×

الكتاب : براءة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الكتاب : براءة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الكاتب: جفجاف ابراهيم

 

الكتاب : براءة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب

براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)
من:
- تهمة غلو التكفير
- تهمة الخروج على الدولة العثمانية
- غلو حركة الإخوان – الخوين-

جمع وترتيب
عبدالباسط بن يوسف الغريب

عمان- الأردن

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
(لست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أوصى بها أول أمّته وآخرهم).
[مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - القسم الخامس "الرسائل الشخصية" ص252].

مقدمة
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، فإن الدعوة السلفية – دعوة الحق والإسلام الواضح - تواجه حروبا وتشويها شديدا هذه الأيام, وذلك لأنها تقود حركة الصحوة الإسلامية اليوم.
ومن هذه التشويهات والحروب وصمها "بالوهابية" نسبة إلى الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب, والافتراء عليه وعلى دعوته وإثارة الشبهات حولها، ويقوم بهذا جهات عديدة منها:
1- الإعلام الصهيوني والذي يحاول أن يلصق بالدعوة السلفية تهمة الإرهاب.
2- القوى الشيعية وخاصة بعد تسلمهم الحكم في العراق, وبعد أن أصبح لهم قوة ومنعة.
3- الطرق الصوفية, والتي كسد سوقها لدى الناس بسبب ما قامت به الدعوة السلفية من كشف زيفها وعوارها للمسلمين, وكشف ما تقوم به من ترويج للخرافة والشرك والجهل.
وهم في هجومهم على الدعوة السلفية يلجئون إلى أساليب غير شريفة في تشويه صورة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته, ومن تلك الشبهات:
- ادعائهم أنها دعوة خارجية.
- محاولة إظهار أن دعوة الشيخ صنعة بريطانية عن طريق اختلاق ما يسمى بمذكرات همفر.

(1/1)


- ادعائهم غلو التكفير, وأنه هذه الدعوة المباركة تكفر من خالفها.
- اتهام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب بالخروج على الدولة العثمانية, وشق عصا الطاعة.
- محاولة ربط غلو وتعنت حركة الإخوان السعودية – الخوين - (1) بدعوة الشيخ المباركة.
فقمت بتفنيد هذه الشُبه وبيان زيفها وعدم صحتها, ودللت على ذلك بالنقول الموثقة من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ومن أقوال العلماء وطلبة العلم في هذه المسائل, ومهدت لذلك بنبذة مختصرة عن حياة الشيخ المجدد, وآثار دعوته المباركة على نهضة المسلمين وتقدمهم, وقد استفدت من كتاب الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي رحمه الله في ترجمة الشيخ الإمام, ومن كتاب الشيخ عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف في كتابه "دعاوي المناوئين" في رد بعض هذه المفتريات, ومن غيرها من الكتب, والله أسأله أن ينفع بهذا الكتاب وأن يرزقنا الإخلاص والمتابعة في القول والعمل.

التعريف بالإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله-
هو مصلح عاش في القرن الثاني عشر الهجري دعا الناس فيه إلى إخلاص العبادة لله ونبذ الشرك والخرافات والبدع التي تعلق بها كثير من الناس.
__________
(1) ... يطلق أهل البادية في الأردن على حركة الإخوان "الخوين" نسبة إلى التآخي بلهجة البدو الدارجة.

(1/2)


قال الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي: "ومما لا شك فيه، إنصافاً للحقيقة، لا إرضاء لأحد، وعملاً بآي القرآن العظيم: {ولا تبخسوا الناس أشياءَهم}، كان من أجرأ أصوات الحق، وأكبر دعاة الإصلاح، والبناء والجهاد لإعادة تماسك الشخصية المسلمة وإعادتها لمنهج السلف الصالح: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري "الثامن عشر الميلادي"، لتجديد الحياة المسلمة، بعد ما شابها في أوساط العامة من خلافات، وأوهام، وبدع، وانحرافات، فكان ابن عبد الوهاب بحق، زعيم النهضة الدينية الإصلاحية المنتظر، الذي أظهر موازين العقيدة الشرعية الناصعة، وأبان حقيقة الوحدانية والوحدة والتوحيد الخالص لله عز وجل، وأن العبادة هي التوحيد، وحوّل الشراع رأساً على عقب، للعمل الكامل بالقرآن والسُنّة ونبذ مظاهر الترف والبدع، وتحطيم ما علق بالحياة المسلمة من أوهام والعودة إلى الحياة الصالحة الأولى(1).
فقد كانت الفترة التي عاصرها الإمام محمد بن عبد الوهاب "مطلع القرن الثاني عشر الهجري"، فترة انتكاس في الفطر، وارتكاس في العقائد؛ ذلك أن مظاهر الشرك الجلي قد ظهرت في مواطن كثيرة من بلاد الإسلام، وتمثل هذا الشرك في تحول فئام من الناس إلى عبادة الأولياء والصالحين أمواتاً وأحياءً؛ فكل ما يجب أن يصرف لله تعالى من العبادات القلبية والعملية، كان يصرفها أولئك للمقبورين بزعم أنهم كانوا صالحين، فاستغاثوا بهم في النوازل ونذروا وطافوا وتمسحوا بآثارهم ومدافنهم، بل تعدى الأمر إلى الشرك بالجمادات كالأحجار والأشجار، وقد كان في بلاد نجد من تلك الانحرافات ما قض مضجع الشيخ وأنقض ظهره، فلم ير لنفسه عذراً في السكوت على هذا الشر المنتشر في الآفاق.
__________
(1) ... وهبة الزحيلي: "مُجدِّد الدِّينْ في القَرن الثاني عشرْ" (ص4) .

(1/3)


ففي "الجبيلة" كان الناس يقصدون قبر "زيد بن الخطاب" ويدعونه لتفريج الكرب وكشف النوب، فعكف الناس على عبادتها، وصارت لعبادة تلك المقابر أعظم المنزلة في صدور الناس رغباً ورهباً، وكان في أسفل الدرعية غار كبير يزعم الجهال أن الله تعالى شقه في جبل لإنقاذ امرأة من بعض الفسقة الذين أرادوها بسوء، فكان الجهلة يرسلون إلى الغار وهو أحجار اللحم والخبز وصنوف الهدايا.
وفي شعيب "غبيرة" كان الناس يأتون من المنكر ما لا يعهد مثله عند قبور الصالحين وخاصة عند القبر الذي يزعمون أن فيه "ضرار بن الأزور"، وكانت طوائف من الخلق تأتي إلى شجرة "الطرفية" فيتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا رزقوا ولداً لعله يسلم من الموت!
هذا في بلاد نجد، أما في بلاد الحجاز، فلم يكن الأمر بأقل سوءاً من هذا؛ ففي مكة كانت تعلو الاستغاثات والأدعية عند قبر "أبي طالب" وقبر "المحجوب"، وكان تعظيم هذين القبرين يفوق تعظيم الكعبة عند كثير من الجهال؛ حتى إن السارق أو المعتدي أو الغاصب إذا لجأ إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحد بما يكره، أما إن تعلق بالكعبة فإنه يسحب فيها بالأذيال؛ تفريطاً منهم بحقها.
وكذلك كانت ترتكب الشنائع الاعتقادية والأخلاقية عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها في "سَرِف"، وكذلك عند قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في "المعلاّة". ... وفي الطائف كان قبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يُتخذ مزاراً يقف أمامه المكروبون مستغيثين، والخائفون متضرعين، وأصحاب الحاجة والمسألة داعين مسترزقين.
أما في المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فقد خالف الناس سنته، واتخذوا قبره عيداً، وهو الذي برئ من ذلك وقال ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد))(1).
__________
(1) ... رواه الإمام مالك في "الموطأ" (ص85).

(1/4)


ولكن تلك المظاهر الوثنية التي حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها تسللت إلى جزيرة الإسلام، وأبت إلا أن تشوه نقاء التوحيد فيها، وحق على بعض أهلها قول الرسول: ((لا تقوم الساعة حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان))(1). فتعددت البقاع التي يعصى فيها الله بتلك الموبقات.
أما في جدة، فقد بلغ الضلال والفحش غايته عند القبر المزعوم أنه لحواء عليها السلام فكانت تجبى إليه الأموال كل عام، ويأكل السدنة عنده أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله.
وإذا كانت هذه بعض مظاهر الانحراف داخل الجزيرة العربية مهد الإسلام فما بالنا بما كان خارجها من الانحرافات؟! المقصود هنا أن مظاهر الانحراف في العقيدة عمت تلك الجزيرة إلا من رحم الله. فقام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كأمة وحده، فدعا إلى نبذ مظاهر الشرك ونافح ودافع عن عقيدة التوحيد الخالص وجدد الله به أمر هذه الأمة((2).

نبذة مختصرة عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي سنة (1115هجرية) الموافق سنة (1703م)، في بلدة العيينة، الواقعة شمال الرياض.
ونشأ الشيخ في حجر أبيه عبد الوهاب في تلك البلدة في زمن إمارة عبد الله بن محمد بن حمد بن مُعمَّر.
وكان سباقاً في عقله وفي جسمه، حادّ المزاج، فقد استظهر القرآن قبل بلوغه العشر، وبلغ الاحتلام قبل إتمام الاثنتي عشرة سنة.
قال أبوه: رأيته أهلاً للصلاة بالجماعة، وزوجته في ذاك العام.
درس على والده الفقه الحنبلي والتفسير والحديث. وكان في صغره، مكباً على كتب التفسير والحديث والعقائد. وكان يعتني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله، ويكثر من مطالعة كتبهما.
__________
(1) ... أبوداود وابن ماجة وإسناده صحيح.
(2) ... "مهذب دمعة على التوحيد" ص (108).

(1/5)


ثم غادر البلاد قاصداً حج بيت الله الحرام. وبعد أدائه الفريضة أم المدينة المنورة، وقصد المسجد النبوي، وزار إمام المرسلين - صلى الله عليه وسلم - .
وكان فيما إذ ذاك من العلماء العاملين، الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف النجدي، كان رأساً في بلدة المجمعة، فأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيراً من العلم، وأحبه الشيخ عبد الله، وكان به حفياً، وبذل جهداً كبيراً في تثقيفه وتعليمه, وكان من عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة توافق أفكاره ومبدئه مع تلميذه في عقيدة التوحيد، والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة، وأعمال زائفة.
ثم وصل الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف حبل الشيخ محمد، بحبل المحدث الشيخ محمد حياة السندي، وعرَّفه به وبما هو عليه من عقيدة صافية، وبما تجيش به نفسه من مقت الأعمال الشائعة في كل مكان من البد ، والشرك الأكبر والأصغر، وأنه إنما خرج من نجد للرحلة في طلب العلم، وسعياً إلى الاستزادة من السلاح الديني القوي، الذي يعينه على ما هو مصمم عليه من القيام بالدعوة والجهاد في سبيل الله.
وممن أخذ عنهم الشيخ وانتفع بمصاحبته الشيخ على أفندي الداغستاني، والشيخ إسماعيل العجلوني، والشيخ عبد اللطيف العفالقي الإحسائي، والشيخ محمد العفالقي الإحسائي.
ثم توجه إلى نجد، ثم البصرة، قاصداً الشام، ليستزيد من العلوم النافعة. فأقام مدة بالبصرة، ودرس العلم فيها على جماعة من العلماء منهم: الشيخ محمد المجموعي، وقرأ الكثير من النحو واللغة والحديث، كما كتب كثيراً في تلك الإقامة من المباحث النافعة والكتب القيمة، ونشر علمه النافع وآراءه القيمة حول موضوع البدع والخرافات.
وتوجه إلى الشام راجلاً لينهل من مناهل العلماء، ويتغذى من الثقافات الدينية، مستزيداً غير أنه قلت نفقته، فقفل راجعاً، فأتى الإحساء، فنزل بها عند الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي، وقرأ عنده ما شاء الله أن يقرأ.

(1/6)


ثم توجه إلى حريملا، قرية من نجد، وذلك لأن والده الشيخ عبد الوهاب قد انتقل إليها.
ولما آب الشيخ من رحلته الطويلة وراء العلم والتحصيل، لازم أباه، واشتغل عليه في علم التفسير والحديث وغيرهما.
وعكف على كتب الشيخين: شيخ ابن تيمية، والعلامة ابن القيم رحمهما الله، فزادته تلك الكتب القيمة، علماً ونوراً وبصيرة، ونفخت فيه روح العزيمة.
ورأى الشيخ بثاقب نظره ما بنجد وما بالأقطار التي رحل إليها من العقائد الضالة، والعادات الفاسدة، فصمم على القيام بالدعوة إلى الله.
حالة نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
زار الشيخ الإمام الحجاز والإحساء والبصرة والزبير، وقيل حتى فارس، لينهل من مناهل العلوم الدينية ويتفهم أصول الدين وشرائعه القويمة، ويقف على أحوال أولئك الأقوام وعقائدهم وعلومهم، بعدما شاهد في نجد - وطنه - ما شاهد من المنكرات الأثيمة والشركيات القبيحة الذميمة القاتلة لمعني الإنسانية.
وكان أيام تحصيله يقرر لسامعيه ومخالطيه ما فهمه من الدين والتوحيد، ويبين قبائح ما تأتيه العامة وأشباه العامة من أدعياء العلم.
عندما كان في المدينة المنورة يسمع الاستغاثات برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعاءه من دون الله، فقال للشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فأجابه على الفور: {إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
درس أحوال نجد وأهل البلدان التي زارها، ورأى ما هم فيه من بُعدٍ عن الدين، ولاسيما نجد.
رأى نجداً كما يحدثنا المؤرخون السالفون لنجد، كابن بشر، وابن غنام، والآلوسي والمعاصرون كـ "حافظ وهبة" وغيره، مرتعاً للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافي مع أصول الدين الصحيحة. فقد كان فيها كثير من القبور تنسب إلى بعض الصحابة يحج الناس إليها ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لدفع كروبهم.

(1/7)


فقد كانوا في الجُبيلة، يؤمون قبر زيد بن الخطاب، ويتضرعون لديه، ويسألونه حاجاتهم، وكذلك في الدرعية، كان قبر لبعض الصحابة كما يزعمون.
وأغرب من ذلك، توسلهم في بلد المنفوحة بفحل النخل، اعتقادهم أن من تؤمّه من العوانس تتزوج، فكانت من تقصد تقول: يا فحل الفحول، أُريد زوجاً قبل الحول.
وفي الدرعية، كان غار يقصدونه، بزعم أنه كان ملجأً لإحدى بنات الأمير التي فرت هاربة من تعذيب بعض الطغاة.
وفي شعب غبيرا، قبر ضرار بن الأزور، كانوا يأتون لديه من الشرك والمنكر ما لعل مثله لا يتصور.
ورأى في الحجاز، من تقديس قبور الصحابة وأهل البيت والرسول - صلى الله عليه وسلم - ، مالا يسوغ إلا مع رب الأرباب.
كما رأى في البصرة والزبير، وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل، ولا يقره الشرع.
كما سمع عن العيدروس في عدن, والزيلعي في اليمن الشيء الكثير.
ويصور الشيخ سليمان بن سحمان هذه الحالة في نجد بقوله: قد خلع الناس ربقة التوحيد والدين, وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق بغير الله تعالى من الأولياء والصالحين والأصنام والأوثان والشياطين. وكثير منهم يعتقد النفع في الأحجار والجمادات, ويتبركون بالأشجار, ويرجون منها القبول في جميع الأوقات((1).
وفي الحجاز: أصبح الدعاء عند القبور من الأمور المألوفة عند الكثير من الناس. فيما يفعل عند قبر خديجة في المعلاة, وعند قبة أبي طالب ومن استغاثة وطلب شفاعة شيء تهول له النفوس.
وفي اليمن يوجد قبور يتبرك بها العوام, وفي الحديدة وحضر موت ويافع.
وفي الشام توجد قبور في دمشق وحلب وأقصى الشام يتبرك بها.
وفي العراق قبر أبي حنيفة, ومعروف الكرخي, وكذلك ما يفعله الناس عند مشهد قبر على بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
__________
(1) ... "الضياء الشارق" (ص7).

(1/8)


وفي النجف ومشهد قبر الحسين والكاظم في كربلاء. وهذه القبور وغيرها يأتيها الناس فيستغيثون بها ويسألونها قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم((1).
ويصور الحالة التي وصل لها المسلمين إبان ظهور دعوة الشيخ، الكاتب الأمريكي "لوتروب ستودارد" بقوله: "في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ, ومن التدني والانحطاط أعمق درك, فأربد جوه وطبعت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب, وتلاشى ما كان باقياً من أثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات وماتت الفضيلة في الناس, وساد الجهل, وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال.
"وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء, فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية, دخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء والجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات, ويهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء, ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور, وغابت عن الناس فضائل القرآن؛ فصار شرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء, ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام, وعلى الجملة بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطاً بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى من كان يدعى الإسلام لغضب"((2).
__________
(1) ... "روضة الأفكار والأفهام المرتاد حال الإمام وتعدد غزوات ذوي الإسلام" (1/5-6).
(2) ... "حاضر العالم الإسلامي" (1/295).

(1/9)


ويصور لنا ابن غنام الحالة التي وصلت إليها نجد قبل دعوة الشيخ محمد بقوله: "فقد كان في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم وهول مقيم, كان الناس يقصدون قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة ويدعونه لتفريج الكرب, وكشف النوب, وقضاء الحاجات, وكانوا يزعمون أن في قرية في الدرعية قبور بعض الصحابة فعكفوا على عبادتها وصار أهلها أعظم في صدورهم من الله خوفاً ورهبة فتقربوا إليهم, وهم يعنون أنهم أسرع إلى تلبية حوائجهم من الله. وكان هناك شجرة تدعى شجرة الذئب يأمها النساء اللاتي يرزقن بمواليد ذكور ويعلقن عليها الخرق البالية لعل أولادهن يسلمون من الموت والحسد. وكان في الخرج رجل يدعى "تاج" نهج الناس فيه سبيل الطواغيت فانهالت عليه النذر واعتقدوا فيه النفع والضرر، وكانوا يذهبون للحج إليه أفواجا وينسجون حوله كثيراً من الأساطير والخرافات"((1).
__________
(1) ... "تاريخ نجد" (ص11).

(1/10)


ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في حال العصر الذي ظهر فيه الشيخ محمد بقوله: "كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم وعفت آثار الدين لديهم, وانهدمت قواعد الملة الحنيفية, وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية, وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان, وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن, وشبه الصغير لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان, وهرم الكبير على ما تلقاه من الآباء والأجداد, و أعلام الشريعة مطموسة, ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة, وطريق الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام, وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة ولا مدفوعة قد خلعوا ربقة التوحيد والدين واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق بغير الله من الأولياء والصالحين والأوثان والأصنام والشياطين, وعلمائهم ورؤساءهم على ذلك مقبلون, وببحر الأجاج شاربون به، قد أغشتهم العوائد والمألوفات, وحبستهم الشهوات والإيرادات عن الارتفاع إلى قلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات"((1).
بدء نهضة الشيخ في الإصلاح الديني
وبعد أن ثبت لديه وتحقق حالتهم السيئة في دينهم وأيقن أنهم قد أدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن، وما تأباه السنة المحكمة, وكان يقوي عقيدته بخطئهم وركونهم إلى البدع ما يقرؤه من الروايات القائلة بأن المسلمين لابد أن يغيروا، وأن يسلكوا مسالك الذين من قبلهم كالحديث الصحيح: ((لتتبعُن سنن من كان قبلكم)). وكحديث: ((لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان)). وحديث: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)).
حينئذ صمم الشيخ أن يعالن قومه بأنهم قد ضلوا الطريق السويّ، وزاغوا عن منهج الصواب.
بداية دعوته
__________
(1) 10) ... "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" (3/381-382).

(1/11)


ابتدأ الشيخ رحمه الله، دعوته لقومه في بلدة "حريملا" وبين لهم أنه لا يدعى إلا الله، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار، من الاستغاثة بها، وصرف النذور إليها، واعتقاد النفع والضر منها، ضلال وزور، وبأنهم في حالة لا ترضي، فلا بد من نبذ ذلك.
وعزز كلامه بآي من كتاب الله المجيد وأقوال الرسول وأفعاله، وسيرة أصحابه.
فوقع بينه وبين الناس نزاع وجدال، حتى مع والده العالم الجليل، لأنه كان مغتراً بأقاويل المقلدين السالكين تلك الأفعال المنكرة في قوالب حب الصالحين. فاستمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه وإرشاده.
وتبعه أُناس من أهل تلك البلدة، حتى انتقل أبوه عبد الوهاب إلى جوار رب الأرباب سنة 1153هـ.
وبعد وفاة والده، جاهر قومه بالدعوة والإنكار على عقائدهم الضالة, ودعا إلى متابعة الرسول في الأقوال والأفعال.
وكان في تلك البلدة قبيلتان، وكل يدعي الزعامة، وليس هناك من يحكم الجميع، ويأخذ حق الضعيف، ويردع السفيه. وكان لإحدى القبيلتين، عبيد يأتون بكل منكر وفساد، ولا يحجمون عن التعدِّي على العباد. فصمم الشيخ على منعهم وردعهم.
ولما أحسَّ أولئك الأرقاء بما صمم عليه الشيخ، عزموا أن يفتكوا به خفية فتسوروا عليه من وراء الجدار فشعر بهم بعض الناس، فصاحوا بهم وهربوا.
عندها غادر الشيخ "حريملا" إلى "العيينة" مسقط رأسه، وموطن آبائه، وحاكمها إذ ذاك عثمان بن حمد بن معمر, فتلقاه بكل إجلال وإكرام، وبين الشيخ له دعوته الإصلاحية المباركة، القائمة على دعائم الكتاب والسنة المطهرة وشرح له معنى التوحيد، وأن أعمال الناس اليوم وعقائدهم منافية للتوحيد, وتلا عليه الآيات والأحاديث النبوية، ورجا له من الله – إن قام بنصر "لا إله إلا الله" أن ينصره الله ويعلي كلمته، وتكون له السيادة والزعامة على نجد وغيرها، وله السعادة الأبدية إن شاء الله.

(1/12)


فقبل عثمان، ورحب بما قال الشيخ، فعالن الشيخ بالدعوة إلى الله، وإفراد العبادة لله، والتمسك بسنة رسول الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وقطع الشيخ الأشجار المعظمة هناك، وهدم قبة زيد بن الخطاب، بمساعدة عثمان الأمير. وأقام الحد على امرأة اعترفت بالزنا مراراً، بعد ما تأكد من صحة عقلها وكمال حواسها. فاشتهر أمر الشيخ، وذاع صيته في البلدان.
فبلغ خبره سليمان بن محمد بن عريعر حاكم الإحساء وبني خالد. فبعث إلى عثمان بن معمر كتاباً جاء فيه: إن المطوع الذي عندك، قد فعل ما فعل، وقال ما قال، فإذا وصلك كتابي فاقتله، فإن لم تقتله، قطعنا خراجك الذي عندنا في الإحساء.
فعظم على عثمان الأمر، وكبر عليه مخالفة ابن عريعر، وكانت النتيجة من جراء ذلك الكتاب وضعف إيمان ابن معمر أن أمر بإخراج الشيخ من بلده.
ولم يفد فيه وعظ الشيخ ونصحه، وأنه لا بد للداعي والمصلح من أن يناله الأذى، ولابد أن تكون العاقبة للمتقين.
فخرج الشيخ رحمه الله، يمشي على رجليه قد وكل به فارس يمشي من خلفه. وكان الشيخ في مشيه لا يفتر عن ذكر الله، ويردد قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}.
ونزل الشيخ بالدرعية وقت العصر سنة 1158هـ ضيفاً على عبد الرحمن بن سويلم، وابن عمه أحمد بن سويلم. وخاف ابن سويلم على نفسه من الأمير محمد بن سعود، لأنه كان يعلم حالة الناس، وأنهم لا يقبلون ما أتى به هذا العالم الجليل، ويقابلون ذلك بالأذى، ولا سيما من بيده الأمر.
ولكن الشيخ الممتليء إيماناً وثقة بالله، سكن جأشه، وأفرغ عليه من العظات وملأه رجاء وعدةً بأنه لا بد من أن يفرج الله وينصره نصراً مؤزراً.
فعلم به الخواص من أهل الدرعية، فزاروه خفية، فشرح لهم معاني التوحيد وما يدعو إليه. وكان للأمير أخوان مشاري وثنيان وزوجة كانت لبيبة عاقلة.

(1/13)


فبين الأخوان – بعدما نهلا من مناهل الشيخ – لأخيهما الأمير، أن الشيخ محمداً نازل ضيفاً على ابن سويلم، وأن هذا الرجل غنيمة ساقه الله إليك، فاغتنم ما خصك الله به، ورغبوه في زيارة الشيخ، فامتثل وزار الشيخ.
فدعاه الشيخ إلى التوحيد، وأن التوحيد هو ما بعثت من أجله الرسل، وتلا عليه آيات من الذكر الحكيم، فيها البيان ببطلان عبادة غير الله ولفت نظره إلى ما عليه أهل نجد من الشرك والجهل والفرقة، والاختلاف وسفك الدماء، ونهب العباد.
عند ذلك شرح الله صدر محمد بن سعود وأحبه، واقتنع بما دعاه إليه الشيخ، وبشر الأمير الشيخ بالنصرة وبالوقوف معه على من خالفه.
وشرط الأمير على الشيخ شرطين:
الأول: أن لا يرجع الشيخ عنه إن نصرهم الله ومكنهم.
والثاني: أن لا يمنع الأمير من الخراج الذي ضربه على أهل الدرعية وقت الثمار.
فقال الشيخ: أما الأول : الدم بالدم، والهدم بالهدم.
وأما الثاني : فلعل الله يفتح عليك الفتوحات، وتنال من الغنائم ما يغنيك عن الخراج.
فبايع الأمير الشيخ على الدعوة إلى الله، والتمسك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الشعائر الدينية.
وبعد استقراره في الدرعية، أتى إليه من كان ينتسب إليه، ومعتنقاً مبادئ دعوته، من رؤساء المعامرة وغيرهم، وأخذت الوفود تأتي من كل حدب لما علموا أن الشيخ في دار منعة.
عند ذلك، سمع عثمان بن معمر الذي أخرج الشيخ من بلده أن محمد بن سعود رحمه الله قد بايع الشيخ، وأنه ناصره وأهل الدرعية له مؤيدون، ومعه قائمون ومجاهدون.
فندم عثمان على ما سلف منه في حق الشيخ، فأتي إليه ومعه ثلة من الرجال من رؤساء البلاد وأعيانها، واعتذر، وطلب منه الرجوع.
فعلق الشيخ الأمر على رضاء الأمير محمد بن سعود، فرفض الأمير السماح ورجع عثمان خائباً.
وشدت إلى الشيخ الرحال، وكثر الوافدون، ليرتووا من مناهله العذبة الصافية النقية من الخرافات والوثنية.

(1/14)


ثم أخذ يراسل رؤساء البلدان النجدية وقضاتهم، ويطلب منهم الطاعة والانقياد لله، ونبذ الشرك والعناد.
فلما اشتهر الشيخ بالدعوة وكتب الكتابات الكثيرة، وألف المؤلفات القيمة، ونشرها في الناس، وكاتبه العلماء، ظهر جماعة كثيرون من حساده، ومن مخالفيه, وهذه هي سنة الله في المصلحين والمجددين, بل وهذا حال الأنبياء والرسل مع أقوامهم؛ فنبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - قالوا عنه ساحر ومجنون وغير ذلك، وهكذا كانت دعوة الرسل والأنبياء كما قال ورقة بن نوفل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ((يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أومخرجي هم! قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي))((1).
عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
هذا بعض ما كتبه الشيخ من رسائله التي ذكر فيها عقيدته وما هو عليه. فمن تلك الرسائل، ما كتبه لأهل القصيم، قال رحمه الله بعد البسملة:
"أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأُشهدكم أني أعتقد ما أعتقده أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر، خيره وشره.
ومن الإيمان بالله، الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
فلا أنفي عنه، ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثل صفاته بصفات خلقه، لأنه تعالى لا سمي له ولا كفء، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه وتعالى أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قليلاً، وأحسن حديثاً.
__________
(1) 11) ... البخاري في "صحيحه" (3)، ومسلم (160).

(1/15)


فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون، من أهل التحريف والتعطيل. فقال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
فالفرقة الناجية، وسط في باب أفعاله تعالى، بين القدرية والجبرية. وهم وسط في باب وعيد الله، بين المرجئة والوعيدية. وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية. وهم وسط في باب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الروافض والخوارج.
وأعتقد أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته, وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خُط له في اللوح المسطور.
وأعتقد بكل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يكون بعد الموت. وأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة، عراة، غرلاً، وتدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن به أعمال العباد: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}.
وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.
وأومن بحوض نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة، لم يظمأ بعدها أبداً.

(1/16)


وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم وأومن بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه أول شافع، وأول مشفع.
ولا ينكر شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أهل البدع والضلال.
ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا، كما قال الله تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى}. وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِه}. وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}.
وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله. وأما المشركون، فليس لهم في الشفاعة نصيب كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}.
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان وأنهما لا يفنيان.
وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته.
وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة - أهل بيعة الرضوان - ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم.
وأتولى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأذكر محاسنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساوئهم، وأسكت عما شجر بينهم. وأعتقد فضلهم، عملاً بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}.
وأترضى عن أمهات المؤمنين، المطهرات من كل سوء.

(1/17)


وأقر بكرامات الأولياء، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئاً، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء.
ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة. والجهاد ماض، منذ بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائز، ولا عدل عادل.
وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله.
ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه.
وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم، حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله. وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
وأعتقد أن الإيمان، قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها، شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
وأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
وجاء في بيان معتقده:
ولا يرى: ترك السنن، والأخبار النبوية، لرأي فقيه، ومذهب عالم، خالف ذلك باجتهاده، بل السنة: أجل في صدره وأعظم عنده، من أن تترك لقول أحد، كائناً من كان؛ قال عمر بن عبد العزيز: لا رأي لأحد مع سنة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، نعم عند الضرورة، وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار، وقواعد الاستنباط، والاستظهار، يصار إلى التقليد، لا مطلقاً، بل فيما يعسر ويخفى, ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد، إلا بدليل تقوم به الحجة، من الكتاب، والسنة؛ خلافاً لغلاة المقلدين.

(1/18)


ويوالي: الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم، وإمامتهم، وأنهم في الفضل، والفضائل، في غاية رتبة، يقصر عنها المتطاول؛ وميله إلى أقوال الإمام أحمد أكثر.
ويوالي: كافة أهل الإسلام، وعلمائهم، من أهل الحديث، والفقه، والتفسير، وأهل الزهد والعبادة؛ ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين، من السلف الماضين، برأي مبتدع، أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر.
ويؤمن: بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه، من تحريم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم؛ لا يبيح من ذلك إلاّ ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن نسب إليه خلاف ذلك، فقد: كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه اللّه ما وعد به أمثاله من المفترين((1).
مؤلفات الشيخ
ألف عدة كتب منها كتاب:
- "التوحيد"، وهو غني بالشهرة عن التعريف به، و"كشف الشبهات" ، و"الثلاثة أصول"، و"مختصر السيرة النبوية".
- "مختصر الإنصاف والشرح الكبير في الفقه".
- "نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين".
- "كتاب الكبائر، و"آداب المشي إلى الصلاة".
- "أصول الإيمان".
- "مختصر زاد المعاد".
- "مختصر صحيح البخاري".
- "مسائل الجاهلية".
- "استنباط من القرآن" (يقع في جزأين).
- "أحاديث الفتن".
- وله رسائل عديدة، أكثرها في التوحيد.
أثر دعوة الشيخ الإصلاحية على العالم الإسلامي
لقد عمت الدعوة وآثارها المباركة بلاد نجد، ثم امتدت إلى الحجاز، ثم سائر بلاد الجزيرة العربية، بل تجاوزت تلك البلاد، فكان لها أثر في مختلف الأمصار، كالشام ومصر والعراق وبلاد المغرب، والهند، والكثير من الأقطار.
__________
(1) 12) ... انظر كتاب: "نبذة نفيسة عن حقيقة دعوة الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب".

(1/19)


ولا تزال - إلى وقتنا الحاضر - آثارها ونتائجها علمية كانت أو عملية ناطقة بذلك، وشاهدة بصدق هذه الدعوة ووضوحها وسلامة منهجها، وستبقى هذه الدعوة -الدعوة السلفية إن شاء الله – منصورة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن هذه الآثار:
1- أنها فتحت باب الاجتهاد في الفروع بعد أن ظل مغلقاً منذ سقوط بغداد في سنة 656هـ .
2- ضرورة القيام بواجب الجهاد، وإحياء هذه الفريضة التي أصابها الوهن، فكانت دعوة على الاستبداد والضعف والانحلال الذي آل إليه العالم الإسلامي.
3- الرجوع بالإسلام إلى ما كان عليه في الصدر الأول .
4- تخليص التوحيد بأنواعه الثلاث مما شابه من شرك , وخلط وتمويه .
5- طرح البدع والخرافات ((1).
6- ومن ثمرة هذه الدعوة المباركة كذلك الدعوة إلى توحيد المسلمين , ولم الصف الإسلامي بعد تشتته وتشرذمه ((2).

الشبهات التي أثيرت حول الشيخ الإمام
من سنة الله في الأرض أن يبتلي المصلحين والمجددين بالخصوم والأعداء والحسدة, وهذا حال الأنبياء والرسل مع أقوامهم؛ فنبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - قالوا عنه ساحر ومجنون وغير ذلك, وهكذا كانت دعوة الرسل والأنبياء من قبل ؛ كما قال ورقة بن نوفل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ((يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أومخرجي هم! قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي))((3).
وبالتالي ليس من المستغرب أن تلاقى هذه الدعوة الإصلاحية بمثل هذا العداء.
1- الشبهة الأولى – تصحيح خطأ تاريخي -:
__________
(1) 13) ... انظر كتاب: "مجدد الدين في القرن الثاني عشر" للدكتور وهبة الزحيلي.
(2) 14) ... انظر كتاب: "الملحوظات على الموسوعة الفلسطينية" (ص60) للأستاذ زهير الشاويش.
(3) 15) ... البخاري في "صحيحه" (3)، ومسلم (160).

(1/20)


نشأت في القرن الثاني الهجري دعوة خارجية إباضية في شمال أفريقيا باسم الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي الإباضي, الذي عطل الشرائع الإسلامية وألغى الحج, وهي فرقة متفرعة عن الوهبية نسبة إلى مؤسسها الأصلي وهو عبد الله بن وهب الراسبي, وقد وقف علماء المغرب والأندلس الذين عاصروا هذه الفرقة في وجهها وحذروا منها وبينوا أنها دعوة خارجية ضالة كما في "المعيار المعرب في فتاوى أهل المغرب" في ترجمة أحد علماء الأندلس والمغرب وهو علي بن محمد اللخمي.
وقد حاول خصوم الدعوة المباركة السلفية التصحيحية التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يربطوا بين هذه وبين تلك الدعوة الضالة الخارجية مع أن بينهما عشرة قرون. فالشيخ محمد بن عبدالوهاب النجدي توفي سنة 1206هجرية، و الخارجي الإباضي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم توفي سنة 197هجرية((1).
2- الشبهة الثانية - وقفة مع مذكرات همفر-:
أكثر الشيعة "الروافض" في منتدياتهم على الإنترنت من عرض ما يسمى بمذكرات همفر - جاسوس بريطاني - حتى يبينوا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله صنعة بريطانية.
و"همفر" هذا المزعوم شخصية وهمية لا وجود لها بل هي من وضع أحد مراجع الشيعة حتى ينال من شخصية الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ويحط من شأنه. وقد تبين بعد التتبع أن الذي وضع تلك المذكرات المزعومة هو الشيعي الهالك محمد الشيرازي عامله الله بما يستحق.
وممن شهد ببراءة الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وأثبت أن همفر شخصية وهميه؛ أحد خصوم دعوة الشيخ المباركة وأحد أعداء الدعوة السلفية ألا وهو حسن بن فرحان المالكي في كتابه "قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب".
__________
(1) 16) ... انظر كتاب: "تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية" للدكتور محمد بن عبد الرحمن الشويعر.

(1/21)


قال حسن بن فرحان المالكي: أما اتهام الوهابية بأنهم صنيعة بريطانية بناء على مذكرات رجل بريطاني اشتهرت كثيراً عبر منتديات الإنترنت فهي باطلة, وكان ذلك البريطاني الذي نسبت إليه المذكرة واسمه "همفر" قد زعم فيها أنه التقى الشيخ في البصرة وأنه وجهه إلى نجد نكاية بالدولة العثمانية ..إلخ.
فهذا من البهتان الباطل المكشوف لأسباب أهمها:
الأول: أن الشيخ وأئمة آل سعود "محمد وابنه عبد العزيز" لبثوا يحاربون الرياض ودخنة ومنفوحة وتلك الأحياء القريبة من الدرعية ما يزيد على عشرين سنة، ولو كان عندهم دعم بريطاني لما لبثوا في حرب تلك المدن والأحياء القريبة إلا أياماً أو شهوراً على أبعد تقدير.
الثاني: مذكرات ذلك البريطاني المسمى "همفر" لا تصح, وقد أخبرني بعض الإخوة من الشيعة المعتدلين أن الذي وضعها هو أحد المراجع الشيعة الإمامية نكاية بالوهابية وعندي اسم ذلك الشيخ الإمامي الذي وضع تلك المذكرة على لسان همفر, وقد ذكر ما يمكن أن يدل على أن واضع تلك المذكرة هو الشيخ الشيعي((1).
وفي مجلة "الأصالة" بحث قيم لأخينا مالك بن حسين في بيان كذب وتلفيق هذه المذكرات, وقد ذكر ما يدلل على أن هذه المذكرات ملفقة, وأن همفر شخصية وهمية ومن ذلك:
أولا: بتتبع التواريخ المذكورة في المذكرات يظهر لنا أن همفر لما التقى بالشيخ رحمه الله كان عمر الشيخ الافتراضي وقتئذ عشر سنين، وهذا أمر لا يتناسب – بل يتناقض – مع ما ذكر في المذكرات (ص30) من أن همفر: تعرف على شاب كان يتردد على هذا الدكان, يعرف اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية, كان في زي طلبة العلوم الدينية, وكان يسمى بمحمد بن عبد الوهاب, وكان شاباً طموحاً للغاية، وإليك تفصيل ذلك بالدليل:
- ذكر في المذكرات (ص13) أن وزارة المستعمرات البريطانية أوفدته إلى الآستانة "مركز الخلافة الإسلامية" سنة (1710م- 1122هـ).
__________
(1) 17) ... "قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ص (126)

(1/22)


- ذكر في (ص18) أنه مكث في الآستانة سنتين ثم رجع إلى لندن حسب الأوامر؛ لتقديم تقرير مفصل عن الأوضاع في عاصمة الخلافة.
- ذكر في (ص22) أنه مكث في لندن ستة أشهر.
- ذكر في (ص22) أنه توجه إلى البصرة وأخذت منه الرحلة ستة أشهر وفي أثناء وجوده في البصرة التقى بالشيخ رحمه الله.
- يكون مجموع التواريخ الماضية هو 1713م، أي سنة 1125هـ، والشيخ رحمه الله ولد سنة 1703م- 1115هـ، فيكون عمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقت لقاء (همفر) به عشر سنين، وهذا واضح جداً في بطلان هذه المذكرات جملة وتفصيلا.
ثانياً: ذكر في المذكرات (ص100) أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أظهر دعوته في سنة (1143هـ)، وهذا كذب واضح حيث إن تاريخ إعلان الشيخ رحمه الله دعوته هو نفسه التاريخ الذي توفي فيه والده وهو سنة (1153هـ)، فانظر إلى هذا التفاوت الواضح في التاريخ.
ثالثاً: إن موقف الحكومة البريطانية من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس التأييد والدعم وإنما هو العداء والمحاربة كما هو معروف في التاريخ.
رابعاً: لا نجد ذكرا لهذه المذكرات في سالف الزمان رغم حرص أعداء هذه الدعوة المباركة على تشويهها ونشر كل ما يسيء إليها, وخروجها في هذا الوقت المتأخر دليل على افترائها وتلفيقها.
خامساً: همفر هذا نكرة لا يعرف؛ فأين هي المعلومات التفصيلية عنه من حيث اسمه ورتبته, وما يتعلق بوظيفته ومهمته من كتب ووثائق الحكومة البريطانية.
سادساً: إن الذي يقرأ هذه المذكرات يجزم بأن مؤلفها ليس نصرانياً لوجود كثير من العبارات التي فيها الطعن والانتقاص بالدين النصراني والإنجليز أنفسهم, وبعض العبارات التي فيها مدح الإسلام؛ من ذلك على سبيل المثال انظر: (ص 14, 15, 16, 24, 26, 48, 50, 66).

(1/23)


سابعاً: النسختان المطبوعتان في ترجمة هذه المذكرات لم يذكر فيهما أية معلومات عن هذه المذكرات من حيث النسخة الأصلية التي ترجمت عنها وهل هي مطبوعة أو مخطوطة وبأي لغة؟
ثامناً: المترجم نكرة ففي النسخة (أ) لم يذكر عنه أي شيء, وفي النسخة (ب) رمز لنفسه بـ (د.م.ع.خ)!
تاسعاً : كثرة الفروق بين النسختين المترجمتين وبعضها فروق جوهرية.
عاشراً: في النسخة (ب) تاريخ الترجمة هو 25حزيران 1990، فهل مثل هذه الوثائق المهمة تبقى حبيسة, ولا ترى النور إلا بعد 199) عاماً من وفاة الشيخ رحمه الله.
الحادي عشر: اتفقت النسختان على كتابة تاريخ (2/1/1973) في نهاية المذكرات, وهذا التاريخ هل هو تاريخ كتابة هذه المذكرات من همفر كما هو ظاهر, وهذا يؤكد كذب هذه المذكرات إذ إن وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قبل هذا التاريخ بـ (179) عاماً! أم هو تاريخ افتراء واختلاق هذه المذكرات؟
ومن النقاط المهمة التي ذكرها الأخ مالك في بيان كذب هذه المذكرات:
1- جاء في المذكرات (ص30): "أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يعرف اللغات الثلاث: التركية والفارسية والعربية". وهذا ليس بثابت, ولو كان معروفاً لنقله من ترجم للشيخ الإمام.
2- جاء في المذكرات (ص31): "أن الشيخ لم يكن يرى أي وزن لأتباع المذاهب الأربعة المتداولة بين أهل السنة, ويقول إنها ما أنزل الله بها من سلطان". وهذه فرية واضحة فمذهب الشيخ الإمام اتجاه المذاهب الأربعة واضح فمن ذلك قوله: نحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة, وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس – الشافعي – وأحمد بن حنبل – رحمهم الله – ((1). ومعروف لدى العام والخاص أنه مذهبه هو المذهب الحنبلي.
__________
(1) 18) ... مؤلفات الشيخ – القسم الخامس – الرسائل الشخصية (ص96).

(1/24)


3- جاء في المذكرات (ص37-38): "أن همفر قال للشيخ بأن الجهاد ليس فرضاً.. وبعد نقاش أقنع الشيخ بذلك". وهذا أيضاً بين الكذب فمذهب الشيخ في الجهاد بينه بقوله: وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً .. والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ((1).
4- جاء في المذكرات (ص38): "أن همفر أقنع الشيخ الإمام بأن متعة النساء جائزة وأنه تمتع بامرأة مسيحية". وهذا الرافضي الذي اختلق هذه المذكرات لا يحسن الكذب؛ فهو يجهل أن الشيخ ألف كتاباً في الرد على الرافضة "الشيعة" ومن جملة رده عليهم الرد عليهم في هذه المسألة, ومثله قوله في المذكرات ص (54) أن الشيخ يؤمن بالتقية, ومنها كما في ص (99) أن من الخطط التي وضعت للشيخ الإمام نشر قرآن فيه التعديل – تغيير - وفي الأحاديث - زيادة ونقص - وهذا من أبين الكذب, ودليل على أن واضعها رافضي حاقد أبى الله إلا أن يفضحه.
5- جاء في المذكرات (ص38-42): "أن همفر بعد نقاش أقنع الشيخ بأن شرب الخمر ليس بحرام وأن الصلاة ليست فرضاً, فشرب الشيخ الخمر وتهاون في الصلاة!"((2). وهذا من أقبح الكذب والسخف.

3- الشبهة الثالثة -وقفة مع ادعاء بعض الخصوم عدم محبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - :
__________
(1) 19) ... مؤلفات الشيخ – القسم الخامس – الرسائل الشخصية (ص11).
(2) 20) ... عن مجلة "الأصالة" بتصرف الأعداد (31،32،33) ففيها رد مفصل على هذه المذكرات.

(1/25)


إن أعداء هذه الدعوة المباركة لما رأوا الشيخ يدعو الناس إلى عدم الغلو في جناب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم", وعلموا مدى حب الأمة الإسلامية لرسولها - صلى الله عليه وسلم - ، فأرادوا أن يوغروا قلوب المسلمين، وأن ينفروا الناس من السير في دعوة التوحيد، فاختلقوا تلك الفرية وزعموا أن الشيخ يدعو للتنقيص من النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وللجواب على هذه التهمة نقول: هذه بعض النصوص من قوله فيها التعظيم لنبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - وبيان عظم منزلته وفضله، فقد تحدث الشيخ الإمام عن معنى شهادة أن محمداً رسول الله فيقول: "ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"(1).
فلا يتحقق معنى شهادة أن محمداً رسول الله إلا بتمام الإتباع وكمال الاقتداء، بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ويقول الشيخ مشيراً إلى بعض خصائص المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : "فرسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - هو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه"(2).
كما يذكر الشيخ بأنه - صلى الله عليه وسلم - "أقرب الخلائق منزلة"(3)، وأنه "سيد المرسلين"(4).
وفي قصة سبب نزول سورة "تبت"، يذكر الشيخ ما فيها من فضائل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله الحق الذي لا يقدر غيره أن يقوله(5).
ويقول الشيخ ضمن كلامه عن سورة النور: "الأمر بطاعته سبحانه وطاعة رسوله وأن الهدى في طاعته، كما قال تعالى: { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } (6).
__________
(1) 21) ... مجموعة مؤلفات الشيخ (1/190)
(2) 22) ... المرجع السابق (5/113)، بتصرف يسير.
(3) 23) ... المرجع السابق (4/339).
(4) 24) ... المرجع السابق (4/335).
(5) 25) ... المرجع السابق (4/381).
(6) 26) ... "مجموعة مؤلفات الشيخ" (4/279).

(1/26)


كما يعرّف الشيخ الصراط المستقيم عند تفسيره لسورة الفاتحة، فيقول: "والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم } ، وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأنت دائما في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم ... )(1). ويبين الشيخ في تفسير سورة الحجرات أنه "لابد من الأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيم حرمته"(2).
وقرر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن مذهب جده في هذه المسألة، فيقول الشيخ عبد اللطيف: "وقد قرر رحمه الله على شهادة أن محمداً رسول الله من بيان ما تستلزمه هذه الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية من الحب والتوقير والنصر والمتابعة والطاعة وتقديم سنّته - صلى الله عليه وسلم - على كل سنّة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت، والانتهاء حيث انتهت في أصول الدين وفروعه، باطنه وظاهره، كليه وجزئيه، ما ظهر به فضله وتأكد علمه ونبله(3).
وحيث أنه من الواجب متابعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، فإن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يذكر بذلك فيقول: "وأما متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات، والأقوال والأفعال. قال الله تعالى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } الآية، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قبل، وما خالف رد على فاعله كائناً من كان.."(4).
__________
(1) 27) ... المصدر السابق (4/17).
(2) 28) ... المصدر السابق (4/349).
(3) 29) ... "منهاج التأسيس"، (ص41).
(4) 30) ... "الدرر السنية" (1/235، 236).

(1/27)


ومما كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ذاكراً هذه المفتريات ثم معقباً عليها بالدحض والرد، حين دخل مكة في محرم سنة 1218هـ:
"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق بأنا نضع من رتبة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقولنا النبي - صلى الله عليه وسلم - رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه:{فاعلم أنه لا إله إلا الله} مع كون الآية مدنية ... ، وأننا ننهى عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ، فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً كان جوابنا في كل مسألة من ذلك سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى. ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك.
والذي نعتقده أن مرتبة نبينا - صلى الله عليه وسلم - أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد من ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين وكفى همَّه وغمَّه كما جاء الحديث عنه .."(1).
__________
(1) 31) ... "الدرر السنية" (1/ 127، 128).

(1/28)


ويذكر عبد الرحمن عميرة الدافع إلى افتراء هذه الكذبة، ثم يعقبها بالدحض: "إن الحاقدين والضالين عن طريق الحق يعلمون مدى حب الأمة الإسلامية لرسولها - صلى الله عليه وسلم - ، فأرادوا بتلك الفرية الجديدة أن يوغروا قلوب المسلمين، وأن ينفروا الأتباع من السير في دعوة التوحيد، فاختلقوا هذا الضلال المبين الذي لا يقوم عليه إلا من كان أسود القلب ضال البصيرة، يبغي محاربة الله ورسوله والصد عن سبيله.
ثم يقول: الرجل الذي جاء يدعو المسلمين بالعودة إلى القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - تقولوا عليه بأنه يكره الصلاة على الرسول الكريم، إنه الإفك بعينه والادعاء الذي لا يقف على قدمين. الرجل الذي يلتزم بكل ما أمر به القرآن، يقولون عليه يكره الصلاة على النبي..!

4- الشبهة الرابعة -شبهة الغلو في التكفير وأنه يكفر من خالفه-:
إن من أشد الشبهات التي أثيرت على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - شبهة الغلو في التكفير.
وللجواب على هذه الشبهة نسوق بعض المقتطفات من كلام الشيخ الإمام من التبري من هذه التهمة وقد اتهمه بها بعض المعاصرين له.
ففي رسالته لأهل القصيم، يشير رحمه الله إلى مفتريات الخصم ابن سحيم ويبريء نفسه من فرية تكفير المسلمين وقتلهم، يقول الشيخ الإمام:
"والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها قوله: أني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري، وأني أكفر من حلف بغير الله .. جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم(1).
ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بطلان تلك الفرية، ويدحضها فيقول في رسالته لحمد التويجري:
__________
(1) 32) ... المرجع السابق (5/11، 12)، وذكر ذلك - أيضاً - في رسالته لعبد الله بن سحيم مطوع المجمعة (5/62).

(1/29)


"وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما تبيّن له الحجة على بطلان الشرك ... "(1).
ويؤكد الشيخ الإمام - مرة أخرى - بطلان تلك الدعوى، وأنها دعوى كذب وبهتان، فيقول جواباً على سؤال الشريف: "وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.."(2).
ويبعث الشيخ رسالة لأحد علماء المدينة لدحض فرية تكفير الناس عموماً، يقول الشيخ: "فإن قال قائلهم أنهم يكفرون بالعموم فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفّر أهل التوحيد(3).
ويكتب الشيخ الإمام إلى إسماعيل الجراعي صاحب اليمن تكذيباً لهذه الفرية فيقول: "وأما القول بأنّا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم(4).
__________
(1) 33) ... المرجع السابق (5/60).
(2) 34) ... "مجموعة مؤلفات الشيخ" (3/11).
(3) 35) ... "مجموعة مؤلفات الشيخ" (5/48).
(4) 36) ... المرجع السابق (5/100).

(1/30)


ولما أرسل أحد علماء العراق وهو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي كتاباً للشيخ الإمام يسأله عما يقوله الناس فيه من تكفير الناس إلا من تبعه، فأجابه الشيخ بجواب ذكر فيه كيد الأعداء ثم أعقبه برد فرية الخصوم: "وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون"(1).
ويقول الشيخ الإمام رحمه الله: "وقولكم إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا، كيف تفعلون كذا. فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين"(2).
ويبعث رسالة لمحمد بن عيد أحد مطاوعة ثرمداء، يقول فيها: "وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"(3).
__________
(1) 37) ... المرجع السابق (5/36).
(2) 38) ... المرجع السابق (5/189).
(3) 39) ... المرجع السابق (5/25).

(1/31)


وينفي الشيخ حسين بن غنام فرية تكفير المسلمين عن الشيخ الإمام، ويؤكد أن الخصوم هم الذين كفّروا الشيخ واستحلوا دمه، يقول رحمه الله في وصف الشيخ: "إنه رحمه الله لما تظاهر ذلك الأمر والشأن، في تلك الأوقات والأزمان، والناس قد أشربت منهم القلوب بمحبة المعاصي والذنوب، وتولعوا بما كانوا عليه من العصيان، وقبائح الأهواء على كل إنسان، لم يسرع لها لسان، ولم يصمم منه لب أو جنان على تكفير هؤلاء العربان، بل توقف تورعاً عن الإقدام في ذلك الميدان، حتى نهض عليه جميع العدوان، وصاحوا وباحوا بتكفيره وجماعته في جميع البلدان، ولم يثبتوا فيما جاءوا به من الإفك والبهتان، بل كان لهم على شنيع ذلك المقال إقدام وإسراع وإقبال، ولم يأمر رحمه الله بسفك دم ولا قتال على أكثر الأهواء والضلال"(1).
__________
(1) 40) ... "روضة الأفكار"، (1/33).

(1/32)


ويفند الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تلك الفرية، فيقول: "وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأننا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن فيه، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله ... فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك {سبحانك هذا بهتان عظيم}، فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعياً أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة"(1).
ويدل على براءتهم - أيضاً - من تلك الفرية ما يقوله الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في موضع آخر: "إن صاحب البردة وغيره ممن يوجد الشرك في كلامه والغلو في الدين، وماتوا لا يحكم بكفرهم، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام، وبيان من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر، وأما القائل فيرد أمره إلى الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي التعرض للأموات، لأنه لا يعلم هل تاب أم لا.."(2).
__________
(1) 41) ... "الهدية السنية" (ص40).
(2) 42) ... "مجموعة الرسائل والمسائل" (1/47).

(1/33)


كما يوضح الشيخ عبد اللطيف تورع جده – الشيخ الإمام – عن التكفير فيقول: "والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها"(1).
ويورد الشيخ عبد اللطيف – في إحدى رسائله - معتقد الشيخ الإمام في مسألة التكفير فيقول: "فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية"(2).
ويؤكد الشيخ عبد اللطيف أن من عرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أدرك براءته من تلك الفرية الكاذبة فيقول – رحمه الله: "كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، يعلم أنه من أعظم الناس إجلالاً للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهياً عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، والشيخ رحمه الله لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على كفره كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين"(3).
ويورد الشيخ سليمان بن سحمان الدفاع عن الشيخ الإمام، ويبرأه من هذا البهتان فيقول رحمه الله – حاكياً حال الشيخ:
__________
(1) 43) ... "منهاج التأسيس"، (ص65، 66).
(2) 44) ... "مجموعة الرسائل" (3/5).
(3) 45) ... المرجع السابق (3/449).

(1/34)


"فإنه رحمه الله كان على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها .. فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمع على تكفيره الأمة، ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم .. ويؤمن بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول، ومن نسب إليه خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من سلف الأمة وأئمتها فقد كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم"(1).
"وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر – رحمه الله -، فقال السائل: إنكم تكفرون بالمعاصي.
فأجاب: ليس هذا قولنا، بل هذا قول الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ولم نكفّر أحداً بعمل المعاصي، بل نكفّر من فعل المكفرات كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعوا غير الله، أو يذبح له، أو ينذر له، أو يخافه، أو يرجوه، أو يتوكل عليه، فإن هذه الأمور كلها عبادة لله بنص القرآن ... إلى آخر جوابه رحمه الله"(2).
وقفات مع كتاب:
"قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التكفير"
قبل الحديث عن هذا الكتاب لا بد من توضيح مسألة, وهي أن من أعظم من ناصب العداء للدعوة السلفية وعلمائها هم الشيعة بأقسامها المختلفة من باطنية واثنا عشرية: الجعفرية والزيدية.
وقد وجدوا في هذا الوقت من الزمان أن العالم مستعر في محاربة الإرهاب(3), فاغتنموا الفرصة في لصق تهمة التكفير بالدعوة السلفية, واتهام أئمتها بالخارجية والتكفبر.
__________
(1) 46) ... "الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد"، (ص56، 57).
(2) 47) ... "الدرر السنية"، (8/204).
(3) 48) ... انظر كتاب المخالف (ص28)، فقد ذكر على أن أحداث سبتمبر من أسباب صدور الكتاب.

(1/35)


وإن من عجائب الأيام أن تتهم الشيعة أهل السنة من أتباع الدعوة السلفية كالشيخ محمد بن عبد الوهاب بإكفار المسلمين وإحلال دمائهم وأموالهم، في حين أن الشيعة تعلن على رؤوس الملأ ومسامع العالمين إكفار خيار الأمة، وإكفار كبراء الصحابة، ومن تولاهم من فرق المسلمين، والذي يكفر خيار الصحابة كالصديق وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية وغيرهم .. كيف لا يمنعه الحياء من أن يتهم أحداً بإكفار المسلمين..(1).
ومن تلك المحاولات البائسة محاولة أحد دعاة الشيعة الزيدية وهو المدعو حسن بن فرحان المالكي في كتابه "قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التكفير", وهو مهما يحاول أن يخفي تشيعه ويتنصل منه, فكتبه خير شاهد على ذلك, ومن الأدلة على ذلك:
1- أن الزيدية هي مذهبه الذي تربى عليه، فهو زيدي الأسرة والمنشأ(2).
2- إثارته الكلام حول الصحابة كما في (ص155)، وسبه لبعضهم، وغضه من قدر أبي بكر وعمر، وإكثاره من الخوض فيما شجر بين الصحابة, ولمزه في معاوية وخالد بن الوليد, وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .
3- تعرضه لعدالة الصحابة كما في (ص46)من كتابه " قراءة نقدية "، فالصحابة في نظره كغيرهم يجب البحث في عدالتهم، وأن ثناء الله وثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدخل فيه جميع الصحابة، بل فقط المهاجرين والأنصار بل يرى حتى هؤلاء لا دليل على تعديلهم ويجب البحث عن عدالتهم(3).
4- تفضيله الحسن والحسين على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما! كما في كتابه "الصحبة والصحابة" (ص183).
__________
(1) 49) ... "الصراع بين الإسلام والوثنية" (1|348).
(2) 50) ... فالمالكي نسبة إلى (بني مالك) – وهي من منطقة جيزان- بالقرب من الحدود اليمنية، والذي لا يزال بعض أهلها على مذهب الزيدية, وهو يعترف أنه من أسرة زيدية، كما ذكر الشيخ ناصر الفهد في رده عليه.
(3) 51) ... انظر كتابه "الصحبة والصحابة" (214- 215).

(1/36)


5- محاولته التعذر لسبب قصره الصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآله دون صحبه كما في (ص30)من كتابه " قراءة نقدية "، مع أن هذا الفعل هو شعار الرافضة الذين يحاول التنصل من مذهبهم.
6- غلوه في علي - رضي الله عنه - والوقيعة في الصحابة الذين كانوا مع معاوية - رضي الله عنه - بل وصل به الحال إلى تقرير أن لعن بعضهم ليس بالأمر المستنكر عند العلماء.
7- انتقاداته للكتب التي ترد على الروافض وتدافع عن الصحابة ككتاب "العواصم" لابن العربي، و "منهاج السنة" لشيخ الإسلام, ولمز أصحابها بالنصب كما في (ص86)من كتابه المذكور .
8- عداؤه وحقده على أهل السنة والجماعة وأئمة السلف وأئمة الدعوة السلفية.
9- محاولة إظهار أن شخصية ابن سبأ واضع دين التشيع والرفض أسطورة وهمية كما في (ص65)، مع أن كثيراً من المؤرخين على إثبات دور ابن سبأ في إظهار مذهب التشيع.
10- حاول الدفاع عن دولة الباطل "الفاطمية", ولمز دولة الأيوبيين والأمويين وزعم أنهم استخدموا الدين لمصالحهم السياسية كما في (ص72)، وأن المعركة بين الفاطميين وخصومهم من الأيوبيين, وعلى رأسهم صلاح الدين معركة صراع حول السياسة والحكم وليست صراع دين وعقيدة.
11- استئناسه بأقوال الروافض كـ "محمد جواد مغنية" كما في (ص136) في الطعن في الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب.
12- تحامله على دولة بني أمية الذي هو حال الشيعة واتهامهم بالظلم والتجبر كما في (ص19و87 و170و193و198).
13- وادعى أن تكفير الإمامية - الذين كفروا الصحابة وأمهات المؤمنين وكفروا أهل السنة في القديم والحديث بل وكفروا من ينتمي هو إليهم "الزيدية" سهل إذا قسناه بتكفير الحنابلة!
وإنما قدمنا التعريف به لأنه لا يقبل من ذي غمر شهادة. وهذه بعض المسائل المهمة قبل الحديث عن الكتاب:

(1/37)


أولاً: أن التوحيد الذي جاءت به الرسل هو توحيد العبادة، وهذا مأخوذ من معنى "الإله"، فمعناه بإجماع أهل اللغة وعلماء التفسير والفقهاء هو المعبود، فيكون المراد بكلمة الشهادة: لا معبود بحق إلا الله، أي صرف جميع أنواع العبادات لله وحده، وإثباتها له وحده – سبحانه، ونفيها عما سواه عز وجل(1).
وقد بين الله تعالى في كتابه أن الشرك واقع في هذه الأمة, و أن كثيراً من الناس يخلطون مع إيمانهم الشرك، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ}. قال طائفة من السَّلف: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله, وهم مع ذلك يعبدون غيره، فإيمانهم هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، وهذا الإيمان بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام وهم يعبدون غير الله، أي يشركون به في توحيد الألوهية.
ثانياً: أن حد الشرك "أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله .. فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر(2). مع بيان ما قرره أهل السنة من أن الكفر أنواع وشعب كما أن الإيمان شعب, وأن ليس كل كفر يخرج عن الملة, وأن بعض الذنوب والمعاصي التي توصف بأنها كفر تعني كفرا دون كفر كما جاءت بذلك السنة(3).
ثالثاً: أن الشرك حكم شرعي من استحقه أطلق عليه بشرط توفر الشروط وانتفاء الموانع، ومن أنواع هذا الشرك: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله والإنابة، والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره.
__________
(1) 52) ... انظر : بيان ذلك في "مجموعة التوحيد النجدية"، (ص396، 398).
(2) 53) ... عبد الرحمن بن ناصر السعدي، "القول السديد في مقاصد التوحيد" (ص43).
(3) 54) ... "الدرر السنة" (1/479).

(1/38)


ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم. فإن الميت فد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً لمن استغاث به. بل الميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل الله لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثاناً تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات، وهم تنقصوا الخالق بالشرك، وأوليائه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم. وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا.
وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله ..(1) .
رابعاً: أنه لا يلزم من الحكم على القول أو الفعل أنه كفر تكفير المعين, وقد أقر الشيخ الإمام ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى.
خامساً: أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب قد التزم قواعد التكفير المعتبرة عند علماء الأمة ومن ذلك:
__________
(1) 55) ... من كلام للشيخ الإمام في نقله عن ابن القيم في "مدارج السالكين" (1|344) بتصرف يسير

(1/39)


1- أنه لا يكفر بالذنوب كما تفعل الخوارج كقوله: ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام(1). وقال في رسالته إلى عالم العراق ابن السويدي في سياق ذكر ما أشيع عن الشيخ من البهتان: ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من تبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل(2).
2- أنه لا يكفر بالعموم قال رحمه الله: وأما القول أنا نكفر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين, ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم(3).
3- معاملة الناس على ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله كما قرر ذلك في أهل البدع(4).
4- لا يحكم على أحد بالكفر بمجرد الموالاة .
5- لا يحكم على أحد بمجرد الظن.
6- يعذر الجاهل بجهله.
7- لا يكون التكفير عنده إلا بعد إقامة الحجة والبرهان.
__________
(1) وكذلك قرر ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": أن الذبح لغير الله من الشرك الأكبر, وكذلك الألوسي. انظر: "فتح المنان" (ص418)، وقرر كذلك الصنعاني في كتابه "تطهير الاعتقاد"، أن الاستغاثة بالصالحين من الشرك الأكبر. انظر: "دعاوي المناوئين" (ص99)، وقد نقل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب شيئا من أقوال المذاهب الأربعة في تقرير ذلك. انظر: "الدرر السنية" (2/54).
(56) ... "الدرر السنة" (1/32).
(2) 57) ... "الدرر السنة" (1/80).
(3) 58) ... "الدرر السنة" (1/100).
(4) 59) ... "الدرر السنة" (1/33).

(1/40)


قال رحمه الله: وأما ما ذكر الأعداء أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - (1). بل لا يكفر إلا ما أجمع المسلمون على تكفيره فقد قال رحمه الله: وأركان الإسلام خمسة أولها الشهادتان ثم الأركان الأربعة فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاوناً فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها, والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان(2).
سادساً: أن من موانع تكفير المعين عند الشيخ الإمام الجاهل والمكره والمتأول، وقد قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الأمر في كثير من كتبه ورسائله.
ففي رسالة بعثها لمحمد بن عيد أحد مطاوعة ثرمداء، يقول فيها: "وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"(3).
وفي رسالته لأهل القصيم، يشير رحمه الله إلى مفتريات من اتهمه بتكفير المسلمين وقتلهم، يقول الشيخ الإمام: "والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها قوله: أني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري، وأني أكفر من حلف بغير الله .. جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم(4). ومن مجمل ما قرره الشيخ وأقره المالكي لكنه يكابر مع ذلك:
1- أنه لا يحكم بالكفر على الجاهل الذي يعمل الشرك والكفر حتى تبلغه الحجة(5).
__________
(1) 60) ... مؤلفات الشيخ القسم الخامس (25) انظر كتاب: "إسلامية لا وهابية" (ص250).
(2) 61) ... "الدرر السنية" (1/102).
(3) 62) ... "مجموع مؤلفات الشيخ" (5/25).
(4) 63) ... "الدرر السنية " (5/11، 12).
(5) 64) ... المصدر نفسه: (10/136).

(1/41)


2- أنه لا يكفر من لم يكفر المخالفين ويقاتلهم (1).
3- أنه لا يكفر من لم يدخل في طاعته(2).
4- أنه لا يكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر ولا من عبد الصنم الذي على قبر البدوي لجهل الذين يعبدونها(3).
5- أنه لا يكفر من توسل بالصالحين(4).
6- أنه لا يكفر البوصيري ولا ابن الفارض ولا ابن عربي مع ما عندهم من طامات(5).
وبعد هذا التقرير لعقيدة أهل السنة والجماعة من كلام الشيخ الإمام وعلماء السنة نبين ما يلي:
1- أن المالكي يبتر النص ولا يورده كاملاً وستأتي بعض الأمثلة على ذلك.
2- ما هو حد الكفر في نظره؟ قرر المالكي أن المشركين كفروا لأنهم لا يؤمنون بالبعث وكذبوا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - , فقط, ولم يكفروا لأنهم صرفوا العبادات لغير الله من ذبح ونذر واستغاثة وسجود لغير الله, وهذا القول من أفسد الأقوال وأبطلها؛ إذ يلزم عليه أن لا يحكم بالردة على أحد حتى يجمع ما عند الكفار من نواقض، فيشرك وينكر البعث والنبوة، وهذا باطل بالإجماع، فمن آمن بالنبوة وأنكر بالبعث كفر، ولو أقر بالبعث وأنكر النبوة كفر، ولو أقر بالنبوة والبعث وأشرك في العبادة كفر، وهذا أمر ظاهر بين لمن تأمله. فذكر المالكي(ص64): عبادة الأصنام هي السجود لها والصلاة لها وطلب الحوائج منها مع الكفر بالنبوات ... وأما المسلم فلا يصلى لولي ولا نبي ويقر بأركان الإسلام وأركان الإيمان ويؤمن بالبعث. وذكر (ص39) بعد أن ساق عن الشيخ الإمام قوله أن المشركين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية من خلق وإحياء وإماتة. قال المالكي: هنا أيضاً رسم صورة زاهية للمشركين ولم يذكر تكذيبهم بالبعث.
__________
(1) 65) ... المصدر نفسه: (1/104).
(2) 66) ... المصدر نفسه: (10/128).
(3) 67) ... المصدر نفسه: (1/104).
(4) 68) ... المصدر نفسه: (9/34).
(5) 69) ... المصدر نفسه: (9/34).

(1/42)


3- أن المالكي يقلب الحقائق ويدلس فيسمي دعاء الموتى والاستغاثة بهم, والنذر لهم توسلا وتبركاً. وهذا من تزيين أهل الباطل, وربما أيضا جعلوه تشفعاً، وربما زينوا دعاء الموتى وصيّروه نداء لا دعاء، وكل ذلك يفعله أولئك لكي يزينوا للعوام ذلك الشرك بأسماء لا ينفرون منها ...انظر دعاوي المناوئين (ص334).
قال المالكي(ص54): أما المسلمون فإنهم لا يسجدون لأحد غير الله ولا يعبدون إلا الله، وقد يجهل بعضهم أو يتأول بأن الصالحين من الأحياء و الأموات يجوز التوسل بهم وطلب شفاعتهم عند الله .. وذكر (ص98): ويرى- أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب - أن الاعتقاد في الصالحين ليس كالزنا والسرقة وإنما هو عبادة الأصنام، ويكرر هذا المعنى كثيراً مع أن كلمة الاعتقاد في الصالحين كلمة عامة يدخل فيها التوسل والتبرك .. وذكر (ص186): وإنما اجتهد الشيخ في وصف أشياء بأنها طاغوت من توسل وممارسات أغلبها خاطيء .. وعلى ذلك اتهم الشيخ الإمام رحمه الله بأنه يكفر بالتوسل والتبرك.. فذكر ص (38): معظم علماء المسلمين في عهد الشيخ محمد وفي أيامنا هذه يقولون بجواز التبرك بالصالحين والتوسل بهم فهل نحن اليوم نكفر جميع هؤلاء أم نخطئهم فقط بل ليت التخطئة بدليل وبرهان تسلم لنا ... وإن قلتم لا نحن لا نكفرهم رددتم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب تكفيره لهم ... مع أن المالكي نقل عن الشيخ أنه لا يكفر من توسل بالصالحين (ص108)!

(1/43)


4- أنه يأتي بالنصوص التي فيها التقرير للحكم على الفعل أو القول أنه كفر فيحملها على المعين، فمثلاً قرر الشيخ أن من دعا واستغاث وذبح لغير الله فقد وقع في الشرك، فهذه قاعدة؛ فيأتي المالكي فيقول قصد الشيخ تكفير الجم الغفير من الناس الذين يفعلون ذلك, ومثال ما ذكره (ص65): ويظهر من كلام الشيخ محمد أنه إن علم بحادثة في الحجاز أو عسير أو سدير عممها على أهل تلك الجهة كلها فيكفرهم ويقاتلهم، فهو يعتبر وجود القبر الذي يتبرك به البعض كوجود الأصنام. قلت: أما التكفير والقتال فهو كذب, وأما الشطر الثاني فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(1). والوثن هو الصنم كما في النهاية في غريب الحديث فتأمل.
5- أنكر وجود شركيات كبرى عند المسلمين كما في (ص179). قلت: صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة))(2). وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية. وصح كذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان))(3). وعن عائشة مرفوعاً: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)). فقالت عائشة: يا رسول الله، إن كنت لأظن حيث أنزل الله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(4)، إن ذلك تاماً قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله. وتجاهل ما عند الشيعة من صرف العبادات لغير الله من السجود لقبور أئمتهم وذبح ونداء واستغاثة, ونحن ندعوه للاطلاع على بعضها في موقع "فيصل نور".
__________
(1) 70) ... رواه أحمد في "مسنده" (2|246).
(2) 71) ... أخرجه البخاري ومسلم.
(3) 72) ... أبوداود وابن ماجة وإسناده صحيح.
(4) 73) ... مسلم (2907).

(1/44)


6- زعم المالكي(ص33): أن محمد بن عبد الوهاب قصر شرك قوم نوح على الغلو فقط. قال المالكي: فإن الله أرسل نوحا إلى قومه ليدعوهم لعبادة الله وترك الشرك فقد كانوا يعبدون هذه الأصنام وليس فعلهم مجرد "غلو في الصالحين". قلت: وهذا تفاصح من المالكي وتدليس وتمويه، فكلام الشيخ واضح بين أن الغلو في الصالحين كان سببا في وقوعهم في الشرك, ويدل على ذلك ما جاء عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم حدث فيهم الشرك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ؛أما ود كانت لكلب بدومة الجندل, وأما سواع كانت لهذيل, وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ, وأما يعوق فكانت لهمدان, وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع؛ أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا؛ فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. [أخرجه البخاري]. وقال ابن حجر: بل مرجع ذلك إلى قول واحد وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام ثم تبعهم من بعدهم على ذلك ... وأخرج الفاكهي من طريق عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح ,وكانت الأبناء تبر الآباء فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه؛ فاتخذ مثالا على صورته فكلما أشتاق إليه نظره ثم مات ففعل به كما فعل حتى تتابعوا على ذلك فمات الآباء فقال الأبناء: ما أتخذ آباؤنا هذه إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها(1).
__________
(1) 74) ... "الفتح" (8|669).

(1/45)


7- زعم المالكي أن الشيخ الإمام يثني على المشركين والمنافقين؛ فذكر (ص40): ولا يجوز أن نختار الآيات التي قد نوهم بها العوام بأن فيها ثناء على الكفار ونترك الآيات التي تذمهم وتبين كفرهم وظلمهم وتكذيبهم بالبعث .. وذكر (ص4)عن محمد بن عبد الوهاب أنه أثنى على المنافقين لهذا الغرض في مواطن كثيرة, ومنها قوله: كان المنافقون على عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ويصلون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس ويحجون معه ... قلت: وهذه من تدليساته فالشيخ رحمه الله يقرر ما قرره القرآن أن المشركين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية , ولم ينفعهم هذا التوحيد مع الكفر بتوحيد الألوهية فهل عندما يقرر أن المشركين يؤمنون أن الله هو الخالق المحي المميت يفهم منه أنه يثني على الكفار. وكذلك لما قرر أن المنافقين كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصومون ويتصدقون ويقاتلون في بعض الغزوات ولم تنفعهم هذه الأعمال. فهل إذا قرر ذلك يفهم القاريء أنه يثني على المنافقين!

(1/46)


8- ذكر المالكي(ص48): لكن مجرد التلفظ بها – أي كلمة الشهادة - ولو كذبا وتعوذا يعصم صاحبها من التكفير والقتل بينما من يقولها من معاصري الشيخ صادقاً ومتديناً لا تعصمه من تكفير ولا قتال .. قلت: وفي قوله تدليس فإن كلمة التوحيد تعصم صاحبها بشرط أن لا ينقضها بناقض من النواقض , والدليل على ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر - رضي الله عنه - وكفر من كفر من العرب فقال عمر - رضي الله عنه - : كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)). فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها(1).
__________
(1) 75) ... متفق عليه.

(1/47)


9- ذكر المالكي (ص53) عند قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : فإن أعداء الله لهم اعترافات كثيرة يصدون بها الناس منها قولهم نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عليه السلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبد القادر أو غيره, ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم. فجوابه بما تقدم, وهو أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقرون بما ذكرت ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة .. قال المالكي: هذا يدل على أن الشيخ يرى تكفير ووجوب قتال هؤلاء الذين يقولون القول السابق وأنه يعتبرهم مشركين شركاً أكبر .. قلت: أ- لا يفهم من كلام الشيخ ما ذكر إلا من في قلبه دغل، فهل يفهم المسلم أن الشيخ يدعو لقتال أو تكفير هؤلاء من هذا القول. ب- بين الله في كتابه أن حجة المشركين في عبادة الأصنام اتخاذهم وسائط بينهم وبين الله كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، وهي نفس حجة هؤلاء.

(1/48)


10- نسب إلى الشيخ أنه قسم الجزيرة إلى ديار كفر وديار إسلام كما في (ص55 و59 و65). وهذه فرية قد تبرأ منها علماء هذه الدعوة كما في "الدرر السنية" (9/252). وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله -وهو من كبار علماء هذه الدعوة -عن هذه الفرية لما سئل عن البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك ,والشرك فيها ظاهر مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مع عدم القيام بحقيقتها ويؤذنون ويصلون الجمعة والجماعة .. هل تسمى دار كفر أو دار إسلام ؟ فأجاب رحمه الله: فهذه المسألة يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء في بلدة كل أهلها يهود أو نصارى أنهم إذا بذلوا الجزية صارت بلادهم بلاد إسلام, وتسمى دار إسلام فإذا كان أهل بلدة النصارى يقولون في المسيح أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة أنهم إذا بذلوا الجزية سميت بلادهم بلاد إسلام؛ فبالأولى فيما أرى أن البلاد التي سألتم عنها وذكرتم حالها أولى بهذا الاسم ..(1).
11- نسب المالكي إلى الشيخ أنه لا يعذر الجاهل بكفره: فذكر بعد كلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص68): وكذلك لم يراع الشيخ الجهل؛ فالجهل بالشيء يمنع من إطلاق الكفر على الجاهل .. قلت: وهذا من إلزاماته الباطلة على كلام الشيخ، فإنه قد قرر رحمه الله في أكثر من موضع أن الجاهل يعذر بجهله. قال الشيخ الإمام رحمه الله: وأما ما ذكر الأعداء أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - (2).
__________
(1) 76) ... "الدرر السنية" (9/254).
(2) 77) ... "مؤلفات الشيخ القسم الخامس (ص25).

(1/49)


12- ذكرالمالكي(ص78):عند قول الشيخ: إلا من أكره فلم يستثن الله إلا المكره قال المالكي:وهذا القصر فيه نظر فإن المضطر والخائف والمتأول والجاهل لا يجوز تكفيرهم، وهذا يدل على أن الشيخ لا يعول كثيراً على مسألة الأسماء والأحكام فقد أهمل أبرز موانع التكفير كالتأويل والجهل. قلت: وهذا من تدليسه فإن كلام الإمام عن إنسان نطق بكلمة الكفر عالما أنها كفر فلا يعذر في ذلك إلا المكره,ويدل عليه سبب نزول الآية ,وليس الحديث عن إنسان كفر جهلا منه أن هذا القول أو الفعل كفر، فتأمل .

ملحوظات عامة
1- زعم (ص109) أن الشيخ الإمام أنكر تحريق "دلائل الخيرات" (9/34و80) مع أنهم لما دخلوا مكة حرقوه (1/228). قلت: قد بتر النص فقد بين هناك أن الذي فعل ذلك هم الجهلة قال: وما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر منه لجهله, وقد زجر هو وغيره عن مثل ذلك.
2- حاول في كتابه استعداء الدولة السعودية على المناهج التعليمية وعلى المشايخ وأئمة الدعوة كما في (ص24و63و87و142و177). مثال ذلك قوله: وللأسف أن هذا التيار هو المدعوم رسمياً ربما لعدم تنبه الحكومة لحجم الغلو داخل التيار الوهابي .. انظر (ص24).

(1/50)


3- حاول أن يبين أن أحاديث ذم المشرق إنما يراد به نجد وليس العراق لتكتمل مسيرة الطعن في الشيخ الإمام ودعوته كما في (ص43و169). قلت: ذكر شيخنا الألباني –رحمه الله- بعد أن ذكر الروايات؛ أن المقصود بنجد هي العراق كما جاء في روايات أخرى: وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرقه وبعض ألفاظه لأن بعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد ابن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية, ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد نجد المعروفة بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث, وإنما هي العراق كما دل عليه أكثر طرق الحديث, وبذلك قال العلماء قديماً كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم(1).
4- ولمز خالد القسري الذي كان له دور في تتبع الزنادقة والمارقين كالجعد بن درهم وغيره كما في (ص53).
5- وغازل الرافضة في مدحه لثورة الخميني كما في (ص61).
6- واتهم المشايخ والعلماء ابن باز والألباني بالتزلف للحكام (ص68).
7- ودافع عن الرازي ودلس على الإمام الذهبي أنه أثنى على الرازي كما في (ص93). قلت:أهمل ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه "ميزان الاعتدال" (3/340) في ترجمة الرازي فقال: صاحب التصانيف رأس في الذكاء والعقليات؛ لكنه عري عن الآثار, وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة، نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا, وله كتاب"السر المكتوم في مخاطبة النجوم"، سحر صريح فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله(2).
8- حاول المالكي أن يظهر أئمة الدعوة أنهم معارضون للتعليم والتطور العصري كما في (ص118).
9- ودفاع عن مسألة تقديم العقل على النقل كما في (ص20).
10- ودافع عن الجهمية كما في (ص21).
__________
(1) 78) ... "السلسلة الصحيحة" (5|305).
(2) 79) ... انظر كذلك "اللسان" (4/499).

(1/51)


11- وطعن في أحاديث في "الصحيحين" كما في (ص35و70و190و192) مع تفرده بهذا الطعن بلا بينة.
12- وهاجم المحدثين وعلم الحديث, وحاول التشكيك في هذا العلم المبارك وقواعده كما في (ص 182، 183، 190، 192) وهو باب للولوج في الطعن والتشكيك في السنة النبوية.
13- واتهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بالتوسع في التكفير كما في (ص55)
وهذه بعض من التدليسات والكذبات التي ذكرها:
1- زعم المالكي (ص15) أن علماء ومشايخ السلفية يحكمون بالردة على من خطأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وهذا كذب ظاهر عري من الصحة.
2- وقال (ص18) :لأن المصطلح المستحدث "العقيدة"، وهو مصطلح فضفاض غير محدد إلا من أقوال الغلاة ولذلك يحرص الغلاة على التحاكم إلى المصطلح لأنه يتيح لهم ظلم الآخرين من استحلال دماءهم والحكم عليهم بالنار.
3- وزعم (ص20) أن الوهابية أضافوا خصومة المذاهب الأربعة .قلت: وهذا من تدليسه، فموقف الشيخ ابن عبد الوهاب اتجاه المذاهب الأربعة واضح فمن ذلك قوله: نحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة, وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس – الشافعي – وأحمد بن حنبل، رحمهم الله((1).
4- واتهم المشايخ والدعاة بالظلم كما في (ص25). قال: أما التيار – أي السلفي - فعشنا بينهم والشهادة لله أنهم من حيث الجملة يظلمون من خالفهم الرأي ويعملون على إقصائه والتشكيك فيه والاستعداء عليه ..
5- وزعم كذباً أن السلفية يكفرون الكوثري وأبا غدة وشلتوت وأبا زهرة والغزالي والقرضاوي والطنطاوي والبوطي ... كما في (ص52). قال في الحاشية: أقول تكفيرهم وتبديعهم لأن بعض الوهابية يكفر وبعضهم يقتصر على التبديع والنتيجة واحدة لأن المبتدع عندهم من أهل النار .. والمبتدع عندهم يستحق القتل ..
__________
(1) 80) ... " مؤلفات الشيخ" – القسم الخامس – الرسائل الشخصية ص(96)

(1/52)


6- وكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (ص96و101و160)، واتهمه بالنصب وغيرها من التهم التي يرددها غيره من الطاعنين.
7- وكذب عندما اتهم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بتكفير الأشعري وتكفير أغلب أتباع المذاهب الأربعة كما في (ص102).
8- حاول أن يسوغ ويدلل على صحة من زعم أن الشيخ ادعى النبوة كما في (ص138).
9- وكذب (ص152) حين زعم أن رجلاً من غلاة السلفية يزعم أن علياً قاتل للرياسة لا للديانة ويصرح آخر بأن جعفر الصادق ماسوني كذاب ..
10- وكشف عما يحمله قلبه من غل بما ذكره (ص55) الأزارقة .. وهم أشد الخوارج انفردوا عن الخوارج بأمور .. لكن من يراجع عقائد الخوارج يعلم أن أغلبهم فيهم اعتدال لا نجده في بعض الوهابية والسلفية.
11- اتهامه السلفية بالتجسيم كما في (ص139)، وكتب الحنابلة بالحشو والتجسيم كما في (ص199).
وأما طعونه بالشيخ الإمام ودعوته فهي كثيرة جداً، منها:
1- اتهامه الشيخ بتكفير المسلمين واستحلال دماءهم كما في (ص60).
2- اتهامه بالتقية كما في (ص137).
3- وطعنه به كما في (ص108و112و141و189) .

5- الشبهة الخامسة - شبهة الخروج على الدولة العثمانية-:
وللجواب على هذه الشبهة نقول: قد قرر الشيخ الإمام عقيدة أهل السنة والجماعة في وجوب طاعة السلطان والسمع والطاعة لأئمة المسلمين.
يقول الشيخ الإمام في رسالته لأهل القصيم: "وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه"(1).
__________
(1) 81) ... "مجموعة مؤلفات الشيخ" (5/11).

(1/53)


ويقول أيضاً: الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا، ولو كان عبداً حبشياً فبين له هذا بياناً شائعاً كافياً بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند كثير ممن يدعي العلم، فكيف العمل به"(1).
وصرح الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله باعتقادهم في هذه المسألة فقال: "ونرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية"(2).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق: وأما زعمه أن محمد بن عبد الوهاب خرج على السلطان العثماني فهذا كذب واختلاق, فمعلوم لكل من قرأ شيئاً من التاريخ أن الأشراف كانوا في مكة هم نواب السلطان العثماني في الحجاز, وهؤلاء الأشراف ما كادوا يسمعون بدعوة ابن عبد الوهاب في الجزيرة حتى خافوا على أنفسهم منها .. وقد أرسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفداً إلى الشريف أحمد بن سعيد شريف مكة, وكان على رأس الوفد الشيخ عبد العزيز بن عبدالله الحصين, وكان مع هذا الوفد هدايا وتحف كثيرة, وكتب الشيخ ابن عبد الوهاب مع هذا الوفد كتاباً للشريف أحمد قال فيه بالنص: "المعروض لديك أدام الله فضل نعمه عليك حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدارين, وأعز به دين جده سيد الثقلين أن الكتاب لما وصل إلى الخادم – يعني نفسه – وتأمل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها وعداوة من خرج, وهذا هو الواجب على ولاة الأمور".
__________
(1) 82) ... المرجع السابق (1/394).
(2) 83) ... "الهدية السنية" (ص109).

(1/54)


ثم يقول في ختام رسالته: "فإذا كان الله سبحانه قد أخذ ميثاق الأنبياء إن أدركوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - على الإيمان به ونصرته فكيف بنا يا أمته؟ فلا بد من الإيمان به ولا بد من نصرته لا يكفي أحدهما عن الآخر, وأحق الناس بذلك وأولاهم أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض به, وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك يعلم الشريف أعزه الله أن غلمانك من جملة الخدام , ثم أنتم في حفظ الله وحسن رعايته(1).
فإذا كان الشيخ يجعل نفسه من جملة خدام الأشراف, فكيف يكون خارجاً على السلطان؟ ((2).
وبعد هذا التقرير الموجز الذي أبان ما كان عليه الشيخ من وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله.
فإننا نشير إلى مسألة مهمة جواباً عن تلك الشبهة، فهناك سؤال مهم وهو: هل كانت نجد موطن هذه الدعوة ومحل نشأتها تحت سيطرة دولة الخلافة العثمانية؟
__________
(1) 84) ... انظر: :حياة محمد بن عبد الوهاب (ص322).
(2) 85) ... "فصول في السياسة الشرعية" ص (78) بتصرف يسير

(1/55)


يجيب الدكتور صالح العبود على هذا السؤال فيقول: "لم تشهد نجد على العموم نفوذاً للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها، ولا أتى إليها ولاة عثمانيون، ولا جابت خلال ديارها حامية تركية في الزمان، الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية، فمن خلال رسالة تركية عنوانها "قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان" يعني "قوانين آل عثمان في ما يتضمنه دفتر الديوان" ألفها – يمين علي أفندي – الذي كان أميناً للدفاتر الخاقاني سنة 1018هـ الموافقة 1609م، من خلال هذه الرسالة يتبين أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى اثنتين وثلاثون إيالة، منها أربع عشرة إيالة عربية، وبلاد نجد ليست معها ما عدا الإحساء إن اعتبرناه من نجد.."(1).
ويقول الدكتور عبد الله العثيمين: "ومهما يكن فإن نجداً لم تشهد نفوذاً مباشراً للعثمانيين عليها قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أنها لم تشهد نفوذاً قوياً يفرض وجوده على سير الحوادث داخلها لأية جهة كانت، فلا نفوذ بني جبر، أو بني خالد في بعض جهاتها، ولا نفوذ الأشراف في بعض جهاتها الأخرى أحدث نوعاً من الاستقرار السياسي، فالحروب بين البلدان النجدية ظلت قائمة، والصراع بين قبائلها المختلفة استمر حاداً عنيفاً"(2).
يقول الدكتور عجيل النشمي: "إن نجداً وما جاورها لم تعرها دولة الخلافة أهمية تذكر، وربما كانت سياستها هذه تجاه بلاد نجد لسعة أراضيها، وترامي أطرافها، هذا من جانب، ولتمكن التوزيع القبلي والعشائري من جانب آخر"(3).
__________
(1) 86) ... "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي" (1/27).
(2) 87) ... "محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره" (ص11).
(3) 88) ... "مجلة المجتمع"، عدد (509)، 23 صفر 1401هـ.

(1/56)


ويقول أمين سعيد في هذا الشأن: "ولقد حاولنا كثيراً في خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم، أن نعثر على اسم وال، أو حاكم أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد أو إحدى مقاطعتها الوسطى، أو الشمالية أو الغربية أو الجنوبية، فلم نقع على شيء، مما يدل على مزيد من الإهمال تحمل تبعته هذه الدول. على أن الذي استنتجناه في النهاية هو أنهم تركوا أمر مقاطعات نجد الوسطى والغربية إلى الأشراف الهاشميين حكام الحجاز الذين جروا على أن يشرفوا على قبائلها إشرافاً جزئياً(1).
ويقول أيضا: "وكان كل شيخ أو أمير في نجد مستقل استقلالاً تاماً في إدارة بلاده وما كان يعرف الترك، ولا الترك يعرفونه"(2).
ويبين حسين خزعل حال نجد زمن العصر العثماني فيقول: "ولما حلت سنة 923هـ، وظهرت الدولة العثمانية على المسرح السياسي في جزيرة العرب، وإن كانت الجزيرة العربية لن تشتمل بالحكم العثماني المركزي المباشر، بل اكتفت الدولة العثمانية بالسلطة الإسمية عليها؛ كان كل قطر من أقطار الجزيرة العربية مستقلا بذاته، ولا سيما نجد، فقد كانت العصبيات فيها قائمة على قدم وساق، لكل عشيرة دولة، ولكل حاكم من أولئك الحكام حوزته الخاصة يحكمها حكماً مطلقاً"(3).
ويقول جاكلين بيرين في ذلك: "ولكن شبه الجزيرة العربية ظلت ممتنعة على الفتح التركي بفضل صحرائها التي هلكت فيها عطشاً الجيوش التي وجهها السلطان سليمان سنة 1550م"(4).
__________
(1) 89) ... "تاريخ الدولة السعودية"، من مطبوعات دار الملك عبد العزيز، (ص23).
(2) 90) ... كتاب عن الإمام محمد بن عبد الوهاب ص 179.
(3) 91) ... "تاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، (ص38،39).
(4) 92) ... "اكتشاف جزيرة العرب"، نقله إلى العربية قدري قلعجي، دار الكتاب العربي، بيروت، ص24.

(1/57)


فإذا كانت نجد - محل ظهور وانطلاق هذه الدعوة - ليست تحت سيطرة العثمانيين، فكيف ترد هذه الشبهة ويظن أن الشيخ قد خرج على دولة الخلافة ؟.
واستكمالاً لهذا المبحث نذكر بعض جواب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله على ذلك الاعتراض، يقول الشيخ عبد العزيز: "لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية - فيما أعلم وأعتقد - فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة، وعلى كل بلدة أو قرية - مهما صغرت - أمير مستقل ... وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على دولة الخلافة، وإنما خرج على أوضاع فاسدة في بلده، فجاهد في الله حق جهاده وصابر وثابر حتى امتد نور هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى ... "(1).
__________
(1) 93) ... "ندوة تجديد الفكر الإسلامي"، ألقيت في قاعة المحاضرات بجامعة الملك سعود، 1402هـ.

(1/58)


ويجيب الشيخ محمد نسيب الرفاعي رحمه الله على من ادعى أن هذه الدعوة حركة انقلابية المراد منها خلع الخليفة العثماني، وإعادة الخلافة إلى العرب، فكان مما قاله: "لم يكن ليخطر على بال الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن ينقلب على خليفة المسلمين ولا مرّ بخاطره ذلك .. ولكن الملتفين حول الخليفة إذ ذاك من الطرقيين المتصوفة قلبوا له الأخبار، وشوهوها، ليوغروا صدر الخليفة عليهم، وحرضوه عليهم بحجة أنهم أهل حركة انقلابية على الخليفة نفسه، تقصد إرجاع الخلافة إلى العرب .. مع أن من صميم عقيدة الشيخ رحمه الله التي هي العقيدة الإسلامية الحقة أنه لا تنقض الأيدي من طاعة الخليفة القائم إلا أن يروا فيه كفراً بواحاً صراحاً، ولم ير الشيخ شيئاً من هذا حتى يدعو الناس إلى خلع الخليفة، حتى ولو كان الخليفة فاسقاً في ذاته، إن لم يصل فسقه إلى درجة الكفر البواح الصراح، فلا يجوز الانقلاب عليه، ولا الانتقاض على حكمه، وأن الشرع يخالف القيام على السلطان إلا في حالات الكفر البواح الصراح، حتى وإن الحركة – من أولها إلى آخرها – لم يكن للخليفة والخلافة أي علاقة في الدعوة ألبتة، حتى ولما استتب لهم الأمر في نجد والحجاز، أنهم انتقضوا على الخليفة، ولم يكن للخليفة ذكر قط في مراحل الدعوة.."(1).
ويقول الدكتور عجيل النشمي: "نستطيع القول باطمئنان أن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد دولة الخلافة".
ويقول أيضاً: ولم نعثر على أي فتوى له تكفر الدولة العثمانية بل حصر افتاءاته في البوادي القريبة منه التي كان على علم بأنها على شرك"(2).
__________
(1) 94) ... "الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" (ص9،10).
(2) 95) ... "مجلة المجتمع"، (عدد 506، 17 محرم 1401هـ).

(1/59)


ونورد خلاصة ما كتبه النشمي في هذا الموضوع، حيث يقول: "فكانت سياسة الشيخ وموقفه تجاه الحجاز أنه لم يؤثر عنه طوال حياته تحريض أو استعداء أو دعوة لحربها، أو الاستيلاء عليها لشعوره أن ذلك الفعل قد يسفر على أنه خروج على دولة الخلافة. لم تحرك دولة الخلافة ساكناً، ولم تبدر منها أية مبادرة امتعاض، أو خلاف يذكر رغم توالي أربعة من سلاطين آل عثمان في حياة الشيخ"(1).
إذا كان ما سبق يعكس تصور الشيخ لدولة الخلافة، فكيف كانت صورة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة؟
يقول د. عجيل النشمي مجيباً على هذا السؤال: "لقد كانت صورة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى دولة الخلافة صورة قد بلغت من التشويه والتشويش مداه، فلم تطلع دولة الخلافة إلا على الوجه المعادي لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سواء عن طريق التقارير التي يرسلها ولاتها في الحجاز، أو بغداد، أو غيرهما .. أو عن طريق بعض الأفراد الذين يصلون إلى الآستانة يحملون الأخبار"(2).
"مع العلم أن التاريخ يذكر أن هؤلاء الانكليز وقفوا ضد هذه الدعوة، منذ قيامها خشية يقظة العالم الإسلامي" (3).
ويقول الاستانبولي: "والغريب المضحك والمبكي معاً أن يتهم هذا الأستاذ حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها من عوامل هدم الخلافة العثمانية، مع العلم أن هذه الحركة قامت حوالي عام 1811م، والخلافة هدمت حوالي 1922م"(4).
__________
(1) 96) ... "مجلة المجتمع"، (عدد 510، 30 صفر 1401هـ).
(2) 97) ... "مجلة المجتمع"، (عدد 504، 3 محرم 1401هـ).
(3) 98) ... "الشيخ محمد بن الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب" (ص62).
(4) 99) ... المرجع السابق (ص64).

(1/60)


ومما يدل على أن الانكليز ضد الحركة الوهابية، أنهم أرسلوا الكابتن فورستر سادلير ليهنيء إبراهيم باشا على النجاح الذي حققه ضد الوهابيين، إبان حرب إبراهيم باشا للدرعية، وليؤكد له أيضاً مدى ميله إلى التعاون مع الحركة البريطانية لتخفيض ما أسموه بأعمال القرصنة الوهابية في الخليج العربي(1).
بل صرحت هذه الرسالة بالرغبة في إقامة الاتفاق بين الحكومة البريطانية، وبين إبراهيم باشا، بهدف سحق نفوذ الوهابيين بشكل كامل(2).
يقول الشيخ محمد بن منظور النعماني: "لقد استغل الانجليز الوضع المعاكس في الهند للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورموا كل من عارضهم ووقف في طريقهم، ورأوه خطراً على كيانهم بالوهابية، ودعوهم وهابيين ... ، وكذلك دعا الإنجليز علماء ديوبند – في الهند – بالوهابيين من أجل معارضتهم السافرة للانجليز، وتضييقهم الخناق عليهم.."(3).
وبهذه النقول المتنوعة ينكشف زيف هذه الشبهة، وتهافتها أمام البراهين العلمية الواضحة من رسائل الشيخ الإمام ومؤلفاته، كما يظهر زيف الشبهة أمام الحقائق التاريخية التي كتبها المنصفون.
6- الشبهة السادسة -براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من غلو حركة الإخوان – الخوين-:
نبذة مختصرة عن تأسيس حركة الإخوان:
مما هو معلوم أن من إنجازات الملك عبد العزيز السياسية، لتوحيد شبه الجزيرة العربية ، استثمار الطاقات النفسية والبدنية الهائلة لدى القبائل البدوية. وكانت الخطوة العملية لهذا الاستثمار، هي نقلهم من حياة البداوة إلى التحضر.
__________
(1) 100) ... انظر: الكابتن فورستر سادلير، "رحلة عبر الجزيرة العربية" خلال عام 1819م، ترجمة أنس الرفاعي (ص7).
(2) 101) ... انظر المرجع السابق (ص156، 157). وانظر: كتاب "محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم" لمسعود الندوي، (ص121، 123).
(3) 102) ... "دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، (ص105، 106)، باختصار.

(1/61)


خرجت الفكرة إلى حيز التنفيذ، بتأسيس مستوطنات لإقامة البدو، عُرفت بـ "الهُجر"، يجري فيها تعليمهم أمور دينهم، وحرفة الزراعة لكسب معاشهم، بدلاً من الغزو والسلب والنهب.
في عام (1330هـ - 1912م)، تأسست الأرطاوية أولى هذه الهجر، وعُرف سكانها بـ "الإخوان"، وهو المصطلح الذي أُطلق على البدو سكان الهجر. ومن هؤلاء البدو، سكان الهجر، تكونت النواة الأولى لجيش من المجاهدين، يُحركهم صدق العقيدة، وقوة الإيمان، جيش غير نظامي يتكفل بسلاحه ومعاشه، وهو جاهز عند الطلب. وهكذا ظهر "الإخوان" قوة عسكرية.
استثمر الملك عبد العزيز هذا الجيش غير النظامي، ودفع به خلال مسيرته لتوحيد شبه الجزيرة العربية، وإخضاع قبائلها المتناحرة, ومضى الإخوان في معاركهم الظافرة، حتى اكتمل النصر بتوحيد الجزيرة العربية. وعندما أحس الإخوان بقوتهم العسكرية، واعتماد الدولة عليهم، أخذ نفوذهم يزداد مستمدين قوتهم من تعصب ديني يرفض كل تحديث وتمدن، باسم البدعة والضلال، بل يعدون كل من ليس منهم، أو مؤمناً بأفكارهم، كافراً حلال دمه وماله.
أدى موقف الإخوان المتشدد إلى المواجهة بينهم وبين الملك عبد العزيز، عندما خرجوا على سلطان الدولة وشرعيتها، وعمدوا إلى إيقاف التطور العصري اللازم لمسيرة الدولة, فرفضوا استخدام الهاتف واللاسلكي والسيّارة والطائرة، وعدوا ذلك من أعمال السِّحر والسحرة، ورجسٌ تجب محاربته شرعاً. وتحول التشدد إلى تمرد قادة ثلاثة من زعمائهم هم: فيصل الدّويش، وسلطان بن بجاد، وضيدان بن حثلين.

(1/62)


فطغى الإخوان وغلوا(1)، وأخذوا يحاربون من لم يتحضر من البدو فيكفِّرون، وينهبون، ويقتلون. "أنت يا بدوي مشرك، والمشرك حلال الدم والمال. أنت يا أبا العقال من الكفار، أنا أخو من طاع (أطاع) الله، وأنت أخو من طاع (أطاع) الشيطان". كما أصبح كل "أخٍ" متعصب بالعصابة البيضاء يستطيع أن يسطو على غيره فيُعيّر، ويشتم، ويسفك الدماء. وقد انتشرت من جراء ذلك الفوضى في البلاد، وكاد يُقْطع حبل الأمن والسلام، وضج الناس منهم.
عقد الملك عبد العزيز، في سنة 1337هـ/1919م ، مؤتمراً في الرياض، للنظر في هذه الأمور، حضره كبار الرؤساء والعلماء وقرروا بعد البحث ما يأتي:
1. الكفر لا يُطلق على بادية المسلمين الثابتين على دينهم.
2. لا تفاوت بين لابس العقال ولابس العمامة، إذا كان معتقدهما واحداً .
3. لا فرق بين الحضر الأولين والمهاجرين الآخرين.
4. لا فرق بين ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين، ودربه دربهم، ومعتقده معتقدهم، وبين ذبيحة الحضر الأولين والمهاجرين.
5. لا حق للمهاجرين أن يعتدوا على الناس، الذين لم يهاجروا كأن يضربوهم، أو يتهددوهم، أو يلزموهم الهجرة.
6. لا حق لأحد أن يهجر أحداً، بدوياً كان أو حضرياً، بغير أمر واضح، وكفر صريح، ومن دون إذن من ولي الأمر أو الحاكم الشرعي.
وقد ضُمِنّت هذه القرارات منشوراً صدر عن الملك عبدالعزيز والعلماء، في شأن مخالفة الإخوان للشرع(2).
وقد أجاب العلماء على اعتراضات واستفسارات الإخوان ومنها :
__________
(1) 103) ... وهنا ألفت إلى أن حركة جهيمان العتيبي هي من المتأثرين ببقايا هؤلاء الإخوان. وأبو محمد المقدسي صاحب كتاب "الكواشف الجلية" هو من المتأثرين ببقايا حركة جهيمان، ولذلك دافع بقوة عن حركة الإخوان السعودية في كتابه المذكور.
(2) 104) ... انظر على شبكة الإنترنت حركة الإخوان في عهد الملك عبد العزيز" في موقع "مقاتل من الصحراء" .

(1/63)


السؤال الأول تعين أن يتناول توضيح مسألة البدو الذين لم يستوطنوا الهجر وأن عدم الإقامة في الهجرة ليس أمراً غريباً ولا يخرج من الملة...
وبالنسبة للبس العمة فالإخوان يفترضون ومن خلفية ضعيفة أن كل المسلمين يجب أن يلبسوا العمة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد أنكر سليمان بن سمحان أن العمة جزء مهم من لباس المؤمن لأن النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - قبل وبعد الرسالة كان يرتدي زي العرب التقليدي, ولم يرتد أي شيء يميزه عنهم، وواصل ابن سمحان قائلاً: "العمة والعباءة والعقال أشياء متعادلة، فالمرء لا يكسب مدحاً إن لبسهم ولا يرتكب إثماً إن تركهم"، لذلك ليس هناك مجال للقول أن الذي يأكل كذا وكذا أو الذي يلبس كذا وكذا, قد ارتكب بدعة أو ارتكب جريمة.
في نهاية المؤتمر أصدر العلماء فتوى رسمية اشتملت الفقرة الأخيرة منها على ما يلي:
"إجابتنا ... إلى أولئك المسلمين الحاضرين أن كل تلك الأشياء تتعارض مع جوهر الفقه الإسلامي، ولم تأمر بها الشريعة الإسلامية, والذي يرتكب هذه الأشياء يجب أن يتركها ويرجع عنها، وإذا تاب واعترف بذنبه سوف يعفى عنه, وإذا استمر في فعله وعاند فسوف يعاقب عقوبة عامة وسط المسلمين, ولا تجب مصادقة أو معاداة إلا أولئك الذين يأمره الحاكم الشرعي بمصادقتهم أو معاداتهم. الذي يعارض هذا القول فإنه ينتهك ما أقره المسلمون ، هذا ما نعتقده ونشهد الله على ذلك. وخلال عام 1926م وبعودة الإخوان عقد في الأرطاوية حضرة رؤساء القبائل من مطير وعتيبه وعجمان حيث أنكروا على ابن سعود:
1. إرسال ابنه سعود إلى مصر والتي كان يحتلها البريطانيون النصارى ويسكنها مسلمون ملحدون.
2. إرسال ابنه فيصل إلى لندن بلاد الشرك.
3. استخدام السيارات, المبرقات, اللاسلكي والتليفون لأنها من بدع النصارى والاختراعات المنكرة.
4. تحصيل الضرائب من قبائل الحجاز ونجد.

(1/64)


5. السماح للقبائل الملحدة في العراق وشرق الأردن لترعى قطعانها أرض المسلمين في جزيرة العرب.
6. منع التجارة مع الكويت، فإذا كان هذا المنع يعني معاقبة الكويت، لأن الكويتيين ملحدون .. فإذن يستحسن أن يكون مسموحاً للإخوان بالإغارة عليهم أما إذا كان الكويتيون مسلمين فعلاً فلماذا مقاطعتهم؟
7. الفشل في إرغام شيعة أهل الاحساء ليلتزموا بالإسلام الوهابي.
واستجابة لهذه الشكوى من الإخوان فقد عاد ابن سعود إلى نجد قادماً من الحجاز ليدعو إلى اجتماع مع قادة الإخوان والرؤساء وقد حضر حوالي (3000) شخص. وفي الاجتماع الذي انعقد في الرياض في يناير عام 1927م ، أكد ابن سعود مرة أخرى إخلاصه وتفانيه للشريعة، وأعاد تكرار وعوده المبكرة لهم وهو الذي عهدوه لم يتغير, وقد انتهى الاجتماع بصدور فتوى من العلماء أجابت على كل اعتراضات الإخوان المذكورة أعلاه(1).
وفي عام (1347 هـ - 1928م)، عندما بلغ عصيان الإخوان مداه، دعا الملك عبد العزيز إلى مؤتمر عام عُرف "بالجمعية العمومية" انعقد في الرياض. وفي هذا المؤتمر واجه الملك عبد العزيز الإخوان بسوء تصرفاتهم، وانتهى المؤتمر بتأييد العلماء للملك عبد العزيز، ومن ثم جدد المؤتمر البيعة للملك عبد العزيز إماماً وقائداً.
لم يلتزم زعماء الإخوان بمقررات مؤتمر الرياض، ومضوا في مسلكهم المناوئ لسياسة الدولة ، والمتمثل في مهاجمة حدود العراق، والقبائل التي تقيم على أطراف الحدود فضلاً عن مهاجمة مخافر الشرطة العراقية والاعتداء عليها، ومهاجمة القوافل وترويع الآمنين. ونشر الذعر وعدم الأمان، مما قلل هيبة الدولة وأظهرها بمظهر العجز والضعف.
__________
(1) 105) ... "إسهام الإخوان في توحيد المملكة العربية السعودية"(165) للنفيعي.

(1/65)


بلغت الأحوال حداً من التردي، أدرك معه الملك عبد العزيز أن مواجهة الإخوان بالحسم والردع أصبحت أمراً لا بد منه, وخاصة وأن نقض زعمائهم لتعهداتهم، أضحى سمة غالبة لكل مواثيقهم التي أبرموها معه.
في 19 شوال 1347 هـ، قاد الملك عبد العزيز هجوماً على تجمعات الإخوان في روضة السّبلة، وقضى عليهم وفرق شملهم في معركة عُرفت باسم "السّبَلَة ". وبذلك أُسدل الستار على حركة الإخوان، التي دامت عقدين من الزمان. وكان يمكن لها أن تزدهر وتنمو على أُسس سليمة، من العقيدة والالتزام وأن تتطور وتتقدم رافعة راية العلم والإسلام. ولكن عدداً من الأسباب، من أهمها الإيغال في الدين بغير رفق. وهكذا، فإن حركة الإخوان التي بدأت نقية طاهرة مجاهدة انتهت عندما انحرفت عن وجهتها الصحيحة، إلى ضرب من السلب والنهب والخروج على شرعية الدولة وسلطانها(1).
تعصب الإخوان وغلوهم(2):
__________
(1) 106) ... انظر على شبكة الإنترنت حركة الإخوان في عهد الملك عبد العزيز" في موقع "مقاتل من الصحراء" .
(2) 107) ... جاء في كتاب "إسهام الإخوان في توحيد المملكة العربية السعودية" (ص168) للدكتور عبد الله النفيعي: إن وحشية غارات الإخوان وطريقة قتلهم لكل الذكور والرضع وكبار السن، وفي بعض الأوقات النساء والأطفال الإناث، الأمر المنافي تماماً لتقاليد العرب في الحرب ..

(1/66)


تعصب الإخوان معروف جيداً وحقيقي، ومحفوظ في قصص يتداولها سكان مدن الحجاز كالطائف ومكة والمدينة ووسط سكان العراق والكويت، والأردن(1)، وحتى في وسط الإخوان أنفسهم. ومن الأمثلة على شدة الإخوان وتعنتهم ما جاء في كتاب "إسهام الإخوان في توحيد المملكة العربية السعودية" للدكتور عبد الله النفيعي في مذكرات سرية مؤرخة 23-26 إبريل 1920م والتي توضح ما يلي:
أ. في الهفوف في 10 أبريل 1920م , أخت زوجة ابن جلوي فتاة من قبيلة سبيع كانت تلبس حريراً ملوناً خلال زيارة مع أختها في المدينة , فقام بدوي من الإخوان الذين كانوا يجلسون على البوابة وضرب الفتاة بدون شعور , وذلك لأن لبس الحرير محرم عند الإخوان فأمر ابن جلوي بتجميع كل الإخوان في الهفوف الذين كانوا مع الرجل أثناء عملية ضرب الفتاة وصادر جمالهم وجلد المتهم.
ب. في الجبيل بعض الإخوان من المجمعة حضروا للمدينة لشراء أرز. اعترضوا على رجل من البحرين له شارب طويل وبدون لحية وقبضوا على الرجل وحلقوا شاربه فعارضهم سكان المدينة وقاتلوا الإخوان وقتلوا منهم اثنين.
الهداية القسرية:
طالما أن الإخوان يعتقدون بأنهم الوحيدون الذين يملكون سر حقيقة الدين يريدون أن يشاركهم كل الناس في ذلك إما بالإقناع السلمي أو بتهديد القوة واستخدامها إذا دعت الحاجة إلى ذلك .. .
ويقال: إن الإخوان في الحرب لا يأخذون أسرى بل يذبحون كل من يقع في أيديهم".
وكتب الممثل السياسي في الكويت:
__________
(1) 108) ... جاء على سبيل المثال في كتاب "عشائر بني صخر تاريخ ومواقف" (ص131)، ذكر الحملتين التي قام بها الإخوان "الخوين" على عشائر شرقي الأردن وما كان في هاتين الحملتين من قتل وإغارة وسفك للدماء ودرج المؤلف على تسميتها بالحملة الوهابية الأولى والثانية .

(1/67)


"إن أعداداً كبيرة من البدو الآن في الكويت يشاهدون وقد وضعوا غطاء الرأس الأبيض الخاص بالإخوان. ولكن يبدو أن التغير في غطاء الرأس ناتج من الخوف أكثر من التغير في الأفكار الدينية. وعدد كبير منهم قال إنه يرتدي هذا الزي ليحمي نفسه من هجمات الإخوان واستمتاعهم بتدخين السجائر يؤكد صدق كلامهم... .

أقوال علماء الدعوة في تبرئة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
من أعمال الإخوان
فتوى علماء نجد في شأن تعصب الإخوان
من عبد الله بن عبد اللطيف، وحسن بن حسين، وسعد بن حمد بن عتيق، وعمر بن محمد بن سليم، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وسليمان بن سحمان، ومحمد بن عبد اللطيف، وعبد الله بن بليهد، وعبد الرحمن بن سالم: إلى كافة الإخوة، من أهل الهُجَر وغيرهم، وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياهم من حزبه وأوليائه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد ذلك: تفهمون ما منّ الله به علينا وعليكم من نعمة الإسلام وتجديد هذه الدعوة والذي علينا وعليكم شكر الله، واتباع أوامره واجتناب نواهيه. ولا يخفاكم ما جرى من الاختلاف، وكثرة الشُّبه، وهي على ثلاثة أمور:
الأول: وهو الأكثر، طلب الخير، والاجتهاد، ووقوع الناس في أمور تخل في دينهم ودنياهم لأنهم يأتون ذلك محبة للدين، بغير دليل.
والثاني: أنه لا بدّ في بعض الإخوان المتقدمين شدة وتعصب، بغير دليل، فلما تبين له الأمر، وسأل طلبة العلم وتحقق عنده أن تعصبه خطأ، ورجع عن أمره الأول، استنكر منه إخوانه، وصار بينه وبينهم اختلاف بغير سؤال، ولا تبين حقيقة ما عنده.

(1/68)


والأمر الثالث: أن هناك أناساً من الذين يدّعون طلب العلم، من الحضر، وهم جهال، يدخلون على بعض الإخوان أموراً مشتبهة، أحد منهم يريد الحق وهو مخطئ. وأحد قصده يعرف بالأمور المخالفة. فلما تحقق ذلك عند ولاة الأمور وعند العلماء أحبوا اجتماع المسلمين مع علمائهم وولاة أمورهم. فلما حضر أسمع الحاضر بنفسه، والغائب نبلغه بهذا الكتاب.
فقد سألنا الإمام عبد العزيز بحضرتهم عن أمور:
الأول: هل يُطلق الكفر على بادية المسلمين الثابتين على دينهم، القائمين بأمور الله ونواهيه، أم لا؟
والثاني: هل في لابس العقال ولابس العمامة فرق تفاوت، إذا كان معتقدهم واحداً، أم لا؟
والثالث: هل في الحضر الأولين وفي المهاجرين الآخرين فرق أم لا؟
والرابع: هل في ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين ودربه دربهم ومعتقده معتقدهم، وفي ذبيحة الحضر الأولين والمهاجرين، فرق حلال أم حرام أم لا؟
الخامس: هل للمهاجرين أمر أو رخصة، فيعتادوا على الناس، الذين لم يهاجروا، يضربونهم أو يتهددونهم أو يؤدبونهم أو يلزمونهم بالهجرة أم لا؟ وهل لأحد أن يهجر أحداً بدوياً أو حضرياً بغير أمر واضح، إما كفر صريح، أو شيء من الأعمال التي يجب هجره عليها بغير إذن ولي الأمر أو الحاكم الشرعي؟
فأجبناه بحضور الحاضرين من المسلمين، أن كل هذه الأمور مخالفة للشرع، ولا أمرت بها الشريعة، وأن الذي يفعلها يُنهى عنها، فإن تاب وأقر بخطئه، فيُعفى عنه وإن استمر على أمره وعاند فيجب عليه التأديب الظاهر بين المسلمين. وأن جميع ما يأمر به أو ينهى عنه، أو يعادي أو يصادق على غير ما أمرت به الولاية، ولا حكم به الحاكم الشرعي، أن الذي يفعله مخالف للشريعة وطريقته غير طريقة المسلمين. وهذا الذي ندين الله به، ونُشهد الله عليه، نرجو الله أن يوفقنا وإياكم للخير وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(1337هـ - 1919م)
(

(1/69)


ختم) حسن بن حسين، سعد بن حمد بن عتيق، عمر بن محمد بن سليم، عبد الله بن عبد العزيز العنقري، سليمان بن سحمان، محمد بن عبد اللطيف، عبد الله بن بليهد، عبد الرحمن بن سالم، عبد الله بن عبد اللطيف.
فتوى علماء نجد في بعض القضايا التي أثارها الإخوان
من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وعمر بن محمد بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، وعبد العزيز بن محمد الشفري - إلى من يراه من أخواننا المسلمين، سلك الله بنا وبهم صراط المستقيم وجنبنا وإياهم طريق أهل الجحيم. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد ورد عن الإمام – سلمه الله، سؤال من بعض الإخوان عن مسائل وطلب منا الجواب عنها فأجبناه بما نرى.
- أما مسألة البرقي، فهو أمر حادث في آخر هذا الزمان ولا نعلم حقيقته ولا رأينا كلاماً عنه من أحد من أهل العلم فتوقفنا في مسألته ولا نقول على الله ورسوله بغير علم. والجزم بالإباحة أو التحريم، يحتاج إلى الوقوف على حقيقته.
- وأما مسجد "حمزة" و"أبو رشيد" فأفتينا الإمام – وفقه الله – أنهما يهدمان على الفور.
- وأما القوانين، فإن كل موجود منها شيء في الحجاز فيزال فوراً ولا يحكم إلا بالشرع المطهر.
- وأما دخول الحاج المصري بالسلاح والقوة في بلد الله الحرام فأفتينا الإمام بمنعهم من الدخول بالسلاح والقوة، ومن إظهار جميع المنكرات.
- وأما المحمل، فأفتينا بمنعه من دخول المسجد الحرام ومن تمكين أحد أن يتمسح به أو يقبله. وما يفعله أهله من الملاهي والمنكرات يمنعون منها. وأما منعه عن مكة بالكلية، فإن أمكن بلا مفسدة تعين، وإلا فاحتمال أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما ثابت شرعاً.

(1/70)


- وأما المكوس فأفتينا الإمام أنها من المحرمات الظاهرة. فإن تركها فهو الواجب عليه وإن امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين والخروج عن طاعته من أجلها.
- وأما الجهاد فهو موكول إلى نظر الإمام وعليه أن يراعي الأصح أي الصحيح بالإسلام والمسلمين على حسب ما تقتضيه الشريعة.
نسأل الله لنا وله ولكافة المسلمين التوفيق والهداية وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[محمد بن عبد اللطيف، سعد بن حمد بن عتيق، سليمان بن سحمان، ... عبد الله بن عبد العزيز العنقري، عمر بن محمد بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، عبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، ... حمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، عبد العزيز بن محمد الشفري](1).
كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
في الرد على تعنت الإخوان وغلوهم
جاء في إحدى رسائله(2):
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى عبد العزيز الخطيب. السلام على من اتبع الهدى, وعلى عباد الله الصالحين وبعد:
فقرأت رسالتك, وعرفت مضمونها وما قصدته من الاعتذار. ولكن أسأت في قولك: إنما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم أنه لم يصدر منكم. وتذكر أن إخوانك من أهل (النقيع) يجادلونك وينازعونك في شأننا, وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالباً على سبيل القدح في العقيدة, والطعن في الطريقة, وإن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى, فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى.
__________
(1) 109) ... "انظر على شبكة الإنترنت "حركة الإخوان في عهد الملك عبد العزيز" في موقع "مقاتل من الصحراء".
(2) 110) ... انظر: "الدرر السنية" (1|232).

(1/71)


وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة, وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين, وحجتهم من جنس حجتكم, يقولون: أهل الإحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه وهو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوة الشيخ محمد, ولم يقبلها, وعاداها.
قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله.
ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام, وحتى تركوا رد السلام, فرفع إلي أمرهم فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول فزعموا أولا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وأن رسائله عندهم.
فكشفت شبهتهم, وأدحضت حجة ضلالتهم بما حضرني في المجلس.
وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب, وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر, والكفر بآيات الله ورسوله, أو بشيء منها, بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر, كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله, وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية.
وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان, وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها, وما يوجب الردة ويقتضيها, وينصون على الشرك.
وقد أفرد ابن حجر هذه المسألة بكتاب سماه " الإعلام بقواطع الإسلام"، وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم وزعما أن الحق ظهر لهما, ثم لحقا بالساحل , ودعا إلى تلك المقالة, وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين, بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشائخ المسلمين, نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى, والحور بعد الكور.

(1/72)


وقد بلغنا عنكم نحو من هذا, وخضتم في مسائل من هذا الباب, كالكلام في الموالاة والمعاداة, والمصالحة والمكاتبات, وبذل الأموال والهدايا, ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات, والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة: لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب, ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب.
والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه, ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب – وفي غيره – لمن جهلها وأعرض عنها وعن تفاصيلها.
فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان, ويشتت الأذهان, ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن, وقال ابن القيم في كافيته، رحمه الله تعالى:

فعليك بالتفصيل والتبيين ... فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا ... الأذهان والآراء كل زمان

وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبى طالب أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة.
فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبى موسى الأشعري, وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام, فأنكرت الخوارج عليه ذلك, وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة, وقالوا: حكمت الرجال في دين الله, وواليت معاوية وعمراً وتوليتهما, وقد قال الله تعالى: {إن الحكم إلا لله}، وضربت المدة بينك وبينهم, وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت "براءة"، وطال بينهم النزاع والخصام, حتى أغاروا على سرح المسلمين, وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي. فحينئذ شمر – رضي الله عنه – لقتالهم, وقتلهم دون النهروان بعد الإعذار والإنذار.

(1/73)


والتمس المخدج المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغبره من أهل السنن فوجده علي فسر بذلك, وسجد لله شكراً على توفيقه, وقال: لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - لنكلوا عن العمل. هذا وهم أكثر الناس عبادة وصلاة وصوماً.
من كلام الشيخ ابن سحمان – من علماء الدعوة النجدية -
في بيان تعنت الإخوان وغلوهم في كتابه:
"منهاج أهل الحق والإتباع في مخالفة أهل الجهل والضلال"
قال رحمه الله (ص20): فإذا ما تبين لك هذا, فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة الحمقى, الذين لا علم لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام, الذين يقرءون على الناس كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب, وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع الأمور على ما هي عليه, حيث يقول قائلهم: نعم, هذا قول الشيخ في البدو, والمشايخ اليوم يقولون ويقولون.
فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرءونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء, وذلك قبل أن يدخلوا في الإسلام, ويلتزموا شرائعه, وينقادوا لأوامره, وينزجروا عن زواجره ونواهيه, وأما بعد دخولهم في الإسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم ديناً وورعاً, ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب, وهؤلاء يكفرونهم بمحض الإسلام. أمَا عَلِمَ هؤلاء المساكين أن الإسلام يجُبُّ ما قبله, وأن الهجرة تهدم ما قبلها, بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون, فالجواب أن نقول: نعم المشايخ اليوم يقولون لا نكفرُ من ظاهره الإسلام, ولا يطلقون الكفرعلى جميع أهل البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام, وإنما يقولون: من قام به وصفُ الكفر منهم فهو كافر, كمن يعبد غير الله, ويشرك به أحداً من المخلوقين, أو يتحاكم إلى الطواغيت, ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ورسوله, أو يستهزئ بدين الله ورسوله, أو ينكر البعث.

(1/74)


فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة في بادية أو حاضرة فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء – رحمهم الله تعالى – وهذا هو الذي ندين الله به في أي بادية كانت أو حاضرة.
ثم لو ذهبنا نذكر ما أحدثه هؤلاء من البدع والغلو والمجاوزة للحد في الأوامر والنواهي لطال الجواب، والعاقل يسير فينظر، والهداية والتوفيق بيد الله، وإنما عليه الإعذار والإنذار وبيان الحق.
ومن لم يقم به وصف الكفر، وكان ملتزماَ لشرائع الإسلام الظاهرة فهو مسلم، ولا نكفره بارتكاب الذنوب والمعاصي، ولا بالأعمال التي لا تخرجة من الملة.
ومن لم يسلك طريقة المشايخ في هذه المسائل سلك ولا بد على طريقة الخوارج الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه. فإنهم – ولله الحمد والمنة – كانوا وسطاً بين طرفين، وعلى هدًى بين ضلالتين.
وقال رحمه الله (ص24):
فالعجب كل العجب ممن يصغي ويأخذ بأقوال أناس ليسوا بعلماء ولا قرءوا على أحد من المشايخ فيحسنون الظن بهم فيما يقولونه وينقلونه، ويسيئون الظن بمشايخ أهل الإسلام وعلمائهم الذين هم أعلم منهم بكلام أهل العلم، وليس لهم غرض في الناس إلا هدايتهم وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه رسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.
وأما هؤلاء المتعالمون الجهال فكثير منهم – خصوصاً من لم يتخرج على العلماء منهم – وإن دعوا الناس إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم، ليصرفوا وجوه الناس، طلباً للجاه والشرف والترؤس على الناس، فإذا سئلوا أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.
وقد قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون دينكم"، وقال بعض العلماء: إن من سعادة العجمي والعربي إذا أسلما أن يوقفا لصاحب سنة، ومن شقاوتهما أن يوفقا لصاحب بدعة"، أو كما قال.

(1/75)


ولكن الشأن كل الشأن في معرفة صاحب السنة ومعرفة صاحب البدعة، فأما صاحب السنة فمن علاماته التي يعرف بها: الأخذ بكتاب الله وسنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - في الأقوال والأعمال والهدي والسمت، ويأخذ بأقوال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح والأئمة المهتدين، ويعلم الناس أمر دينهم بالأهم فالأهم، ويربي بصغار العلم قبل كبارة، ويسلك طريقة التيسير، كما قال تعالى: {وما أنا من المتكلفين}.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين))، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ((إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))، وقال - صلى الله عليه وسلم - لما جاء الحبشة يلعبون يوم العيد في المسجد قام ينظر إليهم، ثم قال: ((لتعلم يهود أن في ديينا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة))، ذكر هذا العماد ابن كثير – رحمه الله تعالى – في تفسيره على قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، إلى غير ذلك من الأمور التي يتصف بها أهل السنة والجماعة.
ومن ذلك: أن يكون الرجل عليماً فيما يأمر به, عليماً فيما ينهى عنه, حليماً فيما يأمر به, حليماً فيما ينهى عنه, رفيقاً فيما يأمر به, رفيقاً فيما ينهى عنه.
ومن علامات صاحب البدعة: التشديد, والغلظة, والغلو في الدين, ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي, وطلب ما يعنتُ الأمة ويشق عليهم ويحرجهم, ويضيق عليهم في أمر دينهم, وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي, إلى غير ذلك مما هو مشهور مذكور من أحوال أهل البدع.

(1/76)


فهؤلاء هم الذين نخشى على من سلك طريقتهم أن يوقعوا من تدين من الأعراب ممن لم يتمكن من معرفة الدين وتفاصيل الأحكام فيما يخالف طريقة أهل السنة والجماعة من هذه البدع التي تفضي بهم إلى مجاوزة الحد في الأوامر والنواهي.
وقال رحمه الله (ص32):
ومن ذلك أيضاً أنهم يلزمون ..الأعراب وغيرهم بلبس عصابة, ويسمونها: العمامة. فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين, ومن لم يلبسها فليس من الإخوان, لأنه لم يلبس السنة عندهم, وزعموا أن هذه العمامة زي وشعار يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه. فمن رأوها عليه أحبوه ووالوه وسلموا عليه. ومن لم يروها عليه لم يسلموا عليه ولم يردوا عليه السلام, لأنه ليس من الإخوان ولم يلبس السنة.
وقد ذكرنا ما يبطل هذه البدعة ويردها في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" مستوفاة بأدلتها, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه – في كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان":
فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات, فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاًَ, ولا بحلق شعر أو تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحاً, كما قيل: كم من صديق في قباء, وكم من زنديق في عباء إلى آخر كلامه – رحمه الله تعالى -.
فبيَّن – رحمه الله تعالى – أنه ليس لأولياء الله المتقين لباس يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات.
وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى- في "مدارج السالكين" لما ذكر حال أولياء الله المتقين, قال: وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم, لم يجعلوا لطلبهم ولإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. انتهى.

(1/77)


وهؤلاء الجهال يأمرون الناس أن يلبسوا عمائم يتميزون بها عن الناس, ويشار إليهم, ويعرفون بها. إذا فهمت هذا فاعلم أنه ليس مقصودنا بإنكار هذه العمائم لبسها فإنها من المباحات والعادات. وإنما الإنكار زعمهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنها وشرعها لأمته, وأنها شعار يتميز به من دخل في هذا الدين عن غيره. وهذا لم يشرعه الله ولا رسوله, ولا قاله المحققون من أهل العلم.
ومن ذلك أنهم ينكرون على من لبس عقالاً من صوف, ولا يسلمون عليه, ويقولون: إنه لم يكن في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلبسه لاهو ولا أصحابه, وهم يلبسون المشالح السود والبيض والحمر والغتر (الشمغ) والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسها لا هو ولا أصحابه, ولم تكن في عهده ولا عهد أصحابه, فكيف يكون لبس هذه حلالاً ولبس تلك حراماً؟ وهذا من جهلهم وعدم معرفتهم بمواقع الخطاب في الحلال والحرام, وما يترتب على ذلك من القول على الله بلا علم، والله المستعان.
وقال رحمه الله (ص86): [المسألة التاسعة]: قول السائل: إن رجلين سأل أحدهما الآخر قال: ما مرام الإمام والمشايخ باستدعاء الإخوان و تهدّّّدهم ومنعهم من دعوة البادية, والأخذ عليهم من دخول بلاد النازلين منهم, حتى حصل بسبب ذلك تجسّرٌ على مشايخ المسلمين بالسبّ و الثّلب و إساءة الظّنّ و قلّة الانتفاع بفائدهم و نصائحهم, وربما يوصلوا إلى ولي الأمر بأقوالٍ لا تروج على عاقل, ولكن يغتر بها كل مغرور جاهل, و يأنس بها كل منافق بلاؤه في قلبه داخل.
فنقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة و العامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام - أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته - لأمرين:

(1/78)


أحدهما: أنهم افتاتوا على منصب الإمامة, فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته من غير إذن منه ولا أمر لهم بذلك. وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله.
الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات, وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله ... .
ومنها أن من ديّنَ ودخل في الدين من الأعراب لايصح لهم إسلام حتى يهاجروا. ومنها أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه, ويسمونها العمامة, وأنها هي السنة, فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في هذا الدين, ومن لم يلبسها فليس من الإخوان, وأنها شعار وزي يتميز به المسلم عن الكافر. وقد أجبنا عن هذا كله فيما تقدم.
ومنها أنهم لا يسلمون إلا على من يعرفون وتَمَيَّزَ بالعمامة, وهم مع ذلك يزعمون أنهم هم الذين على السنة, وأن المشايخ يميتون السنن, وهم يخالفون ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السلام بالأمر بالسلام على من عرف ومن لم يعرف.
قال البخاري- رحمه الله – في "الأدب المفرد": :"باب التسليم بالمعرفة وغيرها": حدثنا قتيبة, قال: حدثنا الليث, عن يزيد بن حبيب, عن أبي الخير, عن عبد الله بن عمرو, أن رجلاً قال: يا رسول الله أيُّ الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام, وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).

(1/79)


وفيه أن الطفيل بن أُبي بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق, قال : فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله ابن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا يسلم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق. قلت : ما تصنع بالسوق, وأنت لا تقف على البيع, ولا تسأل عن السلع, ولا تسوم بها, ولا تجلس في مجالس السوق؟ فاجلس بنا ههنا نتحدث. فقال لي عبد الله: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنما نغدوا لأجل السلام من لقينا.
فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((اقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)), وابن عمر – رضي الله عنه – يقول: إنما نغدوا من أجل السلام على من لقينا.
ومنها أنهم لا يدعون أحداً صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس, وهذا لم يكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا فعله أصحابه بعده.
ومنها أنهم أدخلوا في الدين ما ليس منه, فزعموا أن تدويه البدو للإبل عند ورودها وصدورها بدعة.
ومن المعلوم أن البدع لا تكون إلا في القربات الشرعية، وتدويه الأعراب لإبلهم من العادات الطبعية، فزعموا أن هذه العادات من العبادات.
وقد بلغني عن رجل من هؤلاء المتعمقين، يقال له: عبد الله بن دامغ، أنه يقول: من لبس العمامة ثم تركها ارتد عن الإسلام.
وبلغني - أيضاً - عن رجل من أعيانهم، أنه كتب إلى بعض الأعراب ينهاهم عن مباشرة النساء في فرشهن في الحيض، لأن ذلك ذريعة إلى جماعهن في الحيض – ويل أمهُ أما علم أن ذلك قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله وأمره.
ومن هؤلاء من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة فضربوا رجلاً منهم حتى مات.
وثبت عندنا عن بعضهم أنه فسر قول - صلى الله عليه وسلم - : ((اللهم إني أعوذك بك من الحور بعد الكور))، فزعم أن الكور هي العمامة وأن الرسول استعاذ بالله من تركها بعد لبسها.

(1/80)


وثبت عن رجل آخر منهم أنه يقول من انقطعت ناقته، وأعيت من الهزال ، فنحرها أهلها، فقال: أنها حرام، لا تأكلوها. واستدل بقول الله تعالى: {والموقوذة والمتردية}، فحمل القرآن على لغته الفاسدة إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثوها مما لا يمكن عده ولا استقصاؤه.
فلما اشتهر هذا الأمر عنهم ، وهذا الغلو والتجاوز للحد، خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج، فيمرقون من الدين بعد أن دخلوا فيه، كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثر تهليلاً، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة. فهذا هو المرام الذي أوجب للإمام منع هؤلاء الجهلة عن دخول بلاد النازلين.
وقال الشبخ عبد العزيز آل عبد اللطيف في كتابه "دعاوي المناوئين" (ص65):
ومما يجدر ذكره أن بعض الخصوم قد استغل ما وقع فيه شرذمة من الأعراب وفي زمن يسير - ممن تابع هذه الدعوة - من التشدد والجفاء، فحكموا - بغياً وعدواناً - على جميع أتباع هذه الدعوة وعلى مر الأزمان بهذا الحكم الجائر، فرموهم أيضاً بالتشدد والجفاء.
ولقد قلدهم في تلك الدعوى بعض الكتّاب، فوصفوا هذه الدعوة السلفية بالتشدد والجفاء والتطرف، وجعلوا ذلك سبباً في عدم قبولها وكثرة أعدائها.
وقد رد الشيخ حمود التويجري على أحد المعاصرين حين رمى أتباع هذه الدعوة بالتشدد، فكان من ردّه أنه قال: "التشدد الذي أشار إليه إنما وقع في بعض الأعراب في زمن يسير، فأما الحاضرة وكثير من البادية فكانوا على الطريقة السلفية، ولم يكن فيهم تشدد كما يزعمه بعض الناس؛ فإطلاق التشدد على العموم متعقب على من ادعاه كما لا يخفى من له أدنى معرفة بحال أهل نجد".
وفي الختام :هذا ما يسر الله من الكتابة في الدفاع عن الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله, والحمد لله أولا وآخراً.

الفهرس

الموضوع ... الصفحة
مقدمة ... 3
التعريف بالإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ... 5

(1/81)


نبذة مختصرة عن حياة الشيخ الإمام ... 8
حالة نجد قبل دعوة الشيخ الإمام ... 10
بدء نهضة الشيخ في الإصلاح الديني ... 14
عقيدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ... 18
مؤلفات الشيخ ... 22
أثر دعوة الشيخ الإصلاحية على العالم الإسلامي ... 23
الشبهات التي أثيرت حول الشيخ الإمام: ... 24
1- الشبهة الأولى تصحيح خطأ تاريخي ... 24
2- الشبهة الثانية وقفة مع مذكرات همفر ... 25
3- الشبهة الثالثة وقفة مع ادعاء بعض الخصوم عدم محبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ... 29
4- الشبهة الرابعة شبهة الغلو في التكفير وأنه يكفر من خالفه ... 33
* وقفات مع كتاب: "قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التكفير
5-الشبهة الخامسة شبهة الخروج على الدولة العثمانية ... 38
6- الشبهة السادسة براءة دعوة الشيخ من غلو حركة الإخوان "الخوين" ... 55
62
نبذة مختصرة عن تأسيس حركة الإخوان "الخوين" ... 62
تعصب الإخوان وغلوهم ... 67
أقوال علماء الدعوة النجدية في تبرئة دعوة الشيخ من غلو الإخوان ... 68
فتوى علماء نجد في بعض القضايا التي أثارها الإخوان ... 70
كلام الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في الرد على غلو الإخوان ... 72
من كلام الشيخ ابن سحمان في بيان غلو الإخوان ... 75
كلام الشيخ حمود التويجري في غلو الإخوان وتعصبهم ... 82
الفهرس ... 83

(1/82)