طويلا، ثم دعا دعاء لا يسمعه الناس، ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني قد سألتكم سرا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي، وإما عثمان. فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وفعل أبو بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذاك وطاقتي.
(ابن عوف لعثمان: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله..عثمان: نعم):
فأرسل يده ثم نادى: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده، وهو في موقف علي الذي كان فيه، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر، فقال: اللهم نعم، قال فرفع رأسه على سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد ثلثا، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، فازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجل الناس يبايعونه، وتلكأ علي فقال عبد الرحمن:
{

(1/22)


فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}( ) فرجع علي يشق الناس حتى بايع عثمان( ).
*تعليق:
يقول شيخنا الدكتور نصار- رحمه الله-: ((لماذا عدل عبد الرحمن عن علي لعثمان؟هل لآن عليا أجابه بقوله: أرجو أن أعمل بمبلغ علمي وطاقتي؟ ثم بايع عثمان لأنه قال: ((نعم أعمل)) هل ذلك من علي يفيد مخالفة لشروط الاختيار أم يتفق مع قوله الله تبارك وتعالى:
{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}( ).
وهذا الرد من على فيه تحفظ وفقه بنتائج المسئولية حول دين الله، وولاية أمر المسلمين، ومع هذا فلن تستطيع اتهام ابن عوف رضي الله عنه بالميل عن الجادة لهوى في نفسه أبدا أبدا، وأفضل ما يقال في هذا قول عبد الرحمن بن عوف من حديث له مع بعض الصحابة((فوقع قضاء الله بك على عثمان))( ).
وقد اختلف في يوم بيعته، وهو مرتب على الخلاف في تاريخ وفاة عمر رضي الله عنهما فقيل: يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين ولم يذكر أبو عمر بن عبد البر غيرة، وقيل: يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته شهر المحرم، سنة أربع وعشرين، قاله أبو جعفر. قال: وقيل لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمعوا في ذلك بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزادهم مائة مائة، ووفد أهل الأمصار وهو أول من صنع ذلك.
* الخطبة:
خرج وهو أشدهم كآبة فأتى منبر النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

(1/23)


أيها الناس، إنكم في دار قلعة( )، وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، إلا وإن الدنيا طويت على الغرور {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}( ) واعتبروا بمن مضى،ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم.
أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا! ألم تلفظهم؟! ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله عز وجل قد ضرب لها مثلا وللذي هو خير، فقال:
{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} إلى قوله: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}( ) وذكر غير الطبري أنه ارتج عليه( ).
*تحليل خطبة الخليفة:
- (أشدهم كآبة) دلالة على الغم، وسوء الحال، والانكسار من شدة الحزن.
- (فارتج عليه) أي تلعثم ولم يقدر على إجادة الكلام، وأول ملمح في الخطبة: أنها تدل على أن الأمر كان مفاجأة بالنسبة للخليفة فلا تدبير ولا تحضير، فلو كان يعلم باختياره لما أعياه أن يعد لهذا المقام خطبة بليغة، بليغة، ولكنها جاءته وهو لا يستبعد أن تفوته.
- تدور الخطبة حول التحذير من فتنة الدنيا وأنه قطع على نفسه عهدا باتباع السنن واجتناب البدع، وتهدئة النفوس.

*الحالة العامة للأمة*
(نظرة من شرفة التاريخ على أحوال الأمة حينما غربت شمس عمر رضي الله عنه):

(1/24)


إن الحالة العامة للمسلمين على عهد عمر بن الخطاب تختلف عنها في عهد أبي بكر، فقد تقوى في عهد عمر الدين، وصارت كلمته العليا في جزيرة العرب، وتوطد الملك للمسلمين، وشيدت دعائم الدولة، ونسى العرب ما كان بينهم في الجاهلية من الانقسام والتفرق ومحاربة بعضهم بعضا، وزالت عن أعينهم غشاوة الجهل بأمور الدين، وتجردوا عن كثير من تلك السذاجة التي كانت فيهم، وصارت الأمة الإسلامية سائسة ملك، وصاحبة سطورة، ومؤسسة دولة، ومقننة قانون، وصاحبة دين حملها إلى الجد، وحملها على مزاحمة أمم التاريخ بالمناكب حتى وصفت بأنها أعظم الأمم.
(زلزلوا سلطان فارس وتغلغلوا في أحشائها): في عهد عمر كانت حياة الأمة تنمو نموا عجيبا، يتدفق فيضها الحيوي في جميع عناصرها وأعضائها، تدفقا ينعش كل جزء من أجزائها، وينمي ذلك الجسم نموا سريعا، يؤذن بانقلاب في العالم تهتز له أعصاب دول الأرض، ويتناول أهل المشارق والمغارب فاندفعت الأمة في عصره بما استحدثه فيها الدين من الإتحاد القومي، وما رسخ في إعتقادهم من أنهم الأمة الوارثة للأمم، وأن الله تعالى سيمكن لها في الأرض، ويجعل أهلها أئمة ويجعلهم الوارثين. فسال سيلهم على أطراف الممالك المجاورة لهم وهم الفرس والروم، فزلزلوا سلطان فارس، وتغلغلوا في أحشائها، وطم سيلهم على بلادها، وطغى على ما جاورها من البلدان النائية، والأمصار المترامية، ووطئت خيلهم بلادا لم يمر اسمها على خاطرهم، وشردوا حامل تاج ملك فارس، وثلوا عرشه، وأوعجوا القواد والرؤساء حتى درس البلاد، ولم تغن لهيبتهم وجود العباد.
(

(1/25)


زوال سلطان الروم): وأما الدولة الرومانية فقد انتقصوا أطرافها وقلصوا ظلها عن الجزيرة وسوريا وجزء من أرمينيا وجميع مصر وبرقة، وفي كل آن لهم غارات في قراهم، وفتكا في جنودهم وأحشاء بلادهم، ويغزونهم في عقر دارهم، وبمرأى ومسمع من عاصمة ملكهم ومستقر عزهم، بجنود أقل من جنودهم عددا وعدة، وهم في كل مرة يواتيهم الظفر ويسعفهم النصر.
(حمل المسلمون لواء الحرية إلى أمم الاستبداد): كانت الممالك المجاورة للعرب قد تأصلت فيها جذور الاستبداد، وسقاهم أهلها الاستبعاد، وقد نسى الرومان اسم الحرية التي جاهد آباؤهم في سبيل إحرازها جهاد الأبطال، وانتزعوا حريتهم من أيدي الأباطرة إنتزاعا،وقد جاد الفرس بنفوسهم للملوك والرؤساء، واستبعدوا لأشراف البلاد، و قد تساوى الفرس والروم في فقدان مبدأ الاعتماد على النفس وحب الاستقلال الذاتي في أصول حياتهم وفروعها- ولكن العرب الذين جاسوا خلال ديارهم، وألقوا رحالهم بينهم جاءوا إليهم حاملين للحرية التي امتزجت بدمائهم، وخالطت جواهر نفوسهم، حتى بلغ من أمرهم أنهم لا يطيقون من أميرهم أن يتفوق عليهم في شيء من الأشياء، وقد شكا بعض العرب أبا موسى أمير البصرة؛ لأن له جارية يقال لها عقيلة يرفع لها جفنة لغدائها وجفنة لعشائها، وهم لا يقدرون على مثل ذلك- وقد كان من ورائهم عمر بن الخطاب يقيد العامة من الأمراء- ويقول بملء فيه على المنبر: من ظلمة أميره فلا إمرة له عليه دوني.
نفث العرب الفاتحون في روع البلاد المفتتحة روحا جديدة، وذوقهم حلاوة الحرية الشخصية، وأشعروا نفوسهم أنهم بشر، لا ينحطون في الحقوق العامة عن مرتبة الأمراء، حتى بلغ من أمر أحد المصريين أنه لما أهين من ابن عمرو بن العاص( ) أمير مصر شخص إلى مقر الخلافة يشكو ابن الأمير، فأقاده عمر منه دون محاباة ولا مجاملة لأبيه، ولا مراعاة لمكانته وسابقته، وحسن بلائه.
(

(1/26)


العدل الشامل بين أناس ذاقوا مرارة الظلم أمد الدهر): عدل شامل ينعم به المواتي، ويغتبط به العدو،ويفيضه عمر على الرعية ما بين برقة ونهر جيحون غربا وشرقا، وما بين القوقاز والأناضول شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا، لا يشعر أحد من الرعية بتميز أحد عليه إلا التقوى وحسن البلاء.
(مولد النظام الإداري الإسلامي): خالط العرب هذه الأمم ودان لهم ذلك الملك العريض، ورأوا أبهة الحضارة فأشعرت قلوبهم لزوم الحياة المدنية سوى للأمم الغالبة كما هي سنة الوجود، وليس في أيديهم من أدوات تلك الحياة سوى الاستعداد الفطري لقبول الخير والشر، والشرع الإلهي الذي أطلق عقولهم من أسر التقليد، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فأخذوا بحكم الطبيعة يقلدون مجاوريهم في العادات وبدأوا يبارونهم في مضمار الحياة، وكان أول شيء طمحت نفوسهم إليه تقليد مجاوريهم في فنون القتال، ومحاذاة الروم وفارس في استصناع الآلات الحربية ليقابلوا القوة بمثلها، ويعدوا للفتوح عدتها، ثم تطرقوا إلى الأمور السياسية والإدارية يحتذون مثالهم فيها، ويترسمون خطواتهم في العمل بها، فوضع عمر التاريخ، ودون الدواوين على نحو ما كان موجودا عند الدولتين: الفارسية والرومية، ثم أقبل على ترتيب الولايات وتقسيم الأعمال وانتقاء العمال، وفرض العطاء وقرر مصرف الفيء في غير سرف ولا قتر( )، ونشر جناح الأمن، وأقام ميزان العدل، وقرر أصول الجباية بلا إجحاف في حقوق الرعية ولا غبن على الدولة، فعم الرخاء وبدات مظاهر العمران في أنحاء المملكة، وانهال الغنى والثروة على الفاتحين، وخطوا خطى خفبفة إلى الراحة والنعيم؛ مع الأخذ على الشكائم، والتخويش بعض الشيء في المأكل والملبس، والتوسط في العيش، والقصد في الإنفاق، وعدم التبسط في البذل خوف الأخذ على أيديهم من عمر، كما يتبن ذلك من صنعه مع خالد( ) إذا أعطى الأشعث بن قيس( ) عشرة آلاف، فكان ذلك سببا لاعتقاله بفضل عمامته وتقريره عن الدراهم

(1/27)


التي أجاز بها؛ أمن إصابة أم من ماله وعزله على كل حال إذ أقامه عمر بين الخيانة والإسراف وكل لا خير فيه.
(جهاد دائم): ومن جهة أخرى فإن عمر لم يدع للعرب في مدته فرصة تمكنهم من الإخلاد إلى الراحة، والإيواء إلى ظل النعم، والسكون تحت كنف الأمصار، والتبسيط في نعيم الحياة وزخرف العيش، بل دفع بهم في معترك الحياة الحضرية، وزج بهم في معترك الحروب في وقت واحد، وكانت الحروب أكبر همهم، والتغلب على العدو آثر شيء لديهم، فشغلهم عن النعيم والرفاهة بالفتوح، وألهاهم بادخار الغنائم عن التمتع بها، وأرجأوا ذلك ريثما يفلوا من غرب الدول المجاورة لهم، ويأمنوا غائلة الأمم المغلوبة وانتقاضها عليهم.
(اتسمت الأمة بالوحدة القوية): استفاد العرب من هذه السياسة العمرية في أحوالهم الاجتماعية فلم يسمع في زمنه ناعق بفرقة، ولا صائح بانقسام، ولا داع إلى تنافر وتدابر، ولا هاتف بعصبية، بل كان جزاء من يفعل ذلك الضرب بالسيف- ولكن اندفاع القوم إلى الفتوح وتفريقهم في أنحاء الممالك وتعجلهم الظهور قبل تأصل الدين والملك- ومن ذلك عدم الإجهاز على الوثنية، ومحو أثرها من البلدان المفتتحة، مع دخول كثير من أهلها في الإسلام، فأخفت هذه الآثار حينا ثم بدأت تظهر كرة ثانية مصطبغة بصبغة أخرى، نتج عنها تفرق أهواء المسلمين وظهور البدع والمبتدعين، وبخاصة بين الأعاجم من المسلمين أو الذين ظهروا بمظهر الإسلام واتسموا بسمته.
(ربما تأخرت حضريا لكنها تقدمت جهاديا): ومن المعلوم أن الإسلام طم على البلاد بسرعة مدهشة فائقة الوصف، والشيء إذا سار بسرعة لم يكن طروء الخطأ والفساد فيه مأمونا، كما لو ضاعت النار بشيء تريد نضجه فإنه وإن نضج ظاهره في وقت قريب فإن باطنه لم يزل فجا لا أثر للنضج فيه، ولهذا كانت سرعة تأخر الأمة العربية في الحضارة والرقي بمقدار تقدمها في ذلك وسرعة فتحها للبلاد( ).
* تعليق:

(1/28)


لعلي بعرض أحوال الأمة على عهد عمر رضي الله عنه قد استطعت أن أضع أمام القارئ الكريم صورة حية لسياسة الخليفة الثاني وكيف أصبحت الأمة متسعة الأرجاء قوية البنيان مرهوبة الجانب يظللها العدل، وتربطها أواصر الأخوة، ويجمعها نداء الجهاد.. وننتقل بعد ذلك لنعايش عثمان رضي الله عنه في خلافته.
***

*من أعمال عثمان *
رضي الله عنه
*كتب عثمان رضي الله عنه إلى الأمراء والأمصار:
(عثمان رضي الله عنه لعماله: إن أمر الله للأئمة أن يكونوا رعاة وليسوا جباة): كان أول كتاب كتبه عثمان إلى عماله:أما بعد:فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة, ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة, وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة؟؟ ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم مالهم, وتأخذهم الذي عليهم , ثم تثنوا بالذمة, فتعطوهم الذي لهم, وتأخذهم الذي عليهم؛ ثم العدو الذي تنتابون؛ فاستفتحوا عليهم بالوفاء( ).
(عثمان لأمراء أجناده: إنكم حماة المسلمين..فانظروا كيف تكونون): كان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج.أما بعد: فإنكم حماة المسلمين وذاد تهم, وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا, بل كان عن ملأ منا, ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فغير الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم, فانظروا كيف تكونون, فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه, والقيام عليه( ).
(عثمان لعمال الخراج: خذوا الحق.. الأمانة..قوموا عليها..ولا تكونوا أول من يسبلها): كان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج. أما بعد: فإن الله خلق الخلق بالحق؛ فلا يقبل إلا الحق, خذوا الحق وأعطوا الحق به, والأمانة الأمانة, قوموا عليها, ولا تكونوا أول من يسبلها, فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم, والوفاء الوفاء, اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم ( ).
(

(1/29)


عثمان للعامة:إن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم): كان كتابه إلى العامة.أما بعد فإنكم إنما بلغتم بالإقتداء والإتباع, فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم؛ فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم, وبلوغ أولادكم من السبايا, وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن, فإن رسول الله رضي الله عنه قال: ((الكفر في العجمة)) فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا ابتعدوا( ).
*عمال عثمان في صدر خلافته:
جدير بالذكر هنا أن من بين وصايا رضي الله عنه أن يبقى الولاة في ولاياتهم مدة عام حتى تستقر الأحوال, ولذلك فهؤلاء الذين انتقلت رياستهم من عمر إلى عثمان.
وننتقل بعد ذلك إلى مصاحبة الخليفة لنقف على أهم أعماله في الداخل والخارج.

*سياسته الداخلية*
أحاول هنا عرض أعمال الخليفة سواء في حاضرة الخلافة أوفي الأمصار حتى نعايشه رضي الله عنه تلك الفترة الهامة من حياة الأمة, والتي ستظل ساحة رحبة لكل صاحب رأى وفكر, وفي نفس الوقت نرى طورا جديدا مر به الأمة فقد بدأ بمقتل عمر رضي الله عنه وأخذ بعد ذلك يطور ويعدل خطته الرامية إلى القضاء على وحدة الأمة, وسوف يأتي الحديث عن الفتنة بعد حديثا عن الأمصار ثم السياسة الخارجية ترتيبا للأحداث وتنسيقا للعرض.
* الكوفة:
روى الواقدي أن عمر أوصى أن يقر عماله سنة، فلما ولي عثمان أقر المغيرة بن شعبة( ) على الكوفة سنة ثم عزله، واستعمل سعد بن أبي وقاص ثم عزله، واستعمل الوليد بن عقبة( ). ثم عزله( ) وولى سعيدا بن العاص 30هـ( ) ولكن سرعان ما كثر الكلام على سعيد حتى أنشد الشعراء فيه ذما وكانت مجالس سعيد معظمها من القراء مما زاد من الناقمين عليه وعلى ولاة قريش، وتحركت السبئية يتزعمها يزيد بن قيس ومعه الذين كان يكاتبهم عبد الله بن سبأ، وعندئذ قدم سعيد إلى عثمان وأخبره بما فعلوا ورغبة أهل الكوفة في ولاية أبي موسى الأشعري فأثبت عثمان أبا موسى عليهم.
*البصرة:

(1/30)


عزل أبو موسى الأشعري واستعمل عبد الله بن عامر كان ذلك لثلاث سنين مضت من خلافة عثمان، وكان سبب عزل أبي موسى أن أهل إيذج( ) والأكراد كفروا في السنة الثالثة من خلافة عثمان رضي الله عنه فنادى أبو موسى في الناس وحضهم على الجهاد، وذكر فضل الجهاد ماشيا، إلا أنهم وجدوه قد خرج حاملا ثقله على أربعين بغلا، فأتوا عثمان رضي الله عنه واستعفوه منه، فعزله وولى عبد الله بن عامر( )، وكان عمره خمسا وعشرين سنة، وجمع له جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي من عمان والبحرين( ).
*أحوال الشام:
كان معاوية( ) على الشام منذ عهد بن عمر الخطاب إلى أن قتل وفي عهد عثمان أقره عليها، وكان معاوية من الحزم والضبط بالمكان الذي لا يجهل، ومثل بضاعة ابن السوداء لا تجد نفاقا تحت رعايته وإذا وجدت فإنه يعاجل الداء بحسمه.
*مصر:
(عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر وتولية عبد الله بن سعد): كان عمرو بن العاص واليا على مصر طيلة خلافة عمر بن الخطاب، فلما تولى الخلافة عثمان بن عفان أشرك مع عمرو أخاه من الرضاع عبد الله بن سعد بن أبي السرح( )، الذي ولاه عثمان أميرا على الجند فيها، فلما غضب ابن العاص، ولم ترض نفسه عن إسناد الجند لابن أبي السرح عزله عثمان، وجعل ولاية مصر كلها لابن أبي السرح، وإذا كان الفضل بعد الله تعالى لابن أبي السرح في معارك قبرص( ) وشمال إفريقية، إلا أنه لا يغيب عنا فضل عمرو في فتح مصر، ومواقفه في فتح فلسطين وغيرهما( ).
* السبب في عزله:
(عبد الله لعثمان: إن عمرا كسر على الخوارج.. عمرو: إن عبد الله قد كسر علي مكيدة الحرب): والسبب في عزل عمرو بن العاص أن عبد الله كتب إلى عثمان يقول: إن عمرو كسر على مكيدة الحرب، فعزل عثمان عمرو واستقدمه، واستعمل بدله عبد الله على حرب مصر وخراجها( ).

*الفتوحات*
* غزوة إفريقية:

(1/31)


أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن سعد بن أبي السرح أن يغزو بلاد إفريقية فإذا افتتحها الله عليه فله خمس الخمس من الغنيمة نفلا، فسار إليها في عشرة آلاف فافتتح سهلها وجبلها، وقتل خلقا كثيرا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم. وأخذ عبد الله بن سعد خمس الخمس من الغنيمة؛ وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار( ).
* وقعة جرجير والبربر مع المسلمين:
(عدد المسلمين عشرون ألفا..والبربر في عشرين ومائة ألف!!): لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي السر، والبربر مائة ألف، فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه( ).
(قتل جرجير ملك البربر): قال عبد الله بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون( )، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس،فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال: فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه- وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك- فلما اقتربت منه أس مني الشر ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي وذففت( ) عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا( )، وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالا كثيرة، وسبيا عظيما، وذلك ببلد يقال له: سبيطلة( ) وكان ذلك سنة27هـ( ).
* الأندلس:
(

(1/32)


عثمان إلى جنده: إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان): لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن نافع بن عبد قيس، وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين-من فورهما- إلى الأندلس، فأتيا من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام، فساروا فافتتحوها( ).
فتح قبرص:
(الرسول صلى الله عليه وسلم:ناس من أمتي عرضوا على يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة): وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، وركب إليها في جيش كثيف من المسلمين، ومعه عبادة بن الصامت( ) وزوجته أم حرام بنت ملحان التي نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها ثم استيقظ يضحك، فقال: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال:((ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج( ) هذا البحر مثل الملوك على الأسرة)) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: ((أنت منهم))ثم نام فاستيقظ وهو يضحك. فقال: مثل ذلك. فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال:((أنت من الأولين))فكانت في هذه الغزوة وماتت بها، وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا( ).
(خرج معاوية بعد إذن عثمان بفتحها): المقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص ومعه جيش عظيم من المسلمين، وذلك بأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه له في ذلك بعد سؤاله إياه، وقد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم، الذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان أل معاوية عليه في ذلك فأذن له، فركب في المراكب فانتهى إليها،ووافاه عبد الله بن أبي سعد ابن أبي السرح إليها من الجانب الآخر، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقا كثيرا، وسبوا سبايا كثيرة، وغنموا مالا جزيلا جيدا( ).
(

(1/33)


أبو الدرداء: ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره): ولما جئ بالأسارى جعل أبو الدرداء( ) يبكي، فقال له جبير بن نفير( ): أتبكي وهذا يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيعوا أمر الله صيرهم إلى ما ترى، فسلط الله عليهم السبي، وإذا سلط على قوم السبي فليس لله فيهم حاجة، وقال: ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره! ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار في كل سنة، وهادنهم، فلما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها، فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك وكان ذلك سنة 28هـ( ).
* فتح طبرستان( ):
في سنة 30هـ افتتح سعيد بن العاص طبرستان، وذلك أن سعيد ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن اليمان( ) في خلق من الصحابة، فسار بهم فمر على البلدان شتى يصالحون على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان ( )، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة: كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فأخبر فصلى كما أخبر، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحد، ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلا واحد، وحوى ما كان في الحصن( ).
ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم علية سعيد بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم، وكان مائة ألف دينار، وقيل: مائتي ألف دينار، وقيل: ثلاثمائة ألف دينار، ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك( ).
* معركة ذات الصواري:
(

(1/34)


بعد فتح إفريقية والأندلس اجتمع الروم وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله): كان الشام قد جمع لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان وقد أحرزه غاية لحفظه وحمى حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمان زمن الصيف- ولهذا يسمون هذه الغزوة(الصائفة) فيقتلون خلقا،ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونا، ويغنمون أموالا، ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن أبي السرح ما أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم، واجمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى الإسلام إلى المسلمين في جمع لم ير مثله فخرجوا في خمسمائة مركب( ).
(بات الروم يقسقسون( ) ويصلبون.. وبات المسلمون يقرؤن ويصلون): وقصدوا عبد الله بن أبي السرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون، وبات المسلمون يقرءون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن( ).
(المسلمون: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم): قال: فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتنا إلى الساحل، وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل، حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه- وقد قلوا جدا- وبه جراحات شديدة مكينة، مكث حينا يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياماً، ثم رجع مؤيداً منصوراً مظفراً. وكان ذلك سنة 31هـ على أصح الأقوال( ).
* فتح أرمينية:

(1/35)


أما أرمينية الواقعة شمال البحر الأسود فقد خرجت على الحكم الإسلامي، بعد أن كانت خاضعة للدولة الإسلامية، وامتنعت عن دفع الجزية والخراج، فأرسل إليها الوليد أحد قواده وهو سليمان بن ربيعة الباهلي فأعادها إلى الطاعة.
وكان هذا هو شأن الأرمن في كل وقت وحين- تنتهز الفرص للتخلص من الحكم الإسلامي- خاصة وأن بلادهم بعيدة عن مركز القوات الإسلامية ( ).
* تعليق:
ومما يجب الإشارة إليه أن هذه الفتوحات لم تكن من أجل التوسع للإستغلال والاستبعاد، وامتصاص اقتصادهم ليعيش الفاتحون في الرفاهية،ومتع الحياة وزينتها، والمحكمون في الذل والهوان، كلا وإنما كانت تهدف إلى نشر الإسلام وتعاليمه ومبادئه العادلة بين هذه الشعوب بالتي هي أحسن، الأمر الذي ساعد على إسلامهم، واندماجهم إلى حد كبير في المسلمين، وتأثرهم بالغة العربي، مما أدى إلى اشتغالهم بعلوم الإسلام حتى أصبحوا في وضع إجتماعي وأدبي مثل العرب المسلمين، ومما يشير إلى هذه الحقيقة التاريخية نبوغ كثير منهم في مختلف العلوم والفنون الإسلامية والعربية والشرعية،حتى أصبح منهم في فحول العلماء في اللغة والدين، بل وأصبحوا أساتذة العالم وينبوع علم ومعرفة أضاءت للعالم ما كان خافيا عليهم،انظر إلى علماء بغداد والقاهرة، ودمشق وغيرها.. وانظر إلى أئمة العلوم أبي حنيفة، وسيبويه، وابن الهيثم، والخوارزمي، وغيرهم.

(1/36)


ومما تجب الإشارة إليه في هذا أن الفتوحات الإسلامية عامة تختلف عن كل الفتوحات في العالم القديم والوسيط والحديث، فغيرها كان يتسم بالعنف والإبادة والقضاء على معالم الحياة، انظر معي- وليس ذلك بغريب عن القارئ للتاريخ- ما تم على يد المغول والتتار الذين أزالوا كل معالم الحضارة، وقضوا على كثير من مظاهر الحياة الإنسانية، إلى أن عايشوا المسلمين، وعرفوا تعاليم الإسلام التي غزت قلوبهم، فأسلم بعضهم وخدم الإسلام بنشره بين قبائلهم الوثنية، بعد أن كانوا غلاظ الأكباد، والرحمة لا تعرف إلى قلوبهم سبيلا- كما هو مسطور في كتب التاريخ.
***

* والخلاصة:
إن فتوحات المسلمين الأوائل كان لها هدف سام، وقد أثمرت هذه الأهداف ثمرا شهيا تذوقته الشعوب التي خضعت لهم فأسلموا، وكانوا حماة للإسلام والمسلمين، وقد أصبحت للإسلام دولة عزيزة الجانب لها من المكانة ما جعل كثيرا من الدول تمد يدها إليهم تطلب منهم عقد معاهدات السلم والمودة مما سجله التاريخ بالفخر.

الفتنة
*تمهيد:
بداية الفتنة بالشام:
وقعت بالشام حادثة استغلها الثوار المؤلبون في التشنيع على عثمان والتاريث له ولعماله، غير أن معاوية استأصل الداء من ناحيته ونحى عنه ما ابتلي به غيره من العمال، ولذلك بقي أهل ولاياته الواسعة على طاعته والولاء له، ملقين إليه بالمقاليد يصرفهم كما يهوى، وهم لا يخالفون عن أمره، ولا يرغبون بأنفسهم عن نفسه، ولم تخبث نفوسهم بما خبثت نفوس الناس من الأمصار، وهذه الحادثة تتمثل في تسيير أبي ذر إلى الربذة( ).
(عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ولم يبق إلا أن تثب) كتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد ضيق علي. فكتب إليه عثمان أن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ الجرح وجهز أبا ذر إلى، وابعث معه دليلا وزوده وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فبعث معاوية بأبي ذر إليه( ).
* تعريف الفتنة:
أولا: الفتنة في اللغة:

(1/37)


قال ابن الأعرابي( ): الفتنة الاختبار، والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار( ).

ثانيا: الفتنة كما وردت في القرآن:
وردت الفتنة في القرآن على وجوه كثيرة منها:
* الكفر لقوله تعالى: { ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ }( ) وقوله: { وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ }( ).
* الامتحان والابتلاء لقوله تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ }( ) يعني وهم لا يمتحنون وقوله { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا }( ).
* الإحراق بالنار لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }( ) وقوله: { عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ }( ) يعني يحرقون بالنار.
ثالثا: الفتنة كما وردت في الحديث:
(الرسول: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر): ومعنى الفتنة في الحديث: القتال، روى البخاري من طريق أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم( ) من آطام المدينة فقال:((هل ترون ما أرى؟)) قالوا: لا. قال: ((فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر))( ).
قال الحافظ ابن حجر: وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أم عن شيء تولد عنه ( ).
وخلاصة القول أن المراد بالفتنة في بحثنا هذا ما وقع بين المسلمين في صدر الإسلام من القتال والنزاع والفرقة، نظرا لأن القضايا التي وقع الخلاف حولها كانت مشتبهة ومعقدة إلى حد جعلت المواقف متباينة والآراء مختلفة.
وللتمييز بين الفتن الواقعة وقتذاك اصطلح السلف على القول: الفتنة الأولى، والفتنة الثانية وغير ذلك.

(1/38)


فقد روي عن الزهري قوله: قد هاجت الفتنة الأولى وأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
وروي عن سعيد بن المسيب( ) قوله:.. ثم وقعت الفتنة الثانية، فلم يبق من أصحاب الحديبية أحد، ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخ( ).
هل كان اختلاف عهد عثمان عن عهد عمر رضي الله عنهما أحد الأسباب التي أسهمت. في وقوع الفتنة؟
* فيما بين عهدي عمر وعثمان- رضي الله عنهما-:
(العرب أشبه بمادة خام تنتظر لها صانعا وكان الإسلام الصانع المنتظر):
كان العرب قبل الإسلام قبائل متفرقة، يدير كل قبيلة رئيس وفق تقاليد عشائرية موروثة، ك\مواردهم محدودة، مصدرها ما تدره الماشية، وما يسلبه بعضهم من بعض، في غزواتهم وعدوانهم فيما بينهم يستثني من ذلك قريش وبعض القبائل التي أقامت فيما يشبه المدن، فقد كانت تتعاطى التجارة والزراعة لكن لم تكن هناك دولة بمعنى الدولة أو نظام بمعنى نظام وإدارة، فلما جاء الإسلام انتقل العرب من حال إلى حال،جاء بعقيدة ونظام تناول جميع أمور الحياة من الولادة إلى ما بعد الممات، فقد كان العرب أشبه بمادة خام تنتظر لها صانعا، وكان الإسلام الصانع المنتظر الذي صنع فأحسن الصنع، ووحد العرب في أراضيهم الرحبة وامتد إلى خارجها يرفع راياته خفاقة في الآفاق، وهكذا ولدت في تلك البلاد دولة جديدة، ولكل دولة مستلزمات، كان عمر- وقبله أبو بكر- كلما واجه أحدهما وضعا جديدا اجتهدت فيه أحسن الاجتهاد، فتلك أمور من أعمال الدنيا وللناس أن ينظموها حسب الزمان والمكان، ولا نجد بخصوصها نصوصا ثابتة في القرآن أو الحديث.
أما في زمان عثمان رضي الله عنهم جميعا- فقد وجدت حالات أخرى، وكان على عثمان أن يواجهها فاجتهد برأيه وأعطى حلولا ( ).
(الأعراب هم وقود الفتنة): اضطر الخليفة رضي الله عنه إلى تجنيد الأعراب وهم الذين قال الله عز وجل فيهم:
{

(1/39)


الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}( ).
وقال أيضا: { قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ }( ).
هؤلاء هم الأعراب، لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ذهبوا إلى القتال ومعظمهم يبغي عرض الحياة الدنيا، وعندما يكون بيدهم سلاح يسهل على المستغلين توجيه في طريق الفتنة، وما أسوأ السلاح بأيد تضعه في غير مكانه.
(توقف الفتوحات وأثره): توقفت الفتوحات في أواخر عهد الخليفة الثالث أمام حواجز طبيعية لم تتجاوزها من بحار وجبال، إن كان ذلك في جهات فارس وشمالي بلاد الشام أم في إفريقية، وبتوقف الجيوش إنقطعت الغنائم وبقي الجنود بدون عمل، ولنتصور جيشا يمضي نصف يومه في الطعام والنوم وقضاء الحاجات، والنصف الثاني بالخوض في سياسته الدولة والحديث عن تصرفات الخليفة التي كانت تهولها عصابة سرية تعمل لهدم الإسلام من داخله.
(الرخاء وأثره): رافق نشوء طبقة((الرعاع)) بمن فيها من أعراب وعبيد محررين وموال، نشوء طبقة الأغنياء أصحاب الملايين تركزت الثورات في أيديهم، وأصبح المال دولة بينهم وبدأ شيء من حياة الرفاهية.. ويبدو أن من طبيعة الحياة أن يرافق الغنى البطر وفساد الأخلاق، إلا ما ندر. ولم يكن على رأس الدولة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أو عمر، فتفاقم الأمور لدرجة أن أولاد الأغنياء هؤلاء بدأوا نوعا من حياة الفجور. وهنا ثارت ثائرة عثمان الرجل التقي والخليفة الراشد، وكانت إجراءاته قاسية- كما يجب أن تكون- فانضم أولئك المستهترون إلى صف الناقمين من الرعاع وغيرهم.

(1/40)


ولم يكن نشوء هذه الطبقة ليؤدي إلى النقمة التي ظهرت لو كان المجتمع جاهليا، وأما وأنه مجتمع إسلامي، والفرد فيه في بدء تحرر عقلي شخصي واجتماعي، فقد تأزم الموقف وأخذت فكرة المساواة طريقتها إلى الوجود، كذلك من طرف آخر فقد استيقظ شيء من العصبية كان لا يزال غافيا في اللاشعور، فلم يجد الناقمون غضاضة في حمل السلاح( ).
بعد التعريف بالفتنة والمقارنة بين عهد عمر وعثمان رضي الله عنهم وصولا إلى أهم الأسباب التي أسهمت في اشتعالها. نبدأ بالتعريف برأس الفتنة.

* عبد الله بن سبأ:
* نشأته:
نشأ في اليمن سواء كان قبلية حمير أو همذان ولا نستطيع الجزم بأيهما( ). ونشأته كانت في بيئة يهودية، واليهودية التي عاشها كانت تمتزج بها تعاليم المسيحية، ونستطيع أن نفهم من هذا الازدواجية في التأثر في الآراء التي نادى بها ابن سبأ، وخاصة في عقيدة الرجعة والوصية حينما قال: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع، وقد قال الله عز وجل:
{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}( ) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد( ).
على كل حال فهي معلومات ضئيلة لا تروي غليلا، ولا تهدي سبيلا، ولعل مرد ذلك إلى المصادر التي بين أيدينا، فهي لا تكاد تبين عن نشأة ابن سبأ، كما أن المعلومات عن فترة ابن سبأ، قبل ظهوره غير موجودة ونحن هنا مضطرون للصمت عما سكت عنه الأولون حتى تخرج آثار أخرى تزيل الغبش وتكشف المكنون.
* تظاهره بالإسلام:
يرد في تاريخ الطبري ويتابعه ابن الأثير في أحداث سنة 35هـ، وأن ابن سبأ كان يهوديا من أهل صنعاء، وأنه أسلم زمن عثمان، وأخذ ينتقل في بلدان المسلمين من قطر لآخر، محاولا ضلالتهم، فابتدأ بالحجاز ثم البصرة فالكوفة ثم الشام فلم يقدر على شيء فيها، فأتى مصر واستقر بها وطابت له أجواؤها( ).
* متى كان ظهوره بين المسلمين؟

(1/41)


أول ذكر لابن سبأ عند ابن كثير يرد في سنة 34هـ، وفيه الحديث عن ابن سبأ، وأنه كان سبب تألف الأحزاب على عثمان- رضي الله عنه –( ).
ثم أورده في أحداث سنة 35هـ، مع الأحزاب الذين قدموا من مصر يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم( ).
وعند ابن عساكر أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين، وأسلم زمن عثمان وطاف ببلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة، ومن بين تلك الأقطار دمشق ولكن دون أن يحدد سنة بعينها( ).
أما الطبري ويتبعه ابن الأثير فنجد عندهما ذكرا لابن سبأ بين المسلمين قبل سنة 34هـ في الكوفة فيزيد بن قيس( ) ذلك الرجل الذي دخل المسجد في الكوفة يريد خلع عثمان أو عامل عثمان سعيد بن العاص إنما شاركه وثاب إليه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم( ).
وهذا يعني ظهور ابن سبأ قبل هذا التاريخ، وتكوين أعوان له في الكوفة هم الذين اجتمعوا إلى يزيد وتأكيد هذا عند الطبري، ففي سنة 33هـ وبعد مضي ثلاث سنين من إمارة عبد الله بن عامر( ) على البصرة يعلم بنزول ابن سبأ على حكيم بن جبلة( ) وتكون المقابلة بين ابن عامر وابن سبأ( ).
ونستمر في الاستقراء فنجد ظهورا لابن سبأ بين المسلمين قبل هذا، ففي سنة 30هـ يرد ابن السوداء إلى الشام، ويلتقي بأبي ذر ويهيجه على معاوية ( ).
* ابن سبأ في الكوفة:
الذي يبدوا أن ابن سبأ بعد إخراجه من البصرة، وإتيانه الكوفة لم يمكث بها طويلا حتى أخرجه أهلها منها كما في بقية خبر الطبري ( ).
لكنه وإن كان قد دخل الكوفة ثم أخرج منها سنة 33هـ، إلا أن صلته بالوفة لم تنته بإخراجه فلقد بقيت ذيول الفتنه في الرجال الذين يكاتبهم ويكاتبونه وتختلف الرجال بينهم( ).
*في البصرة:

(1/42)


وفي البصرة كان نزول ابن سبأ على موتور من بني عبد قيس (حكيم ابن جبلة العبدي) وخبره كما ورد في الطبري: ((لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أن في عبد قيس رجلا نازلا على حكيم بن جبلة، وكان حكيم رجلا لصا إذا قفلت الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم ويفسد في الأرض، ويصيب ما يشاء، ثم برجع فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر: إحسبه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها فلما قدم ابن السوداء نزل عليه))( ).
(ابن عامر: ما أنت؟... ابن سبأ: رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام والجوار):
وشاء الله أن تحجم هذه الفتنة، ويتفادى المسلمون بقية شرها وذلك حينما بلغ والي البصرة عبد الله بن عامر خبر ابن سبأ فأرسل إليه، ودار بينهما هذا الحوار: ما أنت؟ فأخبره انه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام والجوار، فقال ابن عامر: ما يبلغني ذلك! اخرج عني، فأخرجه حتى أتى الكوفة( ).
*ابن سبأ ومحاولته الفاشلة بالشام:
وفي ظهور ابن سبأ في الشام يقابلنا في الطبري نصان يعطى كل واحد منهما مفهوما معينا.
فيفيد النص الأول: أن ابن سبأ لقي أبا ذر بالشام سنة 30هـ، وأنه هو الذي هيجه على معاوية حينما قال له: ألا تعجب إلى معاوية! يقول المال مال الله، كأنه يريد أن يحتجزه لنفسه دون المسلمين؟ وأن أبا ذر ذهب إلى معاوية وأنكر ذلك( ).
بينما يفهم من النص الآخر: أن ابن سبأ لم يكن له دور يذكر فيه الشام، وإنما أخرجه أهلها حتى أتى مصر( )، وبناء على النص الأول فهناك رأي يقول: أن ابن سبأ كان له دور واضح في الشام، وأنه هو الذي زرع الفتنة، وحرك على معاوية صحابيا جليلا أذعن عامة الشاميين لأقواله، وضاق به ذرعا معاوية الحليم، وأخيرا ألب الفقراء على الأغنياء، كل ذلك كان بتأثير ابن سبأ ذلك الرجل الذكي وصاحب الفراسة الصادقة!( ).

(1/43)


وعلى فرض صحة هذا الرأي فإن أقرب توجيه للنصوص هو أن يكون ابن سبأ قد دخل الشام مرتين, كانت الأولى سنة 30هـ, وهي التي التقى فيها بأبي ذر وكانت الثانية بعد إخراجه من الكوفة سنة 33هـ, وهي التي لم يستطع التأثير فيها مطلقا, ولعلها هي المعنية بالنص الثاني عند الطبري.
*ابن سبأ في مصر:
كان ظهور ابن سبأ في مصر بعد خروجه من الكوفة: وفي مصر اختيار ابن سبأ النهج الذي يساعده على الظهور, وقبل هذا اختيار العصبة التي ينزل عليها حتى يأمن العثور, فلقد اعتمد على بعض أبناء وجهاء القبائل اليمنية النازلة بمصر, أمثال: الغافقي بن حرب العكي وسودان بن حمران السكونى( ).
(ابن سبأ: ما باله_أي عمرو بن العاص أكثركم عطاء ورزقا): لما قدم ابن سبأ مصر عجم أهلها واستخدم فاستخلوه, وعرض لهم بالكفر فأبعدوه, وعرض لهم بالشقاق فأطعموه( ), بل لقد فطن للرجل الذي سيقف في طريقه ويبطل مخططه فبدأ بإثارة الناس على عمرو بن العاص داهية العرب وبطل الإسلام_ ووالى مصرفي تلك الفترة_ واتخذ من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تكأة يعتمد عليها((وأظهر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تستميلوا به الناس))( ) وخاصة إذا كان الأمر بالمعروف يشبع رغبة في النفوس, فهو وسيلة ينتفع بها غوغاء الناس, ولقد بدأ ابن سبأ فطعن في عمرو بن العاص قائلا:ما باله أكثر عطاء ورزقا؟ ألا ننصب رجلا من قريش يسوى بيننا؟فاستحلوا ذلك منه( ).
تعليق:

(1/44)


إن يهود اليوم يتخذون نفس الأسلوب في محاربة المسلمين داخل مجتمعاتهم عن طريق الأندية المشبوهة,واختراق المجالس العلمية لتوجيهها نحو مخططهم, وعن طريق المرأة بتصويرها أنها مظلمومة في مجتمع المسلمين والسعي لتغيرات مخالفة للشرع...، اشغال الحروب، محاربة الأقليات الإسلامية، إحداث الفتنة الطائفية، الضرب بيد من حديد لا رحمة فيها ولا هوادة على يد كل من يلتزم بتعاليم دينه ووصفه تارة بالمتطرف وأخرى بالإرهابي، وأخيرا وليس آخرا فرض نظام العولمة أي- الأمركة- والله غالب على أمره.
وبعد إلقاء الضوء على تحركات ابن سبأ أرى أنه من المفيد التعريف بعقيدته.
*عقيدة السبئية:
*زعمهم في القرآن الكريم:
فهم يزعمون أن نبي الله كتم عن الأمة تسعة أعشار القرآن، وهم بعد هذا يهتدون لوحي ضل عنه الناس، وعلم خفي!! كما أنهم يرمون إلى إتباع المتشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وهذه المقالة التي اعتقدها السبئية، ترجع أصولها إلى زعيمهم عبد الله بن سبأ، الذي زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي، فضربه علي ونفاه( ).
* الوصية:
وضعها ابن سبأ للسبئية حينما قال: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي، وكان وصي محمد، ثم قال: محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلى خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناول أمر الأمة!( ).
* الرجعة:
يوضحها ابن سبأ بقوله: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا لا يرجع، وقد قال الله عز وجل { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } فمحمدا أحق بالرجوع من عيسى، وبهذا وضع ابن سبأ لهم الرجعة فتكلموا فيها.
وحينما بلغهم خبر موت علي قالوا للذي نعاه إليهم: كذبت يا عدو الله، لو جئتنا بدماغه في صرة، وأقمت على مقتله سبعين عدلا ما صدقناك، ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض.

(1/45)


ويعللون اختفاء علي ((بالغيبة)) ولذلك قالوا: بغيبته بعد موته، ومن هنا كانوا يعتقدون أن الرعد صوته، وأن البرق سوطه، وأنه في السحاب وإذا
نشأت سحابة بيضاء صافية منيرة مبرقة قاموا إليها يبتهلون ويتضرعون ويقولون: قد مر بنا في السحاب( ).

* نبوة علي بن أبي طالب:
السبئية يزعمون أن عليا شريك النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة، وأن النبي مقدم عليه إذا كان حيا، فلما مات ورث النبوة، فكان نبيا يوحى إليه، ويأتيه جبريل- عليه السلام- بالرسالة( ).
* سب الصحابة:
عبد الله بن سبأ كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم( ).
* الحلول والتناسخ:
السبئية دخلت في جملة الحلولية لقولها: بأن عليا صار إلها بحلوال روح الإله فيه.
ولما قتل علي رص زعم عبد الله بن سبأ أنه لم يمت، وأن فيه الجزء الإلهي كما كان يزعم أن روح الله حلت فيه.
أما طائفة السبئية فقد كان فيهم من يزعم أن روح القدس كانت في النبي صلى الله عليه وسلم، كما كانت في عيسى، ثم انتقلت إلى علي ثم الحسن قم إلى الحسين ثم كذلك في الأئمة( ).
* عبد الله بن سبأ بين الوهم والخيال والحقيقة والفعال:
إن شخصية ابن سبأ قد أجهدت العلماء والباحثين على مر التاريخ نتيجة للآثار الناجمة عن الأحداث الجسام التي وقعت بفعل هذا اليهودي اللعين، ومما يؤكد إمتداد آثار تآمره على الإسلام والمسلمين ذلك الاختلاف بين أهل العلم وأصحاب الفكر بين مقر بحقيقته ودوره الذي قام به وبين منكره وزعمه أنه وهم وخيال، ومن هنا أجد لزاما على وأنا بصدد الحديث عن الفتنة على عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه أن أعرض آراء الواهمين ثم أختم بآراء المؤكدين لحقيقته ودوره.
* من يراه وهماً وخيالا من الشيعة:
1-الدكتور علي الوردي (شيعي): يخيل إلى أن حكاية ابن سبأ من أولها إلى آخرها كانت حكاية متقنة الحبك رائعة التصوير( ).

(1/46)


2-مرتضى العسكري (شيعي): رفض أخبار الرواة ولم يقنع بما نقله الحفاظ من الثقات، وشنع على كتاب الملل والنحل، ولم ينتبه إلى ما كتبه علماء الجرح والتعديل، ولم يكتف برد أخبار علماء أهل السنة، وإنما ضعف ما كتبه أئمة الشيعة.
لم يبق للعسكري إلا أن يقول بخرافة عبد الله بن سبأ وأسطورة السبئية، وأنها لا تعدوا أن تكون كخرافة طائر النسناس الذي تناقلته الروايات وكتب التاريخ، وهو ضمن الأساطير القصصية الخرافية، يقول العسكري: إنما نرى أساطير السبئية شبيهة بأساطير النسناس في تناقل العلماء أخبارها مدى القرون، مسندة تارة وأخرى مرسلة، ونرى أن النظر فيما ذكروا مجرد عن أي رد ونقد كاف لإدراك اللبيب زيفهما وسخفهما( ).
3- الشيعة المتأخرون: فأغلب الكتابات البارزة حوله تنكر وجوده، وتجعله إلى الوهم أقرب منه إلى الوجود، وإلى الخيال أقرب منه إلى الحقيقة( ).
* من المستشرقين:
1-المستشرق ليفي ديلافيدا:يرى أن ثمة تعارض بين أن يكون ابن سبأ عربي النسب يهودي الأصل، ويرى أن صفة اليهودية الواردة في القول ما هي إلا استنتاج لأولئك الذين يعجزون عن أن يقروا بأن مؤسس البدعة الشيعية كان من أصل عربي.
***

* تعليق:
وإنه لمن العجب حقا أن يتصور ديلافيدا أن ثمة يناقض بين أن يكون المرء يهوديا، وأن يكون من قبيلة عربية( ).
2- كايتاني: يفكر أن تكون المؤامرة التي أطاحت بعثمان ذات أسباب دينية، وأن تكون آراء ابن سبأ المؤلهة لعلي قد حدثت في أيامه، ومن باب أولى استبعاد أن تكونون قد حدثت قبل خلافته، وينتهي لإلى القول بأن هذه الآراء وليدة تصورات الشيعة في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة( ).
* من أهل السنة والجماعة:

(1/47)


لعل القارئ الكريم يتفق معي في ترتيب وضع الدكتور(طه حسين) بين المنكرين، لأنني أرى أنه يمثل فكر الغرب الصليبي واليهودي معا على الغم من انتسابه لأهل السنة والجماعة، وأود أن لا يكون هذا الاستهلال حكما مسبقا على الرجل- يرحمه الله- لكنه فقط تبرير للترتيب، أما عن رأيه فهذا نصه:
ويخيل إلى أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافا شديدا. وأول ما نلاحظ أننا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان وانتقاض الناس عليه، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف، وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلا. وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر.
ولست أدري أكان لابن سبأ خطر أيام عثمان أم لم يكن. ولكني أقطع بأن خطره إن كان له خطر ليس ذا شأن. وما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان، ولم يكد يسلم حتى انتدب لنشر الفتنة في جميع الأقطار.

* من يراه حقيقة وأفعالا:
1- يذكر خالد بن محمد الغيث:
إن لليهود دورا في الفتنة التي حصلت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأدت إلى استشهاده يرحمه الله.
وهذا الأمر الذي أشارت إليه روايات سيف بن عمر جاء موافقا لما في القرآن الكريم من أن اليهود هم أشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين.
قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}( ).
وقال تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ }( ).
وعلى الرغم من أن اليهود لم تكن لهم دولة ذات شوكة في الوقت فقد ذكرهم الله سبحانه وتعالى في المقدمة وذلك لدورهم الفعال في هذه العداوة.

(1/48)


تردد في الروايات السابقة ذكر شخصية عبد الله بن سبأ، وهذه الشخصية قد ورد ذكرها في عدد من المصادر منها:
(أ) ابن أبي عاصم، كتاب السنة( ): وقد أخرج فيه رواية واحدة من طريق أبي الجلاس( ).
(ب) الكشي، كتاب الرجال: وقد أخرج فيه خمس روايات من طريق محمد ابن قولوية القمي( ).
(ج) ابن عساكر، تاريخ دمشق( ): وقد أخرج فيه ثلاث عشرة رواية، منها ثلاث روايات من طريق سيف بن عمر، وبقية الروايات من طريق كل من: الشعبي، أبي الطفيل( )، زيد بن وهب( ) - روايتان- أبي الزعراء( ) حجية بن عدي الكندي( ) أبي الجلاس- روايتان- سماك( )، جعفر الصادق( ).
(د) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية( ): وفيه روايتان مسندتان أوردهما ابن تيمية من طريق الشعبي.
ذكرت الروايات السابقة أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم طعما في هدم الإسلام من الداخل.
والسبب في هذا أنه استيأس أعداء هذه الأمة من القضاء على الإسلام بقوة السلاح رجعوا إلى سلاحهم القديم وهو سلاح النفاق، طمعا في الوصول إلى غايتهم، خاصة أن الوحي الذي كان يفضح المنافقين قد انقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وجدير بالذكر أن مخطط اليهود لهدم الدين عن طريق إسلام عبد الله ابن سبأ قد سبق لهم تطبيقه مع النصارى، وذلك بقيام اليهودي(بولس)( )بالدخول في فالنصرانية وإفسادها عن طريق الغلو في عيسى عليه السلام( ).
2- الأستاذ محمود محمد شاكر يرد على الدكتور: إن هدف (طه حسين) من إنكاره لعبد الله بن سبأ هو أن ينفي عن اليهود الشركة في دم عثمان.
وعلى العموم فالأستاذ يشير إلى تهافت الكتاب علميا، وإلى وضوح الأهواء والرغبات في نفس مؤلفه، وهو يستغرب كل هذا من الدكتور الذي اشتهر بالبحث والتدقيق! وينتهي إلى إثبات شخصية ابن سبأ وأحداثه وأن (طه حسين) حينما ينفي خبره إنما يشتط ويركب مركبا لا يليق بمثله( ).

(1/49)


3- الدكتور محمود قاسم يفند رأي صاحب الفتنة الكبرى: لكني أكاد أدهش أن أرى الدكتور(طه حسين) يضع وجود ابن سبأ موضع التساؤل، ويذهب في تشكيكه إلى حد أن يقول: ما بال المؤرخين لم يذكروا ابن سبأ في موقعة صفين؟ فهل هذا يكفي في أن يكون نسيانهم السبئية نسيانا تاما فيما بين موقعة الجمل وموقعة صفين سببا في عدم وجود هذه الطائفة ورئيسها؟ وهل يقوم هذا النسيان دليلا على أن هذه الطائفة لم توجد في زمن الإمام علي، مع أنها كشفت عن نفسها مرة أخرى بعد مقتل الإمام.
ثم يقول: أما صمت ابن سبأ عن العام الأول من خلافة علي فأمر يمكن تعليله بشفاعة من شفع له بأنه قد تلب، وأما عودته بعد مقتل الإمام فأمر يمكن تعليله، وأما اختفاؤه في موقعة صفين فأمر يمكن تعليله بعلة أو بأكثر، فلربما كان في المدائن، أو لربما وجد من الأفضل أل يظهر في كل فتنة ( ).
ويؤكد الدكتور محمود قاسم في معرض كتاب له أن ابن سبأ رسم خطة محكمة ماكرة أفسدت من أمور المسلمين كثيرا، وأدت بالتالي إلى الفتنة السياسية، والدينية التي مازالت آثارها ماثلة في مذاهب بعض المتصوفين في الإسلام.
4- الدكتور جهاد علي:
(إن هذه المؤامرة.. ومقتل عمر لم يكن ببعد عن هذه المؤامرة): السبب الذي أشار إليه ملخصه: أن هذه المؤامرة سواء كان أفرادها سبئية أم غيرها، فهي لا تعدو أن تكون مجموعة عناصر، يدفعها ويحضرها أناس يسعون على الفتنة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن مقتل عمر بن الخطاب لم يكن ببعد عن هذه المؤامرة، كما أن كعب الأحبار كان من أفراد هذه المؤامرة وعلى علم بقتل الخليفة، وأن عمر قد أحس بدور كعب في المؤامرة( ).
5- سعيد الأفغاني في كتابه((عائشة والسياسة)):
(

(1/50)


يقطع أنه أحد أبطال جمعية تلمودية سرية غايتها تقويض الدولة الإسلامية ويؤكد أنه عميل لدولة الروم التي انتزع المسلمون ملكها في مصر والشام):نسب إليه كل المؤامرات والفتن والملاحم الواقعة بين الصحابة ويرى أن هذا المؤامرة الحكمة سهر عليها أبالسة خبيرون وسددوا خطاها وتعهدوها حتى آتت ثمارها في جميع الأقطار ولهذا كتب هذا العنوان ((ابن سبأ البطل الخفى المخيف))
ويبدو التهويل من شأن ابن سبأ عند الأفغاني حينما يصفه بأنه رجل على غاية من الذكاء وصدق الفراسة والنظر البعيد والحيلة الواسعة والنفاذ إلى نفسية الجماهير!ويقطع أنه أحد أبطال جمعية تلموديه سرية غايتها تقويض الدولة الإسلامية ويكاد يقرر أنه كان يعمل لصالح دولة الروم، التي انتزع المسلمون منها لفترة قريبة قطرين هامين هما مصر، والشام، عدا ما سواهما من بلاد أخرى على البحر المتوسط ويستغرب امتداد نشاط ابن سبأ إلى شتى المجالات:الدينية،والسياسية،والحربية وهو يرى أن ابن سبأ كان موفقاً كل التوفيق في لقائه مع أبي زر وفي تفصيل هذه المقالة التي ركبها على مزاج أبي ذر،وأن الذي ساعده على ذلك فهمه الجيد لأمزجة الناس واستخباراته الصادقة المنظمة( ).
6-الدكتور عمار الطالبي في كتابة (آراء الخوارج):
(

(1/51)


يرد على من يزعم أن ابن سبأ هو عمار بن ياسر): فقد تناول كثيراً من القضايا التي أثيرت في مسألة عبد الله بن سبأ فناقشها، وأبان وجهة نظرة فيها، فهو مثلا يرد على من زعم أن ابن سبأ هو عمار بن ياسر، مشيرا إلى أن الوقائع التاريخية لا تسمح لنا بذلك، إذ أن عثمان لما هاجت الفتنة وعظم شأن السبئية في مصر أرسل ضمن من أرسل عمارا إلى مصر ليستطلع الخبر، وإذن فهما شخصان أحدهما في مصر والآخر في المدينة.. ويتابع بأن الظروف التاريخية إذا كانت لا تسمح لنا بإصدار هذا القول، فكذلك الظروف النفسية لا تسمح لنا هي الأخرى بذلك، إذ يلزم من ذلك أن يكون عمار بن ياسر هو الذي أشاع فكرة الوصية والرجعة والمهدية والزندقة مما لا يسمح أي مؤرخ أن ينسبه إلى عمار الصحابي الجليل! ليس ذلك فحسب، بل يلزم من التوحيد بين الشخصيتين نسب اليهودية إلى عمار رضي الله عنه والتي أثبتها قدماء أهل السنة والشيعة لعبد الله ابن سبأ( ).
(تفنيد زعم أنه من اختراع المحدثين): يناقش الطالبي مزاعم القائلين بأن ابن سبأ لم يكن إلا من اختراع المحدثين من القرن الثاني الهجري وبأن التدوين في التاريخ والحديث إنما نشط في القرنين الثاني والثالث الهجريين، فكيف يصح القول بأن ما يقوله هؤلاء المدونون في هذا العصر مخترع منحول؟( ).
7- الأستاذ أنور الجندي:
(عبد الله بن سبأ أحد الرؤوس المدبرة لهذا الضلال): وهو كاتب من المهتمين بدراسة المؤامرات تجاه هذا الدين ومن الذين بحثوا في الإسلام والدعوات الهدامة ويعرض هو للسبئية كواحد من هذه المعاول، وجاءت إشارته إلى عبد الله بن سبأ كأحد الرؤوس المدبرة لهذه الضلال، فعبد الله بن سبأ عنده واضع جذور الباطنية القديمة.
ويرى أن المفاهيم الباطنية والشعوبية التي أخذت تتسرب إلى الإسلام إنما كانت بواسطة تلك الكلمات التي أذاعها عبد الله بن سبأ.

(1/52)


وقد تتبع الجندي(طه حسين) في محاولة إنكاره لعبد الله بن سبأ، مؤكدا إدعاء(طه حسين) للمنهج العلمي، والمنهج منه بعيد، ومدللا على ذلك باعتماده على المصادر الضعيفة أساسا للتشكيك في قضايا التاريخ الإسلامي، ومعرضا عن المصادر المهمة الأخرى( ).
8- الدكتور نايف محمود معروف في كتابه(الخوارج في العصر الأموي):
(لم يكن ابن سبأ وهما ولا أسطور ة، كان يترأس جمعية سياسية تعمل في الخفاء والعلن):
وقد درس مسألة عبد الله بن سبأ وطائفة السبئية من خلال كتابات السنة الشيعة، المتقدمين منهم والمتأخرين، وكذلك أشار إلى بعض كتابات المستشرقين وآرائهم، ثم خلص إلى النتيجة التالية:
((بعد استعراضنا لآراء القدامى والمحدثين، ويمكننا القول أن عبد الله بن سبأ لم يكن وهما ولا أسطورة، بل كان شخصية سياسية قوية، وأنه كان يترأس جمعية سياسية منظمة تعمل في الخفاء وفي العلن. ونسبت هذه الجمعية إلى شهرة مؤسسها فعرفت بالسبئية..))( ).
9- الدكتور سعدي الهاشمي:
(يرى أن المنكرين ما بين مستشرق حاقد، ومتبع ومتقرب الزلفي لمدارسهم، ومسلم جاهل ومنكر مكابر): بعد أن نقل اتفاق المحدثين وأهل الجرح والتعديل والمؤرخين وأصحاب كتب الفرق والملل والنحل، والطبقات والأدب، والكتب الخاصة في بعض فنون العلم على وجود شخصية ابن سبأ أشار إلى أصناف المنكرين وهم ما بين مستشرق حاقد، ومتبع لهم، ومتقرب الزلفي لمدارسهم، ومسلم جاهل، أو منكر مكابر من بعض شيعة اليوم، وهؤلاء وأولئك جانبوا الحق الصريح، وتمسكوا بأقوال متناقضة هي أوهي من بيت العنكبوت. وعند حديثه عن المستشرقين قال: ((أما المستشرقون فأنكروه وقالوا: إنه شخصية وهمية تخيلها محدثوا القرن الثاني))( ).
10- الشيخ محب الدين الخطيب:
(

(1/53)


ابن سبأ صاحب مدرسة، منهج أصحابها محاربة الإسلام من الخلف): لا يكتفي بإثبات شخصية ابن سبأ كحقيقة تاريخية بل يعتبره صاحب مدرسة، منهج أصحابها محاربة الإسلام من الخلف، وأن ابن سبأ كان يحمل في يده جرثومة الثورة ضد عثمان- رضي الله عنه – وهو يؤكد- مخالفا للدكتور جواد علي- أن ابن سبأ كان مع ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة( ).
* ابن سبأ يعمل لحساب دولة الروم:
وقد ذهب ابن كثير ي ((البداية النهاية)) والبغدادي في ((الفرق بين الفرق)) إلى اتهامه بالعاملة لدولة الروم حيث يقول: ((إن الجمعية التي أنشأها ابن سبأ كانت تعمل لحساب دولة أجنبية هي دولة الروم التي انتزع منها المسلمون لسنوات قريبة قطرين كبيرين واسعين غنين: مصر والشام)).
ويؤكد حقيقة هذا الاستنتاج ما يلي:
* نزوحه إلى الشام إبان الصراع الضاري المستأسد بين المسلمين والروم، والذي بلغ ذروته في معركة ذات الصواري(31هـ،651م) هذه المعركة التي فتحت الباب لمعاوية رضي الله عنه وغيره لمحاولة فتح القسطنطينية.
* قدرته المالية العجيبة في الإنفاق على حركته التخريبية الكبيرة التي تضم مئات الأفراد وتشمل عدة أقطار إسلامية.
وينبهنا أبو خلف الأشعري في كتابه((المقالات والفرق)) إلى أنه كان داعية متحمسا ليهوديته قبل أن يعلن إسلامه. ومثل هذه الحقيقة تطرح علامة استفهام حول سبب إعلانه الإسلام وانضمامه إلى الصف الإسلامي.
* تعليق:
ولعلي بهذا العرض قد وقفت في طرح وجهة النظر بين الوهم والخيال والحقيقة والأفعال والذي يعيننا في مناقشة هذا الموضوع الهام والخطير أن دور ابن سبأ لا يزال ممتدا في حياتنا المعاصرة، وسواء من الناحية العسكرية باحتلال اليهود لفلسطين، وتشريد الشعب الفلسطيني المسلم، وقتل وتعذيب لعشرات الألوف منهم، فضلا عن العمل على إحلال السمت الصهيوني محل السمت الإسلامي في القدس الشريف، ومحاولة هدم الأقصى السليب.

(1/54)


ومن ناحية أخرى بالغزو الفكري لأفكار وعقول المسلمين، تحت مسميات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، منها على سبيل المثال التنوير والاختلاط والفن بكل صوره القبيحة الخبيثة، ووسائل الإعلام التي تعرض الجنس كدعوة عامة حتى ينزلق المجتمع في هذا المستنقع البغيض والأندية المشبوهة كالروتاري وغيره كثير، وما يسمى حديثا بالجمعيات النسوية ودورها المشبوه وو...
ومن ناحية ثالثة في المجال الاقتصادي المتمثل في محاولة السيطرة على ثروات الشعوب الإسلامية، وإضعاف اقتصادياتها مجتمعة أو كل على حدة، وجعلها سوقا استهلاكية لمنتجات الغرب الصليبي اليهودي، وفرض ما يسمى(بالجات) أو العولمة والأمركة، أو السوق الشرق أوسطية وغير ذلك كثير.
ومن هنا فإن مناقشة منهج السبئية هو الموضوع القديم الجديد، لأن آثاره كفيروس السرطان لا تزال تنخر في جسد الأمة الموحدة.
وشكرا لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية على اهتمامها بهذه الموضوعات، وجزى الله خيرا الأخ الدكتور(سليمان بن حمد العودة) على هذا العرض التحليلي الجيد الذي أضحى مادة علمية حية تعين الباحثين- بعد الله عز وجل – على البحث والتدقيق.
وأدعو الله أن يخلفنا أجيال وأجيال يتابعون السير في فضح مخططات اليهود على مر التاريخ.

مقدمات الفتنة
المآخذ على عثمان:
قالوا متعدين، متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته بمظالم ومناكير، منها:
- المأخذ الأول: ضربة لعمار حتى فتق أمعاءه( ).
* الرد عليه:
ونرد على هذا برواية لسعيد بن المسيب الذي قال إنه: كان بين عمار وعباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف حمل عثمان على أن يؤدبهما عليه بالضرب، وهذا مما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال قبل عثمان رضي الله عنه وبعده، وكم فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار ومن هم خير من عمار، بماله من حق الولاية على المسلمين.

(1/55)


ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات، وصاروا يرسلون الكتب من كل مصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة، فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالا ممن يثق بهم إلى الأمصار، حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال، تناسى عثمان ما كان من عمار، وأرسله عثمان إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها، فأبطأ عمار في مصر، والتف به السبئيون ليستميلوه إليهم، فتدارك عثمان وعامله على مصر هذا الأمر، وجئ بعمار إلى المدينة مكرما وعاتبه عثمان لما قدم عليه فقال له: يا أبا اليقظان قذفت ابن أبي لهب أن قذفك وغضبت علي أن أخذت لك بحقك وله بحقه، اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة، اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي، اخرج عني يا عمار( ) فخرج، فكان إذا لقي من يأمنه أقر بذلك وأظهر الندم.
المأخذ الثاني: ضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه( ).
*الرد عليه:
وعند ولاية عثمان كان ابن مسعود( ) واليا لعمر على أموال الكوفة, وسعد ابن أبى وقاص واليا على صلاتها وحربها, فاختلف سعد وابن مسعود على قرض استقرضه سعد فعزل عثمان سعدا وأبقى ابن مسعود. وإلى هنا لا يوجد بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو, فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عرضة عرض بها كتاب الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته, كان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به, وكان يود أيضا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى, فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين:

(1/56)


أما في اختيار عثمان زيد بن ثابت( ) لكتابة المصحف الموحد, فلأن أبا بكر وعمر اختاراه قبل ذلك لهذا العمل في خلافة أبى بكر, بل إن أبا بكر وعمر اختارا زيد بن ثابت في البداية, لأنه هو الذي حفظ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول صلوات الله عليه قبل وفاته, فكان عثمان على حق في هذا, وهو يعلم كما يعلم سائر الصحابة مكانة ابن مسعود وعلمه وصدق إيمانه, ثم إن عثمان كان على حق أيضا في غسل المصاحف الأخرى كلها ومنها مصحف ابن مسعود, لأن توحيد كتابة المصحف على أكمل ما كان في استطاعة البشر هو من أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة, وكان جمهور الصحابة في ذلك مع عثمان على ابن مسعود, وعلى كل حال فإن عثمان لم يمنعه عطاءه, وبقى يعرف له قدره كما بقى ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له, وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة( ).
* تعليق:
وعلى كل إذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارا, فهذا لا يقدح في أحد منهم فإن الثلاثة في الجنة, وأنهم من أكابر أولياء الله المتقنين, وإن ولى الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية, فكيف بالتعزيز وقد ضرب عمر بن الخطاب أبى بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه وقال:((هذا ذل للتابع وفتنة للمتبوع)) فإن كان عثمان أدب هؤلاء فإما أن يكون عثمان مصيبا في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك, ويكون ذلك الذي عزروا عليه تابوا منه وكفر عنهم بالتعزير وغيره من المصائب أو بحسناتهم العظيمة أو بغير ذلك, إما أن يقال كانوا مظلومين مطلقا, فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة فإنه أفضل منهم وأحق بالمغفرة والرحمة.
***
- المأخذ الثالث: ابتدع في جمع القرآن وتأليفه, وفي حرق المصاحف( ).
*الرد عليه:
ترى ما سبب قيام عثمان رضي الله عنه في جمع الناس على مصحف واحد؟

(1/57)


قدم حذيفة بن اليمان على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق, فحدثه حذيفة عن اختلافهم في القراءة, فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب إ اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالمصحف ننسخها في المصاحف, ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير( )، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام( ) فنسخوها في المصاحف.

*تعليق:
لما تولى على الخلافة أقر مصحف عثمان برسمه وتلاوته في جميع أمصار ولايته. وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام أبو بكر وعمر وعثمان هو أعظم حسناتهم, بل نقل بعض علماء الشيعة هذا الإجماع على لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: أيها الناس, الله ,الله إياكم والغلو في أمر عثمان وقولكم حراق المصاحف, فوا الله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي اختلفت الناس فيها, يلقى الرجل الرجل فيقول قراءتي خير من قراءتك, وهذا يجر إلى الكفر؟ فقلنا:ما الرأي؟ قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا فقلنا: نعمّ ما رأيت( ).
- المأخذ الرابع: حمى الحمى( ).
*الرد عليه:
ما موقف الإسلام منا الحمى؟
كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضا في حيه استعوى كلبا، فحمى لخيله وإبله وسوائمه مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلما جاء الإسلام نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، واختص الحمى بإبل الزكاة المرصد للجهاد والمصالح العامة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا حمى إلا لله ورسوله)).

(1/58)


ومعلوم أن الحال استمر في خلافة أبي بكر على ما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا بكر لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما وأن حاجة الجهاد إلى الخيل والإبل زادت عن قبل، وفي زمن عمر اتسع الحمى- سرف والربذة- وكان لعمر عامل على الحمى هو مولى له يدعي هنيا.
وكما اتسع عمر في الحمى عما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لزيادة سوائم بيت المال في زمنه، اتسع عثمان بعد ذلك لاتساع الدولة وازدياد الفتوح، فالذي أجازه النبي صلى الله عليه وسلم لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان، ويكون الاعتراض عليه اعتراضا على أمر داخل في التشريع الإسلامي، ولما أجاب عثمان على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ من الصحابة، أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها، لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، وأنهم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا، وذكر عن نفسه أنه قبل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيرا وشاء، ثم أمسى وليس له غير بعيرين.
- المأخذ الخامس: إنه أجلى أبا ذر( ) إلى الربذة( ):
* تسيير أبي ذر إلى الربذة:
(معاوية: يا أبا ذر ألسنا عباد الله والمال ماله): لقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة من سب معاوية إياه، وتهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع الذي لا يصح النقل به، لو صح لكان ينبغي أن يعتذر عثمان.
وحقيقة الأمر أنه لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أباذر فقال: يا أباذر ألا تعجب من معاوية يقول: المال مال الله ألا إن كل شيء لله, كأنه يريد أن يحتجنه دون الناس ويمحو اسم المسلمين.
(أبو ذر: بشر الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من النار تكون بها جباههم)

(1/59)


وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لكريم ويأخذ بظاهر القرآن { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}( ) ( ).
ثم توجه أبو ذر إلى معاوية رضي الله عنهما فقال: ما يدعوك على أن تسمي مال المسلمين مال الله الساعة؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه والأمر أمره؟ قال: فلا تقله. قال: سأقول مال المسلمين( ).
ورأى معاوية رضي الله عنه أن موقف أبي ذر رضي الله عنه يمكن أن يؤدي إلى اضطراب الأمر في الشام فأرسله إلى الخليفة معززا مكرما.
(أبو ذر لعثمان: تأذن لي في الخروج من المدينة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرني بالخروج منها): فأذن له، فنزل الربذة وبنى بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه كل يوم عطاء وكذلك على رافع بن خديج( ).
* تعليق:
ومن خلال هذا العرض السريع نرى أن نفي عثمان لأبي ذر لم يحدث، واختيار أبو ذر أن يعتزل في الربذة كما تقدم.

- المأخذ السادس: أنه أخرج من الشام أبا الدرداء( ).
* الرد عليه:
وقع بين أبي الدرداء ومعاوية كلام، وكان أبو الدرداء زاهدا، فاضلا، قاضيا لهم فلما اشتد في الحق، وعلى طريقة عمر رضي الله عنه في القوم لم يحتملوها فتم عزله، فخرج إلى المدينة وهذه كلها مصالح لا تقدر في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال. وأبو الدرداء وأبو ذر بريئان، وعثمان رضي الله عنه برئ أعظم براءة وأكثر نزاهة، فمن روي أنه نفي وروي سببا فهو كله باطل( ).
***
- المأخذ السابع: أنه رد الحكم بعد أنه نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
* الرد عليه:
يتمثل الرد هذا المأخذ في النقاط التالية:
1. ... القصة لم ترد في كتب الصحاح.
2. ... ليس لها إسناد يعرف به أمرها.

(1/60)


3. ... طعن كثير من أهل العلم في نفيه.
4. ... القصة ذكرت مرسلة، وذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه.
5. ... إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عزر رجلا بالنفي لا يلزم أن يبقى منفيا طول الزمان، فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب(هذا على افتراض صحة المأخذ).
6. ... كان عثمان رضي الله عنه قد شفع في عبد الله بن أبي السرح فقبل صلى الله عليه وسلم شفاعته فيه وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم؟!!
وعلى ذلك فكيف يكون لعثمان رضي الله عنه ذنب بأمر لا تعرف حقيقته؟!!
- المأخذ الثامن: إبطاله سنة القصر في الصلوات في السفر( ).
* الرد عليه:
كان ذلك في منى في موسم الحج سنة 29هـ، وقد عاتب عبد الرحمن بن عوف عثمان في إتمامه الصلاة وهم في منى، فاعتذر له عثمان رضي الله عنه بأن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قالوا في العام الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، وهذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، ثم قال عثمان لعبد الرحمن بن عوف: وقد اتخذت بمكة أهلا- أي أنه صار في حكم المقيم، لا المسافر- فرأيت أن أصلي أربعا لخوف ما أخاف على الناس. ثم خرج عبد الرحمن بن عوف من عند عثمان رضي الله عنه فلقي عبد الله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: الخلاف شر قد بلغني أنه يصلي أربعا فصليت بأصحابي أربعا.
وعلى هذا فتركه القصر اجتهادا منه خوفا من أن يفتنن الناس فتؤدي السنة إلى إسقاط الفريضة( ).
***
- المأخذ التاسع: توليته لمعاوية، وعبد الله بن عامر بن كريز، ومروان والوليد بن عقبة وهو فاسق ليس من أهل الولاية( ).
*الرد عليه:

(1/61)


يعلق ابن تيمية! على ذلك من قوله: ومن العجيب أن الشيعة ينكرون على عثمان رضي الله عنه ما يدعون أن علياً رضي الله عنه كان أبلغ فيه من عثمان رضي الله عنه ومعلوم أن علياً ولى أقاربه من أمه،كعبد الله بن عباس( ) على البصرة , فولى عبد الله ابن عباس( ) اليمن وولى على مكة والطائف قثم بن عباس( ), والمدينة قيل سهل بن حنيف( ) وقيل: تمامة بن عباس , والبصرة عبد الله بن عباس وعلى مصر محمد بن أبي بكر( ) الذي تربى في حجره ولا يعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عيال لرسول الله من بني عبد شمس لأنهم كانوا كثيرين.ولا نقصد أن ننتقد علياً رضي الله عنه ولا أن نقول أنه أتى منكراً حين ولى أقاربه وإنما نريد أن نفضح أهل الأهواء الذين يكيلون بكيلين من لم يولى عثمان أقاربه لهوى نفسه لقول رسول الله: ((من ولى من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه , فقد خان الله ورسوله)). وإنما كان اجتهاده الخاص في حدود تعاليم الشرع وكذا من علي رضي الله عنه فإن كانا مصيبين فلهما أجران.
ويمكن القول إن أبرز العمال الذين ولاهم عثمان رضي الله عنه من أقاربه قد أثبتوا الكفاءة والمقدرة في إدارة شئون ولاياتهم , وفتح الله على أيديهم الكثير من البلدان وساروا في الرعية سيرة العدل والإحسان ومنهم من تقلد مهام الولاية قبل ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم ونذكر من هؤلاء:
*معاوية:
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في الشام: وقد ولاه عمر رضي الله عنه حينما استخلفه مكان أخيه يزيد الذي توفى في طاعون عمواس عام 18هـ (639م)( ) ثم أقره على بلاد الشام كلها( ), قبل أن يكون معاوية رضي الله عنه من عمال عثمان رضي الله عنه.وكانت سيرته رضي الله عنه مع الرعية في ولايته من خير سيرة الولاة مما جعل الناس يحبونه.
*أما عبد الله بن عامر:

(1/62)


كان كريم العمات والخالات ,فإن أم أبيه أروى بنت كريز أمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لبني عبد شمس:((هذا أشبه بنا منه بكم)). ثم تفل في فيه فازدرده , فقال صلى الله عليه وسلم: ((أرجو أن يكون مسقاً)), فكان لا يعالج أرضاً إلا ظهر منها الماء. وأطراف فارس, وسجستان, وكرمان حتى بلغ أعمال غزنة( ), وقضى على يزدجر ابن شهريار آخر ملوك الفرس, ويعتقد الإيرانيون أن سلسلة ملوكهم بدأت بآدمهم الذي يسمونه (جيومرت), فلم يزل ملك أولاده منتظما, إلى أن كان القضاء الأخير عليه بسلطان الإسلام في خلافة أمير المؤمنين عثمان بجهاد هذا العبشمي الآباء, الهاشمي الخئولة عبد الله بن عامر بن كريز. وهي حرقة في قلوب أهل النزعة المجوسية على الإسلام.
***
*تعليق:
ونحن لا ندعى العصمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونتوقع الخطأ من كل إنسان, صحابيا كان أو من التابعين أو الذين يتبعونهم بإحسان. ولكن الذين ملأ الدنيا بالحسنات كأنها الجبال, فإن الذي يعمى عنها ويدس أنفه في مرمى القاذورات ليستخرج منها ما يذم العظماء به، وإن لم يجد يختلق ويكذب، فأن من كرامة المسلم على نفسه أن يترفع عن الإصغاء لأمثال هؤلاء والانخداع لهم.
* أما مروان والوليد:
فقول القائلين فيهما شديد عليهما وحكمهم عليهما بالفسق فسق منهم.
مروان رجل عدل، من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. وقد روي عن سهل بن سعد الساعدي( ). وأما التابعون فأصحابه في السنن، وإن جازهم باسم الصحبة في أحد القولين. وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه، واعتبار خلافته، والانقياد إلى روايته. وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم.
والوليد بن عقبة كان أحد الرجال الذين استخدمهم الخليفة الصديق، وولاهم عمر رضي الله عنه على صدقات بني تغلب، وكان على عرب الجزيرة عاملا له، وكان الوليد شهما شجاعا كثير الغزو( ).

(1/63)


وفي قولهم شرب الوليد الخمر وهو وال على الكوفة من قبل عثمان، فهو مع ثبوته ليس مأخذا على عثمان، بل كان من مناقب عثمان أن قام عليه الحد وعزله عن الكوفة( ).
***
* تعليق:
ولعل نوعا من الشراب قد التبس عليه كما حدث لولد عمر بن الخطاب في مصر وأقام عليه عمرو بن العاص الحد. والله أعلى وأعلم.
***
- المأخذ العاشر: إعطائه مروان خمس أفريقية( ).
* الرد عليه:
أما إعطاؤه خمس إفريقية لواحد فلم يصح والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي السرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه وذلك أن عثمان لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي السرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: إن فتح الله عليك غدا إفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا. فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض أفريقية وفتحوا سهلها وجبلها، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم، وأخذ خمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصرى، فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا سخطه، فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرد فرده( ).

-المأخذ الحادي عشر: كان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا( ).
* الرد عليه:
أما قولهم إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع أو عصى وإنما هو باطل يحكي وزور ينثى( ).
- المأخذ الثاني عشر: علا عثمان على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد انحط عنها أبو بكر وعمر.
* الرد عليه:

(1/64)


كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيق المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وسعه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم زاد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته، وبعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه( ).

-المأخذ الثالث عشر: لم يحضر بدرا،وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان.
*الرد عليه:
أما فراره يوم أحد وتغيبه يوم بدر وبيعة الرضوان فلنرى ما قاله ابن عمر حينما سأله رجل من أهل مصر عن ذلك: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه)). وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذه يد عثمان)) فضرب بها على يده فقال: ((هذه لعثمان))( ).
المأخذ الرابع عشر: ترك القصاص من عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان( ).
* الرد عليه:

(1/65)


أما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالهرمزان فأن ذلك باطل وذلك بشهادة ابنه الذي قال: لما ولي عثمان رضي الله عنه دعاني فأمكنني منه – أ من عبيد الله بن عمر بن الخطاب- ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله. فخرجت به وما في الأرض أحد معي، إلا أنهم يطلبون إلى فيه. فقلت لهم: إلي قتله؟ قالوا: ظشم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم. هذا كلام ابن الهرمزان، وإن كل منصف يعتقد- لعل ابن الهرمزان أيضا كان يعتقد- أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا آلة في يد هذا السياسي الفارسي. وإن موقف عثمان وإخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الإنسانية( ).
المأخذ الخامس عشر: كتابه إلى أبي السرح بقتل من ذكر فيه.
*الرد عليه:
كيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي السرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة، ويعلم أنه خرج من مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة، ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه( ).
وكل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحدا من هذا الضرب. وقد سعوا في قتله- أي في قتل أمير المؤمنين عثمان- ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم( ).
المأخذ السادس عشر: إضاعة خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في بئر أريس( ).
*الرد عليه:

(1/66)


وتفصيل ذلك( ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد اتخذ خاتما نقش عليه اسمه، وكان يختم به رسائله الرسمية إلى القواد والأمراء والملوك، ولما توفي صلى الله عليه وسلم إنتقل الخاتم إلى أبي بكر ثم عمر ثم إلى عثمان، وكانوا يستعملونه للأغراض نفسها ويتفاءلون به. وصادف أن سقط من يد عثمان رضي الله عنه سنة 30هـ في بئر أريس. وقد حاول المسلمون عبثا إيجاده، مما أغاظ عثمان وأدى إلى تشاؤم المسلمين وحنق بعضهم على عثمان، واعتبارهم إياه متهاونا في حفظ خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن أخطر سلاح لمحاربة الحاكم هو سلاح الشائعات، فلنا أن نتصور واقع الأمة بعد أن ملأت مزاعم السبئية معظم الأنحاء في الكوفة والبصرة مصر والأعراب في شبه الجزيرة, وغير ذلك.
والدولة الإسلامية في هذه الفتوة أصبحت متسعة الأرجاء في بلاد الفرس والشام ومصر إلى تونس فضلا عن شبه الجزيرة العربية، الأمر الذي يصعب معه المواجهة السريعة لهذا السلاح الخطير.
وبعد أن أرسل عثمان رضي الله عنه رسلا إلى الأمصار للتثبت من حقيقة الأمر، ولما جاءت الأخبار بصحة الشائعات فكان لزما على الخليفة أن يجتمع ولاته ويستشيرهم على هذا الأمر.

* مشاورة عثمان- رضي الله عنه – للولاية:
(عثمان -رضي الله عنه -: إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي): فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى معاوية، وعبد الله بن سعد، وإلى سعيد ابن العاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عامر فجمعهم فشاورهم وقال لهم: إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلى أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليّ( ).
(ابن عامر: أرى أن تشغلهم بالجهاد عنك): فقال له ابن عامر: أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم باجهاد عنك حتى يذلوا لك، ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته.
(

(1/67)


سعيد: إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا): وقال سعيد: أحسم عنك الداء فأقطع عنك الذي تخاف، إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر. فقال عثمان رضي الله عنه: إن هذا هو الرأي لو لا ما فيه( ).
(معاوية: تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قلبه): وقال معاوية: أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام.
(عبد الله بن سعد: الناس أهل الطمع فأعطهم من هذا المال): وقال عبد الله بن سعد: إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
(عمرو بن العاص: إنك قد ركبت الناس فاعتدل أو اعتزل.. والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك): ثم قام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا، وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وأقدم قدما. فقال له عثمان رضي الله عنه: مالك قمل فروك؟ هذا الجد منك فسكت عمرو حتى تفرقوا فقال: والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك، ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي، فيثقوا بي فأقود إليك خيرا، وأدفع عنك شرا، فرد عثمان عماله إلى أعمالهم، وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ورد سعيدا إلى الكوفة فلقيه الناس من الجرعة.(*) ( ).

*تحرك المتآمرين نحو المدينة*
(

(1/68)


كان أهل مصر يشتهون علياً.. وأهل البصرة يشتهون طلحة.. وأهل الكوفة يشتهون الزبير): لما كان شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول: ستمائة. والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيي، وسودان بن حمران السكونى، وقتيرة بن حمران السكونى، وعلى القوم جميعا الغافقي ابن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء، وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم أحد بنى عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن الأصم، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح الحطم ابن شبيعة القيسي وابن المحرش بن عبد بن عمرو الحنفى، وعددهم كعدد أهل مصر وأميرهم جميعاً حرقوص بن زهير السعدي سوى من تلاحق بهم من الناس، فأما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون عليا رضي الله عنه وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير( ).
(نزل أهل البصرة بذي خشب وأهل الكوفة بالأعوص وأهل مصر بذي المروة): فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى، لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها وأن أمرها سيتم دون الآخرين، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامتهم بذي المروة( ).
(

(1/69)


زيادة بن النضر وعبد الله بن الأصم: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد): ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله ابن الأصم، وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فوالله إن كان أهل المدينة قد خافوا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد، وإن أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر( ).
(إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا): قالوا: ذهبا فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير وقالا: إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول فكلهم أبى ونهى وقال: بيض ما يفرخن، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا رضي الله عنه ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا و إلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم( ).
(لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد): فأتى المصريون عليا رضي الله عنه وهو في عسكر عند أحجار الزيت عليه حلة أفواف، معتماً بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف، ليس عليه قميص وقد سرح ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند أحجار الزيت فسلم عليه المصريون، وعرضوا له فصاح بهم و طردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صحبكم الله! قالوا: نعم فانصرفوا من عنده على ذلك.

(1/70)


وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي، وقد أرسل بنيه إلى عثمان رضي الله عنه فسلم البصريون عليه وعرضوا له فصاح بهم و طردهم وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد الله إلى عثمان فسلموا عليه، وعرضوا له فصاح بهم و طردهم وقال: لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فخرج القوم، وأروهم أنهم يرجعون فانفشوا عن ذي خشب والأعوص حتى انتهوا إلى عساكرهم وهى ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة، ثم يكروا راجعين فافترق أهل المدينة لخروجهم.
* تعليق:
ا- إن كلا منهم قد رفض طلبهم في إسناد الخلافة له. بل وطردهم وأعلموهم بأنهم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وأكثر من هذا الدعاء عليهم (لا صحبكم لله).
2- إن عليا قد أرسل ابنه الحسن رضي الله عنه لحراسة الخليفة عثمان، وأن طلحة رضي الله عنه قد أرسل ابنيه والزبير رضي الله عنه أرسل ولده عبد الله.
أردت بهذا التعليق التأكيد على وحدة صف الصحابة رضي الله عنهم وأنهم جميعا على قلب رجل واحد رفضاً للخلافة ودفاعا عن عثمان رضي الله عنه.
وقد يتبادر سؤال آخر: هل كان بمقدور الصحابة إخراج أهل الفتنة من المدينة؟ الجواب: لا. لأنهم الأكثر عددًا وعدة.
سؤال ثالث: هل كان اختيار واحد من الثلاثة كفيلا بالقضاء على هذه الفتنة؟
الجواب: لا. لأن النية معقودة على اغتيال الخلافة بقتل الخليفة وزرع بذور الفتنة بين المسلمين، ولعل تتابع الأحداث القادمة يؤكد هذا الرأي.
(من كف يده فهو آمن): فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم فبغتوهم، فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان رضي الله عنه وقالوا: من كف يده فهو آمن( ).
(

(1/71)


علي: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟): وصلى عثمان رضي الله عنه بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدا من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم على فقال: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع البريد كتابا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا كأنما كانوا على ميعاد.
(علي رضي الله عنه: هذا والله أمر أبرم بالمدينة!): فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة! قالوا: فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا( ).
* تعليق:
بعد خروج أهل الفتنة من المدينة، أحسوا أن خطتهم قد باءت بالفشل، فدبروا فكرة رسالة لوالى مصر يأمرهم فيها الخليفة بقتلهم، وهذا الأمر كفيل بأن يشعر أتباع ابن سبأ بأنهم مقتولون لا محالة إن عادوا إلى مصر والأمر الذي ينطبق على أهل الكوفة والبصرة.
وعند عودتهم إلى المدينة تحمس الجميع إلى فكرة تتل عثمان رضي الله عنه لكونها من وجهة نظرهم الحل الوحيد لإنقاذهم من قتل ولاتهم لهم.
والدليل على ذلك أن نفي الخليفة لتهمة إرساله هذا الكتاب بل واتهامهم بتزوير خاتمه لم تجد مع قلوب ملأها ابن سبأ بالحقد والكراهية على صاحب النورين عثمان ابن عفان رضي الله عنه وأصبحوا جميعا كقطيع من الدواب يحركهم رؤوس الفتنة وفق خطتهم.
والمتأمل لهذا الموقف يجد أن هؤلاء جميعا قد خرجوا عن الإسلام فكيف يجتمع في قلوبهم نية قتل أمير المؤمنين والإيمان؟!!
ومن هنا فإنني حين أعرض هذا الأمر على فكر القارئ الكريم أحاول أن أمحو من ذهنه فكرة قتل عثمان رضي الله عنه بيد إسلامية.

(1/72)


ولا يغيب عن ذهننا أيضًا أن قتل عمر رضي الله عنه كان بيد مجوسية نصرانية وفكر يهودي بعد تنفيذ عمر رضي الله عنه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم ((أن لا يبقى بالجزيرة دينان)) فلم تسنح الفرصة لأبى بكر رضي الله عنه لإخراجهم لانشغاله رضي الله عنه بأمر المرتدين والمتنبئين، ولكنها سنحت للفاروق رضي الله عنهم جميعًا، ومن ثم فالمخطط قائم للقضاء على الأمة الإسلامية، وكعادة اليهود قديما وحديثا من الاعتماد في تنفيذ مخططاتهم على القوى النصرانية!! ففي هذا الوقت كان الاعتماد على الروم، كما أن اعتمادهم الآن على روم العصر الحديث (ا لأمريكان).
وأستخلص درسا لنا جميعا حكاما ومحكومين في عجالة: إن أساليب اليهود في اغتيال حكام المسلمين لم يتغير والتي تبدأ بإطلاق الشائعات على الحاكم المسلم فيوغرون صدور المحكومين عليه ثم يأتي التدبير بالاغتيال والمجال لا يسمح بعرض نماذج لهذا المخطط، ولكن الذي يعنيني هنا وحدة الصف داخل الدولة الواحدة في إطار الأمة وإذا حدث ما لا يروق للمحكومين فأسلوب التناصح هو الأمثل والأنفع.
(

(1/73)


عثمان رضي الله عنه: فلما انتهت الأمور عابوا على أشياء مما كانوا يرضون): وكتب عثمان رضي الله عنه إلى أهل الأمصار يستمدهم قائلا: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإن الله عز وجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، فبلغ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملأ منهم ومن الناس علي على غير طلب منى ولا محبة، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلف. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله، بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا على أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع فازدادوا على الله عز وجل جرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو( ).
***
* تعليق:
لا يملك الخليفة رضي الله عنه إلا طلب المساعدة من الأمصار، والتي لبت نداء الاستغاثة على الفور، ولكن حساب أهل الفتنة لنجدة الأمصار ليس بغائب عنهم فالمسافة بين المدينة والعراق ومصر بعيدة والوقت المتوقع لوصول جيوش ا لأمصار كفيل بتنفيذ مخططهم والذي يبدأ بقتل الخليفة رضي الله عنه.

* دماء على قميص عثمان*
رضي الله عنه

(1/74)


*الحصار الآثم لبيت أمير المؤمنين:
(عثمان رضي الله عنه: ألا تتقون الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري؟): دام الحصار أربعين يوما، فلما مضت من الأربعين ثماني عشرة قدم ركبان من الوجوه، فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق، حبيب من الشام، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان رضي الله عنه ومنعوه كل شيء حتى الماء، وقد كان يدخل علي بالشيء مما يريد وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة فعثروا في داره بالحجارة ليرموا فيقولوا: قوتلنا- وذلك ليلا- فناداهم: ألا تتقون الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري؟ قالوا: لا والله ما رميناك. قال: فمن رمانا؟. قالوا: الله، قال: كذبتم إن الله عز وجل لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا( ).
(عثمان رضي الله عنه لبعض جيرانه: إنهم منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا): وأشرف عثمان رضي الله عنه على آل حزم وهم جيرانه فسرح ابنا لعمر إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا. وإلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة رضي الله عنهم وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان أولهم إنجادا له على وأم حبيبة( ).
(ابن عباس: والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلى من الحج): وبقي عثمان رضي الله عنه يسقيه آل حزم في الغفلات عليهم الرقباء، فأشرف عثمان على الناس فقال: يا عبد الله بن عباس- فدعى له- فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممن لزم الباب- فقال: والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج فأقسم عليه لتنطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته فانصرف بها، وفي الزبير اختلاف أأدرك مقتله أم خرج قبله؟ وقال عثمان رضي الله عنه:
{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ}( ).

(1/75)


اللهم خل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل( ).
(عثمان رضي الله عنه: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله) كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار- وكانوا قريبا من سبعمائة فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه- أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله وقال: من أغمد سيفه فهو حر، فبرد القتال من داخل وحمى من خارج( ).
(عثمان رضي الله عنه: لست خالعا قميصا كسانيه الله): كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه، فانتدب للخليفة رجل من البغاة، فدخل عليه البيت، فقال: اخلعها وندعك، فقال: ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء( ).
(عثمان رضي الله عنه: إن رسول الله استغفر لك.. فلن تقارف دما حراما): فخرج وقال ما صنعت؟ فقال: علقنا، والله ما ينجينا من الناس إلا قتله، وما يحل لنا قتله فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث، فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثي، فقال: لست بصاحبي، قال: وكيف؟، فقال ألست الذي دعا لك النبي صلى الله عليه وسلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟، قال: بلى، قال: فلن تضيع، فرجع وفارق القوم فأدخلوا عليه رجلا من قريش، فقال: يا عثمان إني قاتلك قال: كلا يا فلان لا تقتلني، قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما حراما، فاستغفر ورجع وفارق أصحابه( ).
(

(1/76)


عبد الله بن سلام: الله الله في هذا الرجل إن تقتلوه لتطردن جيرانكم الملائكة): فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على الباب ينهاهم عن قتله، وقال:
يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف، ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله، والله لئن قتلتموه لتركتها.
فقالوا: يا ابن اليهودية وما أنت هذا فرجع عنهم. وروى عن عبد الملك بن
عمير عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد قتل عثمان رضي الله عنه جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان رضي الله عنه: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير إلي منك داخل. فخرج عبد الله إلى الناس فقال: أيها الناس إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ونزلت في آيات من كتاب الله عز وجل ونزل في { شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ }( ). ونزل في { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ }( ) إن لله سيفا مغمودا وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله الله في هذا الرجل، إن تقتلوه لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلن سيف الله المغمود فيكم فلا يغمد إلى يوم القيامة.
* تعليق:
انظر إلى الفرق الشاسع بين عبد الله بن سلام الذي تطوع للدفاع عن عثمان رضي الله عنه وبين عبد الله بن سبأ الذي كان يحرض الناس على قتله فإن كليهما كان يهوديا وأسلم( ).
(عثمان رضي الله عنه: ويلك! أعلى الله تغضب؟): وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبى بكر، فقال له عثمان رضي الله عنه: ويلك! أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك! فنكل ورجع( ).
(

(1/77)


سودان بن حمران: إنها لكبيرة العجيزة، وضرب عثمان فقتله): فلما خرج محمد
ابن أبى بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان ابنا حمران السكونيان، والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة واتقت السيف بيدها فتعمدها ونفح أصابعها، فأطن( ) أصابع يدها وولت فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لنصره- وقد كان عثمان أعتق من كف منهم- فلما رأوا سودان قد ضربه، أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت، وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى. فلما خرجوا إلى الدار، وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما ودوا حتى تناولوا ما على النساء( ).
***
* تعليق:
1- دخول محمد بن أبى بكر على عثمان رضي الله عنه يجسد لنا الشجن النفسي اليهودي الذي تعرض له محمد والذي يتعارض تماماً مع يقينه وإيمانه ولا أدل على ذلك من سرعة رجوعه بعد عتاب الخليفة رضي الله عنه له.
2- ثورة ابني حمران السكونيين بسبب فشل خطتهم والتي تقضى بقتل الخليفة بيد محمد ابن أبي بكر والتي ترمي إلى انقسام أهل المدينة بل ومكة على أنفسهم.
3- ضرب الغافقي للخليفة رضي الله عنه وضرب المصحف الشريف برجله يؤكد ما ذهبت إليه آنفا من عدم انتساب هؤلاء إلى الإسلام وأنهم عبارة عن أدوات بيد ابن سبأ لتنفيذ خطته.
وفى عصرنا الحديث حينما وقف عضو في مجلس العموم البريطاني، وأخذ يقطع صفحات المصحف الشريف، ما يؤكد أن الهدف واحد وأن المخطط قديم وحديث ولكن الأمة في غفلة، وما أمر وسائل الإعلام المختلفة إلا وسيلة لشغل أوقات المسلمين فلا يجدون الوقت لمتابعة القراءة في القرآن الكريم، وهي خطوة أيضا نحو إبعاد المسلمين عن كتاب الله عز وجل.

(1/78)


4- سيلان دماء عثمان رضي الله عنه على المصحف الشريف وكأنه رسالة إلى الأمة بالتمسك بكتاب الله عز وجل مهما كانت التضحيات.
5- جزاك الله خيرا يا نائلة رضي الله عنها زوج الخليفة- على دفاعك عن أمير المؤمنين حتى قطعت أصابع يدك. وموقفك هذا درس لنساء الأمة في الثبات على الحق مهما كلفها ذلك من تضحيات.
6- غمز الغافقي قاتل الخليفة لنائلة رضي الله عنها في أوراكها وقوله: إنها لكبيرة العجيزة فهو لم يخرج عن الإسلام فقط ولكنه خرج عن أعراف العرب التي توقر النساء وتحفظ حرمتها.
7- لله درك يا أمير المؤمنين، حين أحس بالخطر أحدق به أمر كل من بداره بالخروج حماية لهم حتى لا يراق دم في سبيل الدفاع عنه.
فلو حدث ودارت رحى حرب بينهم وبين أهل الفتنة وهم الأكثر عددا وعدة فلربما تعرضت مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم لأخطار لا يعلم مداها إلا الله.
8- ما توقع أحد من أهل المدينة أن يصل الأمر إلى قتل الخليفة رضي الله عنه وأن الموقف سينتهي بقدوم جيوش الأمصار.
9- إلى من يتشدقون بما يسمى بأسلوب الحوار الديمقراطي وقد يتركون الناس يقولون ما يريدون والحكومات في نفس الوقت تفعل ما تريد.
أين أنتم من أسلوب الحوار الإسلامي بين الخليفة وبين أهل الفتنة بقوله لهم ((ألا تتقون الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري؟)) يقول ذلك وهم يضربون بيته رضي الله عنه بالحجارة ويزعمون أن الله هو الذي رماه!! فيقول لهم: ((كذبتم إن الله عز وجل لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا)).
أيها القارئ الكريم انظر إلى مساحة الاختلاف في ظل الإسلام بين أمير المؤمنين وأهل الفتنة، فما بالنا بتلك المساحة بينه وبين المسلمين أنفسهم!!

دفن عثمان*
(

(1/79)


بقي عثمان رضي الله عنه ثلاثة أيام لم يدفن): إن حكيم بن حزام وجبير بن مطعم، كلما عليا في أن يأذن في دفنه فقعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به جمع يسير من أهله وغيرهم وفيهم الزبير والحسن وأبو جهم ابن حذيفة ومروان بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطا من حيطان المدينة يسمى حش كوكب، وهو خارج البقيع، فصلى عليه جبير بن مطعم وخلفه حكيم بن حزام وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم الأسلمي.
(من نزل في قبره وشهد جنازته): ونزل في قبره بيان وأبو جهم وحبيب. وقيل: شهد جنازته علي وطلحة وزيد بن ثابت وكعب بن مالك وعامة من أصحابه وعن الحسن قال: شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه، وفى البخاري أنه لم يغسل( ).
* تعليق:
يا لها من فتنة عاشها المسلمون بالمدينة، يقتل أمير المؤمنين، ويترك جسمانه الطاهر ثلاثة أيام دون دفن، بفعل أهل الفتنة، ويمنع علي رضي الله عنه من دفنه وإلا ضربوه بالحجارة، والتي تؤدي لا محالة إلى قتله أو إصابته، وينهي الأمر بخروج جمع يسير، ويشيعون جسمان أمير المؤمنين!!

(1/80)


أمة يقتل أميرها ويضرب بالقدم كتابها ويعتدي على حريمها وما ذلك إلا جزء من مخطط كبير للقضاء على أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فقد حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وهناك،.. رواية للواقدي تكشف أن أبا بكر رضي الله عنه مات متأثرا بسم وضع له يموت بعده بعام، ثم يلحق به عمر رضي الله عنه بعد أن طعنوه وهو قائم يصلي بالمسلمين، ثم يأتي الدور على ذي النورين رضي الله عنه والأحداث التي تتابع لتؤكد أن الهدف هو القضاء على الأمة، ولكن هيهات هيهات فقد عادت قوية فتية في عهد الأمويين فتحت المشارق والمغارب، ورغم أنهم استخدموا أسلحتهم مع الخلفاء في آخر عهد الأمويين إلا أن العباسيين قاموا بالأمة خير قيام، فإذا بمخططاتهم تغتال سلطة الخليفة إبتداءا من 232 هـ بيد الأتراك تارة ثم الفرس تارة أخرى، وبيد الأتراك السلاجقة مرة ثالثة، وبيد اليهود والنصارى في الحروب الصليبية واحتلوا الأقصى وبعض بلاد الشام، فقيد الله (صلاح الدين) فهزمهم في حطين، ووقع لويس التاسع أسيرا في مصر، وبيد التتار مرة رابعة، وحينئذ حمل المماليك اللواء فهزموا التتار وأعادوا للأمة عزها ومجدها إلا أن يد هؤلاء طالتهم في أواخر أيامهم، فكانت الخلافة العثمانية والتي أعادت شباب الأمة من جديد خاصة المجاهد البطل (محمد الفاتح)، ثم تآمروا على الخلافة حيث قسموها فيما بين الصليبيين، ومنحوا اليهود وطنا في فلسطين، فهل توقف المخطط؟ الجواب: لا. فهناك السوق الشرق أوسطية، والعولمة (الأمركة) والمخططات مستمرة. فمتى تستيقظ الأمة؟!!
***
*الأحوال في المدينة:
(الغافقي بن حرب أمير المدينة): بقيت المدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنه خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه.
(

(1/81)


علي باعد المصريين وتبرأ منهم وكذا فعل الزبير وطلحة): يأتي المصريون عليا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة- أي يختبئ في بساتينها- فإذا لقوه باعدهم، وتبرأ منهم، ومن مقالتهم مرة بعد مرة، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم، وتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم( ).
(سعد بن أبي وقاص: لا حاجة لي فيها): فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى؛ فرأينا فيك مجتمع فأقدم نبايعك فبعث إليهم: إني وابن عمر خرجنا منهم فلا حاجة لي فيها.
(ابن عمر: فالتمسوا غيري): ثم إنهم أتوا ابن عمر فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقاما، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري.
(أهل مصر: يا أهل المدينة أنتم أهل شورى فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع): لما كان يوم الخميس- على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان- جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له، فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه، ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون( ).
* تعليق:
عاشت المدينة خمسة أيام يتحكم فيها أهل الفتنة والكل زاهد في الخلافة وأهل الفتنة يلحون بها ليس حفاظا عليها ولكن كي ينتقلوا إلى مرحلة أخرى من مخططهم، لم وافق أهل الفتنة على رأي الجمهور باختيار علي رضي الله عنه؟

(1/82)


الجواب: اجتهاد مني قد أصيب وقد أخطأ فيه والله تعالى أعلى وأعلم، فإن اختيار علي رضي الله عنه فهو رغم مكانته وارتفاع منزلته رضي الله عنه إلا أنه في نفس الوقت يمثل البيت الهاشمي وهذا من وجهة نظر ابن سبأ (اليهودي) يمثل مرحلة أخرى من الصراع بين البيت الهاشمي والبيت الأموي الذي سوف يمثله معاوية رضي الله عنه حينما يختلف مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنهما في أولويات الإصلاح هل البداية تكون بالثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه وهذا رأي معاوية رضي الله عنه أم بتسكين الأمر حتى يمسك أمير المؤمنين رضي الله عنه بزمام الأمة ثم يكون القصاص. خاصة وأهل الفتنة يمثلون في المدينة قوة تفوق قوة المسلمين وهذا رأي علي رضي الله عنه.
ورحم الله ابن كثير صاحب البداية والنهاية حين قال: كلاهما مجتهد فعلي اجتهد وأصاب فله أجران ومعاوية اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.
وأستأذنك أيها القارئ الكريم في أن أتوقف عند هذا الحد ونستكمل الحديث في كتاب "طعنة في قلب علي رضي الله عنه.

قائمة ا لمرا جع
ا- ابن الأثير: أبو الحسن علي بن أبي الكرم بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ت630 هـ)- الكامل في التاريخ- ط 1978 م.
2- أمخزون: محمد- تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدثين- الطبعة ا لأولى- دار طيبة للنشر والتوزيع- السعودية 1415هـ/ 1994م.
3- البغدادي: صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (ت 739 هـ)- مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع- تحقيق علي محمد البجاوي- طبعة دار
إحياء الكتب العربية1954م.
4- جمعة: أحمد خليل- نساء أهل البيت في ضوء القرآن والحديث- الطبعة الأولى 1415 هـ/ 1994 م- دمشق.
5- ابن الجوزي: جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ)- مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- دراسة وشرح وتقديم سعيد محمد اللحام-
منشورات دار مكتب الهلال.

(1/83)


6- الإمام الحافظ: أبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت 354 هـ)- قصة السيرة النبوية- تصنيف خالد عبد الرحمن العك- الطبعة الأولى- دار الإيمان
- دمشق 1410هـ/ 1990م.
7- ابن حجر العسقلاني: شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت 852 هـ)- الإصابة في تمييز الصحابة- تحقيق علي محمد البجاوي- طبعة نهضة
مصر.
8- الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي (ت 463 هـ)- تاريخ بغداد- دار الكتاب ا لعربي- بيروت.
9- الذهبي: الحافظ شمس الدين (ت 748 هـ)- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير
والأعلام- عهد الخلفاء الراشدين- طبع دار الكتاب العربي- بيروت-
الطبعة الأولى 1987 م.
سير أعلام النبلاء- تحقيق جماعة من علماء مؤسسة الرسالة- بيروت 1985 م.
10- أبو زرعة الدمشقي: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله (ت 281هـ)- التاريخ- تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني- المجمع العلمي- دمشق.
11- الزركلي: خير الدين- ا لأعلام- دار العلم للملايين.
12- ابن سعد: محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري(ت230 هـ)
- الطبقات الكبرى- نشر دار صادر- بيروت.
13- السهيلي: عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن الخثعمي (ت581 هـ)- الروض ا لأنف- ضبطه طه عبد الرؤوف سعد.
14- ابن سيد الناس: أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد الله اليعمري (ت734هـ) - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير- نشر مكتبة
القدس- القاهرة 1356 هـ.
15- السيوطي:جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ)- تاريخ الخلفاء- تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
16- أبو شهبة: محمد بن محمد أبو شهبة- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة- دار القلم- دمشق1409 هـ/ 1988م.
17- ابن شيبة: عمر (ت 262 هـ)- تاريخ المدينة المنورة- تحقيق فهيم شلتوت- نشر السيد حبيب محمود أحمد.
18- الضبي الأسدي: سيف بن عمر (ت200هـ)- الفتنة ووقعة الجمل- جمع وتصنيف أحمد راتب عرموش- دار النفائس- الطبعة الثانية-
بيروت 1397 هـ/ 1977 م.

(1/84)


19- الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 هـ)- تاريخ الأمم والملوك - تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم- طبعة دار المعارف- مصر 1961 م.
20- ابن العربي: العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - حققه وعلق عليه محب الدين الخطيب- المكتبة العلمية- بيروت 1986 م.
21- ابن عساكر: ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله (ت 571 هـ)- تاريخ مدينة دمشق- مجمع اللغة العربية-دمشق.
22- العقاد: عباس محمود- عبقريات العقاد- مطابع دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر- ا لقاهرة.
23- ابن العماد الحنبلي: أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد (ت 1089هـ) - شذرات الذهب في أخبار من ذهب- المكتب التجاري للطباعة والنشر- بيروت.
24- العمري: أكرم ضياء- السيرة النبوية الصحيحة-- الطبعة الخامسة- مكتبة العلوم والحكم- المدينة المنورة 1413 هـ/1993 م.
25- العودة: سليمان- عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام- دار طيبة- الرياض- الطبعة الأولى 1405هـ/1985م.
26- الغيث: خالد بن محمد- دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع- جدة- سلسلة الرسائل الجامعية.
27- القرطبي: محمد بن أحمد- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) طبعة دار التراث العربي.
28- القسطلاني: أحمد محمد (ت 923 هـ)- المواهب اللدنية بالمنح المحمدية- تحقيق صالح أحمد الشامي- المكتب الإسلامي- بيروت-
طبعة الأولى 1991م.
29- ابن كثير: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل (ت 774 هـ)- البداية والنهاية- تحقيق الدكاترة أحمد أبو ملحم وعلي نجيب عطوي وآخرين- دار الفكر العربي- القاهرة.
30- المتناوى: إبراهيم عبد الفتاح سيد- يوميات من تاريخ أبي بكر- طبع ونشر مصر للخدمات العلمية- مصر.
31- محمد رضا: ذي النورين عثمان بن عفان[الخليفة الثالث]- دار الكتب العلمية - بيروت- الطبعة الثانية 4102 هـ/ 982 1 م.

(1/85)


32- ابن منظور: جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي الأنصاري (ت 711 هـ)- لسان العرب- إعداد وتصنيف يوسف خياط- دار لسان العرب- بيروت.
33- النجار: عبد الوهاب- الخلفاء الراشدون- دار التراث- القاهرة.
34- نصار: عبد المقصود محمود- أولئك هم الراشدون- الطبعة الأولى- مطبعة الحسين الإسلامية- مصر 1410 هـ/ 1989 م.
35- النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف (ت 676 هـ)- تهذيب ا لأسماء واللغات- دار الكتب العلمية- بيروت.
36- النويري: شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب (ت 733 هـ)- نهاية ا لأرب في فنون الأدب- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1395 هـ/ 1975 م.
37- ابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري (ت 213 هـ)- السيرة النبوية- تحقيق الأستاذ مصطفى السقا وزميليه- مطبعة الحلبي 1955م.
38- الهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر (ت 807 هـ)- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد- دار الكتاب العربي- بيروت.
39- الواقدي: أبو عبد الله محمد بن عمر السهمي (ت 207 هـ)- المغازي- تحقيق مارسدن جونسن- عالم الكتب- بيروت.
40- ياقوت: شهاب الدين أبو عبد الله بن عبد الله (ت 626 هـ)- معجم الأدباء - دار إحياء التراث العربي- بيروت.

(1/86)