×

الكتاب : الشيعة للحمدان

الكتاب : الشيعة للحمدان

الكاتب: جفجاف ابراهيم

 

 

 

 
الكتاب : الشيعة للحمدان

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن إمامنا وقدوتنا ونبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فقد شاء الله عز وجل أن أقضي شطر حياتي، وهي أربعة عشر عاماً مع الروافض الإمامية، كنت قبلها مزودا بمعلومات خطيرة عنهم، من خالي وشيخي الفاضل إبراهيم بن سليمان الجبهان -حفظه الله- وقد خرجت من ذلك الاختلاط بهم، ومناقشتهما بخبرة كبيرة بهم، عرفت فيها هؤلاء القوم عن كثب، وعرفت تصوراتهم ومعتقداتهم، وطريقة تفكيرهم. وقدر الله عز وجل فاطلعت على كتبهم التي زودني بمعظمها خالي -حفظه الله- فازددت بذلك يقيناً بما كنت أعرف عنهم.
ولا أريد أن أتسرع وأذكر حكمي عليهم في مقدمة هذا الكتاب، ولكني سأتركك -أخي المسلم- مع هذا الكتاب لترى وتقرأ ما نقلت فيه من كتبهم المعتبرة عندهم عن دينهم الذي يدينون به.
وقد كان الدافع الذي دفعني للكتابة عن الروافض: ما أراه من جهل كثير من المسلمين بدين الروافض، وتجاهل بعضهم، مع علمهم بكثير من عقائد القوم، لكن لما طفئت الغيرة على دين الله في قلوبهم، بادروا بالعزف على نغمة الوحدة، وأن العدو الأكبر هو الشيوعية والصليبية. مما دفعني كذلك إلى الكتابة رغبة بعض إخواني الذين آلمهم هذا الانحراف لكنهم لا يملكون من الأدلة ما يكفي لتكوين تصور كامل لعقائد الروافض.
على جميع هؤلاء أقدم هذا الجهد المتواضع الذي سميته: (ما يجب أن يعرفه المسلم عن عقائد الروافض الإمامية).
وقد اتبعت أسلوب (من فمك أدينك) لأنه كما قيل (مقتل الرجل بين فكيه).

(1/1)


ولا شك أن بعض القراء لهذا الكتاب سينسبني إلى التقصير في ذم هؤلاء القوم، لكني لم أشأ أن أجعل هذه الرسالة قاموس ذم ونبز، كما هي عادة الروافض في كتبهم. وبين يدي الآن كتاب للمدعو (محمد الرضي الرضوي) ألفه في الرد على من كتب عن الروافض، وسماه (كذبوا على الشيعة)وقد وصلت فيه إلى الصفة الثلاثين لما يبدأ بعد في رده، وقد كانت كل الصفحات الماضية مشحونة السب والشتم واللعن لأهل السنة والجمعة بما يعف القلم عن سطره، واللسان عن ذكره. وقد ذكرت هذا الكتاب كمثال. ولا شك أن هذه الطريقة طريقة من كانت حجته ضعيفة.
ثم إني لم أوجه كلامي إليهم لأني أعلم -عن خبرة- أنه لا فائدة في مخاطبة من لا يريد سماع المتكلم، ويصر على ذلك.
وما كتابي هذا إلا -كما ذكرت- ما يجب أن يُعرف عن عقائدهم، وجهت في خاطبي إلى المسلين فقط. لذلك لم أجهد نفسي في رد كل فرية افتروها، وعقيدة اعتقدوها، لأنها معلومة البطلان عند المسلمين -وإن كنت قد فعلت أحياناً لأن الرد سيجعل من هذا المختصر مجلداً أو أكثر. وقد كفانا مؤنة الرد عليهم، وتبيين زيف عائدهم بالحجج القوية القاطعة الساطعة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتابه (منهاج السنة النبوية) فليراجح.
وقد كانت السبل التي سلكتها في هذا الكتاب:
1- قسمت الكتاب إلى عدة فصول وخاتمة، وجعلت كل فصل في عقيدة من عقائدهم، وذكرت في كل فصل شرح عنوانه، وملخص عقيدة المسلمين فيه مع الأدلة، وأذكر ملخص عقيدة الروافض، ثم أذكر ما قالوه عن هذه العقيدة من كتبهم، وأذكر اسم الكتاب الذي نقلت عنه، والجزء والصحيفة؛ حتى يعلم القارئ أن ما ذكرناه مأخوذ من كتبهم، وهذا أبلغ في إقامة الحجة، قال أحد علمائهم في هذا العصر (وهو جواد مغنمة العاملي): «إذا أردنا أن نعرف ما تدين وتعتقد به طائفة من الطوائف الدينية، ونتحدث عن عقيدتها فعلينا أن نسند الحديث إلى أقوالها بالذات، إلى كتب العقيدة المعتبرة عندها» انتهى كلامه.

(1/2)


وسترى أخي المسلم أنا قد وفينا بهذا الالتزام الذي طلبه هذا الرافضي.
2- طريقتي في ذكر عبارات الروافض هي: أني أذكر نص كلامهم من كتبهم، لكن لما كانت عباراتهم طويلة جداً -وهذا الغالب في مؤلفيهم، حيث لا يخلو كلامهم من كثرة الحشو- وإيراد عباراتهم بطولها لا يتصل -في الغالب- بالموضوع الذي أنا بصدد بيانه، ويجعل هذا المختصر طويلاً -وهذا ما لا نريده- لذلك كنت أعمد إلى غرضي أحياناً من عباراتهم، فأثبتها كما هي -لا غير فيها شيئاٍ- ثم أحذف التطويل الذي لا داعي له. فتنبه.
3- بينت معاني بعض المصطلحات التي يمر ذكرها في الكتاب، في أول مرة ترد.
4- يكثر الروافض من استخدام بعض الرموز في كتبهم، مثل: (ص) ويعنون بهذا الرمز الصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا أمر لا أجيز نفسي فعله، لذلك حذفت هذا الرمز، وأثبت الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - كتابة في كل موضع يرد ذكره فيه - صلى الله عليه وسلم - .
ومن رموزهم أيضاً (ع) ويعنون به: عليه السلام، فإن كان المقصود ملكاً أو نبياً حذفت الرمز، وأثبت السلام كتابة، وأحياناً لا يكتبون الرمز بعد اسم الملك أو النبي فأكتب السلام. وإن كان الرمز بعد اسم علي رضي الله عنه أو أحد ذريته فإني أحياناً أحذفه، وأحياناً أتركه خاصة إذا ورد في وسط كلامهم.
ومن رموزهم (ره) (قد) ويعنون بالأول: رحمه الله، وبالثاني: قدس الله روحه، فإني أحذفهما.
ومن رموزهم العجيبة (لع) ويقصدون بذلك: لعنه الله، ويستعملون هذا الرمز لكثرة اللعن في كتبهم، ويكثر وروده بعد ذكر اسم أحد الصحابة رضوان الله عليهم أو أحد بني أمية رحمهم الله تعالى.
ومنها: (عج) أو (عجل) أي: عجل الله فرجه، أو مخرجه، ويعنون به مهديهم المزعوم، المختفي في سرداب سامراء.

(1/3)


5- وضعت في نهاية كل فصل فصلاً قصيراً، أذكر فيه هزالة يعتقدونها -وما أكثر هذه الهزالات في كتبهم- حتى يدرك القارئ إلى أي حد بلغ بهؤلاء تصديقهم لكل أمر ورد عن أئمتهم، حتى لو كان مصادماً للكتاب والسنة والعقل.
6- قد يتساءل البعض عن سبب إطلاقي لقب (الروافض) عليهم، وعزوفي عن لقب (الشيعة) أو (الإمامية) أو (الاثني عشرية) أو (الجعفرية)؟ فأقول: إن لقب (الروافض) أصبح علماً عليهم لا يعرفون إلا به بين أكثر الناس، ولا يعرف أحد بهذا اللقب غيرهم. أما لقب (الشيعة) فيندرج تحته أكثر من سبعين طائفة، فهو ليس لقباً خاصاً بهم. و(الإمامية) كذلك يندرج تحته طوائف كثيرة، بعضها يكفر بعضاً. و(الاثني عشرية) لقب غير معروف عند أكثر الناس، بل إن الروافض أنفسهم يندر أن تسمعهم يستعملونه. و(الجعفرية) عندي فيه نظر لأن من قرأ كتبهم، وعرف ما فيها لن يشك في أن ما ينسبونه إلى جعفر بن محمد لا يصدر منه أبداً.
أما سبب تسميتهم بالروافض فهو أنهم جاؤوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وقالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك، قال بل أتولاهما، فهما وزيرا جدي - صلى الله عليه وسلم - ، قالوا إذاً نرفضك، فمن ثم قيل لهم: رافضة. وقد كانوا قبلها يقال لهم الخشبية.
تنبيه مهم:
اعلم رحمك الله تعالى أن ما جاء في كتب الروافض من أقوال منسوبة إلى علي رضي الله عنه أو إلى أحد ذريته، وفي هذه الأقوال ما يخالف كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهي كذب وافتراء، وهم بريئون منها، ومن قائلها، فإذا رأيت شيئاً من هذه الأقوال في هذا الكتاب فاعلم أنا أوردناها من كتب الروافض لا على أنها صدرت عنهم، بل لبيان كذب هذه الطائفة على الله وعلى رسوله وعلى آل بيته.
والله أسأل العون والسداد، وأستلهمه التوفيق والرشاد، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أحمد بن عبد العزيز السليمان الحمدان
تحريراً في 15/6/1408هـ

(1/4)


الفصل الأول التَقِيَّة
قد يثير هذا العنوان تساءل البعض، فيقولون: لماذا البدء به؟ أو هذا موضوع عفى الزمن أثره، فلماذا يثار؟ إلى غير ذلك من التساؤلات التي لا أود الرد عليها في البداية حتى لا يظن من لا علم له أن تسرعنا في الحكم عليهم. لذلك سأجعل هذا الفصل توضيحاً لما أبهم على الكثيرين، ورداً على كثير من التساؤلات التي اعتدت سماعها.
وسأبدأ بتعريف التقية لغة من قواميس اللغة، واصطلاحاً من كتب الروافض، ثم أبين مكانتها عندهم وخطورة تركها حسب زعمهم إن شاء الله تعالى.
التَقِيَّة: بفتح التاء وكسر القاف وفتح الياء المشددة، مأخوذ من «وقى» ولو نظرنا إلى قواميس اللغة لوجدنا أن خلاصة معانيها هي: صيانة النفيس عن الآخرين بستر ما في باطنها من اختلاف وعداوة، والتظاهر بالاتفاق والمحبة(1) .
أما في الاصطلاح، فيقول الخميني: التقية معناها: أن يقول الإنسان قولاً مغايراً للواقع، أو يأتي بعمل مناقض لموازية الشريعة، وذلك حفاظاً لدمه أو عرضه أو ماله(2) .
وقال محمد جواد مغنية: ومعنى التقية: أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد(3) .
يعني: النفاق بعينه، حيث يستر الواحد منهم اعتقاده، ويتظاهر أمام الناس بخلافه، وينكر كل مالا ينسب إليه من قول أو عمل أو اعتقاد.
__________
(1) الصحاح للجوهري (6/2526)، ولسان العرب لابن منظور (15/401) وتاج العروس للزبيدي (10/396).
(2) كشف الأسرار لخميني (ص147).
(3) الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية (ص48).

(1/1)


ثم أعطى مغنيه التقية معنى أوسع فقال: التقية في حقيقتها وواقعها عند الشيعة ما هي بالشيء الجديد، ولا من البدع التي يأباها العقل والشرع، فقد تكلم عنها الفلاسفة وعلماء الأخلاق قبل الإسلام وبعده، تكلموا عنها، وأطالوا، ولكن لا بعنوان التقية، بل بعنوان (هل الغاية تبرر الوسيلة؟) وما إلى ذلك. وتكلم عنها الفقهاء وأهل التشريع في الشرق والغرب بعنوان: (هل يجوز التوصل إلى غاية مشروعة من غير طريق مشروع؟) وبعنوان (المقاصد والوسائل)... وهذه العناوين وما إليها تحكي التقية كما هي عند الإمامية، ولا تختلف عنها إلا في الأسلوب والتعبير. وكانت التقية وما زالت ديناً يدين به كل سياسي في الشرق والغرب، حتى المخلص الأمين. وإذا سأل سائل: ما دام الأمر كذلك فلماذا عبر الشيعة بلفظ التقية، ولم يعبروا بلفظ: المقاصد والوسائل، أو الغاية تبرر الوسيلة؟ الجواب: إن العبرة بالمعنى لا باللفظ، وقديماً قال العارفون (النقاش في الاصطلاحات اللفظية ليس من دأب المحصلين)(1) انتهى.
فهذه أخي المسلم هي التقية عند الروافض، أبرزها لنا خميني ومغنية في ثوب براق وبكل اختصار تحت اسم الغاية تبرر الوسيلة، فأعجب لمن يمتدح نفسه بقوله: إن دينه هو مذهب ميكافلّي صاحب مذهب (المكيافيلية) الذي خلع الشعور بالحياء وبالذنب عن مرتكب الجريمة تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة، أي: إنه لا بأس في استخدام أية وسيلة للوصول إلى الغاية المنشودة، مهما كانت هذه الوسيلة خسيسة، فيها كذب وخداع ومكر ونفاق وغش.
__________
(1) الشيعة في الميزان لمحمد جواد معنية ص49.

(1/2)


فالسياسي يكذب ويحتال ويغتال في سبيل المحافظة على سلطانه. والتاجر يغش ويدلس ويكذب في سبيل ربح أكبر. ورجل الدين -عندهم- يكذب ويحتال ويراوغ في سبيل كتم الدين -كما أمره أسياده اليهود- وعلى استعداد بأن يفتي في المجلس الواحد في القضية الواحدة بأكثر من حكم، وهكذا لا يقف المعتقد لهذه العقيدة عند حد معلوم ما دام أن دينه يأمره بذلك، ويحثه عيه، بل ويعده بالجور الخيالية التي سينالها إذا التزم هذا المبدأ.
وقد كان لتبني النظرية (الميكافلية) (الغاية تبرر الوسيلة) عندهم أثر وخيم، حيث أصبحت الأخلاق في عالم المثالية التي لا يمكن أن تتحقق في عالم الواقع، وأصبح المتحدث عن الأخلاق كمن يتحدث في أبراج العاجية، بينما يسير السلوك في خط آخر، محكوم -كما أرادوا وزعموا- بالظروف والأحوال التي لا تنتهي إلا بخروج مهديهم المعدوم الذي ليس له وجود إلا في عقولهم التي أُهلت لقبول كل خرافة.
وحتى لا يظن من لا خبرة له بعقائد هؤلاء القوم أني ألقي الكلام جزافاً، فليقرأ هذا الفصل، فصل التقية أو المكيافلية (الغاية تبرر الوسيلة) كما أسماها نحرير الروافض في هذا العصر محمد جواد مغنية.
أقول: اتفق العقلاء على أن من أخطر الانحرافات السلوكية التي تصيب المجتمعات الإنسانية: داء الكذب، الذي ينحط بصاحبه إلى دركات الهلاك والعياذ بالله، فالكذب يهون على صاحبه إنكار الحق وادعاء خلافه، ويهون عليه كل خيانة، لأنه تعود على قول غير الحق، كل ذلك لأن الكاذب يرتكب جريمة الخيانة كلما كذب؛ لإخباره بخلاف ما في قلبه من اعتقاد.
وكان الكذب وما زال من أبرز صفات النافقين الذين تمكنوا به من الخداع والخيانة، وإظهار خلاف ما يعتقدون.

(1/3)


لذلك قال الله عز وجل في أهله: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} وقال تعالى مبيناً أن الكذب من أبرز صفات النافقين وأجعها للشر: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
ومع خطورة الكذب، والزجر الشديد الذي ورد عنه في الكتاب والسنة إلا أن الروافض يعدون الكذب ديناً يجب التزامه، ويحرم تركه إلى وقت خروج المهدي المزعوم.
قال صدوقهم ابن باويه القمي: التقية واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة(1) انتهى.
وقال محمد الرضوي: الاعتقاد بالتقية والمتعة اعتقاد بالقرآن، والإنكار لهما إنكار للقرآن وكفر به(2) .
فهذه منزلة الكذب عند القوم: الأخذ به واجب، وتركه كفر!!!
أما ما يروونه عن أئمتهم في هذا الباب فكثير جداً، نقطف منه بعض الآثار:
روى الكليني في الأصول من الكافي عن جعفر بن محمد أنه قال: التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقيّة له(3) .
فانظر رحمك الله كيف يضعون الكذب على لسان جعفر بن محمد ويجعلون الكذب من الدين، بل يجعلونه تسعة أعشار الدين، وأن الذي لا يكذب لا دين له.
ولم يكتفوا بذلك حتى أولوا آيات الله حسب أهوائهم، ووضعوا الأجور العظيمة لمن أخذ بالتقية.
__________
(1) الاعتقادات لابن القمي باب التقية.
(2) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي ص373. وهو من المعاصرين.
(3) الأصول من الكافي 2/219.

(1/4)


روى الكليني عن جعفر بن محمد في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} قال: بما صبورا على التقية {وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} قال: الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة.(1)
وروي عنه أيضاً في قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} قال: التي هي أحسن: التقية،{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
والآية ليس فيها السيئة إنما أتي بها من جعبته وسترى اتساع هذه الجعبة في فصل القرآن الكريم أن شاء الله تعالى.
وروي عنه أيضاً أنه قال: يضاعف الله حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان بالتقية على دينه وإمامه ونفسه، وأمسك لسانه أضعافاً مضاعفة... أما والله لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها من التقية إلا كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر وأحد فأبشروا(2) .
وبهذا الدين السري الذي يأمر معتنقه بالكتمان والمراوغة ويعده بأجور تفوق أجور شهداء بدر وأحد إن هو تمسك بهذا النمط من الكذب والخداع استطاع الروافض العيش في المجتمع الإسلامي، كما عاش أسلافهم المنافقون من قبل في مجتمع المدينة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ينكرون كل ما ينسب إليهم من كفر وزندقة، ويتظاهرون بالإسلام، ويكيدون لأهله.
__________
(1) الأصول من الكافي 2/218.
(2) الأصول من الكافي 2/234.

(1/5)


ومع أن محمد جواد مغنية في بداية هذا الفصل حاول تبرير أخذ الروافض بالتقية، وحاول إظهارها بثوب مقبول ولم يفلح، فقد عاد مرة أخرى بعد ذلك وحاول التخلص من وصمة عار التقية الذي يطارد كل رافضي إلى يوم القيامة، فقال: اليوم، حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع، فقد أصبحت التقية في خبر كان... اذهب الآن أنى شئت من بلاد الشيعة، فلا تحد للتقية عندهم عيناً ولا أثراًن ولو كانت ديناً ومذهباً في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة(1) .
كذا قال، والجميع يعلم أن قوله هذا من باب التقية والمراوغة، والناظر لكلامه الذي أوردنا في بداية هذا الفصل يدرك أنه متناقض، والتقية لا يرفعها مغنية ولا غيره بن أساطين الرفض في هذا العصر، ولا في غيره، وستبقى ديناً عندهم شاء ذلك أم أبى، اعترف به أو أنكره، والنصوص التي ذكرناها عن أئمته ترد قوله، وتثبت أنها دين عندهم يجب التزامه، ويكفر تاركه.
ونزيد الأمر وضوحاً فنذكر بعض نصوصهم التي تثبت عدم جواز التقية عندهم، في أي زمان، وأي مكان، إلى أن يخرج مهديهم المعدوم، وهي نصوص مأخوذة من كتب يرى مغنية وكل رافضي أنها كتب لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
قال صدوقهم ابن بابويه القمي: التقية واجبة، لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله، والأئمة، وسئل الصادق عن قوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) قال: أعمالكم بالتقية(2) .
وروى الكليني عن أبي جعفر: لا والله، ما علي وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، إنه من كانت له تقية رفعه الله، ومن لم تكن له تقية وضعه الله، إن الناس إنما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك، كان هذا(3) .
__________
(1) الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية ص52.
(2) الاعتقادات لابن بابويه باب التقية.
(3) الأصول من الكافي 2/217.

(1/6)


قال محقق الأصول من الكافي، علي أكبر: قوله (فلو قد كان ذلك) أي خروج القائم (كان هذا) أي: ترك التقية.
بل صرح جعفر بن محمد -حسب زعمهم وافترائهم عليه- أنه كلما اقترب خروج المهدي كلما زادت التقية، فقال فيما يريه عنه الكليني: كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية(1) .
قال محقق الكافي: تقارب هذا الأمر: أي خروج المهدي.
والنصوص في هذا المعنى كثيرة جداً، إلا أن المقصود إيراد البعض ليدرك القارئ أن التقية دين عندهم لا يحكمهم ظرف معين، بل هي مطلقة يتقربون إلى الله -حسب زعمهم- بالتزامها، ويرون أن تركها كفر، وأنها تزداد شدة كلما اقترب وقت خروج مهديهم المعدوم، وأنه لا يحق لأحد رفعها إلا المهدي.
فكيف يقول مغنية: إن التقية أصبحت في خبر كان؟
إن قراءة النصوص التي أوردتها، والتي سأوردها -إن شاء الله تعالى- تبين لماذا أنكر مغنية وجدود التقية في هذا الزمن، وقال: إنها أصبحت في خبر كان.
وتوضح أن مغنية عندما أنكر التقية كان قوله من باب التقية؛ لأن أئمته حسب زعمهم -أمروه بعدم ترك التقية، وبمجاملة المسلمين، وعدم إظهار الخلاف معهم.
نسب الكليني إلى جعفر بن محمد أنه قال: إياكم أن تعملوا عملاً يعيرونا به، فإن ولد السوء يعير والده بعمله. كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم (يعني عشائر أهل السنة) وعودا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير، فأنتم أولى به منهم، والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء، قال الراوي: وما الخبء؟ قال: التقية(2) .
وروي عن أبي جعفر: خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية، إذا كنت الإمرة صبيانية(3) .
__________
(1) الأصول من الكافي 2/220.
(2) الأصول من الكافي 2/219.
(3) الأصول من الكافي 2/220.

(1/7)


وروي عن جعفر بن محمد قال: إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا سترة وصيانته عن غير أهله. رحم الله عبداً اجتر مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما ينكرون، والله ما الناصب لنا حرباً بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره(1) .
وروي عنه أيضاً قوله: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له. إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عز وجل به فيما بينه وبينه، فيكون له عزاً في الدنيا، ونوراً في الآخرة، وإنا لعبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه، فيكون له ذلاً في الدنيا، وينزع الله عز وجل ذلك النور منه(2) .
وروي عنه: لا تذكروا سرنا بخلاف علانيتنا، ولا علانيتنا بخلاف سرنا، حسبكم أن تقولوا ما نقول، وتصمتوا عما نصمت(3) .
وبهذا أخي المسلم تعلم أن قول مغنية: إن التقية صارت في خبر كان ما هو إلا ضرب من التقية.
__________
(1) الأصول من الكافي 2/223.
(2) الأصول من الكافي 2/221.
(3) روضة الكافي ص73.

(1/8)


وأخيراً، هاك هذه الوصية التي رواها الكليني في أول كتابه [روضة الكافي] ونسبها إلى جعفر بن محمد، وذكر أنه أرسلها إلى شيعته، وأمرهم بدراستها، والنظر فيها، وتعاهدها، والعمل بمقتضاها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فإذا فرغوا من صلاتهم نظروا فيها، ومما جاء فيها: أما بعد، عليكم بمجاملة أهل الباطل (يعني أهل السنة) تحملوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم... مجالسكم ومجالسهم واحدة، وأرواحكم وأرواحهم مختلفة، لا تأتلف، لا تحبونهم أبداً... لا يحل لكم أن تظهروهم على أصول دينكم... فإنه ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل... ابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم، ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم(1) ...
ولا أريد أن أعلق على ما جاء فيها من دس وافتراء على الله وفي نسبة الأمر بالتقية إليه سبحانه، وفي الأمر بالنفاق، ومجاملة الخصوم، وإظهار المودة، وكن البغض.
لكن أقول: هل تستطيع -أيها المسلم- أن تتصور عظم البغض الذي يكنه لك من يداوم على قراءة هذه الوصية دبر كل صلاة (جاملوا أهل الباطل، عاملوهم بالتقية، لا تحبونهم أبداً، أرواحكم وأرواحهم مختلفة، لا تظهروهم على أصول دينكم، لا تبذلوا مودتكم ونصحكم لمخالفيكم)؟ إني لا أشك أبداً أن من يقرأ هذه التعليمات دبر كل صلاة سيصبح بغضه لنا أسد من بغضه لإبليس.
__________
(1) روضة الكافي ص2، ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن الروافض يسمون أهل السنة في كتبهم بأسماء عديدة، منها: أهل الباطل، السواد الأعظم، الجمهور، العامة، المخالفون، الأعداء، النواصب، أو يشيرون إليهم بضمير الغائب. فإذا مر بك أحد هذه الأسماء فاعلم أن المراد بهم أهل السنة والجماعة.

(1/9)


قال الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}،وقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}.
وصدق القائل:
لا تغررك ألسنة رطاب بطائنهن أكباد صوادي
ولم يكتف هؤلاء الرافض بنسبة النفاق والكذب الذي يسمونه تقية إلى أنفسهم وإلى أئمتهم، حتى نسبوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جميع الأنبياء عليهم السلام، بل وإلى الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
روى الكليني: عن أبي جعفر أنه قال: ما زال هذا العلم مكتوماً منذ بعث الله نوحاً(1) .
وهذا كذب على الله وعلى رسله، فغن الله عز وجل لم يرسل الرسل، ولم ينزل الكتب إلا لإظهار دينه، وما شرع الجهاد إلا لإعلاء كلمته، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً}.
ونسبوا إلى أبي جعفر أنه قال: ولاية الله أسرها الله إلى جبرائيل عليه السلام، وأسرها جبرائيل عليه السلام إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأسرها محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى علي (ع)، وأسرها علي (ع) إلى ما شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك(2) .
وأنه سئل: أو ما يكفي الناس القرآن؟ قال: بلى، إن وجدوا له مفسراً، قال: وما فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: بلى، قد فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل، وهو علي بن أبي طالب (ع)، أبى الله أن يعبد إلا سراً حتى يأتي إبان أجله الذي يظهر فيه دينه(3) .
__________
(1) الأصول من الكافي 1/51.
(2) الأصول من الكافي 2/224.
(3) الأصول من الكافي1/250.

(1/10)


نعوذ بالله من الكفر. أرأيت أيها المسلم كيف يتهمون الله عز وجل بكتمان الدين، ثم يتهمون رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعدم تبليغ الرسالة، ويقولون: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ إلا علياً رضي الله عنه، والله عز وجل يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} ويقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وغير ذلك من الآيات التي توضح أن الله عز وجل ما أرسل رسوله إلا ليبغ الناس ما أرسل به، وأن لا يكتم شيئاً، وأنه مرسل لكافة الإنس والجن، وهؤلاء يقولون: لا، بل كتم، ولم يبلغ، وأسر كل ما أرسل به إلى علي فقط، وعلي أسره إلى ذريته، حتى انتهى إلى مهديهم المزعوم الذي هرب بالدين واختفى في سرداب سامراء ليترك الناس في ضلال مبين، تحت رحمة علمائهم ليخرجوا لهم بهذا النوع من الدين الذي كله دس وافتراء، وكذب ونفاق، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولم يكتفوا بذلك، بل نسبوا القول بالتقية إلى كافر، وجعلوا ممن دان بها، فكان بذلك ممن استحقوا دخول الجنة.
روى الكليني: عن جعفر بن محمد (ع) أنه قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف(1) أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين.(2)
__________
(1) الروافض يرون أن أبا طالب مؤمن، وأنه كان يكتم إيمانه، لذلك فهو ناج عندهم.
(2) الأصول من الكافي (1/448).

(1/11)


ونحن نقول: لماذا أسر أبو طالب إيمانه -إن كان قد آمن- وهو السيد المطاع بمكة؟ ولو شاء الله وآمن لكان للمسلمين قوة ومنعة، ولما احتاجوا للجرة من مكة فما كان أحد من المشركين يجرؤ على مخالفة أمره، لذلك حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دعوته إلى الإسلام، حتى دعاه وهو على فراش الموت، وكان المشركون في نفس الوقت يخشون دخوله في الإسلام، ويحرضونه على عدم ترك دين الآباء والأجداد، ثم إن ضعفاء مكة والعبيد فيها أظهروا إيمانهم، ولم يخشوا أسيادهم، ونالوا في سبيل ذلك من العذاب ما الله به عليم، فكيف يكتم الإسلام من كان سيد أهل الوادي؟ ثم من قال إن أصحاب الكهف كتموا إيمانهم، وأظهروا الشرك، وعاشوا مع قومهم يعبدون الأصنام ويحرضون المحافل باسم التقية التي هي عين النفاق، والله عز وجل يقول فيهم: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ

(1/12)


لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً}.
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا.
وقد كان للكذب والتقلب، والظهور أمام الناس بأكثر من وجه دور كبير في قدرة الروافض على الاختفاء، وإنكار كل ما نسب إليهم من كفر وضلال، فبمجرد إثبات قول لهم يرغون روغان الثعلب، ويخرجون من كتبهم قولاً آخر يناقضه، فهم كما قيل: (كالخروف أينما مال اتقى الأرض بصوف).
ويلاحظ هذا الأمر من قرأ كتبهم في الرد على المسلمين، ككتب مغينة والرضوي والأنصاري وشرف الدين الحسيني وغيرهم. وكتبهم الفقهية كذلك، فتجد فقهائهم عندما يقف أحدهم أمام خبر مخالف لهواه، أو موافق لدين المسلمين تجده يبادر إلى إنكار هذا الحكم، وادعاء أنه خرج مخرج التقية وهكذا يخرجون بسرعة من أي مأزق بادعاء أنه خرج مخرج التقية، ولو نظرنا إلى كتاب الاسبتصار لشيخ طائفتهم الطوسي لوجدنا العجب من سرعة ادعاء هذا الرجل لكل أمر لا يروق له بأنه خرج مخرج التقية.
ففي كتاب الطهارة ذكر حديثاً عن جعفر بن محمد أنه قال: إذا بلغ قدر قلتين ولم ينجسه شيء.
ولما كان هذا الحكم مخالفاً لدينهم بادر الطوسي قائلاً: يحتمل أن يكون ورد مورد التقية لأنه مذهب كثير من العامة(1) .
وروي عن أبي جعفر (ع) أنه سئل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب: نعم.
فقال الطوسي: نحمله على ضرب من التقية؛ لأنه موافق لمذهب أكر العامة(2) .
وهكذا استمر في كتابه (1/59، 61، 64، 65، 66، 67، ...) إلى آخر المجلد الرابع وهو آخر الكتاب.
__________
(1) الاستبصار للطوسي 1/7.
(2) الاستبصار للطوسي 1/49.

(1/13)


بل ونسبوا هذا الأمر صراحة إلى أئمتهم، فقد روى الكليني: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابين، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابين وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان، قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق، من شيعتكم، قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بخلاف ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم(1) .
إن الحرباء يصعب عليها التقلب بهذه السرعة، وبهذا الدهاء، وهذا فعل ينسبونه إلى إمام من أئمتهم، الذين يدعون فيهم العصمة، فكيف نصدق قوماً يكذب بعضهم على بعض بهذه الصفة؟
والعجب من تعليق خميني على هذا الخبر حيث قال: إنهم من باب التقية كانوا يصدرون -أحياناً- أوامر مخالفة لأحكام الله، حتى ينشب الخلاف بين الشيعة أنفسهم لتضليل الآخرين، وتفادياً لوقوعهم في المآزق(2) .
وهؤلاء كما قال الشاعر:

يا كذباً أصبح في كذبه ... أعجوبة أية أعجوبة
وناطقاً ينطق في لفظه ... واحدة سبعين أكذوبة
شبهك الناس بعرقوبهم ... لما رأوا أخذك أسلوبه
فقلت: كلا إنه كاذب ... عرقوب لا يبلغ عرقوبه

روى الكليني: عن محمد بن مسلم أنه قال: دخلت على جعفر بن محمد (ع) وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة، فقال: يا ابن مسلم هاتها، فإن العالم بها جالس -يعني أبا حنيفة- وأمواً بيده فقص محمد بن مسلم رؤاه على أبي حنيفة، ففسرها له فقال جعفر بن محمد (ع): أصبت والله يا أبا حنيفة.
__________
(1) الأصول من الكافي 1/65.
(2) كشف الأسرار للخميني ص148.

(1/14)


فلما خرج أبو حنيفة قال ابن مسلم لجعفر: جعلت فداك إني كرهت تغبير هذا الناصب(1). فقال: يا أبا مسلم، لا يسوؤك، فما يوطئ تعبيره تعبيرهم، ولا تعبيرهم تعبيرنا، وليس التعبير كما غبّره، فقلت له: جعلت فداك، فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم، حلفت عليه أنه أصاب الخطأ!!!(2) وأترك التعليق لك.
وروى الطوسي: أن صالح بن محمد كان يتولى الوقف بقم لأبي جعفر الثاني (ع) فقال له: يا سيدي، أجعلني من عشرة آلاف درهم في حل، فإني أنفقتها، فقال: أنت في حل. فلما خرج صالح، قال أبو جعفر (ع): أحدهم يثب على أموال آل محمد فيأخذها، ثم يقول: اجعلني في حل، أتراه ظن أني أقول لا أفعل، والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك السؤال حثيثاً(3) .
فانظر -رحمك الله- هذا رجل جاء يطلب منه أن يجعله في حل، فيقول له: نعم، ثم إذا خرج عاد ونكث ما أعطاه من عهد.
ونسبوا إلى أبي جعفر أنه قال لأحدهم: يا زياد، ما تقول لو أفتينا رجلاً ممن يتولانا بشيء من التقية؟ قال: أنت أعلم، جعلت فداك، قال: إن أخذ بها فهو خير له وأعظم أجراً، وإن تركه -والله- أثم(4) .
أرأيت كيف يفتون على الله الكذب، ويفتون الناس بالكذب، ويؤثمون من لم يأخذ بهذه الفتوى الكاذبة، والله عز وجل يقول: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ}.
__________
(1) الناصب عندهم هو السني فكل من قدم أبا بكر وعمر على علي فهو ناصبي عندهم.
(2) روضة الكافي ص137.
(3) الاستبصار للطوسي 2/60.
(4) اًلأصول من الكافي 1/65.

(1/15)


ولما كان أئمتهم بهذه الصفة -حسب زعمهم- فإن حال فقهائهم أشد وأنكى، حتى أنهم يمدحون من اشتدت مراوغته منهم، ويعدون ذلك من مناقبه، فقد ذكر أحد حججهم، وهو محمد على الغوري الأوردبادي: عن شيخ طائفتهم الطوسي من قوة عارضته وتقدم حجته، أنه وشى به إلى الخليفة العباسي، أنه هو وأصحابه يسبون الصحابة، وكتابه (المصباح) يشهد بذلك، فد ذكر أن من دعاء يوم عاشوراء لعن خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الترتيب: اللهم خص أنت أول ظالم مني باللعن، وابدأ به أولاً، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، اللهم العن يزيد بن معاوية خامساً، فدعا الخليفة بالكتاب وبالشيخ، فلما حضر، قال الطوسي: ليس المراد من هذه الفقرات ما ظن السعاة، بل المراد بالأول: قابيل قاتل هابيل، وهو أول من سن الظلم والقتل، وبالثاني: قيدار عاقر الناقة، وبالثالث: قاتل يحيى بن زكريا، وبالرابع عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب(1) .
فانظر رحمك الله إلى هذا التأويل البارد، الذي يدل على تأصل الكذب، وسرعة التلون، وهو صادر عمن يسمونه شيخ الطريقة، وصاحب كتابين من كتب الصحاح الأربعة عندهم، فكيف من عداه؟ مع أن هذا الدعاء ذكره صاحب مفاتيح الجنان (القمي) وأوضح أن المعنى بالأول الصديق، وبالثاني عمر وهكذا.
ويفتخر خميني بأحد أساطينهم الذي عاش في الهند، واستطاع طوال عمره أن يظهر أمام المسلمين بأنه واحد منهم، وأنه ليس برافضي، فيقول: إحدى الكتب النفيسة المؤلفة في الإمامة (إحقاق الحق) للقاضي نور الله، كان يعيش في الهند وكانت يتصرف بحذر وتحفظ، حتى ظنه السلطان أكبر شاه من أهل السنة، فجعله قاضياً للقضاة، وظل في هذا المنصب بعد وفاة السلطان ومجيء ابنه إلى الحكم، فاكتشف أعدؤه أنه شيعي، فحكم عليه بأن يضرب بالسوط إلى أن مات.
__________
(1) مقدمة كتاب الاستبصار للطوسي 1/ن.

(1/16)


فهل تستطيع -أيها المسلم- أن تتصور رجلاً يعيش في وسط إسلامي، متظاهراً بأنه أحد أفراده، حتى يعين قاضياً لقضاة ذلك البلد، والمسلمون لا يعلمون بحاله؟ لا شك أن شخصاً كهذا قد بلغ أقصى درجات النفاق. ومع ذلك يفتخر خميني به، فهذا يدلنا على أن الرافضي المتدين هو الذي يستطيع أن يصل إلى أحط دركات الكذب والغش والتدليس والمراوغة.
وسئل جعفر بن محمد: يا ابن رسول الله، الرجل يعرف بالكذب، ويأتينا بالحديث عنكم أنرده؟ قال: يقول لكم: إن جعفر بن محمد يقول: الليل ليس بليل، والنهار ليس بنهار؟ قال: ما يبلغ هذا الحد، فقال: (ع): إن قال لك: إن جعفر بن محمد يقول: الليل ليس بليل، والنهار ليس بنهار فلا تكذبه، فإنك إن كذبته فقد كذبت جعفر بن محمد(1) .
فما رأيك أيها المسلم بهذا الحجر والإلغاء للعقول؟
إن هذا هو السبب الذي جعل هؤلاء القوم يتقبلون أي كذب يصدر عمن اختلقوا الكذب على ألسنة أئمتهم، فيصدقونه، وإن خالف الكتاب والسنة والعقل.
وصدق شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال عنهم: هم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأخبار بني المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم والآثار(2) .
__________
(1) مختصر بصائر الدرجات ص154.
(2) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام بن تيمية 1/3.

(1/17)


الفصل الثاني
توحيد الربوبية
هو الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وهو سبحانه المدبر لكل شؤون خلقه، وهو سبحانه الرازق، المحيين المميت، المعطي المانع، الخافض الرافع، الضار النافي، بيده ملكوت كل شيء، وهو سبحانه المختص بالربوبية دون سواه.
قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ}.
والإقرار بالربوبية مركوز في الفطر، لا يكاد ينازع فيه أحد من البشر، حتى عن المشركين الذين بُعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقرون به، ولا ينكرونه، كما ذكر الله عز وجل عنهم في كتابه، مثل قوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

(1/1)


ومع أن هذا التوحيد مما أقرت به جميع أمم الأرض، إلا أن الروافض انحرفوا في هذا التوحيد، وأشركوا مع الله فيه أئمتهم.
فهم يعتقدون في أئمتهم ما كان يعتقد أهل فارس في عظمائهم قبل الإسلام، ومجمل هذا الاعتقاد: أن أول مخلوق خلقه الله هو نور الأئمة، ومنه فتق جميع من في الكون من مخلوقات علوية وسفليه.
ثم فوض إلى هؤلاء العظماء أمر مخلوقاته، فهم الذين يحيون ويميتون، ويعطون ويمنعون، ويضرون وينفعون، ويرزقون ويحرمون، ويعلمون الغيب، ويدبرون الكون كما يريدون، ويحلون للعباد ما يشاؤون، ويحرمون عليهم ما يشاؤون، ولا وظيفة للإله عندهم إلا تنفيذ رغبات هؤلاء العظماء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وهذه العقيدة مأخوذة من المعرفة (النوصية) التي قامت عليها المذاهب المجوسية (الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية) في اصطفاء فكرة النور، وانبتت عليها النصرانية في أخذها بالكلمة، ومازجت الأفلاطونية المحدثة، وهي تتكلم عن فكرة الهباء.
وقد ورد في كتاب الزرادشتي (زنادا أفستا) أن (هرمز) إله الخير لم يخلق الكون بما فيه من كائنات حية روحية ومادية خلقاً مباشراً، بل خلقه بواسطة الكلمة الإلهية(1).
وبما أن الروافض أخذوا هذه العقيدة من أسلافهما الفرس فقد رفعوا أئمتهم إلى مقام الآلهة، ونفوا عن الله صفاته، وألبسوها أئمتهم، وقالوا: إن الإمام أكمل مجلي خلقي ظهر فيه الحق، لذلك لما انتقل هذا النور –حسب زعمهم- إلى صلب آدم، أسجد الله للنور ملائكته لا لآدم، ثم تسلسل هذا النور عبر الأصلاب والأرحام حتى وصل إلى عبد المطلب، ثم انقسم إلى بنيه أبي طالب وعبد الله، ثم خرج محمد وعلي وذريته من بعده.
وسيأتي كلامهم إن شاء الله تعالى في هذا الفصل، وفي فصل توحيد الأسماء والصفات.
__________
(1) أضواء التصوف ص82.

(1/2)


قال أحد حججهم محمد الحسين المظفر: ومهما اعتقدنا فيهم من شيء فلا نبلغ مراقيهم القدسية الرفيعة، ولو لم يعلموا أننا لا نصل إلى تلك الرتب السامية التي يعرفونها لنفسهم لما قالوا لنا: (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم). لعلمهم أننا مهما سبق لنا فيهم من قول، وكان دون القول في الله فلا يكون خروجاً عن مستواهم، وغلواً فيهم(1).
فهذا تصريح من هذا الحجة: أنه لا يعد غلواً مهما قال فيهم، ما دام أنه لم يقل إنه الله حتى لو خلع عليهم من خصائص الألوهية والربوبية ما شاء –كما سيأتي بيانه- فهذا لا يعد غلواً.
جاء في مفاتيح الجنان: (دعاء في كل يوم من رجب، خرج به التوقيع من صاحب الزمان)(2)جاء فيه: اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك، المأمونون على سرك، المستبشرون بأمرك، الواصفون لقدرتك، المعلنون لعظمتك، أسألك بما نطق فيهم من مشيئتك فجعلتهم معادن لكلماتك، وأركان لتوحيدك، وآياتك ومقامك، التي لا تعطيل لها في كل مكان، يعرفك بهما من عرفك، ولا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك وخلقك، فيهم ملأت سماءك وأرضك، حتى ظهر أن لا إله إلا أنت يا باطناً في ظهوره، وظاهراً في بطونه ومكنونه، يا موصوفاً بغير شبه، حاد كل محدود، وشاهد كل مشهود... إلخ)(3)
__________
(1) علم الإمام لمحمد حسين المظفر ص56.
(2) مفاتيح الجنان لعباس محمد رضا القمي. كتاب كبير يحوي الأدعية المأثورة عندهم، وآداب زيارة الأضرحة والصلاة عندها والاستغاثة بأصحابها، قد جمع أحادث كتابه من كتبهم المعتبرة.
(3) مفاتيح الجنان للقمي ص188.

(1/3)


ويوضح هذا الأمر على لسان جعفر بن محمد فيقول: خلقنا الله، وفتقنا بنورنا كل ظلمة، وأيا بنا كل طينة طيبة، ثم قال الله: هؤلاء خيار خلقي، وحملة عرشي، وخزان علمي وسادة أهل السماء، وسادة أهل الأرض. ثم قال جعفر بن محمد (ع): نحن أهل الإيمان بالله وملائكته وتمامه، ومنا الرقيب على خلق الله، وبه سداد أعمال الصالحين(1).
ويوضح هذا الأمر أكثر، ويفصله تفصيلاً من اختلق هذا الحديث، ونسبه زرواً على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله خلقني وعلياً من نور عظمته، قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، إذ لا تسبيح ولا تقديس ولا تهليل، ففتق نوري فخلق منه السموات والأرض، وأنا والله أجل من السموات والأرض، وفتق نور علي (ع) فخلق من العرش والكرسي، وعلي والله أجل من العرش والكرسي، وفتح نور الحسن )ع) فخلق منه اللوح والقلم، والحسن والله أجل من اللوح والقلم، وفتق نور الحسين (ع) وخلق منه الجنان والحور العين، والحسين والله أجل من الجنان والحور العين، ثم أظلمت المشارق والمغارب، فشكت الملائكة إلى الله أن يكشف عنها تلك الظلم، فتكلم بكلمة فخلق منها روحاً، ثم تكلم بكلمة فخلق منها نوراً، فأضاف النور إلى تلك الروح، وأقامها أمام العرش فازدهرت المشارق والمغارب. فهي فاطمة الزهراء (ع)، فلذلك سميت بالزهراء(2).
__________
(1) تفسير فرات ص35. وفرات هو فرات بن إبراهيم الكوفي أحد علمائهم في القرن الثالث. أكثر الرواية عنه ابن باويه القمي، والمجلس في بحار الأنوار، والحر العاملي في رسائل الشيعة.
(2) عن كتاب سلوني قبل أن تفقدوني لمحمد رضا الحكيمي الكربلائي (1/49).

(1/4)


ويروي سليم(1)في كتباه (أبحد الشيعة): أن علياً (ع) قال: يا رسول الله، انسبني من أنا ليعرف الناس قرابتي منك، فقال: يا علي خلقت أنا وأنت من عمودين من نور معلقين تحت العرش، يقدسان الملك، من قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، ثم خلق من دينيك العمودين نطفتين بيضاوين ملتويتين، ثم نقل تلك النطفتين في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الزكية الطاهرة، حتى جعل نصفها في صلب عبد الله، ونصفها في صلب أبي طالب... من جحد ولايتك جحد لله ربوبيته... إن حساب الخلائق إليك، ومآبهم إليك، والميزان ميزانك، والصراط صراطك، والموقف موقفك، والحساب حسابك، فمن ركن إليك نجا، ومن خالفك هوى وهلك(2).
__________
(1) سليم بن قيس الهلالي العاملي (ت90هـ) وهم يزعمون أنه أدرك علياً وأنه عاش إلى زمن علي بن الحسين، وكتابه المسمى بكتاب سليم أو أبجد الشيعة هو أصل أصول كتب الروافض.
(2) أبحد الشيعة وهو كتاب سليم ص216.

(1/5)


وفي كتاب سليم أيضاً، نسبوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قالك عن الله عرف أنواره نفسه، ثم فوض إليهم أمره، وأباحهم جنته، والذي نفسي بيده، ما استوجب آدم أن يخلقه الله، وينفخ فيه من روحه، وأن يتوب عليه، ويرده إلى جنته إلا بنبوتي والولاية لعلي، والذي نفسي بيده، ما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض، ولا اتخذه خليلاً إلا بنبوتي والإقرار بعلي، والذي نفسي بيده، ما كلم موسى تكليماً ولا أقام عيسى آية للعالمين إلا بنبوتي ومعرفة علي، والذي نفسي بيده ما تنبأ نبي قط إلا بمعرفته والإقرار لنا بالولاية... علي ديان هذه الأمة، والشاهد عليها، والمتولي لحسابها... وهو عين الله الناظرة، وأذنه السامعة، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرحمة، ووجهه في السموات والأرض، وجنبه الظاهر اليمين، وحبله القوي المتين، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وبابه الذي يؤتى منه، وبيته الذي من دخله كان آمناً، وعلما على الصراط في بعثه، من عرفه نجا إلى الجنة، ومن أنكره هوى إلى النار(1).
قلت: ما فائدة إبقاء اسم الربوبية لله ما دام كل هذه الأمور لعلي؟ وأي كفر أعظم من هذا؟
وأي افتراء على الله، وعلى رسوله وعلى علي أعظم من هذا؟
{فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
روى الكليني: عن أبي جعفر أنه قال: إن الله أعظم من أن يظلم، ولكنه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته(2).
تعلى الله عما يقول أرباب الحلول والاتحاد علواً كبيراً.
__________
(1) كتاب سليم ص219.
(2) أصول الكافي 1/146.

(1/6)


وروى عن جعفر بن محمد أنه قال: إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقاً وبشراً نور أنيين، لم يجعل لحد في مثل الذي خلقنا منه نصيباً، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا، وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة، ولم يجعل لأحد في مثل الذي خلقهم من نصيب إلا الأنبياء، ولذلك صرنا نحن وهم الناس، وسائر الناس همج، للنار وإلى النار(1).
وروى عن أبي جعفر أنه قال: النور والله نور الأئمة إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذي أنزل، وهم والله نور الله في السموات وفي الأرض.
__________
(1) أصول الكافي 1/389.

(1/7)


أما بالنسبة لتحديد المدة التي زعموا أن أئمتهم خلقوا فيها، فهذا أمر اختلفوا فيه اختلافاً كبيراً، فقد روي أنهم خلقوا قبل الكون بألفي عام(1)، وروي باثني عشر ألف عام(2)، وروي بأربعة عشر ألف عام(3)، وروي بخمسة عشر ألف عام(4)، وروي بأربعة وعشرين ألف عام(5)، وري بأكثر من تسع مئة ألف عام –كما سيأتي- إلا أن خميني اختار إطلاق الأعداد ولم يبين سبب إطلاقه فقال: فإن للإمام مقاما محموداً، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون. وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدين من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرضه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلم إلا الله. وقد قال جبريل كما ورد في روايات المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت، وقد ورد عنهم: إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل. ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليها السلام(6).
وقال خميني: الملائكة تضع أجنحتها تحت أقدام أمير المؤمنين (ع) لسابقته وخدمته ونشره الإسلام في الدنيا كلها، فالملائكة تخضع له، ويخضع له الناس حتى الأعداء منهم(7).
__________
(1) كتاب سليم216.
(2) تفسير الفرات ص190.
(3) كتاب سليم ص50.
(4) تفسير الفرات ص207.
(5) مثر الأحزان ص206. وهو كتاب حافل بالمواليد للأئمة الاثني عشر للشريف الجوهري، وقد قسم كتابه إلى مجالس، كل مجلس في مولد أحد الأئمة.، وكتابه هو المعتمد في النجف وكربلاء.
(6) ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية لخميني ص52 و53.
(7) نفس المصدر ص141.

(1/8)


ونسبوا إلى جبرائيل عليه السلام أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما خلقني الله سألني من أنت؟ وما اسمك؟ ومن أنا؟ وما اسمي؟ فتحيرت في الجواب، أنت ربي الجليل، واسمك الجليل، وأنا العبد الذليل، واسمي جبرائيل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم عمرك يا جبرائيل؟ فقال: يا رسول الله يطلع نجم من العرش في كل ثلاثين ألف سنة مرة، وقد شاهدته طالعاً ثلاثين ألف مرة(1).
أي أن عمر جبرائيل عليه السلام تسع مئة ألف سنة، وعلي رضي الله عنه خلق قبله بمدة الله أعلم بها!!!
وقال خميني: عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني، فأجريت حديثاً عن اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورهم إليها فهم يحللون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى. ثم قال: يا محمد، هذه الديانة، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محقن ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد.
ثم علق خميني على هذه الهزالة، وهو يترنم طرباً: هل هناك ما يدل على التوحيد أفضل من هذه العبارة(2)؟
ثم ننتقل إلى خرافات أخرى ينسبونها إلى أئمتهم –حسب زعمهم- في طريقه ولادة الإمام:
ففي مثير الأحزان: ولدت فاطمة الحسن والحسين من فخذها الأيسر(3).
__________
(1) سلوني قبل أن تفقدني للحكيمي 1/46.
(2) كشف الأشرار لخميني 92.
(3) مثير الأحزان ص226.

(1/9)


وعن جعفر بن محمد أنه قال: إذا وقع الإمام من بطن أمه، وقع واضعاً يديه على الأرض، رافعاً رأسه إلى السماء، فإذا وضع يديه على الأرض فإن منادياً يناديه من بطنان العرش باسمه، واسم أبيه: يا فلان بن فلان، اثبت ثلاثاً، لعظيم خلقك، أنت صفوتي من خلقي، وموضع سري، وغيبة علمي، وأميني على وحيين، وخليفتي في أرضي، ولمن تولاك أوجبت رحمتي، ومنحت جناني، وأحللت حواري، ثم وعزتي وجلالي لأصلين من عاداك أشد عذابي، فإذا انقضى صوت المنادي أجابه هو وهو واضع يده على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء: شهد الله أنه لا إله إلا هو. الآية. فإذا قال ذلك، أعطاه الله تعالى العلم الأول والآخر، واستحق زيارة الروح(1).
وعنه أيضاً: إن الإمام يسمع الكلام في بطن أمه، فإذا سقط من بطن أمه جعل الله له عموداً من نور يبصر به ما يعمل أهل كل بلد(2).
وفي رواية: وجعل الله له عموداً من نور يبصر به أعمال العباد، ويطلع على سرائرهم(3).
وعنه –في ليلة ولادة الإمام-: ومن بين يديه مثل سبيكة الذهب ثور، ويقيم يومه وليلته تسيل يديه ذهباً(4).
هذا –أخي المسلم- قليل من كثير، ولولا شرطنا الاختصار لأوردنا أكثر مما أوردنا، لكن في هذا كفاية عن شاء الله تعالى.
أما عن تصرفهم في الكون، وامتلاكهم له، فهو مما تطفح به كتبهم:
فعن جعفر بن محمد: عندنا خزائن الأرض ومفاتيحها، ولو شئت أن أقول بأحد رجلي أخرج ما فيك من ذهب لأخرجت، قال: ثم قال بإحدى رجليه فخطها في الأرض فانفرجت، وأخرج سبيكة دهب قدر شبر، ثم قال: انظروا، فنظرنا فإذا سبائك كثرة بعضها على بعض يتلألأ(5).
__________
(1) مثير الأحزان ص250.
(2) مثير الأحزان ص280.
(3) مثير الأحزان ص284.
(4) الأصول من الكافي 1/388.
(5) الأصول من الكافي 1/474.

(1/10)


وقال أبو بصر بصير لأبي عبد الله: أما على الإمام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمد (أي قلت محالاً)، أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء، ويدفعها إلى من يشاء(1).
قلت: إذا كان الواقع ما ذكر، فأين كراسي الخلافة عنهم؟ وهم يتباكون عليها ليل نهار، إنها بدون شك في الدنيا، وهو يقول: إن الدنيا ملكه، فلماذا دفع هذا الكرسي إلى غيره، ثم يدعي أنه مظلوم، مسلوب الحق؟
الحمد لله على نعمة الإسلام، قال الله تعالى: {فلله الآخرة والأولى} وقال تعالى: {وإن لنا للآخرة والأولى}، واله يعلم أن القصد من ذلك كله ليس الكراسي بالدرجة الأولى، لكنه الحقد العظيم على من جلسوا عليها، وأطفأ الله على أيديهم نيران المجوس، وهدم معابدهم، وأباد دولهم، ورفع رايته، وأعلى كلمته بجهادهم وتضحياتهم في سبيله.
وروى الكليني: عن جعفر بن محمد قال: المعيب على أمير المؤمنين في شيء من أحكامه كالمعيب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله... وبذلك جرت الأئمة واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم(2).
وقال أحد شعرائهم رضا محمد الهندي مخاطباً الحسين:
عجبت للأرض ما ساخت جوانبها وقد تضعضع منها الطود والوتد
وللسموات لم لا زلزلت وعلى من بعد سبط رسول الله تعتمد
__________
(1) الأصول من الكافي 1/408.
(2) الأصول من الكافي 1/197.

(1/11)


ونحن نقول: قال الله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}.
وفي ضياء الصالحين: يقول مخاطباً علياً: السلام على يعسوب الدين والإيمان وكلمة الرحمن، السلام على ميزان الأعمال، ومقلب الأحوال، وسيف ذي الجلال،وسامع السر والنجوى...(1)
وما دام أنه مقلب الأحوال والعياذ بالله من الكفر، فإنه لا بد وأن يكون عليماً بأحوال من يقلب أحوالهم، وهذا ما يعتقده الروافض في أئمتهم.
روى الكليني: عن الرضا أن رجلاً قال: ادع الله لي،ولأهل بيتي، فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كلي يوم وليلة!!!(2)
وفي مفتاح الجنان: في ليلة القدر تنزل الملائكة والروح فيها بأعمال العباد،وما قدر لهم، وتعرض على إمام العصر بسر من رأى(3).
وفي الكافي: قال أبو الحسن: ما من ملك يهبطه الله في أمر ما إلا بدأ بالإمام، فعرض ذلك عليه. وإن مختلف الملائكة من عند الله إلى صاحب هذا الأمر(4).
__________
(1) ضياء الصالحين للحاج محمد صالح الجوهرجي خادم الروضة الحيدرية بالنجف.
(2) ضيا ء الصالحين للجوهري.
(3) مفاتيح الجنان ص283.
(4) الأصول للكافي 1/394.

(1/12)


ولما رأى الروافض أنهم نسبوا ما باستطاعتهم من خصائص الربوبية لأئمتهم لم يبق لهم إلا أن يعلنوها صراحة فيجعلوا أمر الخلق كلهم إليهم، وأن الله تعالى عن ذلك فوض أمر عباده إلى أئمتهم، فقالوا: قال جعفر بن محمد: لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى الأئمة(1).
وما دام أن أمر الخلق قد فوض إليهم كما زعموا فهم يحللون ما شاؤوا ويحرمون ما شاؤوا، بل قد يخبرون بالشيء وبخلافه في مجلس واحد، ويجب على أتباعهم الأخذ بكلا الأمرين، فعن موسى بن أشيم قال كنت عند أبي عبد الله فسأله رجل عن آية فأخبروه بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبره به الأول، ثم دخل عليه آخر فسألهن تلك الآية فأخبره بخلافهما، ثم التفت إلي فقالك يا ابن أشيم: إن الله فوض إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فما فوض إلى رسوله فقد فوض إلينا(2).
وكذبوا على الله وعلى رسوله، فما كان الله ليفوض أمر دينه إلى أحد من خلقه، وهو القائل لنبيه: { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً}، وقال تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
__________
(1) الأصول للكافي 1/368.
(2) الأصول للكافي 1/365.

(1/13)


فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو المرسل من ربه، يقول له الله عز وجل إنه ليس لك من الأمر (أمر التشريع) شيء إلا البلاغ والبيان، وأما إنزاله وجمعه وقرءانه وحفظه فعلينا، فما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً. عياذاً بالله من الكفر وأهله.
روى الكليني: أن طائراً ظن بامرأته ظن السوء، فاحتكما إلى أبي جعفر فجاءا إليه، فهدلا له، وهدل إليهما، وقضى بينهما، فسأله محمد بن مسلم عن ذلك، فقال: يا بن مسلم، كل شيء خلقه الله من طير أو بهيمة أوشي فيه روح فهو أسمع لنا وأطوع من ابن آدم(1).أما الأحياء والإماتة فهي من خصائص أئمتهم كذلك، قال أبو بصير: دخلت على أبي جعفر (ع) فقلت له: فأنمت تقدرون على أن تحيوا الموتى، وتبرؤوا الأكمه والأبرص؟ قال: نعم بإذن الله، وكان أبو بصير أعمى قال له أبو جعفر: ادن مني، قال: فدنوت منه، فمسح على وجهي وعلى عيني فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في البلد، ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً؟ قلت: أعود كما كنت، فمسح على عيني فعدت كما كنت.
وفي الكافي: مر موسى بن جعفر بامرأة بمنى وهي تبكي، وصبيانها يبكون حولها، وقد ماتت لها بقرة، فدنا منها ثم قال لها: يا أمة الله هل لك أن أحييها لك؟ قالت: نعم... ثم صوت بالبقرة فنخسها نخسة فاستوت على الأرض قائمة، فصاحت المرأة عيسى بن مريم ورب الكعبة.
وذكر الكليني قصة طويلة لامرأة تدعى حبابة الوابلية سألت علياً عن دلالة الإمامة، فأمرها بإحضار حصاة فطبع عليها بخاتمه كدلالة على إمامته، ثم لما مات علي جاءت الحسن، ثم علي بن الحسين، جاءته وقد أرعشت من الكبر، وبلغت مئة وثلاث عشرة سنة، فأوما إليها بالسبابة، فعادت شباباً كما كانت، ثم جاءت من بعده إلى أبي جعفر ، ثم أبي عبد الله، ثم أبي الحسن ثم الرضا.
__________
(1) الأصول من الكافي (1/470).

(1/14)


أي أنها عاشت 235سنة على الأقل بفضل إيماء علي بن الحسين إليها بسبابته، فكيف لو مسح عليها، أو حك جلدها؟
وهذا شيء لا يستغرب منهم، فمهديهم المزعوم الذي غاب في سرداب سامراء منة 1148 سنة ما زالوا ينتظرونه، ولما لا وهم يحيون ويموتون، فم أحيا وأمات هان عليه أن يزيد في الأعمار.
وما دام أنهمه يحيون ويميتون ويزيدون في الأعمار، فهل يستطيع تغيير خلق إلى خلق آخر؟ الجواب في هذه الرواية: صعد علي (ع) على منبر الكوفة، فقال ألفاظاً معناه أن المراد بالوالدين في قوله: (وبالوالدين إحساناً) أنا ورسول الله. فقام إليه رجل فقال له: يا ابن أبي طالب، سحرت أهل الحجاز وأتيت تسحر أهل العراق بتأويلك القرآن، فمرقه علي (ع) بطرفه فإذا هو قد صار غراباً أبقع، فطار من بين القوم ووقع على حائط المسجد يزعق والناس ينظرون إليه. فقال بعضهم لبعض: قد بلغ من سحر ابن أبي طالب أنه يمسخ الرجال، والله لئن لم تعالجوه بالقتل لصنع بكم ما صنع بصاحبكم، وكان عدة القوم ثلاثين ألفاً(1) .
وهاك أخي المسلم هذه الطامة الأخرى: نسبوا إلى سول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:لا يستر علياً عن الله ستر، ولا يحجبه عن الله حجاب، وهو الستر والحجاب فيما بين الله وبين خلقه(2) .
ويبين لنا جعفر من محمد كما زعموا مقدار قوة نور هذا الحجاب فيقول: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب(3) .
أي أن نور علي مثل نور الشمس (343000مرة) وأترك المجال للفلكيين يبينوا قوة إشعاع هذا النور إن استطاعوا، وهل بإمكان شخص يحمل هذا النور أن يعيش على هذه الأرض دون أن يحرقها؟ أم أن الغباء والسخف بلغ بهؤلاء القوم مبلغاً ألفوا فيه عقولهم، وحكموا أحقادهم لتقودهم إلى المهالك؟
__________
(1) سلوني قبل أن تفقدوني للحكيمي 2/33.
(2) كتاب سليم ص218.
(3) الأصول من الكافي 1/98.

(1/15)


وما دام أن الأحقاد هي المتحكمة في تسيير هؤلاء القوم فإن اضطرابهم في عقائدهم لن يقف عند حد معين، وسيكذبون وينتحلون كل ما يستطيعون لعلي وعترته، يقول الحكيمي الكربلائي: وروي حضور مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عند الأموات، وقد يموت في اللحظة الواحدة آلاف من الناس في مشارق الأرض ومغاربها(1) . انتهى كلامه.
ولا نعلم لما يحضر، أهو ملك الموت؟ أم القائم بترتيباته؟ لا نعلم لأن حضرة الحكيمي لي يبين لنا ذلك!
وأخيراً أخي المسلم سأذكر لك شيئاً مما قالوه عن ملك أئمتهم للآخرة، ورواياتهم في هذا الموضوع طويلة جداً، سنختار منها خبرين قصيرين؛ الأول منهما: خطب علي (ع) على منبر الكوفة، وكان مما قال: والله، إني لديان الناس يوم القيامة، وقسيم الجنة والنار، وإن جميع الرسل والملائكة والأرواح خلقوا لخلقنا(2) .
والله إن علياً يبرأ إلى الله من كل ما يقولون.
وللآخر: عن أبي الحسن (ع) قال: إن إلينا إياب هذا الخلق، وإن علينا حسابهم(3) .
والله عز وجل يقول: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}.
هذا اعتقادهم في أئمتهم -أخي المسلم- إن الله خلقهم من نور عظمته، وفتق من هذه الأنوار جميع مخلوقاته السفلية والعلوية، ثم فوض إليهم أمر خلقه، وأعطاهم ملك الدنيا والآخرة، فهم الذين يرزقون، ويحييون ويميتون، ويعطون، ويمنعون، وإليهم إياب الخلق وعليهم حسابهم، والجنة والنار لهم، يدخلون من شاؤوا النار، إلى آخر ما مر بك في هذا الفصل، فأي إسلام عند هؤلاء؟ وأي دين عندهم.
__________
(1) سلوني قبل أن تفقدوني للحكيمي 1/46.
(2) تفسير فرات ص61.
(3) تفسير قرات ص207.

(1/16)


الفصل الثالث
توحيد الأسماء والصفات
ويتحقق هذا التوحيد بالإيمان بالله سبحانه وتعالى به نفسه، ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإثبات لك على وجه يليق بجلاله الله وعظمته، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غاير تحريف ولا تعطيل، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
وقد كان الروافض في أول أمرهم مجسمة، وكان كبار طواغيتهم من أمثلا: بنان بن سمعان وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي، وشيطان الطاق -والروافض إلى اليوم يسمونه مؤمن الطاق- كان هؤلاء يثبتون لله أعضاء كأعضاء الإنسان -تعالى الله عما يقولونه علواً كبيراً- فكان هشام بن الحكم صاحب فرقة الحكمية، يقول: إن الله كالسبيكة الصافية ، و زعم مرة أنه كالشمع الذي من أي جانب نظرت إليه كان ذلك الجانب وجهة، وأنه سبعة أشبار. وكان الجواليقي وأتباعه الجواليقية يقولون: إن لله صورة كصورة الآدمي. إلى غير ذلك من الأقوال التي تقشعر منها الأبدان، ولولا أني أريد الإيضاح هنا لما أوردت أقوال هؤلاء الزنادقة، ومن أراد الاستزادة، ومعرفة تفاصيل عقائد هؤلاء فليرجع إلى كتب الفرق(1) .
ثم إن الروافض ارتموا في أحضان الجهمية، وأخذوا بأقوال المعتزلة في توحيد الأسماء والصفات مع شيء من التحريف الذي يماشي مذهبهم.
__________
(1) مثل الفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والنحل للشهرستاني، والفصل لابن حزم، وكتاب مقالات الإسلاميين للأشعري، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي.

(1/1)


فنفوا صفات الباري عز وجل، وقالوا: ليس لله سمع ولا بصر، وليس له وجه ولا يد، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ونفوا علوه على خلقه، وادعوا أن هذا تنزيه له سبحانه عن مشابهة المخلوقين، فنفوا عن الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال، وما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم في الأصل مجسمة، فلم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموا من صفات المخلوقين، فشبهوا أولاً، ثم عطلوا ثانياً، وألحدوا في أسماء الله وصفاته، ثم -وبمنتهى السخاء الأرعن- قدموا هذه الأسماء والصفات لأئمتهم، زعماً منهم أن الأئمة يحملون أسماء الله وصفاته.
يقول الله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِِكْرَامِ} وهم يقولون، لا، ليس لله وجه، بل وجه الله هو الإمام.
ويقول الله عز وجل: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وهم يقولون: لا، ليس لله يدان إنما ذلك الإمام.
ويقول الله عز وجل:{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} وهم قولون: لا، ليس لله عينان، إنما ذلك الإمام.
ويقول الله عز وجل: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} وهم يقولون: علم الله هو الإمام، وليس لله علم.
ويقول الله عز وجل {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} وهم يقولون: ليس لله قوة، إنما القوة قوة الإمام.

(1/2)


وإليك أيها الأخ المسلم ما قالوه في نفي صفات الباري جل وعلا: نسبوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كمال الإخلاص نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة: من وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال: فيم؟ فقد ضمنه، ومن قال: علام؟ فقد أخلى منه(1) .
أما المسلمون فيقولون ما قال ربهم جل وعلا، ولا يخوضون في هذه السفسطة التي ما كان علي رضي الله عنه يعرفها، ولم يكن سمع بها: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. فالله عز وجل نفى عن نفسه مشابهة المخلوقات، وأثبت لنفسه السمع والبصر بما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، وهذا هو منهج أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وهو ما ندين الله تعالى به، فالحمد لله الذي جعلنا في صف خيرة خلقه، وجعلهم في صف شرارهم.
وروى الكليني: جاء إلى جعفر بن محمد (ع) وقال: الله أكبر، فقال له جعفر: الله أكبر من أي شيء؟ فقال الرجل: من كل شيء، فقال جعفر: حددته، فقال الرجل: كيف أقول: قال: قل: الله أكبر من أن يوصف(2) .
وروى أيضاً: ذكر عند أبي إبراهيم (ع) حديث نزول الرب إلى السماء الدنيا، فقال: إن الله لا ينزل(3) .
__________
(1) يهج البلاغة. وهو أعظم كتب الروافض على الإطلاق، ويفتخر أخطاؤهم بحفظه عن ظهر قلب، مع هجرهم لكتاب الله. وهو عبارة عن مجموعة خطب ملفقة كتبت في القرن الرابع بيد الشاعر الشريف الرضي الموسوي (ت406هـ) وينسبون ما في هذا الكتاب من خطب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2) الأصول من الكافي 1/117.
(3) الأصول من الكافي1/125.

(1/3)


وروى: سئل أمير المؤمنين (ع) عن الله، أين هو؟ فقال: هو ههنا وههنا، وفوق وتحت، ومحيط بنا، ومعنا،... وسئل عن حملة العرش عليهم السلام؟ فقال: حملة العرش هو العلماء الذين حملها الله عليه. يعني الأئمة(1) .
وروى: قال أبو جعفر الثاني (ع): الأسماء والصفات مخلوقات(2) .
وبعد أن انتهوا من هذا الكفر الصريح بنفيهم أسماء الله وصفاته، وادعاء أنها مخلوقات، ادعوا أن الله عز وجل قد أعطاها الأئمة، فهم: عين الله، ووجهه، ويده، وسمعه، وبصره، وقوته، وعلمه، تعلى الله عما يقول الروافض علواً كبيراً.
وروى الكليني: قال الرضا (ع) واصفاً الإمام (يعني نفسه): فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام؟ أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات!!! ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، لا، وكيف؟ وأنى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناول، ووصف الواصفين...(3).
وفي كتاب (علم الإمام) ذكر حجتهم المظفر صفات الإمام، وكيف أنها مثال لصفات الله تعالى، فقال: هي مثل لصفات الجليل تبارك اسمه، ولا شبهة في أن الأبلغ في المثالية أن تكون صفاتهم أكمل الصفات، وخصائصهم أفشل الخصال. أما أن صفاتهم مثال لصفات الخالق تعالى فهو ما يشهد له العقل والنقل. أما النقل فكثير، ومنه قول أمير المؤمنين (ع): نحن صنائع الله، والناس بعد صنائع لنا.
__________
(1) الأصول من الكافي1/130.
(2) الأصول من الكافي1/116.
(3) الأصول من الكافي1/200.

(1/4)


وقال أيضاً: إن العقل يرى أن اللطيف يجب عليا أن يجب عليه أن يجعل بينه وبين عباده من يقوم بتبليغ أحكامه، وبيان نظامه، وذلك الحجة جامع لصفات الكمال، وعار عن جميع خصال النقص، بل يجب أن يكون منزهاً عن النقائص في الخَلق والخُلق، ولا تكون لأحد عليه حدة أو تطاول، أو فضل أو علم(1) .
أقول: تعالى الله عما يقوله هذا الظالم علواً كبيراً، فمن هو هذا العقل المخلوق الضعيف الذي يوجب على الله عز وجل ما لم يوجبه الله على نفسه، وأي كفر وزندقة أعظم من وصف الله بالعجز عن إقامة الحجة على خلقه إلا بنفي صفاته، وإعطائها بعض مخلوقاته ليقيموا هم ما عجز الله عنه حسب زعمهم وكفرهم. فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، الغفور الحليم، العلي العظيم.
روى الكليني: قال جعفر بن محمد (ع) في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من عباده إلا بمعرفتنا(2) .
وروى الكليني: قال جعفر بن محمد (ع): إن الله خلقنا فأحسن صورنا، وجعلنا علينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء، وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله، ولولا نحن ما عبد الله(3) .
وروى: عن جعفر (ع) قال: نحن وجه الله، نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده(4) .
وروى: عن أمير المؤمنين (ع) قال: أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله(5) .
__________
(1) علم الإمام للمظفر ص62.
(2) الأصول من الكافي1/143.
(3) الأصول من الكافي1/144.
(4) الأصول من الكافي1/143
(5) الأصول من الكافي1/145.

(1/5)


وروى: عن أبي جعفر (ع): قال: نحن حجة الله ، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله، ونحن عين الله في خلقه، ونحن ولاة أمر الله من خلقه(1) .
وفي مفاتيح الجنان: عن جعفر بن محمد (ع) فيما يقوله الزائر لقبر الحسين في رجب: أشهد أنك نور الله الذي لا يطفأ أبداً، وأنك وجه الله الذي لم يهلك ولن يهلك أبداً(2) .
فهذا دينهم -أيها المسلم-: نفي الأسماء والصفات، وادعاء أنها مخلوقة، ثم إعطاء هذه الصفات والأسماء للأئمة ؛ لأن ذلك من اللطف الواجب حسب زعمهم.
__________
(1) الأصول من الكافي1/145.
(2) مفاتيح الجنان للقمي ص514.

(1/6)


الفصل الرابع
توحيد الألوهية
هو إفراد الله بالعبادة: القلبية، والقولية، والعملية، لذلك سمي هذا التوحيد: توحيد العبادة. والعبادة والألوهية بمعنى واحد، فالإله هو المعبود، وهذا التوحيد هو الذي خلق الله الخلق من أجله، قال تعالى: {مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. وأرسل الرسل وأنزل الكتب من أجله، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.
وهذا التوحيد هو الذي يعلنه المسلم في قوله: لا إله إلا الله. وهو الذي يسأله عنه الأولون والآخرون يوم القيامة. قال الله تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}،وقال تعالى:{مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}.
لذلك كان هذا التوحيد الفيصل بين الإسلام والشرك، به يعرف المسلمون، وبه يدخل من قال: (لا إله إلا الله) الإسلام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا لا إله إلا الله).

(1/1)


أما الروافض فإن الباحث في دينهم لن يجد لتوحيد العبادة عيناً ولا أثراً أبداً، لأنه هؤلاء القوم لا يعرفون العبادة إلا عن طريق دعاء الأموات من دون الله، والاستغاثة بهم، وطلب العون منهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، ورفع الكربات، كما كان أهل الشرك -الذين بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلون، بل إن الروافض يزيدون عليهم في التفنن في هذا الشرك (شرك العبادة) وقد ألف كير من علمائهم كتباً في الدفاع عن شرك العبادة، وأسموا هذا الشرك توحيداً، ومبين يدي الآن كتاب يقع في ست مئة صفحة، هو عبارة عن محاضرات ألقاها أحد علمائهم، المدعو (جعفر السبحاني) على طلبة جامعة (قم) دافع فيه عن الشرك وأهله، ودعا فيه بكل ما أوتي من قوة إلى الشرك ونبذ التوحيد، أسمى كتابه (معالم التوحيد) وكان الجدير به أن يسميه (معالم الشرك والزندقة) لما فيه من شرك وتحريف لآيات الله ولي للنصوص على طريقة الباطنية(1) .
قال الرضوي: أما طلب الشيعة من أصحاب القبور -عليهم السلام- أموراً لا يقدر عليها إلا الله تعالى، فليس هو إلا جعلهم وسائط بينهم وبين الله، وشفعاء إليه في نجاحها امتثالاً لأمره تعالى(2) .
__________
(1) انظر فصل القرآن الكريم ففيه الكثير من النقول عن تفسيرهم الباطني لكلام الله.
(2) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي.

(1/2)


وكذب -والله- فإن الله لا يأمره بالشرك أبداً، وهو القائل عن الكفار: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
ويوضح خمني معنى الشرك عندهم فيقول: إن الشرك يتمثل في القول بإلهين أو في عبادة اثنين، أو عبادة وثن أو كوكب على أساس أن كلا منهما إله أو صورة للإله(1) .
يعني أن عبادة غير الله لا بأس بها ما دام العابد لها لا يقول بأنها إله أو صورة إله، حتى لو كان المعبود وثناً أو كوكباً.
ويقول خميني: طلب الحاجة من الحجر أو الصخر ليس شركاً(2) .
ويقول: إذا تم السجود على تراب أو قبر من أجل الله وإطاعة أمر الله، فإن ذلك ليس كفراً، بل هو توحيد وتعبد للإله(3).
انظر إلى تجرؤ هذا الرجل على الله، وافترائه عليه، ونسبة الأمر بالشرك إلى الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ولما لم يجد خميني ما يسعفه في كتاب الله عز وجل في إثبات مشروعية شركه، لجأ إلى أقوال الفلاسفة -الذين هو أضل خلق الله في باب الإلهيات- فقال: واستناداً إلى فلاسفة الروح القدامى فإن طلب الشفاعة من الإمام والنبي الذي يصبح بعد الموت كقطعة خشب أو حجر أو أي جماد آخر لن يعد شركاً(4) .
__________
(1) كشف الأسرار للخميني ص86.
(2) كشف الأسرار للخميني ص49
(3) كشف الأسرار للخميني ص74.
(4) كشف الأسرار الخميني ص94.

(1/3)


وقد صرف الروافض أعظم أنواع العبادة، وهو (الدعاء) لغير الله سبحانه وتعالى عما يشركون. وجعل مشاهد قبور أئمتهم هي قبلة الدعاء، وأصبحوا يقدمون لها النذور والقرابين، ويطوفون حولها، بل يحجون إليها، ويرون أن الحج إليها أفضل من حج بيت الله آلاف المرات، بل قالوا، -وبئس ما قالوا- إن الزائر لأحد قبورهم كالزائر لله في عرشه، تعالى الله عما يقوله الروافض علواً كبيراً.
وألف لهم علماء السوء، وأكلة السحت كتباً في آداب زيارة هذه القبور، وأوقاتها وصفاتها، وصلواتها، وفضائلها، وذكرها فيها من الكفر والإلحاد ما تقشعر منه الجلود، فلا ول ولا قوة إلا بالله.
وإليك أيها المسلم بعض ما قالوا في آداب زيارة القبور، والحج إليها، ودعاء أهلها من دون الله:
(دعاء توسل بعلي (ع)): انكب على القبر فقبله، وقل: اشهد أنك تسمع كلامي، وتشهد مقامي، وأشهد لك -يا ولي الله- بالبلاغ والأداء، يا مولاي، يا حجة الله، يا أمين الله، يا ولي الله، إن بيني وبين الله ذنوباً قد أثقلت ظهري، فبح من ائتمنك على سره، واسترعاك أمر خلقه، وقرن طاعتك بطاعته، وموالاتك بموالاته، كن لي شفيعاً، ومن النار مجيراً، وعلى الدهر ظهيراً. ثم انكب على القبر فقبله أيضاً، وقل يا ولي الله، يا باب حطة الله، وليك وزائرك واللائذ بقبرك.(1)
أرأيت -أخي المسلم- هذا الكفر الصريح الذي لم يقله كقار العرب زمن البعثة، والله عز وجل يقول: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}.
__________
(1) ضياء الصالحين للجوهرجي ص158.

(1/4)


وفي مفاتيح الجنان: (آداب زيارة مشاهد الأئمة(ع)) : أن يلبس ثياباً ظاهرة نظيفة جديدة، ويحسن أن تكون بيضاء، ويقصر خطاه، ويسير وعليه السكينة والوقار، وأن يكون خاضعاً خاشعاً، وأن يطأطئ رأسه، فلا يلتفت، وأن يقف على باب حرم القبر الشريف، ويستأذن، ويجتهد لتحصل الرقة والخضوع، والانكسار والتفكر في عظمة صاحب ذلك المرقد المنور وجلاله، وأنه يرى مقامه، ويسمع كلامه، ويرد سلامه.
قال الشاعر:

قالوا غداً نأتي ديار الحمى ... وينزل الركب بمغناهم
فكل من كان مطيعاً لهم ... أصبح مسروراً بلقياهم
قلت: فلي ذنب فما حيلتي ... بأي وجه أتلقاهم
قالوا: أليس العفو من شأنهم ... لا سيما عمن ترجاهم
فجئتهم أسعى إلى بابهم ... أرجوهم طوراً وأخشاهم

قلت: قال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} إي وربي يكفرون بشرككم؛ لأن من تدعون من آل البيت يبرؤون إلى الله مما أنتم فيه من شرك.
وفي مفاتيح الجنان: (من آداب زيارة الأئمة (ع)): تقدم الرجل اليمنى عند الدخول، واليسرى عند الخروج من حرم الضريح المقدس، والاتكاء على الضريح، وتقبيله، وتمريغ الخد عليه، وأن يقف مستقبلاً القبر مستدبرا القبلة(1) ، وفيه: واخرج من عنده القهقرى، ولا توله دبرك(2) .
وفيه: تقبيل عتبة المشهد، ويستغيث بالإمام (ع) قائلاً: يا مولاي فلان، أأدخل، ثم يدخل وهو باك، فذلك إذن منهم صلوات الله عليهم أجمعين في الدخول(3) .
__________
(1) مفاتيح الجنان) للقمي (ص376).
(2) مفاتيح الجنان) للقمي (ص520).
(3) مفاتيح الجنان) للقمي (ص379).

(1/5)


وفيه أيضاً: اجتهد أينما كنت لبلوغ قبر أمير المؤمنين الشريف، والتصق به، وألح في الدعاء كي يغيثك (ع)، ونحي من الهلاك في الدنيا والآخرة:

فلست أخاف النار عند جواره ... ولا أتقي من منكر ونكير
فعار على حامي الحمى وهو في الحمى ... إذا ضل في البيدا عقال بعير

قلتك قال الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً}.
وفي ضياء الصالحين: (من دعاء الاستغاثة بعلي (ع)): يا مولاي، يا أمير المؤمنين، عبدك، وابن عبدك، وانب أمتك جاءك مستجيراً بذمتك، قاصداً إلى حرمك...(1) .
أما نحن المسلمين، فنحن عبيد الله، ولسنا عبيداً لعلي رضي الله عنه، ولا عبيداً لغيره، ولهذا خلقنا سبحناه.
وفي ضياء الصالحين أيضاً: يقول مخاطباً الرضا بخرسان: أشهد بالله؛ أنك تشهد مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلامي، وأنت حي عند ربك..(2) .
وفي الباقيات الصالحات: (فصل: صلاة الاستغاثة بالبتول صلى الله عليها): إذا كانت لك حاجة، وضاق صدرك، فصل ركعتين، ثم اسجد، وقل مئة مرة: يا مولاتي، يا فاطمة، أغيثيني، ثم ضع خدك الأيمن على الأرض، وقلها مئة مرة، ثم الأيسر كذلك، ثم عد إلى السجود، وقلها مئة وعشر مرات، واذكر حاجتك تقضى(3) .
__________
(1) ضياء الصالحين للجوهرجي ص161.
(2) ضياء الصالحين للجوهرجي ص207.
(3) ضياء الصالحين للجوهرجي ص82.

(1/6)


قالت: قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ}.
أما فيما يتعلق بالأجور الخيالية الأسطورية الخرافية التي رتبوها لمن حج إلى قبور أئمتهم فحدث ولا حرج، ولما لا؟ هم يرون أن قبر الحسين أفضل من عرش الرحمن ومن عليه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-. قال شاعرهم:

هي الطفوف فطف سبعاً بمعناها ... فما لمكة معنى مثل معناها
أرض ولكنما السبع الشداد لها ... دانت وطأطأ أعلاها لأدناها (1)

والطفوف جمع طف -بفتح الطاء- وهي أرض كربلاء التي يزعمون أن الحسين رضي الله عنه مدفون فيها، والشاعر يأمر سامعه أن يطوف سبعاً بهذا القبر، ويخبر أن مكة -زادها الله عزاً وتشريفاً- ليس لها معنى ككربلاء، السبب وجود القبر بها، ثم قال: إن أدنى موضع بكربلاء يطأطئ له أعلى مكان في السموات عرش الرحمن، والرحمن تعالى وتقدس على العرش استوى؟ والله، إن ي لم أسمع بكفر أعظم من هذا.
وإليك أخي المسلم المزيد: قال جعفر بن محمد -فيما نسبوا إليه-: من زار قبر الحسين (ع) يوم عاشوراء عارفاً بحقه كان كمن زار الله في عرشه(2) .
وقال موسى بن جعفر (ع): من زار قبر ولدي علي (ع) كان له سبعون حجة مبرورة. قال الزاوي: سبعين حجة مبرورة!!! قال: نعم، وسبعين ألف حجة. ومن بات عند قبره كان كمن زار الله في عرشه(3) .
__________
(1) جريدة (رجم إسلام) الإيرانية 10/محرم/ 1366هـ، عن هامش المنتقى لمحب الدين الخطيب ص51.
(2) ضياء الصالحين للجوهرجي ص141.
(3) مفاتيح الجنان) للقمي (ص567)

(1/7)


وفي مفاتيح الجنان: في فضل زيارة الحسين في أول يوم من رمضان: ذهبت عنه ذنوبه، وكان له ثواب الحجاج والمعتمرين في تلك السنة(1) .
قلت: من كان له ثواب جميع الحجاج والمعتمرين لسنة كاملة بزيارة لا تستغرق عشر دقائق لماذا يأتي لحج بيت الله ، وينال من المشاق ما ينال؟ لا بد وأن يكون له مآرب أخر غير الحج، وهذا ما أثبته التاريخ، حيث سطرت فيه أفعالهم بعباد الله في مكة، ولم يسلم منهم أحد.
وفي مفاتيح الجنان: إن الله يخلق من عرق زوار قبر الحسين (ع) من كل قطرة سبعين ألف ملك، يسبحون الله، ويستغفرون له، ولزوار قبر الحسين (ع) إلى أن تقوم الساعة(2) .
وقال الرضا (ع): من زار قبري كتب له ألف حجة. فلما روي الحديث عند محمد التقي (ع) قال: أي والله، واللف ألف حجة لمن زاره عارفاً بحقه(3) .
بل اختلقوا أجوراً من عندهم لكل خطوة يخطوها من ذهب إلى قبورهم:
قال جعفر بن محمد: من أتى قبر الحسين (ع) فتوضأ واغتسل من الفرات لم يرفع قدماً، ولم يضع قدماً إلا كتب الله له حجة وعمرة، وكان كالمتشحط بدمه في سبيل الله، وأجبر ركعة عند قبره كأجر من حج ألف حجة، وألف عمرة، وعتق في سبيل الله ألف رقبة، وكأنما وقف في سبيل الله ألف مرة مع نبي مرسل(4) .
وكأن بعض الكذابين استقل هذه الأعداد، فلم ير بداً من وضع أجور أكبر، فقال: : من صلى قرب الزوال يوم الغدير(5) ركعتين كتب له ثواب مئة ألف حجة، ومئة ألف عمرة، ويوجب أن يقضي الله حوائج دنياه وأخراه في يسر وعافية(6) .
__________
(1) .(مفاتيح الجنان) للقمي (ص275).
(2) مفاتيح الجنان) للقمي (ص483).
(3) مفاتيح الجنان) للقمي (ص567).
(4) مفاتيح الجنان) للقمي (ص)183.
(5) يوم الغدير: هو اليوم الذي يزعمون فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصب علياً رضي الله عنه فيه خليفة من بعده، وهو يوم يحتفلون فيه ويعدونه من أعظم أعيادهم.
(6) مفاتيح الجنان) للقمي (ص347).

(1/8)


وقال آخر -ونسبها إلى جعفر بن محمد-: من مشى إلى قبر علي بن أبي طالب (ع) كتب له بكل خطون مئة ألف حسنة، ومحي عنه مئة ألف سيئة، ورفع له مئة ألف درجة، وقضي له مئة ألف حاجة، وكتب له ثواب كل صديق وشهيد مات أو قتل، ورجع من أهله مغفور ذنبه، مشكور سعيه، ويكتب له ثواب كل من يزوره من الملائكة، فقال الراوي: كل من يزوره من الملائكة؟!!! قال: بلى، يزوره كل ليلة سبعون قبيلة من الملائكة. فقال: كم القبيلة؟ قال: مئة ألف(1) .
وليس الملائكة فحسب هو الذين يزورونه في عقول هؤلاء القوم، بل الأنبياء أيضاً: رووا عن جعفر بن محمد أنه قال: من أحب أن يصافحه مئة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر قبر الحسين (ع) في النصف من شعبان، فإن أرواح الأنبياء يستأذنون الله في زيارته، فيؤذن لهم(2) .
والموتى أيضاً -في عقول هؤلاء- يزورونهم، ففي مفاتيح الجنان: أن فاطمة وخديجة تركبان هودجين بني السماء والأرض ليلة الجمة وتزوران قبر الحسين (ع)(3) .
أما عبادة هؤلاء للأصنام فأمر لا ينكره إلا مكابر، ومن رأى فعالهم في الحج، وما يحملون من الصور، وتفانيهم في الدفاع عنها، والموت تحتها علم {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
__________
(1) مفاتيح الجنان) للقمي (ص423).
(2) مفاتيح الجنان) للقمي (ص514).
(3) مفاتيح الجنان) للقمي (ص558).

(1/9)


قال علامتهم باقر المجلسي فيمن أراد أن يزور قبور الأئمة، وهو بعيد عنهم: اغتسل، ومثل بين يديك شبر القبر، واكتب عليها اسمه الشريف، ثم فق، وتوجه بقلبك، وقل....الدعاء بطوله(1) . وذكر مرتضى الحسيني، أن راهباً رأى راكباً قادماً إلى الشام حاملاً رأس الحسين، فطلب منه الرأس مدة ساعة واحدة، ويعطيهم أجرة على ذلك مقدارها عشرة آلاف درهم، فوافقوا، فأخذ الرأس، وجعل يبكي، ويخاطب الرأس قائلاً: يعز -والله- علي يا أبا عبد الله أن لا أواسيك بنفسي، ولكن يا أبا عبد الله، إذا لقيت جدك رسول الله فاشهد لي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن علياً ولي الله. قال: ونحت الراهب على هيئة الرأس -وهو يبكي- حتى أصبح الصباح. وقد عثر على هذا النحت، وهو الآن في المتحف الإيطالي، وقد نسخ (مسحن إيراني) عنه صورة تعرض كل يوم عاشوراء فيصحن مرقد الحسين الشريف لمدة ساعة واحدة(2) .
وأترك التعليق لك أخي المسلم على هذه العقول التي ما استطاعت أن تتخلص من وثنيتها مع مرور أربعة عشر قرناً على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) مفاتيح الجنان) للقمي (ص389).
(2) نهج الشهادة لمرتضى الحسيني ص355.

(1/10)


الفصل الخامس
القرآن الكريم
هو كلام الله عز وجل، الذي أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، المعجز في أسلوبه ونظمه، وفي علومه وحكمه، وفي تأثيره وهديته. فيه نبأ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا. هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به ألسنة الضعفاء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق من كثرة الرد. لا تنقضي عجائبه. لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: (إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به).
من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
تحدى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العرب الفصحاء، وحكى لهم عن ربهم القطع بعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله، فظهر عجزهم على شدة حرص بلغائهم على إبطال دعوته، ونقل المسلمون هذا التحدي إلى جميع الأمم فظهر عجزهم أيضاً.
وصدق الله القائل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. وقد تكفل الله عز وجل -وهو لا يخلف الميعاد- بحفظ هذا القرآن، فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}،وقال تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، وقال سبحانه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.

(1/1)


وقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم الذي أنزله الله عز وجل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - محفوظ بحفظ الله له، وهو الموجود الآن بين يدي المسلمين، ومن اعتقد أنه زيد فيه أو نقص منه، أو بدل فيه أو حرف فقد كفر، وخرج عن دين الإسلام.
قال القاضي عياض اليحصبي رحمه الله تعالى: إنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامداً لكل هذا أنه كافر(1) .
وقال: اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما أو حرفاً منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع.(2)
وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنه التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم(3) .
__________
(1) الشفا للقاضي عياض 2/305.
(2) الشفا للقاضي عياض/304.
(3) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص586.

(1/2)


أما عقيدة الروافض في كتاب الله: فقد أجمعوا أن القرآن الكريم محرف ومبدل فيه، وأنه زيد فيه ونقص منه، وأن الذي جمع القرآن كما أنزول هو علي رضي الله عنه فقط، وأنه أظهره للناس مرة واحدة ليقيم الحجة عليهم فقط، ثم أخفاه، وقبل موته دفعه إلى ابنه الحسن رضي الله عنه، والحسن إلى الحسين رضي الله عنه، وهكذا حتى وصل إلى مهديهم المزعوم المعدوم الذي دخل سرداب سامراء -حسبت زعمهم- منذ (1148) سنة وأخفى القرآن الحقيقي معه؛ لذلك هم ينتظرونه ليخرج لهم المصحف الذي زعموا أنه في حجم قرآن المسلمين ثلاث مرات، وليس فيها من القرآن حرف واحد، وأنه إذا خرج من سردابه ومعه القرآن أقرأ الناس جميع كتب الأنبياء من لدن آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن حفظ القرآن، في زمن المهدي سيكون سهلاً إلى على من حفظ القرآن الموجود الآن فإنه سيجد حفظ كتابه صعباً. إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي ستقرأ نتفاً منها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
وإليك أخي المسلم ما يقولونه عن كتاب ربنا:
قال المفيد في المقالات: اتفقوا (أي الإمامية)(1) على أن أئمة الضلال (أبا بكر وعمر) خالفوا في كثر من تأليف القرآن، وعدلوا فيها عن موجب التنزيل وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) .
وقال نعمة الله الجزائري: إن الأصحاب (علماء الروافض) قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن، كلاماً ومادة وإعراباً، والتصديق بها.
وقال أبو الحسن الشريف في تفسيره (مرآة الأنوار): إن القول بتحريف القرآن من ضروريات مذهب التشيع(3).
__________
(1) الجمل التفسيرية من وضع الطبرسي.
(2) فصل الخطاب للطبرسي ص27.
(3) فصل الخطاب للطبرسي ص31.

(1/3)


وقال سلطان محمد الخرساني في تفسيره (بيان السعادة في مقدمات العبادة) (1/12): اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار (ع) بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه(1) .
وقال النوري الطبرسي(2): الدليل الثاني عشر -على تحريف القرآن- الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة من القرآن الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور بإحدى الصور المتقدمة، وهي كثيرة جداً، حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه: أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيرهم، بل الشيخ أيضاً صرح في التبيان بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة يأتي ذكرهم في آخر المبحث، ونحن نذكر ما يصدق دعواه... واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية(3) . انتهى كلامه.
وقال ملا حسن الكاشي: لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن، إذ على هذا يحتمل أن تكون كل آية فيه محرفاً ومغيراً فيها، وتكون خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك(4) .
وقد ألف كثير من علمائهم كتباً مستقلة في إثبات هذه العقيدة الزائفة، وأوردوا فيها مئات الأحاديث المختلقة المكذوبة، ومن أشهر من ألف في هذه العقيدة (عقيدة تحريف القرآن) عندهم:
__________
(1) التفسير والمفسرون 2/203.
(2) يعده الشيعة إمام أئمتهم، وأعظم علمائهم، وأكثرهم معرفة بالفقه والحديث.
(3) فصل الخطاب للطبرسي ص27و28.
(4) تفسير الصافي 1/33 عن الشيعة وتحريف القرآن.

(1/4)


1- حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي، وهو الذي أوردنا كلامه آنفاً، وسمى كتابه: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) قال في مقدمته: هذا كتاب لطيف، وسفر شريف، عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضايح أهل الجور والعدوان... إلخ.
2- أحمد بن محمد البرقي، وكتابه (التحريف).
3- محمد بن الحسين الصيرفي، وكتابه (التحريف والتنزيل).
4- محمد بن خالد البرقي، وكتابه (التنزيل والتغيير).
5- علي بن الحسن بن فضال، وكتابه (التنزيل من القرآن والتحريف).
6- أحمد بن محمد بن سيار، وكتابه (القراءات).
7- محمد بن سليمان الحلي، وكتابه (التنزيل والتحريف).
8- محمد بن العباس المعروف بابن الحجام، وكتابه (قراءة أمير المؤمنين(ع)).
9- محمد بن العباس المعروف بابن الحجام، وكتابه (قراءة أهل البيت (ع)).
10- أبو طاهر عبد الواحد القمي، وكتابه (قراءة أمير المؤمنين (ع وحروفه)(1) .
فهذا -أخي المسلم- إفكهم وما كانوا يفترون، بينوا فيها بما لا يدع مجالاً للشك أن القول بتحريف القرآن أمر مجمع عليه عند الروافض، بل هو من ضروريات دينهم. فأي خير يرجى من هؤلاء؟ وأي دين عندهم؟ وأي اتفاق يمكن أن يقع بيننا وبينهم، وهم يقولون: إن كتاب ربنا محرف؟.
أما طريقة جمع القرآن عندهم، فهم يرون أن علياً رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن فقط.
وروى الكليني: عن أبي جعفر (ع): ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله إلا علي (ع) والأئمة من بعده (ع)(2) .
__________
(1) فصل الخطاب للطبرسي ص29.
(2) الأصول من الكافي 1/228.

(1/5)


وقال الطبرسي: قال المهدي (ع): لما انتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من دار الفناء، وفعل صنما قريش(1) ما فعلا من غصب الخلافة، جمع أمير المؤمنين (ع) القرآن كله، ووضعه في إزار، وأتى إليهم وهم في المسجد، فقال لهم: هذا كتاب الله، أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أعرضه عليكم لقيام الحجة عليكم يوم العرض (وفي رواية: ففتحه أبو بكر فخرج في أول صفحة فتحها فضايح القوم) فقال له عمر-فرعون هذه الأمة ونمرودها-: لسنا محتاجين إلى قرآنك (وفي رواية: فانصرف علي وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون) فجمع أبو بكر ومن معه القرآن... قال الطبرسي: فلذا ترى الآيات غير مرتبطة، والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين (ع) بخطه محفوظ عند صاحب الأمر عجل الله فرجه(2) .
وقال: بعث عمر إلى علي (ع): إني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلينا ما كتبته من القرآن، فقال علي (ع): نُضرَب -والله- عنقي قبل أن أصل إليه، قيل: ولم؟ قال: لأن الله يقول: {لا يمسه إلا المطهرون}(3) .
ولسنا بحاجة إلى الإطالة في التعليق على هذه الدراما التي صور فيها الروافض طريقة جمع القرآن،، وما فيها من كذب واضح، وركاكة. ويأتي رجل أعجمي للسان والقلب، امتلأ كتابه باللحن ليقول: فلذا ترى الآيات غير مرتبطة. كبرت كلمة تخرج من في هذا الرافضي إن يقول إلا كذباً. إن هذا القرآن الذي بهر بلغاء العرب حتى قالوا عنه: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه.
وسترى -أخي المسلم- فيما يلي -إن شاء الله تعالى- نماذج من قرآنهم، وما فيه من آيات مضحكة مبكية، فيها من الركاكة والكفر ما الله به عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________
(1) المراد بصنمي قريش: أبي بكر وعمر.
(2) فصل الخطاب للطبرسي ص4و6و8.
(3) فصل الخطاب للطبرسي ص5.

(1/6)


أما صفة قرآنهم، فقد روى الكليني: عن جعفر بن محمد أنه قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة (ع)، ومما يدريهم ما مصحف فاطمة (ع)؟ مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله، ما فيه من قرآنكم حرف واحد(1).
قال الطبرسي: قال أبو عبد الله (ع): القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - سبعة عشر ألف آية(2) .
ومما جاء في قرآنهم:
1- قرأ أبو جعفر (ع): (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث)(3) فزاد من عنده محدث.
2- قرأ جعفر بن محمد (ع): (ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً)(4) .
فزاد من عنده (في ولاية علي والأئمة من بعده).
3- قرأ جعفر بن محمد (ع): ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام من ذريتهم فنسي)(5) .
فزاد من عنده (كلمات في محمد... إلى ذريتهم).
4- قرأ جعفر بن محمد (ع): (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين بولاية علي ليس له دافع)(6) .
فزاد من عنده (بولاية علي).
5- قرأ أبو الحسن (ع): (واهجرهم هجراً جميلاً. وذرني يا محمد والمكذبين بوصيك أولي النعمة ومهلهم قليلاً)(7) .
فزاد من عنده (يا محمد) و(بوصيك).
6- قرأ جعفر (ع): (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمد عبدي ورسولي وأن علياً أمير المؤمنين)(8) .
__________
(1) الأصول من الكافي 1/238.
(2) فصل الخطاب للطبرسي ص221
(3) الأصول من الكافي 1/176، والآية من سورة الحج رقم 52.
(4) الأصول من الكافي 1/414، والآية من سورة الأحزاب رقم 71.
(5) الأصول من الكافي 1/416، والآية من سورة طه رقم 115.
(6) الأصول من الكافي 1/422، والآية من سورة المعارج رقم 1و2.
(7) الأصول من الكافي 1/434، والآية من سورة المزمل رقم 10 و11.
(8) فصل الخطاب للطبرسي ص263، والآية من سورة الأعراف رقم 172.

(1/7)


فزاد من عنده (وأن محمداً... إلخ).
7- قرأ أبو جعفر (ع): (يا معشر المكذبين حيث أنبأناكم رسالة ربي في ولاية عي والأئمة من بعده من هو في ضلال مبين)(1) .
8- قرأ جعفر بن محمد (ع): (والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. الله خلق الزوجين الذكر والأنثى. ولعلي الآخرة والأولى)(2) .
9- قرأ جعفر بن محمد (ع): (ألم نشرح لك صدرك. بعلي صهرك... فإذا فرغت من نبوتك فانصب علياً وصياً. وإلى ربك فارغب في ذلك)(3) .
10- قرأ أبو الحسن (ع) آية الكرسي هكذا: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم بديع السموات والأرض دو الجلال والإكرام رب العرش العظيم)(4) .
11- قرأ الرضا (ع) قل هو الله أحد لا إله إلا اله الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. كذلك الله ربنا. كذلك الله ربنا. كذلك الله ربنا. ورب آبائنا الأولين(5) .
ولم يكتف الروافض بتحريف القرآن، بل قالوا: إن القرآن له تفسير باطني لا يعلمه إلا الأئمة، لذلك تجدهم يفسرون كل آية لا توافق أهواءهم بما يرونه مناسباً لهم.
نسبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ليس في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، وما من حرف إلا وله تأويل(6) .
ونسبوا إليه أيضاً: إن للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطن، إلى سبعة أبطن(7) .
__________
(1) فصل الخطاب للطبرسي ص314
(2) فصل الخطاب للطبرسي ص321، والآيات من سورة الليل.
(3) فصل الخطاب للطبرسي ص323، والآيات من سورة ألم نشرح.
(4) فصل الخطاب للطبرسي ص238.
(5) فصل الخطاب للطبرسي ص236.
(6) كتاب سليم ص173.
(7) الميزان في تفسير القرآن لطباطبائي 2/72.

(1/8)


وكأن القرآن طلسم من طلاسم السحرة التي لا يحلها إلا ساحر منهم، حتى جعلوا له بطناً إلى سبعة أبطن، ولكل بطن ظهر، والله عز وجل يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} تكررت في سورة واحدة أربع مرات. ويقول سبحانه: {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، ويقول سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
والعرب أمة أمية صريحة، لا تعرف الكذب والاحتيال، وليس في ألسن العرب أصرح ولا أبلغ، ولا أوضح من لسانهم، وليس كلامهم باطن وباطن باطن. ولكن ماذا نفعل مع أمة مجوسية أبت إلا أن تدخل كل عقيدة باطلة في مجوسيتها، وتلصقها بدين الله، ودين الله منها براء؟
قال تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} ولكن لا حيلة فمن جعل دينه ودين آبائه الكذب، وتفنن في وضع القواعد والأصول لكذب والمراوغة.
عن جابر: قال سألت أبا جعفر (ع) عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألته ثانية فأجبني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك، كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال: يا جابر، إن للقرآن بطناً، وللبطن بطن، إن الآية تكون أولها في شيء، وأوسطها في شيء، وآخرها في شيء(1) .
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي (3/73)، وتفسير العياشي.

(1/9)


ولا يشك مسلم أن هذا من الاستخفاف بكلام الله عز وجل، والتلاعب به، فلو أن إنساناً نسب إليه أ، أول كلامه في شيء، ووسطه في شيء، وآخره في شيء، لكان ذلك نقصاً في حقه، واتهاماً له بقلة الإدراك، وضعف البيان، والفهاهة، فكيف بنسبة هذا النقص إلى الله عز وجل؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإليك -أخي المسلم- بعض نماذج من تفسيرهم الباطني للقرآن، ومن أشهر أساليب هذا التفسير ما يسمونه: أسلوب (الجري)، وهو: مختص بالأئمة وبأعدائهم -كما زعموا- فإذا جاءت آية فيها ذكر أعداء الله وأوليائه، قالوا: المقصود في هذه الآية بأعداء الله: الصحابة، وأولياء الله: علي أو أحد أبنائه.
قال الطباطبائي عن أسلوب الجري: اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت (ع)(1) :
وقال: والروايات في تطبيق الآيات القرآنية عليهم السلام، أو على أعدائهم، أعني: روايات الجري كثيرة في الأبواب المختلفة، وربما بلغت المئين(2) .
1- قال جعفر بن محمد (ع): (الصراط المستقيم): أمير المؤمنين (ع)(3) .
2- وعن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة): فاطمة (ع)، (فيها مصباح): الحسن(ع)، (المصباح في زجاجة): الحسين (ع)، فقال له الراوي: (أو كظلمات): قال: الأول: أبو بكر، والثاني: عمر، (يغشاه موج): الثالث: عثمان، (من فوقه موج ظلمات): الثاني: عمر، (بعضها فوق بعض): معاوية وفتن بني أمية(4) .
3- وفي قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل) قال أبو الحسن (ع): هو الأوصياء(5) .
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي (1/41).
(2) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي (1/42).
(3) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي (1/41).
(4) الأصول من الكافي(2/195).
(5) تفسير فرات الكوفي ص84.

(1/10)


والتزامهم هذا الأسلوب جعلهم ينسبون إلى علي رضي الله عنه أنه قال: القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع فرائض وأحكام، وربع حلال وحرام، ولنا كرائم القرآن(1) .
وقال أبو جعفر (ع): إن القرآن نزل أثلاثاً: فثلث فينا، وثلث في عدونا، وثلث فرائض وأحكام(2) .
وقال أيضاً: القرآن العظيم علي بن أبي طالب (ع)(3) .
ولم يكفهم كل هذا حتى جعلوا القرآن مفتقراً إلى أئمتهم، وجعلوا أقوال أئمتهم كالقرآن، بل زادوا عليه، حيث أنهم يعتقدون أن القرآن محرف، وأما أقوال أئمتهم فلا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
قال مغنية: قول علي بمنزلة القرآن(4) .
وقال: إن علياً كالقرآن لا يخطئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه(5) .
وقال: إن القرآن مفتقر إلى علي(6) .
وما دام أن أمرهم مع القرآن ما ذكرنا، فكيف يتعاملون مع القرآن ي هذا الزمن؟
أجاب عن هذا السؤال علامتهم النوري الطبرسي فقال: قد صح عن أئمتنا (ع) أهم قد أمروا بقراءة ما بين الدفين، وأن لا نتعداه إلى زيادة فيها ولا إلى نقصان منها إلى أن يقوم القائم (ع)، فيقرئ الناس على ما أنزل الله، وجمعه أمير المؤمنين (ع). وإنما نهونها عن قراءة ما وردت به الأخبار لأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه أهل الخلاف، وأغرى به الجبارين، وعرض نفسه للهلاك، فمنعونا من قراءته(7) .
وهذا تصريح مهم أنهم الآن يتعاملون مع كتاب الله معاملة مؤقتة، حتى يخرج مهديهم المعدوم ليحضر لهم مصحف فاطمة، وفاطمة رضي الله عنها بريئة منهم ومن كفرهم.
__________
(1) تفسير فرات الكوفي ص1.
(2) تفسير فرات الكوفي ص44.
(3) تفسير فرات الكوفي ص82.
(4) علي والقرآن لمحمد جواد مغنية ص40.
(5) علي والقرآن لمحمد جواد مغنية ص41.
(6) علي والقرآن لمحمد جواد مغنية ص42.
(7) فصل الخطاب للطبرسي ص (27).

(1/11)


أخرج النعماني في الغيبة: عن علي (ع) قال: كأني بالعجم، فساطيطهم في مسجد الكوفة، يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت: يا أمير المؤمنين، أليس هو كما أنزل؟ قال: لا(1) .
قلت: لماذا العجم؟ هل لأنهم أحفاد المجوس؟ أم لأن مصحفهم فارسي؟ إني أخشى ما نخشاه أن يكون هذا المصحف المزعوم هو الكتاب الزرادشتي (زندا أفستا)، وهذا أمر لا يستبعد.
وروى المفيد في الإرشاد: عن أبي جعفر (ع) قال: إذا قام القائم ضرب فساطيط لمن يعلم الناس القرآن على ما أنزله الله، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم(2) .
لذلك لا يحفظ الروافض كتاب الله عز وجل أبداً، خوفاً من خروج المهدي بمصحفهم المزعوم، فيكون حفظه صعباً على من حفظه الآن.
قال موسى جار الله بعد أن طاف بلاد العجم والعراق، وجالس علماء الروافض: لم أر بين علماء الشيعة، ولا بين أولاد الشيعة لا في العراق، ولا في إيران من يحفظ القرآن، ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه، ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية(3) .
قلت: إن كان موسى جار الله قد رآهم بضعة أشهر، فقد عشت أنا معهم أربعة عشرة سنة في مكان واحد، واختلطت بهم، فو الله، ثم والله، ثم والله، ما رأيت بينهم من يحفظ القرآن، أو يجيد قراءة حروفه حتى من المصحف.
__________
(1) فصل الخطاب للطبرسي ص (214).
(2) فصل الخطاب للطبرسي ص (98).
(3) الوشيعة لموسى جار الله ص125.

(1/12)


الفصل السادس
صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
اختار الله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ليكون سيد ولد آدم، وجعله خاتم رسله، وجعل شريعته أكمل الشرائع، وأنزل عليه القرآن هدى للناس، وتكفل بحفظه، وتحدى به سائر خلقه من أنس وجن أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ثم اختار سبحانه وتعالى لهذا القرآن وهذا الدين حملة ونقلة، صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واتبعوا النور الذي أنزل إليه، وصاروا له وزراء مخلصين، وأنصاراً محبين، وأعواناً صادقين. فارقوا الأوطان، وهجروا الولدان، يذبون عن شريعته، وينافحون من أجل تبليغ سنته. هانت عليهم في سبيل الله أرواحهم، ورخصت عندهم من أجله أموالهم. ظهرت منهم علامات الخير في السيما والسمت والهدى والصدق. وصفهم الله عز وجل في كتابه فقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.

(1/1)


خرجوا مشرقين مغربين، يفتحون المعمورة بلداً بلداً، خرجوا وأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأنظمة الوحلية إلى عدالة الرسالة السماوية، خرجوا وحطموا كل طاغوت لا يؤمن بالله واليوم الآخر وقف في وجه المد الإسلامي، وحال بينه وبين الناس من أن يسمعوا كلمة الحق. رهبان بالليل، فرسان بالنهار {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يمشون على الأرض بقلوب معلقة بالسماء. الله ربهم، والإسلام دينهم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيهم، والقرآن دستور حياتهم، والفكاك من النار، ودخول الجنة أسمى أمانيهم، امتدت فتوحاتهم آلاف الأميال، عبر الصحاري المقفرة والبحار المهلكة، والجبال الوعرة، في زمن كانت وسائل المواصلات: الجمال، والبغال، والحمير، وفي كل مكان يمرون به تدور بينهم وبين أعداء الله معارك تشيب فهولها الولدان، ويسطر تاريخها بدماء الشهداء، وليس ذلك فحسب، بل فتحوا القلوب المغلقة، بالنور الذي كانوا يحملونه، فما يجرون من بلد بعد فتحها إلا وأبناء ذلك البلد يخرجون معهم ليجاهدوا في سبيل الله، مع إخوانهم الذي سبقوهم بالإيمان، وجمع بينهم الإسلام أقوى الروابط، حتى فتحو الأرض، وارتفع صوت الحق مدوياً في كل مكان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتهم؟ قالوا: بأي شيء نحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم، فيقيلون فيها أربعين عاماً قبل أن يدخل الناس»(1) .
__________
(1) رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(1/2)


امتدحهم الله عز وجل في كتابه، وأثبت عدالتهم فيه، وأنه راض عنهم، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، هم ومن تبعهم بإحسان، في مواطن من كتابه، منها:
1- مدح الله عز وجل السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، وأخبر أنه راض عنهم، وأنه أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار، خالدين فيها، وكذلك أعد لمن تبعهم، لكن اشترط على من تبعهم أن يتبعوهم بإحسان، وذلك بالاقتداء بهم، وأن لا يقولوا فهم إلا خيراً، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
2- وأثنى الله عز وجل على المهاجرين لأنهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا، والأنصار لأنهم آووا ونصروا، وأخبر أنهم المؤمنون حقاً، وأعد لهم مغفرة ورزقاً كريماً، وكذلك ألحق بهم من آمن بعدهم وهاجر وجاهد، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

(1/3)


3- وفي سورة الحشر ذكر الله عز وجل منازل المؤمنين الثلاثة، في ثلاث آيات متتابعات، فذكر المهاجرين في المنزلة الأولى، وذكر هجرتهم إلى الله ورسوله، يطلبون فضل الله ورضوانه ومن كان هذه حاله فهو المؤمن حقاً، قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ثم ذكر الله سبحانه وتعالى المنزلة الثانية وهي منزلة الأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان، يحبون من هاجر إليهم، وينفقون أموالهم في سبيل الله، وإن كانوا هم أحوج إليها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ثم ذكر سبحانه وتعالى المنزلة الثالثة، وهم الذين جاؤوا من بعدهم فاتبعوهم، ودعوا الله المغفرة لأنفسهم ولهم، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}.
ربنا اغفر لنا ولجميع من صحب رسولك - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تجعل في قلوبنا غلاً لهم، وألحقنا بهم في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. آمين.

(1/4)


وقد امتدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته، وأخبر أنهم من أهل الجنة، وأنهم خير الناس، وأوصانا بهم خيراً، وأمرنا بحبهم والترضي عنهم، وأن حبهم إيمان، وبغضهم كفر ونفاق، ونهانا عن سب أحد منهم، أو تتبع عوراتهم، في أحاديث كثيرة، منها:
1- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لن يدخل الجنة رجل شهد بدراً والحديبية»(1) .
2- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «والذي نفسي بيديه ما من عبد يؤمن ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، وأرجو أن لا يدخلها أحد حتى تبوؤوا أنتم ومن صلح من ذريتكم مساكن في الجنة»(2) .
3- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «خير الناس قرني»(3) .
4- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «استوصوا بأصحابي خيراً»(4) .
5- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»(5) .
6- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»(6) .
7- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(7) .
__________
(1) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
(2) حديث صحيح رواه أحمد.
(3) متفق عليه.
(4) حديث صحيح رواه أحمد.
(5) رواه مسلم.
(6) متفق عليه.
(7) رواه البخاري.

(1/5)


ومع ما ذكر الله عز وجل في فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وتكلفه بمغفرة ذنوبهم، ووعدهم الجنة، لما قدموه في سبيله من بذل المهج والأموال؛ لرفع كلمة الله سبحانه، وأمره إيانا بالاقتداء بهم، وسؤالهم المغفرة لهم، والترضي عنهم، وسؤال الله اللحوق بهم، ومع ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، ووصيته أمته فيهم ونهيه عن سبهم، أو ذكر عيوبهم، التي تغرق كنقطة ماء في بحر فضائلهم، مع كل ذلك أبى المجوس -الذين امتلأت قلوبهم حقداً على دين الله، وهم يشاهدون نيرانهم تطفأ، ومعابدهم تهدم بأيدي صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبناء جلدتهم يدخلون في دين الله أفواجاً، أبوا- الدخول في دين الله بعد أن سُقط في أيديهم عسكرياً، فعمدوا إلى التقية، ودخلوا في الإسلام ظاهراً وأبطنوا الكفر والزندقة، وأصبحوا يحيكون الدسائس والمؤامرات ضد المسلمين بالطعن في دينهم عن طريق الطعن في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم حملة الدين ونقلته، ولما تم لهم ذلك، وانطلت ألاعيبهم على كثير من الغوغاء الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، قالوا: ما دام أن من نقل إلينا هذا الدين كفار، فكيف نثق بما نقلوه؟ وهكذا استطاعوا تعطيل الشريعة بين من لم يعرفها، ما زال في نفسه شيء من معتقداته القديمة الفاسدة.
وقد فطن علماء الإسلام إلى هذه المؤامرة، وحذروا المسلمين من سماع مقالاتهم، فهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: إنما هؤلاء أقوام أردوا القدح في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين(1) .
__________
(1) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص580.

(1/6)


وقال الحافظ أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهدونا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة(1) .
وقد أجمع المسلمة على أن من أبغض الصحابة كلهم، وكفرهم فإنه كافر، ويكفر من لم يكفره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من سبهم (يعني الصحابة) فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقاً، لا يؤمن بالله واليوم الآخر(2) .
وقال: أما من جاوز ذلك (يعني سب الصحابة) إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين... وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام(3) .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في حكم من ظن بالصحابة أنهم خالفوا وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخلافة: ومن ظن بالصحابة ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور، والتواطئ على معاندة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فلقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام(4) .
__________
(1) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص97.
(2) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص10.
(3) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص856.
(4) البداية والنهاية لابن كثير 5/221.

(1/7)


أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وهو الذي قال الله عز وجل فيه: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما)(1) . فإن نسبة أحد بعد ورود هذه الآية إلى الكفر، أو قال لم يكن صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر، سئل الإمام أحمد بن يوسف الفريابي رحمه الله تعالى عمن شتم أبا بكر؟ فقال: كافر، قيل: فيصلى عليه؟ قال: لا، قيل: كيف يصنع به، وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته(2) .
ومن قذف عائشة رضي الله عنها فهو كافر بإجماع المسلمين كذلك؛ لأن الله عز وجل برأها من فوق سبع سموات، وأنزل في براءتها آيات سورة النور. قال القاضي أبو يعلى رحمه الله : من قذف عائشة مما برأها الله منه كفر بلا خلاف(3) .
ومما سبق يتبين لنا أن بغض الصحابة رضوان الله عليهم، وسبهم، وتكفيرهم كفر مخرج من الملة، لا يدخل صاحبه الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، أو حتى يعود اللبن في الضرع، وليس لصاحب دواء إلا السيف، قال الإمام السرخسي رحمه الله تعالى: فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام،دواؤه السيف، إن لم يتب(4).
وكفر من كفر الصحابة رضوان الله عليهم سببه أمور، منها:
إبطال الشريعة لأن الصحابة نقلتها، وما نقله المطعون فيه غير مقبول، فكيف يصير ديناً؟
2- تكذيب الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن فضل الصحابة ثابت في الكتاب والسنة، وإنكار هذا الفضل تكذيب لهما.
__________
(1) متفق عليه.
(2) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص570.
(3) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص571
(4) أصول الإمام السرخسي.

(1/8)


3- الكفر الذي أخبر عنه الله عز وجل في قوله: {ليغيظ بهم الكفار} والنفاق الذي أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن حبهم وبغضهم نفاق وكفر، وأنه لا يبغضهم إلا من كان لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
4- إيذاء الله عز وجل ببغض صحابة خير خلقه، ومن آذى الله كفر.
5- إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم صاحبته الذين اصطفاهم الله عز وجل لصحبته، ومن آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر.
وبعد أن سقنا هذه المقدمة، حيث حاء دور الحديث عن الروافض والصحابة رضي الله عنهم:
إن من أصول دين الروافض تكفير الصحابة رضوان الله عليهم، وسبهم، والطعن فيهم، ويسمون ذلك البراءة من أعداء آهل البيت، ويكفرون من لم يكفر الصحابة.
لذلك لا يمكن أن تقرأ كتاباً من كتبهم -حتى التي ألفت تقية لذر الرماد في العيون- إلا وتجده محشواً بسب الصحابة، واتهامهم بما ليس فيهم، وتأليف آيات وأحاديث وآثار في دمهم، والحط من شأنهم، بل إنه من كثرة استخدامهم للعن كما ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب يختصرون كلمة: (لعنه الله إلى (لع).
وإليك -أخي المسلم- نماذج لبعض ما يقوله الروافض عن الصحابة:
قال الخميني طاعناً في جميع الخلفاء: إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين (أبي بكر وعمر) وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه وحرماه من عندهم، وما مارساه من ظلم... واستمر في طعنه فيهما، ثم انتقل إلى عثمان ومعاوية رضي الله عنهما، ثم يزيد رحمه الله تعالى، إلى أن قال: إن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقى، والأفاقون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موقع الإمامة، وأن يكونوا ضمن أولي الأمر(1) .
__________
(1) كشف الأسرار لخميني ص126و127.

(1/9)


وقال: إن جميع الخلافات التي نشبت بين المسلمين في مجمل الشؤون والأمور مصدرها يوم السقيفة، فلو لم يكن ذلك اليوم لما حدث بين المسلمين هذه الخلافات بشأن القوانين السماوية(1) .
وقال عن عمر رضي الله عنه: كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية، والنابعة من أعمال الكفر والزندقة، والمخالفات لآيات ورد ذكرها في القرآن الكريم(2) .
وقال: إذاً فإن كل ما يعاني منه المسلمون اليوم إنما هو من آثار يوم السقيفة.
وقال: وتشير كتب التاريخ أن هذا الكفر صدر عن عمر بن الخطاب، وأن البعض أيده(3) .
وقال علامتهم محمد الرضي الرضوي محمد الرضي الرضوي مبيناً أن تكفير الصحابة والطعن فيهم ضرورة من ضروريات دينهم: أما براءتنا من الشيخين (أبي بكر وعمر) فذاك من ضرورة ديننا، وهي إمارة شرعية على صدق محبتنا لإمامنا، وموالاتنا لقادتنا عليهم السلام... إن الولاية لعلي لا تتم إلا بالبراءة من الشيخين، وذلك لأن الله يقول: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا}(4) .
فانظر أخي المسلم رحمك الله تعالى كيف يطبقون ما ورد في حق الطاغوت على خير خلق الله تعالى بعد الأنبياء عليهم السلام، وكيف صوروا علاقة علي بأخويه أبي بكر وعمر رضي الله عنهم علاقة سوداء كقلوبهم التي ملئت حقداً على دين الله ، وعلى حملة دينه وناشريه.
__________
(1) كشف الأسرار لخميني ص130.
(2) كشف الأسرار لخميني ص137.
(3) كشف الأسرار لخميني ص176.
(4) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي ص49.

(1/10)


وإليك المزيد: قال الرضوي: إن تظاهر الخلفاء بالإسلام إنما كان عن خدعة للإسلام وكيداً له، وإن صلاتهم وصيامهم كانت كلها عن نفاق ودجل وتضليل للمسلمين، فما قالوا مرة واحدة في حياتهم: لا إله إلا الله عن إخلاص وعقيدة، ولا قالوا للرسول نشهد إنك لرسول الله حقاً إلا كانوا كاذبين(1) .
وقال عن أبي بكر وعمر وعثمان: إن مما لا يختلف فيه اثنان ممن هم على وجه الأرض أن الثلاثة الذين هم في طليعة الصحابة كانوا عبدة أوثان... حتى لفظوا آخر أنفاسهم في الحياة(2) .
وروى سليم عن علي (ع) -وكذبوا على علي- أنه قال: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله غير أربعة. إن الناس صاروا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة هارون ومن تبعه، فعلي في شبه هارون، وعتيق(3) في شبه العجل، وعمر في شبه السامري(4) .
روى الكليني: قال أبو جعفر (ع): كان الناس أهل ردة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد، وأبو ذر، وسلمان(5) .
وروى عن حمران بن أعين، قال: قلت لأبي جعفر (ع): جعلت فداك، ما أقلنا، لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار، ذهبوا إلا -وأشار بيده- ثلاثة(6) .
__________
(1) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي ص210.
(2) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي ص223.
(3) عتيق لقب أبي بكر رضي الله عنه.
(4) كتاب سليم بن قيس ص81.
(5) روضة الكافي للكليني ص205، تفسير العياشي 1/199.
(6) الأصول من الكافي 2/244.

(1/11)


وحتى هؤلاء الثلاثة لم يسلموا من الروافض فقد روى الكشي: عن أبي جعفر أنه قال: أما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين (ع) اسم الله الأعظم، لو تكلم به لأخذتهم الأرض -وهو هكذا- وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين بالسكوت، ولم يأخذه في الله لومة لائم فأبى إلا أن يتكلم. وقال عن عمار: كان جاض(1) جيضة ثم رجع(2) .
وقال الطبرسي واصفاً الصحابة بأحط الصفات، التي لا تكون إلا في أشد الناس بعداً عن كل خبير وفضيلة: الذين آمنوا بألسنتهم ليحتقنوا به دماءهم، وهم بين جاهل غبي، ومعاند غوي، ولاه عن الدين، وتائه في شيعه الأولين، وصارف همته في ترويج كفره، وجبار يُخاف مخالفة أمره ونهيه، وليس فيهم من يرجى خيره ويؤمن شره، لا يكاد يشك أنهم أخس قدراً، وأعجز تدبيراً، وأضل سبيلاً، وأخسر عملاً، وأجهل مقاماً، وأشر مكاناً، وأسفه رأياً، وأشقى فطرة... إلى آخر هذيانه(3) .
هذا يرينا مدى حقد هؤلاء القوم على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما تكنه صدورهم من بغض لأحبابه، وهم مع الصحابة كما قيل: (رمتني بدائها وانسلت).
أما بغضهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة فحدث عنه ولا حرج، وهو مما تضرب به الأمثال، حتى أنهم في الغالب لا يذكرونهما باسمهما، بل يلقبونهما بألقاب قذرة، منها: صنما قريش، والجبت والطاغوت، وعجل الأمة، والسامري، والرجلان، والشيخان، وفلان وفلان، وفرعون وهامان، ونمرود... إلخ.
وقد ألفوا دعاء سموه دعاء (لعن صنمي قريش) واختلقوا لفضل هذا اللعن كثيراً من الأحاديث، منها:
__________
(1) قال محشي الأصول من الكافي: جاض: أي عدل عن الحق.
(2) عن حاشية الأصول من الكافي لعلي أكبر عفاري 2/244.
(3) فصل الخطاب للطبرسي ص82.

(1/12)


عن السجاد (ع) قال: من قال اللهم اللعن الجبت والطاغوت كل غداة مرة واحدة: كتب له سبعين ألف حسنة، ومحي عنه ألف سيئة، ورفع له سبعين درجة. وعن حمزة النيشابوري أنه قال: ذكرت ذلك لأبي جعفر الباقر (ع) فقال: ويقضى له سبعون ألف ألف حاجة، إن الله واسع كريم، فلما مضى أبو جعفر (ع)، قلت لأبي عبد الله (ع) فقال: أيسرك أن أزيدك، فقلت: إي والله، جعلت فداك، فقال: كل من لعنهما كل غداة مرة واحدة: لم يكتب عليه ذنب ذلك اليوم حتى يمسي، ومن لعنهما في السماء لم يكتب عليه ذنب حتى يصبح(1) .
وفي فصل الخطاب (في فضل دعاء صنمي قريش) قال: إن الداعي به كالرامي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بدر وحنين بألف ألف سهم. وكان أمير المؤمنين (ع) يواظب عليه في ليله ونهاره، وأوقات أسحاره. ثم ذكر من ألف كتباً في شرح هذا الدعاء(2) .
أما نحن المسلمين فقد منعنا الشرع الحكيم من اللعن والسب، والحمد لله، بل إن الكفار الذين أمرنا الله بقتالهم لم يأمرنا بسبهم، ولم يأمرنا حتى بسب إبليس، فكيف نتسلط على خير الأمة بعد نبيها ونسبهم؟ ولكن صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «إذا لم تستح فصنع ما شئت»(3) .
ودعاء لعن صنمي قريش طويل جداً، أوله: (اللهم اللعن صنمي قريش، وجبتهما وطاغوتهما، وإفكيهما وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، ... إلخ).
ونسبوا إلى جعفر بن محمد أنه قال: ألا إن خلف معربكم هذا تسعة وثلاثون مغرباتً، أرضاً بيضاء مملوءة خلقاً لم يعصوا الله طرفة عين، ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق، يبرؤون من أبي بكر وعمر(4) .
__________
(1) ضياء الصالحين للجوهري ص449.
(2) فصل الخطاب للطبرسي ص221.
(3) رواه البخاري.
(4) روضة الكافي للكليني ص193.

(1/13)


والله إني لأتعجب من عقول تتقبل مثل هذا الهراء، وإذاً فكيف يبرؤون من أبي بكر وعمر وهم لا يدرون خلق آدم أم لم يخلق؟ ومن هم هؤلاء الخلق الذين لم يعصوا الله طرفة عين، هل هم ملائكة؟ ثم أين مثقفوا الروافض الذين درسوا الجغرافيا، وعرفوا علم البيئة، ألا يستطيعون در هؤلاء الدجاجلة إلى صوابهم؟ أم أن هذا الهراء يعد مقبولاً عند الجميع ما دام أنه يوافق الأهواء المنتنة؟
ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا ذنوب الأمة كلها عليهما، فنسبوا إلى علي رضي الله عنه أنه قال: عليهما مثل أوزار الأمة جميعاً إلى يوم القيامة، ومثل جميع عذابهم، فليس دم يهراق في غير حقه، ولا فرج يغشى، ولا حكم بغير حق إلا كان عليهما وزره(1) .
ويستمر حدهم فيختلق سليم بن قيس لهم هذا الحديث وفيه: إن في عقر جهنم تابوت عليه صخرة، فإذا أراد الله أن يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعرت جهنم من وهج الجب وحره... إلى أن قال: في ذلك التابوت أبو بكر وعمر وإبليس(2) .
ولم يكتفوا بذلك حتى جعلوا عذابهما أشد من عذاب إبليس، فهذا نعمة الله الجزائري يروي قصة مختلقة عن عمر رضي الله عنه فيقولك إن الشيطان يغل بسبعين غلاً من جهنم، ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلاً أمامه تقوده ملائكة العذاب، وفي عنقه مئة وعشرون غلاً من أغلال جهنم، فيدنوا منه إبليس، ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد عليّ في العذاب، وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟ فيقول عمر: ما فعلت شيئاً سولا أنني غصبت خلافة علي بن أبي طالب.
فعلق الجزائري على هذه القصة المختلقة قائلاً: الظاهر أنه استقل سبب شقاوته، ومزيد عذابه على الشيطان، ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته(3) .
__________
(1) كتاب سليم بن قيس ص170.
(2) كتاب سليم بن قيس ص81
(3) الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري 1/80 تفسير العياشي 2/223.

(1/14)


ولا شك أن احتفالهم بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصبح مشتهراً بين المسلمين، وهم يسمون هذا العيد (عيد بابا شجاع الدين) وبابا شجاع هذا هو: أبو لؤلؤة المجوسي، وقد بنوا له مشهداً عظيماً على نمط مشاهد أئمتهم بالقرب من طهران، وقاموا في هذه السنة (1408هـ) بتجديد بنائه، ويعدون عيده أعظم الأعياد على الإطلاق، ومما يثير العجب أنهم يدعون أنه الله تعالى يرفع عنهم القلم في هذا العيد ثلاثة أيام.
قال نعمة الله الجزائري: (نور سماوي يكشف عن ثواب يوم مقتل عمر بن الخطاب)... أن الحسن العسكري (ع) سئل عن يوم مقتل عمر فقيل له: هل تجد في هذا اليوم لهل البيت فرحاً؟ فقال: وأي يوم أعظم حرمة من هذا اليوم عند أهل البيت وأفرح... ثم ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحتفل بهذا اليوم قبل وقوعه، وكان يطعم الحسن والحسين، ويقول لهما: كلا هنيئاً مريئاً لكما ببركة هذا اليوم وسعادته، فإنه اليوم الذي يبض الله فيه عدو الله وعدو جدكما، فإنه اليوم الذي يفقد فيه فرعون أهل بيتي وهامانهم وظالمهم وغاصبهم حقهم... وقد سألت الله أن يجعل لليوم الذي يقبضه فيه إليه فضيلة على سائل الأيام، ويكون ذلك سنة يستن بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبوهم، فأوحى الله إلي... بحولي وقوتي وسلطاني لأفتحن على روح من يغصب علياً ووصياً وولي حقك من العذاب الأليم، ولأصلبنه وأصحابه قعراً يشرف عليه إبليس فيلعنه، ولأجعلن ذلك المنافق عبرة في القيامة... إني قد أمرت سكان سمع مواتي من شيعتكم أن يتعبدوا في هذا اليوم الذي أقبضه إلي فيه، وأمرتهم

(1/15)


أن ينصبوا كراسي كرامتي بإزاء البيت المعمور، ويثنوا ويستغفروا لشيعتكم يا محمد، وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق ثلاثة أيام من أجل ذلك اليوم، ولا أكتب علهم شيئاً من خطاياهم كرامة لعلي، يا محمد، إني قد جعلت ذلك عيداً لك ولأهل بيتك وللمؤمنين من شيعتهم، وآليت على نفسي بعزتي وجلالي أن من وسع في ذلك اليوم على أهله وأقاربه لأزيدن في ماله وعمره، ولأعتقنه من النار، ولأجعلن سعيه مشكوراً، وذبه مغفوراً، وأعماله مقبولة... إلخ(1) .
وعيد بابا شجاع في التاسع والعاشر والحادي عشر من ربيع الأول، واترك لك أخي المسلم التعليق على هذا الخبر، وتصور ما يمكن أن يفعله الرافضي من خبائث في هذه الأيام، ما دام أنه يعتقد أن القلم مرفوع عنه.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.

(1/16)


الفصل السابع
البداء
معناه: ظهور الشيء بعد خفائه.
وهو عقيدة يؤمن بها الروافض الإمامية، وينسبونها إلى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ويقولون: إن الله قد يبدو له الشيء فيقضي بخلاف ما قضى في السابق.
نعوذ بالله من الكفر وأهله. بل الله سبحانه وتعالى عالم بكل ما كان وما يكون وما هو كائن وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا إله إلا هو، ولا رب سواه سبحانه، عالم بكل دقيق وجليل من مخلوقاته، أحصى كل ذلك في كتاب عنده لا يضل ربي ولا ينسى، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
ولا يشك مسلم أن القول بالبداء كفر صرحي؛ لأنه ينسب إلى الله تعالى الجهل والاضطراب،والله عز وجل منزه عن كل ذلك، بل هو سبحانه منزه عن كل نقيصه وعيب،وهو سبحانه القائل: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}.
وأصل هذه العقيدة: أن المختار بن أبي عبد الثقفي، قال بإمامة محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى بعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان المختار دجالاً كبيراً، يذكر علوماً مزخرفة بترهات ينوطها بها، وكان يدعي علم ما يحدث من الأحوال في المستقبل، فكان إذا وعد أصحبه بالنصر مثلاً في معركة سيخوضونها، فإن انتصر جعل النصر دليلاً على علمه الغيب، وإن هزموا قال: قد بدا لربكم أن لا ينصركم.
وقد أخذ أئمة الروافض بهذه العقيدة، وأصبحوا إن أخبروا بوقوع شيء ووقع جعلوا ذلك من دلائل علمهم بالغيب، وإن لم يقع قالوا: قد بدا لله أن لا يقع هذا الأمر.
وأقوالهم هذه يجده من يقرأ كتبهم، حيث رووا عن مهديهم المزعوم أنه يخرج في زمن بني العباس، وقد زالت دولة بني العباس، ولم يخرج، إذا خرج أحد عليهم بهذا القول، قالوا: قد بدا لله ألا يفعل. وهكذا.
وقد قال ابن أعين -وهو من قدمائهم- وهو يخبر عن علامات ظهور المهدي:

فتلك أمارات تجيء بوقتها ... ومالك عما قدر الله مذهب
ولولا البدا سمته غير فائت ... ونعت البدا نعت لمن يتقلب

(1/1)


ولولا البد ما كان ثم ترصف ... وكان كنار دهرها تتلهب
وكان كضوء مشرق بطبيعة ... والله عن ذكر الطبائع مغرب(1)

وتقد جعل الروافض هذا العقيدة ضرورة من ضروريات دينهم، ونسبوا الإيمان بها إلى جميع الرسل صلوات الله عليهم، ثم وفي نفس الوقت يقولون: إن أول من قال بها عبد المطلب، لذلك يبعث أمة وحدة يوم القيامة.
وإليك أيها المسلم ما قالوه عن البداء:
قال محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد في كتابه (المقالات) وهو يحكي الأمر التي اتفق عليها الروافض: اتفقت الإمامية على ... إطلاق البداء وصف الله تعالى(2) .
وقال محمد حسين الطباطبائي: والروايات في البداء عنهم (ع) متكاثرة، مستفيضة فلا يعبأ بما نقل بعضهم أنه خير واحد... إلى أن قال: وهذا مما لا يسع لذي لب إنكاره(3) .
وروى الكليني: عن زرارة بن أعين: عن أحدهما (ع) أنه قال: ما عبد الله بشيء مثل البداء(4) .
وروى عن جعفر بن محمد أنه قال: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه(5) .
فانظر رعاك الله أخي المسلم كيف يقلبون الباطل حقاً في أدمغتهم ويجعلون هذا القول من أفضل العبادات.
وهذا الكليني أيضاً يروي عن جعفر بن محمد أنه قال: ما بعث الله نبياً قط حتى يقر لله بالبداء(6) .
ويروي عن جعفر بن محمد: كان الناس قبل نوح عليه السلام أمة ضلال فبدا لله فبعث المرسلين(7) .
وكأن الله -تعالى عن ذلك وتقدس- لم يكن يعلم أن الناس سيضلوا، ولم يكن يعلم أنه سيبعث المرسلين لهداية الناس؛ حتى ضل الناس فبدا له إرسال الرسل. نعوض بالله من الكفر.
__________
(1) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص365.
(2) المقالات للمفيد 1/13.
(3) الميزان في تفسير القرآن للطاطبائي 11/381
(4) الأصول من الكافي ص/146
(5) الأصول من الكافي 1/148.
(6) روضة الكافي ص146.
(7) روضة الكافي ص69.

(1/2)


وروى الكليني عن جعفر بن محمد: يبعث عبد المطلب أمة وحده، عليه بهاء الملوك وسيما الأنبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء(1) .
وروى الكليني عن جعفر بن محمد: إذا بدا لله في شيء من علمه أعلمنا بذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا(2) .
أرأيت أخي المسلم ينسبون الجهل إلى الله، والاضطراب في الأحكام ولا يفعلون ذلك مع أئمتهم، وكأنهم هم المرجع لله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- فإذا بدا لله شيء أخبرهم.
أما خوفهم من اختلاف أقوال أئمتهم، وعدم تحقيق بعض نبوءاتهم فقد اخترعوا له (البداء والتقية)، وإليك كيف يبررون عدم ما أخبروا به:
روى الكليني عن جعفر بن محمد، قال: إذا قلنا في رجل قولاً فلم يكن فيه، وكان في ولده، أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك، فغن الله يفعل ما يشاء(3) .
وروى أيضاً عن أبي جعفر الباقر، قال: إذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، يؤجرون مرتين، مرة للتصديق، وأخرى للقول بالبداء(4) .
وهكذا يضعون الأجور لمن يبرر كذبهم، ويلتمس لهم العذر فيه وإن كان هذا العذر كفراً، والعياذ بالله.
__________
(1) الأصول من الكافي 1/447.
(2) الأصول من الكافي 1/255.
(3) الأصول من الكافي 1/535.
(4) الأصول من الكافي 1/368.

(1/3)


الفصل الثامن
الفداء
عقيدة وثنية قديمة، مفادها: أن المخلص سواء كان نبياً أم قائداً أم دجالاً يفدي قومه بنفسه حتى تغفر ذنوبهم، وتضمن لهم الجنة.
وهذه العقيدة كانت موجودة عند الإغريق في مخلصهم (أبلو)، وعند الرومان (هيركوليس)، وعند الفرس في (مترا)، وعند السوريين في (أدونيس)، وعند المصريين في (أوزيريس وحورس وإيزيس)، وعند البابليين في (بعل).
وقد انتقلت هذه العقيدة إلى النصرانية عن طريق ديانة (ميتراس) الفارسية، التي نزحت إلى روما سنة (70ق.م) وانتشرت في بلاد الرومان(1) .
وقد دخلت هذه العقيدة -بعد تحريف المسيحية- وأصبحت من دعائم دين النصارى، ففي إنجيل (يوحنا): هكذا أحب الله العالم حتى وهب ابنه الأوحد، فلا يهلك من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية(2) .
وفي رسالة بولس إلى كنيسة روما: فالبشر ملهم خطئوا وحرموا مجد الله. ولكن الله بررهم مجاناً، بنعمته بيسوع المسيح الذي افتداهم. والذي جعله الله كافرة في دمه لكل من يؤمن به(3) .
وفي رسالته إلى كنسية كورنثوس: سلمت إليكم قبل كل شيء ما تلقيته، وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب(4) .
وفي رسالة حنا مقار العيسوي: الذي فدانا بدمه المقدس، ومن عذاب جهنم وقانا، ورفع عن أعناقنا الخطيئة التي كانت في أعناق بني آدم(5) .
وهذه العقيدة انتقلت إلى الروافض كغيرها من العقائد الوثنية التي يؤمن بها أرباب العقائد التي ذكرنا، حيث أن جميعهم يؤمن:
1- أن مخلصيهم ولدوا في كهف أو جحر تحت الأرض، وكذلك الروافض مع سرداب سامراء.
__________
(1) ماذا يجب أن يعرفه المسلم عن النصرانية للشيخ إبراهيم الجبهان ص53.
(2) العهد الجديد: إنجيل يوحنا 3/16.
(3) رسالة القديس بولس الرسول إلى كنيسة روما 3/23-25.
(4) رسالة القديس بولس الرسول إلى كنيسة كورنثوس 15/3.
(5) بين الإسلام والمسيحية ص72.

(1/1)


2- وكلهم عاشوا حياة فيها عناء من أجل البشر، وكذلك الروافض مع أئمتهم، أنهم عاشوا في قهر وظلم واختفاء، ودانوا بالتقية (الكذب).
3- وكلهم ينعتون بالمخلص، أو المنقذ، أو الوسيط، وكذلك الروافض يسمون مخلصهم المزعوم: المهدي، صاحب الزمان، القائم، المنتظر.
4- وكلهم قهروا بقوى البشر والظلم، وكذلك الروافض يزعمون أن أئمتهم قهروا وقتلوا.
5- وكلهم هبوا من مدافنهم بعد الموت، وصعدوا إلى السماء، وكذلك الروافض يعتقدون أن أئمتهم أحياء عند ربهم،يرون مقامهم ويسمعون كلامهم، ويردون دعاءهم، وينصرون المستغيث بهم.
6- وكلهم أسسوا خلفاء ورسلاً ومعابد، وكذلك الروافض أن جميع أئمتهم خلفوا رسلاً وخلفاء، ابتداء بكميل وسليم، ومروراً بزرارة بن أعين وأبي بصير وانتهاء برسل المهدي وأبوابه: أبو عمر العمري الأسدي، وابنه أبي جعفر محمد، وأبي القاسم النوبختي، وأبي الحسن السمري،ومعابدهم الحسينيات المنتشرة في كل أرض يطئونها.
ولا شك أن عقيدة الفداء لا يقول بها إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأنها تعطيل للشريعة، ونسبة الظلم إلى الله عز وجل، وهو القائل: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى}.
وفي هذا الزمن خرج محمد جواد مغنية العاملي في كتابه (الشيعة في الميزان) الذي ألفه لذر الرماد في أعين البسطاء، وللتقريب -حسب زعمه- بين المسلمين وبين الروافض فأنكر عقيدة الفداء، وعقد لذلك باباً تحت عنوان (افتراء على الشيعة) ذكر فيه أحد من تكلم عن عقيدة الفداء عند الروافض، ونفى -كعادته- علاقة الروافض بهذه العقيدة، فكان مما قال: ليت المؤلف أشار إلى مصدر قوله هذا الذي لم نجد له أثراً في كتاب قديم أو حديث للشيعة الإمامية... إن عقيدة الفداء والغفران عقيدة نصرانية بحته، لا يعرفها مذهب من المذاهب الإسلامية(1) . انتهى كلامه
__________
(1) الشيعة في الميزان لمحمود مغنيه ص308.

(1/2)


قلت: صدق في قوله لا يعرفها مذهب من المذاهب الإسلامية، فنحن لا نعرف هذه العقيدة، ونكفر القائل بها، ولكن كون المذاهب الإسلامية لا تعرف هذه العقيدة شيء وإيمان الروافض بها شيء آخر، فلماذا هذا الخلط؟
أما قوله ليت المؤلف أشار إلى مصدر قوله هذا الذي لم نجد له أثراً في كتاب قديم أو حديث للشيعة الإمامية.
فأقول: (كل شاة برجلها معلقة) فهذه العقيدة مثبتة في أشهر وأصح كتب الروافض، وأنا متأكد من أن مغنية اطلع عليه، كما أني متأكد من أن علماء المسلمين اطلعوا على صحيح البخاري عندنا.
وهذا المصدر هو (الكافي) لعلامتهم الكليني (بخاريهم، الذي خلع عليه مغنيه من آيات التعظيم والتبجيل ما الله به عليم، بل في كتابه هذا جعله رأس علماء الحديث عندهم)(1) .
روى الكليني في الكافي (طبع دار صعب/بيروت/ الطبعة الرابعة عام 1401هـ/ تحقيق على أكبر غفاري) عن إمامهم الثامن، أنه قال: إن الله عز وجل غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم، فوقيتهم والله بنفسي.
فعلق المحقق عليه: غضب على الشيعة لتركهم التقية، أو عدم انقيادهم لإمامهم وخلوهم في متابعته. انتهى.
وهكذا (قطعت جهيرة قول كل خطيب).
__________
(1) الشيعة في الميزان لمحمود مغنيه ص317.

(1/3)


الفصل التاسع الغيبة والرجعة
الغيبة هي غيبة الإمام المنتظر المنقذ عن الأعين، واختفاؤه إلى وقت معلوم.
والرجعة هي رجوع الإمام المختفي إلى الظهور، وإحياؤه أحبائه وأعدائه فيقتل الأعداء لأنهم آذوا أحباءه ولم يؤمنوا بظهوره، ثم يملأ الأرض عيشاً رغداً، ويعيش أحباؤه في ظل دولته.
وهاتان العقيدتان شرقيتان، كان الفرس المانوية والمزدكية، والبراهمة، والبوذية يؤمنون بها. وكان الزرادشتيون يعتقدون في غيبة (ساروشيانت بن زرادشت) وأنه سيرجع إلى الأرض لمناصرة (أهورامزدا) إله النور في صراعه مع (أهرمن) إله الظلمة، فيدحر إله النور إله الظلمة، ويكون الظفر له.
ولما كانت هذه العقيدة من التغلغل بمكان في نفوس الفرس فقد أدخلوها في عقيدتهم الرافضية، وجعلوها من لوازم المتذهب بمذهبهم.

(1/1)


والروافض يرون أن أئمتهم أحياء لم يموتوا إلا كموت عيسى عليه السلام عند النصارى، والله عز وجل يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} لذلك تجد الروافض عندما يدعون أئمتهم من دون الله يقولون: ونحن نعلم أنكم أحياء عند ربكم، ترون مقامنا، وتسمعون كلامنا، وتردون سلامنا... إلخ(1) . ويقولون: إن الأئمة سيرجعون في آخر الزمان إذا فسدت الأرض، وسيرجع إلى الحياة كل من مات مؤمناً برجوعهم، وكل من كفر بذلك، وأن نقمة آل محمد (يعنون به المهدي)(2) الذي دخل سرداب سامراء عام (260) أي قبل (1148سنة) سيعود، وهو الذي يتولى قتل كل من آذى أولياءه، وكفر بخروجه، وخاصة قريش حيث لا يقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، ويقضي عليهم بسيفه البتار، ثم يحكم الأرض، ويعيش الروافض تحت ظله آمنين، ثم يموت ويحكم بعده أئمتهم الباقون من الحسين إلى الحسن العسكري.
وهناك كثير من الأمور علقوها بغيبته، لذلك اهتم الروافض بموضوع الغيبة والرجعة، وألفوا الكتب في إثبات حقيقتها، واخترعوا كثيراً من الأحاديث لإثباتها، بل والآيات، وأصبح للغيبة أدعية مخصوصة يرددونها، ويستغيثون بأصحابها من دون الله. وقد قال محمد رضا خرساني في كتابه (النجعة في الرجعة): وقد اطلعت على ست مئة وعشرين حديثاً في الرجعة(3).
فانظر رحمك الله تعالى إلى هؤلاء القوم، يؤلفون أكثر من ست مئة حديث في أمر كهذا، لم يرد في كتاب ولا سنة، فكيف بغيره؟
وصدق من قال:

لي حلية فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة
__________
(1) انظر فصل توحيد الإلوهية من هذا الكتاب.
(2) يسمونه: المهدي، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، وصاحب الأمر، والحجة، والخاتم، وصاحب الدار، ويعتقدون أن من دعاه باسمه (محمد بن الحسن) فهو كافر، لذلك لا تجد اسمه مذكوراً في كتبهم إلا للتعريف.
(3) النجعة في الرجعة لمحمد رضا خرساني ص27.

(1/2)


ولا يشك مسلم أن هذه العقيدة مصادمة صريحة لدين الله، وتكذيب قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فالله عز وجل يقول: إلى يوم يبعثون، وهؤلاء يقولون: لا، بل إلى قيام المهدي وخروجه من السرداب.
ثم نحن نتساءل: لماذا الرجعة؟ أهي من أجل إسعاد المؤمنين؟ إن كان كذلك فلا حاجة للرجعة؛ لأن المؤمنين مهما تنعموا في الدنيا فإن نعيمهم فيها وإن استمر لآلاف السنين فلن يساوي لحظة واحدة في الجنة. وإن كانت الرجعة من أجل تعذيب المجرمين فإن عذاب الله أشد وأبقى. ولكن إن كانت الرجعة تستخدم عند الروافض كصمام لتنفيس بعض الحقد الذي يملأ قلوبهم حتى لا تنفجر من حقدها وغيظها على من آمن بالله واليوم الآخر، فهم وشأنهم.
وإليك أخي المسلم ما قاله الروافض عن عقيدتي الغيبة والرجعة.
قال محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد: اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة(1) .
وقال الحر العاملي: إن ما يزيد على سبعين كتاباً قد صنفها عظماء الإمامية في إثبات الرجعة(2) .
وقال الطباطبائي:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ? «يا علي، إذا كان آخر الزمان أجرك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك»(3) .
وقال الطباطبائي أيضاً: وأخبار الرجعة من طرق الشيعة كثيرة جداً(4) .
__________
(1) المقالات للمفيد 1/13.
(2) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي ص42و 43 عن كتاب بين الشيعة والسنة ص147.
(3) الميزان في تفسير القرآن للطاطبائي 15/405.
(4) الميزان في تفسير القرآن للطاطبائي 15/406.

(1/3)


وقال صدوقهم ابن بابويه القمي في (العقائد): يجب أن يكون في هذه الأمة رجعة، وكذلك قال علي بن طاووس في كتاب (كشف المحجة)(1) .
وقال خنيزي(2) : وأما الرجعة: ظهور الإمام الثاني عشر، وامتلاء الأرض به قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً فهو صحيح، من لوازم مذهب الإمامية(3) .
وقال مغنية: إن الله سيعيد إلى هذه الحياة قوماً من الأموات، ويرجعهم بصورهم التي كانوا عليها، وينتصر الله بهم لأهل الحق من أهل الباطل، وهذا هو معنى الرجعة(4) .
قال مغنية ذلك وهو في غاية من التحفظ، واستعمال الكلمات المجملة لأنه ألف كتابه للتقريب -كما كان يزعم ويخطط- بينه وبين الذين استعدوا للتنازل عن كثير من أمور العقيدة، وظنوا أن التقريب يتم بتلك التنازلات.
وروى سليم: عن أبان، قال: لقد لقيت أبا الطفيل في منزله فحدثني في الرجعة... فعرضت ذلك على علي بن أبي طالب (ع) بالكوفة،... فصدقني وقرأ علي بذلك قرآناً كثيراً، فسره تفسيراً شافياً حتى صارت ما أنا بيوم القيامة أشد يقيناً مني بالرجعة(5) .
فانظر رحمك الله تعالى إلى أي حد بلغ بهم الشيطان حتى جعلوا يقينهم بيوم الرجعة أشد من يقينهم بيوم القيامة.
وروى الكليني: عن أبي جعفر الباقر (ع): أنه قال: إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6) .
وفي كتاب المتعة للعاملي، قال: قال جعفر بن محمد (ع): ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا(7) .
__________
(1) فصل الخطاب للطبرسي ص57.
(2) خنيزي هو: علي حسن مهدي خنيزي، ولد في القطيف، وتلقى تعاليم الروافض في النجف، ثم عاد مرة أخرى إلى القطيف، ومات بها سنة 1363هـ، وكتابه الدعوة الإسلامية ألفه للرد على أهل السنة والجماعة، وتبين زيف دينهم كما زعم.
(3) الدعوة الإسلامية لخيزي 2/94.
(4) الشيعة في الميزان لمغنية ص54.
(5) كتاب سليم بن قيس ص60.
(6) روضة الكافي للكليني ص16.
(7) كتاب المتعة للعاملي ص85.

(1/4)


أما فيما يتعلق بالذهاب إلى سرداب سامراء، والاستغاثة بصاحب الزمان المهدي ليخرج، فقد ذكر صاحب ضياء الصالحين: (باب دعاء العهد المأمور به في حال الغيبة) عن جعفر بن محمد (ع): من دعا الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا فإن مات قبله أخرجه الله من قبره، وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة، ومحى عنه ألف سيئة، فإذا أتيت المقام (السرداب) فقف على الباب،وقل: -الدعاء بطوله في صحفتين- ثم تضرب على فخذك الأيمن بيدك ثلاث مرات، وتقول: العجل يا مولاي، يا صاحب الزمان ثلاثاً، ثم تقول: السلام عليك يا عصمة النبيين... يا مولاي، يا صاحب الزمان حاجتي كذا وكذا... يا صاحب الزمان الغوث، الغوث، الغوث، أدركني، أدركني، أدركني(1) .
وفيه أيضاً يقول، مخاطباً أئمته: أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم... مؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم، منتظر لأمركم...(2) .
وروى الكليني: عن علي... وإني لصاحب الكرات، في الدنيا والآخرة، والدابة التي تكلم الناس(3) .
وما أدري أي منقبة وميزة في كون علي رضي الله عنه دابة تكلم الناس؟
ومن الغريب أنهم يسمون مهديهم المنتظر (نقمة) وهذا يدل على ما في قلوبهم من غل على المسلمين، فهذا الكليني يروي عن جعفر بن محمد أنه قال: إن الله بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة، وبعث القائم نقمة(4) .
وروى فرات: عن جعفر بن محمد أنه قال: إذا قام القائم عرفوا كل نصب عليه، فإن أقر بالإسلام وهو الولاية، وإلا ضربت عنقه(5) .
__________
(1) ضياء الصالحين للجوهري ص505.
(2) ضياء الصالحين للجوهري ص231.
(3) الأصول من الكافي 1/197.
(4) روضة الكافي للكليني ص195.
(5) تفسير فرات الكوفي ص107.

(1/5)


وروى النعماني: عن أبي جعفر أنه قال: لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس، أما إنه لا يبدأ إلا بقريش فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس: هذا ليس من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم(1) .
أما فيما يتعلق بالصحابة، وعلى رأسهم الصديق والفاروق ,أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، فما يقولونه أشد، ففي تفسير الصافي: لو قام قائمنا رد الحميراء (عائشة) حتى يجلدها الحد(2) .
__________
(1) الغيبة للنعماني ص311 عن الشيعة والتشيع ص376.
(2) تفسير الصافي ص359 عن الشيعة والتشيع ص378. وانظر حكم قذفها رضي الله عنها في فصل الصحابة رضوان الله عنهم.

(1/6)


وقال نعمة الله الجزائري: وذكر كلام جعفر بن محمد في المهدي وخروجه وإخراجه لأي بكر وعمر، ورجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للدنيا: ويحفر المهدي قبريهما ويخرجهما، فيخرجان طريان كصورتهما في الدنيا، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة فيصلبهما عليها... ثم يأمر بإنزالهما فينزلان فيحييهما بإذن الله، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهما قصص فعالهما في كل كور ودور، حتى يقص عليهما قتل هابيل بن آدم، وجمع النار لإبراهيم، وطرح يوسف في الجب، وحبس يونس في بطن الحوت، وقتل يحيى، وصلب عيسى، وعذاب جرجيس ودانيال صلى الله عليهم... وكل دم مؤمن، وكل فرج نكح حراماً، وكل ربا أكل، وكل خبث وفاحشة وظلم منذ عهد آدم إلى قيام قائمنا، كل ذلك يعدده عليهما، ويلزمهما إياه، ويعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت مظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر ناراً تخرج من الأرض تحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحاً فتنسفهما في اليم نسفاً. فقال الراوي: هذا آخر عذابهما؟ فقال: هيهات، والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر - صلى الله عليه وسلم - ، والصديق الأكبر أمير المؤمنين (علي) وفاطمة والحسن والحسين، والأئمة عليهم السلام، وكل من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً، وليقصن منهما بجميع المظالم، ثم يأمر بهما فيقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة، ويردان إلى أشد العذاب(1) .
أقول: قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.
وقال الله تعالى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.
__________
(1) الأنوار النعمانية 2/87.

(1/7)


الفصل العاشر: الأئمة وعلم الغيب
علم الغيب من الأمور التي اختص الله بها، قال الله تعالى: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}.
وامتدح الله عز وجل من آمن بالغيب ووكل علمه إلى الله، قال الله تعالى: {آلَمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.
وذم من ادعى علم الغيب، أو ادعى الاطلاع عليه، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّا}، وقال سبحانه: {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}.

(1/1)


ونفى علم الغيب عن خلقه حتى عن سيدهم وإمامهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: سبحانه: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ}، وقال تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: من حدثك أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه فقد كذب، وهو يقول: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}، ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب. وفي رواية مسلم: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.
وبين سبحانه أن الممنوعين من علم الغيب ليسوا البشر وحدهم بل وحتى الملائكة عليهم السلام مع قربهم من الله عز وجل، وما جباهم هب من علم وقدرات لا يمتلكها أحد من البشر، قال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، والجن كذلك لا يعلمون الغيب، قال الله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}.

(1/2)


وأخبر سبحانه وتعالى أن للغيب مفاتح لا يعلمها إلا هو سبحانه فقال: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم قرآ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1) .
وهناك جزء يسير من الغيب أطلع الله عز وجل عليه بعض خلقه، وهم الأنبياء والرسل والملائكة عليهم السلام ليتحقق الابتلاء الذي خلق الله الخلق من أجله، وليكون معجزة لمن أرسله الله عز وجل، مثلما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنبياء الأمم السابقة، وبعض ما سيحدث في المستقبل من علامات الساعة ونحوها، قال الله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}.
__________
(1) رواه مسلم.

(1/3)


ومع كل ما ذكرنا من آيات وأحادي تثبت أن علم الغيب من الأمور التي اختص الله عز وجل بها، إلا أن الروافض أبوا الانقياد لها، والتصدييق بها، وادعوا للأئمتهم ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، وقالوا: إن الإمام يعلم علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه يعلم جميع ما يجري في الكون، وأنه يعلم متى يموت ولا يموت إلا باختياره، وأنه يعلم لغات جميع البشر والجن والحيوانات حتى الوزغ، وغير ذلك مما تقشرع منه الجلود.
وإليك أخي المسلم ما قالوه عن علم أئمتهم للغيب:
يدعي الروافض أن علم أئمتهم للغيب علم حضوري غير مكتسب، بل هو إلهام من الله تعالى، وهو غير معلق على الإرادة والمشيئة.
قال المظفر في كتابه (علم الإمام): العلم الحضوري هو: ما كان مؤهوباً من العلام سبحانه، ومستفاضاً منه، وهذا العلم اختص به الإمام من دون غيره من الأنام(1) .
وقال عن أئمتهم إنهم: علماء بكل شيء علماً حضورياً، مما كان، ويكون، وما هو كائن، وفي كل فن وحكم وأمر، فلا يجوز أن يسأل الإمام عن شيء بهما كان ولا يكون عنده علمه، ولا يحدث شيء وهو غير خبير به(2).
وقال: الصفات في الإمام اتم الصفات، ولا تكون أتمها ما لم يكن علمه حضورياً غير معلق على الإشاءة والإرادة، لأن العلم المعلق على الإشاءة كما لا أكمل، وفضيلة لا أفضل(3) .
وقال: إن عموم العلم المخزون عندهم العلم المخزون عندهم شامل لكل أمر من نحكم أو موضوع كلي أو جزئي(4) .
فهناك صراحة ووضوح أكثر من هذا؟ وهل هناك تجرؤ على الله أعظم من هذا؟ نعم، وإليك المزيد:
__________
(1) علم الإمام لمحمد حسين المطفر ص6.
(2) علم الإمام لمحمد حسين المطفر ص15.
(3) علم الإمام لمحمد حسين المطفر ص17.
(4) علم الإمام لمحمد حسين المطفر ص29.

(1/4)


ادعى الروافض أن الأئمة هم موضع سر الله، فقد نسبوا إلى علي رضي الله عنه أنه قال عن أهل بيته أنهم موضع سر الله: هم موضع سره، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاب فرئضه(1) .
ونسبوا إليه أيضاً أنه قال: فتحت لي الأسباب، وأجري لي السحاب، ونظرت في ملكوت لم يعزب عني شيء فا، ولم يفتني ما سبقني، ولم يشاركني أحد فيما أشهدني ربي يوم يقوم الأشهاد، لي يتم موعده، ويكمل كلمته، وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وأنا الإسلام الذي ارتضاه لنفسه(2) .
ونسبوا إليه أيضاً أنه قال: لقد أعطيت علم المنايا والبلاليا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني(3) .
ونيسوا إليه أنه قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسأولوني عن شيء فيما بينمك وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلا أنبأتكم بنعاقها وقائدها، وسائقها ومناخ ركابها، ومحط رجالها، ومن يقتل من أهلها قتلاً، ومن يموت موتاً(4) .
ورى الكليني: عن جعفر بن محمد أنه قال: إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون(5) .
ونحن نقول: إن ربنا عز وجل يقول: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.
__________
(1) نهج البلاغة 1/37.
(2) كتاب سليم بن قيس ص142.
(3) الأصول من الكافي 1/197.
(4) نهج البلاغة 2/183.
(5) الأصول من الكافي1/261.

(1/5)


ومن تجرأ وتطاول على الله تعالى فلا يستبعد منه التطاول على الملائكة والرسل عليهم السلام، فهذا الكليني يروي: عن أبي جعفر أنه ذكر علم النبيين من لدن آدم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن علمهم كلهم قد صار إلى علي بنأبي طالب، فسأله رجل: يا ابن رسول الله، فأمير المؤمنين (ع) ألم أم بعض النبيين؟ فرد عليه مستنكراً: اسمعوا ما يقول، إني حدثته أنه جمع علم جميع النبيين، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيين(1) .
وروى عن أبي جعفر (ع): ليس شيء تعلمه الملائكة والرسل إلا ونحن نعلمه(2) .
أما عن علمهم بجميع اللغات، وبكتب الأنبياء عليهم السلام فقد روى الكليني: أن رجلاً قال لجعفر بن محمد: أنى لكم التوراة والأنجيل، وكتب النبيين؟ فقال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوا، وإن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول: لا أدري(3) .
وروى: عن أبي الحسن قال: إن الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس لا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام(4) .
__________
(1) الأصول من الكافي1/222.
(2) الأصول من الكافي1/256.
(3) الأصول من الكافي1/227.
(4) الأصول من الكافي1/258.

(1/6)


بل وحتى ما لا روح فيه، فقد نسب الحكيمي إلى علي بن أبي طالب رضي اله عنه أنه سمع صوت ناقوس كنيسة، ففسر لمن معه ما يقول الناقوس عندما يدق، فقال: يقول الناقوس: سبحان الله حقاً حقاً، إن المولى صمد يبقى، يحلم عنا رفقاً رفقاً، لولا حلمه كنا نشقى، حقاً حقاً صدقاً صدقاً، واستمر في هذا الهذيان المضحك صحيفة كاملة تقريباً إلى أن قال:يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً، يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً، يا ابن الدنيا دقاً دقاً وزناً وزناً... خيراً خيراً، شرا شراً، شيئاً شيئاً، حزناً حزناً.. قال: ثم انقطع صوت الناقوس، فسمع صاحب الدير ذلك وأسلم، وقال: إني وجدت في الكتاب: أن في أخر النبيين من يفسر ما يقول الناقوس(1) .
ولغات الملائكة عليهم السلام كذلك، فقد ذكر الحكيمي قصة ولادة الحسين، وأنه لما جاء الصحابة يهنئون النبي - صلى الله عليه وسلم - به، وجدوا عنده ملائكة فأخبرهم على أنهم مئة وأربعة وعشرون ألف ملك، فتعجبوا من هذا، وأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأقبل بوجهه إلى علي مبتسبماً، وقال: ما علمك أنه هبط علي مئة وأربعة وعشرون ألف ملك؟ فقال علي: سمعت مئة ألف لغة وعشرين ألف لغة فعلمت أنهم مئة وأربعة وعشرون ألف ملك(2).
أما الحيوانات فأمرها هين بعد هذا، فقد نسب الحكيمي إلى علي رضي الله عنه أنه قال: نقيق الديك: اذكروا الله يا غافلين، وصهيل الفرس: اللهم انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، ونهيق الحمار: أن يلعن العشارين وينهق في عين الشيطان، ونقيق الضفدع: سبحان ربي المعبود المسبح في لحج البحار، وأنين القبرة: اللهم اللعن مبغضي آل محمد(3) .
وفي علم الإمام للمظفر: ما ينقلب جناح طائر في الهواء إلا وعند الأئمة علم منه(4) .
__________
(1) سلوني قبل أن تفقدوني للحكيمي 2/177.
(2) سلوني قبل أن تفقدوني للحكيمي 2/176.
(3) سلوني قبل أن تفقدوني للحكيمي 2/176.
(4) علم الإمام لمحمد حسين المظفر ص35.

(1/7)


وفي مثير الأحزان: أن الحسين قال لأم سلمة، وهو بالمدينة: إني والله لأعرف اليوم الذي فيه أقتل، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وأني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت أريك حفرتي ومضجعي، ثم أشار إلى جهة كربلاء فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه، وموضع عسكره وموقفه ومشهده(1) .
بل بوب الكليني في الكافي باباً بعنوان (باب أن الأئمة (ع) يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم)(2) .
يوضح من اختلق هذا الأثر على لسان جعفر بن محمد أنواع علم الأئمة فيقول: إن علمنا غابر، ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، فأما الغابر فما تقدم من علمنا، وأما المزبور فما يأتنينا، وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك(3) .
أرأيت أخي المسلم كيف يدعي هؤلاء أن الوحي ينزل عليهم؟
وياتي بطامة أخرى، وهي طرقة ازدياده علماً فيقول: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العرش، ووافى الأئمة عليهم السلام، ووافيت معهم فما أرجع إلا بعلم مستفاد(4) .
ولم يكفهم هذا التطاول على الله عز وجل حتى أتو بما هو أشد من ذلك وهو ادعاء أنه لا يخرج شيء من عند الله حتى يعلما الأئمة: قال جعفر بن محمد: ليس يخرج شيء من عند اله حتى يبدأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم بأمير المؤمنين عليه السلام، ثم بواحد بعد واحد لكيلا يكون أولنا أعلم من آخرنا(5) .
وفي قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قال أبو جعفر: علم الإمام(6) .
وروى فرات: قال علي بن أبي طالب (ع)
__________
(1) مثير الأحزان لشريف الجوهري ص9.
(2) الأصول من الكافي 1/258.
(3) الأصول من الكافي 1/264.
(4) الأصول من الكافي 1/254.
(5) الأصول من الكافي 1/255.
(6) الأصول من الكافي 1/249.

(1/8)


الفصل الحادي عشر
موقف الروافض من الإسلام والمسلمين
لا يشك مسلم أن الله عز وجل ما خلق الخلق وأوجدهم في هذه الدنيا، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وخلق الجنة والنار إلا من أجل غاية عظيمة، هي: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.
وكان من عدله سبحانه وتعالى ولطفه بعاده أن جعل الجنة والنار لمن وحده بالعبادة، وأطاع رسله الذين أرسل، وجل النار والعياذ بالله لمن أشرك به سبحانه وعصاه وعصى رسله، قال الله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}،وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

(1/1)


أما الروافض فإن هذه الآيات التي ذكرنا لا نسيب لها عندهم؛ لأن العلة التي يدخل بها الناس الجنة عندهم هي حب علي رضي الله عنه وذريته، واعتقاد أنهم الخلفاء والأوصياء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واعتقاد أن جميع الصحابة كفار خارجون عن الملة إلا ثلاثة أو أربعة. فمن أحب علياً وذريته وتبرأ من الصحابة بالطريقة المذكورة فهو مؤمن عندهم، ضاما لدخول الجنة والنجاة من النار، وإن ترك فعل الطاعات، وارتكب المحظورات، أما من لم يؤمن بما ذكرنا فهو كافر عندهم لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً،ـ ولا يقبل من أعماله الصالحة شيئاً وإن كان من كبار الموحدين العباد، وإن عاش ألف ألف سنة قائماً لا يفتر صائماً لا يفطر بين الركن والمقام، فإن عبادته هذه تكون هباء منثوراً؛ لأنه لم يكفر الصحابة ويحب علياً على طريقة الروافض.
وهم يقولون: حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة(1) .
وهذا القول لا يشك مسلم أنه كذب؛ لأن حب الله وحب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أعظم من حب علي رضي الله عنه، ومع ذلك فإن السيئات تضر صاحبها وإن كان محباً لله ورسوله، وإلا لم يكن هناك داع لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإحلال الحلال وتحريم الحرام، ولبغى الناس بعضهم على بعض، ولعاشوا في فوضى ما دام أن الحسنات ولو كانت توحيداً لا تنفع مع بغض علي رضي الله عنه، والسيئات ولو كانت شركاً لا تضر مع حبه.
ثم إن الروافض أنفسهم يعترفون أن الشيعة فهم أكثر من سبعين فرقة كلهم يدعي حب علي رضي الله عنه، وكل فرقة تكفر أختها وتلعنها، فإن كان المقياس هو الحب والغلو في الأشخاص فالروافض كفرة لأنهم لا يعلون في علي رضي الله عنه غلو الإسماعيلية وغيرهم.
__________
(1) هذا الحديث ذكره الحلي في (منهاج الكرامة) ورواه شيرويه 2/142.

(1/2)


ثم نحن المسلمين نحب علياً رضي الله عنه، ونعتقد أنه من أكبر أولياء الله،ومن الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم، ونعتقد ن علياً رضي الله عنه بشر ليس فيه شيء من صفات الله البتة، وليس معصوماً؛ لأن العصمة لا تكون إلا لأنبياء الله عليهم السلام، هذا هو اعتقادنا.
أما الروافض فلا يرون الحب إلا الغلو الذي يرفع المحبوب إلى درجة الألوهية، والبغض لخير خلق الله بعد النبيين عليهم السلام وهم صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا يدركه من له أدنى معرفة بدينهم، فهم لا وسط عندهم، فإما أن يرفعوا الشخص إلى مقام الأولهية كما فعلوا مع علي وذريته، وإما أن يلعنوه ويكفروه ويبغضوه ويجعلوه شراً من إبليس، كما فعلوا مع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى رأسهم الصديق والفاروق.
وهذا الاعتقاد مصادمة صريحة لدين الله عز وجل، الذي أرسل به جميع رسله، وأنزل به جميع كتبه، وفتح لباب الاتكال على المحبة وحدها، وتكر لفعل الطاعات وعدم الابتعاد عن المنكرات، فيعيش الناس في فوضى لا يعلم بها إلا الله تعالى.
لذلك عظم الروافض قبور أئمتهم، وشيدوها، وبنوا عليها القباب والمشاهد، وأنفقوا عليها الأموال الطائلة، وحجوا إليها، وصنفوا الكتب في آداب زيارتها، وطرق دعاء أصحبها والاستغاثة بهم، ووضعوا الأحاديث والآثار في فضائل تلك القبور، وفضل الحج إليها، وأنه أفضل من حج بيت الله آلاف المرات،وجعلوا تلك القبور، أفضل من بيت الله، بل وأفضل من العرش.(1)
وإليك أخي المسلم الأدلة على ما ذكرت لك:
__________
(1) انظر فصل توحيد الألوهية من هذا الكتاب.

(1/3)


ذكر صاحب ضياء الصالحين حديثاً مختلقاً جاء فيه: أقبل رجل رث الهيئة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا قد صعد له في هذا اليوم من الخيرات والطاعات ما لو قسم على جميع أهل السموات والأرض لكان نصيب أقلهم منه غفران ذنوبه، ووجوب الجنة له، قالوا: بماذا يا رسول الله؟ فقال: سلوه، فأقبلوا عليه وسألوه، فقال: ما أعلم أني صنعت شيئاً غير أني خرجت من بيتي وأردت حاجة كنت أبطأت عنها، فخشين أن تكون فاتتني، فلت في نفسي: لأعتاضن منها النظر إلى وجه علي (ع) فقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: النظر إلى وجه علي عبادة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي والله عبادة، وأي عبادة؟ ذلك خير لك من أن لو كانت الدنيا كلها لك ذهبة حمراء فأنفقتها في سبيل الله، ولتشفعن بعدد كل نفس تنفسته في مصيرك إليه في ألف رقبة يعتقها الله من النار بشفاعتك(1) .
وأترك أخي المسلم لك التعليق على هذه الأمور السمجة.
__________
(1) ضياء الصالحين للجوهرجي ص548.

(1/4)


ويروي الكليني: عن أبي بصير أنه دخل على جعفر بن محمد (ع) فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله كبر سني ودق عظمي، واقترب أجلي، مع أنني لست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي؟ فقال جعفر (ع): يا أبا محمد وإنك لتقول هذا ؟ يا أبا محمد، أما علمت أن الله أكرم الشباب منكم ويستحي من الكهول؟ يكرم الشباب أن يعذبهم، ويستحي من الكهول أن يحاسبهم، فقال أبو بصير: جعلت فداك، هذه لنا خاصة، أم لأهل التوحيد؟ فقال: لا والله، إلا لكم خاصة. أبشروا، ثم أبشروا فانتم والله المرحومون المتقبل من محسنكم، والمتجاوز عن مسيئكم،من لم يأت الله بما أنتم عليه يوم القيامة لم يقبل منه حسنة، ولم يتجاوز له عن سيئة، يا أبا محمد، فهل سررتك؟ قلت: جعلت فداك، زدني، قال: يا أبا محمد إ، لله ملائكة يسقطون الذنوب عن طهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق في أوان سقوطه، استغفارهم والله كلم دون الخلق... واستمر في حديثه الممتع هكذا، كما ذكر له طامة، قال: جعلت فداك زدني، حتى قال: يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة إلا وهي فينا وفي شيعتنا، ومن من آية نزلت ذكر أهلها بشر وتسوق إلى النار إلا وهي في عدونا ومن خالفنا، فهل سررتك؟ قال: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد، ليس على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس من ذلك براء، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: حسبي(1) .
وروى الكليني: عن جعفر بن محمد أنه قال لأحد شيعته: أما والله لا يدخل النار منكم اثنان، لا والله، ولا واحد(2) .
وروى أيضاً: قال رجل من الروافض لأبي جعفر: إني ألم بالذنوب حتى إذا ظننت قد هلكت ذكرت حبكم فرجوت النجاة، وتجلى عني، فقال أبو جعفر (ع): وهل الدين إلا الحب(3) .
__________
(1) روضة الكافي للكليني ص28.
(2) روضة الكافي للكليني ص65.
(3) روضة الكافي للكليني ص67، وتفسير العياشي 1/167..

(1/5)


وروى أيضاً: قال جعفر بن محمد: لو أن رجلاً صام النهار وقام الليل، ثم لقى الله بغير ولايتنا للقيه وهو عنه غير راض، كذلك الإيمان لا يضر معه العمل(1) .
وروى: قال علي عن الرجل يسأل ربه المغفرة والتوبة كل يوم: أنى له التوبة؟ فوالله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه عملاً إلا بولايتنا أهل البيت(2) .
وروى: قال جعفر بن محمد لرجل لا يتولى أهل البيت: لو أن أهل السموات والأرض كلهم اجتمعوا يتضرعون إلى الله أن ينجيك من النار ويدخلك الجنة لم يشفعوا فيك(3) .
أما نحن فنقول: قال ربنا عز وجل، وهو أصدق القائلين: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } فهذا كلام ربنا لا نتجاوزه، أخبرنا سبحانه وتعالى أن دخول الجنة للموحدين الطائعين، وأن دخول النار للمجرمين الذين خالفوا أمره وأمر رسله.
وإليك أخي المسلم المزيد:
روى فرات عن علي(ع): ألا فأبشروا فإن الله قد خصكم بما لم يخص به الملائكة والنبيين والمؤمنين(4) .
فانظر رحمك الله إلى هذا التطاول على مقامات الأنبياء والملائكة عليهم السلام، حتى جعل الروافض أنفسهم أفضل منهم، فلا تتعجب إذا رأيتهم يرفعون أئمتهم إلى مقام الألوهية، لأن من رفع نفسه فوق مقام الملائكة والنبيين عليهم السلام هان عليه ادعاء الألوهية لأئمته.
__________
(1) روضة الكافي للكليني ص92، وتفسير العياشي 2/89.
(2) روضة الكافي للكليني ص111.
(3) روضة الكافي للكليني ص112.
(4) تفسير فرات الكوفي ص .

(1/6)


روى فرات: عن أبي جعفر أنه قال: والله لو أن عبداً صف قدميه في الحطيم بين الركن الأسود إلى باب الكعبة قائماً بالليل مصلياً حتى يجيئه النهار، وقائماً النهار حتى يجيئه الليل ولم يعرف حقنا وحركتنا لم يقبل الله منه شيئاً أبداً(1) .
وروى عن أبي جعفر: من عرفنا وأقر بولايتنا غفر الله له ذنوبه(2) .
وروى أن علياً قال: إن ولينا ولي الله، فإذا مات كان في الرفيق الأعلى، وسقاه من نهر أبرد من الثلج، وأحلى من الشهد، فقال قائل: جعلت فداك، وإن كان مذنباً؟ قال: نعم(3) .
وروى عن علي : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من السماء من عند رب العزة: يا علي، أدخل الجنة أنت وشيعتك لا حساب عليك ولا عليهم، فيدخلون الجنة(4) .
ونحن نقول: قال الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}.
وروى فرات: عن جعفر بن محمد: إن الله خلقنا من نور،وخلق شيعتنا منا، وسائر الخلق في النار(5) .
وروى الكليني: قال رجل لجعفر بن محمد ما تقول فيمن يؤمن بالله ورسوله، ويصدق رسوله في جميع ما أنزل الله، أيجب عليه معرفتكم؟ قال: نعم، أليس هؤلاء (أهل السنة) يعرفون فلاناً وفلاناً (أبا بكر وعمر)؟ قلت: بلى، قال: أترى أن ألله هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء؟ والله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلا الشيطان(6) .
__________
(1) تفسير فرات الكوفي ص80.
(2) تفسير فرات الكوفي ص85.
(3) تفسير فرات الكوفي ص108.
(4) تفسير فرات الكوفي ص128
(5) .تفسير فرات الكوفي ص201.
(6) الأًصول من الكافي1/181.

(1/7)


وروى عن الرضا أنه قال: إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان، وحقيقة النفاق، وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، اخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون مودنا، ويدخلون مدخلنا، ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم(1) .
وروى عن عبد الله بن يعفور أنه قال لجعفر بن محمد: إني أخالط الناس، فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم، ويتولون فلاناً وفلاناً (أبا بكر وعمر) لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة والصدق والوفاء؟ قال: فاستوى جالساً، وأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله، قلت: لا دين لأولئك، ولا عتب على هؤلاء؟ قال: نعم لا دين لأولئك، ولا عتب على هؤلاء(2) .
فانظر أخي المسلم إلى هذه الفرية التي لا جدال أنها تعطيل كامل لشريعة الله التي أنزلها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى التسهيل الكامل للمتحلي بالرذيلة، وأنه أفضل ممن تمسك بدين الله ما دام أنه يحب بطريقة الروافض.
وروى الكليني: قال جعفر بن محمد: قال تعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله، وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفون عن كل رعية في الإسلام دانت لولاية كل إمام عادل من الله، وإن كانت ظالمة مسيئة(3) .
لذلك قال كبير علمائهم الفيلسوف نصير الدين الطوسي الذي يتباكون عليه إلى هذا اليوم،ويترحم عليه خميني في ولاية الفقيه(4):

لو أن عبداً أتى بالصالحات غداً ... وود كل نبي مرسل وولي
وصام ما صام صوام بلا ضجر ... وقام ما قام قوام بلا ملل
وحج ما حج من فرض ومن سنن ... وطاف ما طاف حاف غير منتعل
__________
(1) الأًصول من الكافي الأًصول من الكافي1/223.
(2) الأًصول من الكافي1/375.
(3) الأًصول من الكافي1/376.
(4) ولاية الفقيه، الحكومة الإسلامية لخميني ص142.

(1/8)


وطار في الجو لا يأوي إلى أحد ... وغاص في البحر مأموناً من البلل
يكسو اليتامى من الديباج كلهم ... ويطعم الجائعين البر والعسل
وعاش في الناس آلافاً مؤلفة ... عار من الذنب معصوماً من الزلل
ما كان في الحشر عند الله منتفعاً ... إلا بحب أمير المؤمنين علي(1)

قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} فهذا قرآن ربنا يرد عليهم أبلغ رد، ويبين أن ضمان دخول الجنة في طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن دخول النار سببه معصية الله ومعصية رسوله - صلى الله عليه وسلم - .{فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
وما مثل هؤلاء إلا كمثل اليهود والنصارى الذين ادعوا ضمانهم دخول الجنة، وأنه لا يدخلها معهم أحد، فرد الله عليهم فريتهم هذه ، بين أن مناط السعادة والشقاء هو طاعة الله عز وجل، قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
روى الكليني: قال جعفر بن محمد لبعض أصحابه: الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك، فإن الله فك رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت(2) .
__________
(1) فضائل أمير المؤمنين علي لمحمد جواد مغنية (داعية التقريب والضحك على الذقون) عن كتاب (سلوني قبل أن تفقدوني) للحكيمي 1/39.
(2) الأصول من الكافي 1/398.

(1/9)


ونحن نقول: قال ربنا عز وجل: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِِنْسَانَ لَفِي خُسْر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
ونسب الروافض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ألا لو أن عبداً عبد الله عز وجل ألف ألف عام ثم ألف عام، ولم يوال علياً أكبه الله على منخريه في النار(1) .
ولما كان كتاب الله خلاف أقوالهم هذه أخذوا يعدون أبتاعهم أنهم لن يحكموا به إذا تربعوا على كراسي الخلافة، فهذا الكليني يروي عن جعفر بن محمد أنه قال: إذا قام قائم آل محمد (ع) حكم بحكم داود بن سليمان لا يسأل البينة(2) .
أما موقف الروافض من المسلمين فقد بينت في فضل (الصحابة رضي الله عنهم) أنهم يكفرون الصحابة، ويرون أنهم أكفر من إبليس، وأن أفضلهم الصديق والفاروق لهما من العذاب في النار أشد مما لإبليس.
أما نحن فحالنا معهم أشد وأنكى، وإليك أخي المسلم بعض ما يقولونه عنا:
يقول علامتهم، وخاتمة محققيهم نعمة الله الجزائري عن المسلمين: إنا لا نجتمع معهم على إله، ولا على نبي، ولا على إمام؛ لأنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد نبيه، وخليفته من بعده أبو بكر. ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي؛ لأن الرب الذي خليفة نليه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا(3) .
وقال محمد الرضوي عن المسلمين: فإن قال أحد من الناس فيهم: إنهم شر من اليهود والنصارى فقد صدق في قوله، وإن أقسم بالله على ذلك بر بيمنه(4) .
وقال الشهيد الثاني في كتاب المسالك: باب الشهادات: اتفق أصحابنا على أنه لا تقبل شهادة غير الشيعي الاثني عشري، وإن اتصف بالإسلام(5) .
__________
(1) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي ص150.
(2) الأصول من الكافي 1/397.
(3) الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري 1/278.
(4) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضي الرضوي ص131 .
(5) الشيعة في الميزان لمحمد جواد مغنية.

(1/10)


وقال خميني: إننا لا نعبد إلهاً يقيم بناء شامخاً للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويجلس يزيداً ومعاوية وعثمان وسواهم من العتاة في موقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه(1).
وقال خميني عن أهل الجزيرة العربية: وحوش نجد، وحداة البعران في الرياض يعدون من أسوأ المخلوقات البشرية(2) .
فهذا اعتراف من كبرائهم أنهم لا يجتمعون معنا في الإيمان بالله والرسول، وأن إله المسلمين ليس إلهاً لهم، ونبي المسلمين ليس نبياً لهم، فعلى أي شيء نتفق؟
روى الكليني: قال جعفر بن محمد (ع): مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على أمته ساخط إلا الشيعة(3) .
وفي فصل الخطاب: كتب أبو الحسن إلى أحد أتباعه: لا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبن دينهم(4).
ولو رجعت إلى رسالة جعفر بن محمد إلى شيعته التي ذكرنا بعض فقراتها في فصل (التقية) لعلمت إلى أي حد بلغ بغضهم للمسلمين.
وروى الكليني: قال جعفر بن محمد عن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - : هذا الأمة أشباه الخنازير، هذه الأمة الملعونة(5) .
وروى عن جعفر بن محمد أنه قال: لو أن غير الشيعي أتى الفرات وقد أشرف ماؤه على جنبيه يزخ زخيخاً، فتناول بكفه، وقال بسم الله، فلم فرغ قال: الحمد لله، كان دماً مسفوحاً أو لحم خنزير(6) .
أقول: ولماذا كل هذا الحقد؟ والله عز وجل يقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
__________
(1) كشف الأسرار لخميني ص123.
(2) كشف الأسرار لخميني ص20.
(3) كشف الأسرار لخميني ص180.
(4) فصل الخطاب للطبرسي ص220.
(5) الأصول من الكافي 1/336.
(6) روضة الكافي ص142.

(1/11)


هذا ما أحل ربنا لعباده، وهذا ما حرم عليهم، فليحرم الروافض ما شاؤوا فإنهم ملاقوا ربهم، وإنهم إليه راجعون.
وينسبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يؤتى بجاحد حق علي (ع) وولاية علي (ع) يوم القيامة أصم وأعمى وأبكم، يتكبكب في ظلمات يوم القيامة، وألقى في عنقه طوق من نار، ولذلك الطوق ثلاث مئة شعبة، على كل شعبة شيطان يتفل في وجهه الكلح(1) .
قال أحد شعرائهم:
فلا قدس الرحمن أمة أحمد وإن هي صامت للإله وصلت
وليتهم توقفوا عند هذا الحد بل أباحوا لأتباعهم سرقة أموال المسلمين بشرط دفع خمس الجد للإمام.
فقد نسبوا إلى جعفر بن محمد أنه قال: خذ مال الناصب حيث ما وجدته، وادفع لنا الخمس(2) .
أما استباحتهم لدماء المسلمين فهذا مما طفحت به كتب التاريخ القديم والحديث بل إنه لا يعلم أن سيفاً ارتفع على رقاب المسلمين إلا كان بأيديهم، أو بتحريض منهم، أو بمساعدة منهم، أو برضاهم، والتفصيل في هذا الباب ليس هذا المختصر مجاله.
أما في الأحكام الدينية فقد جعل الروافض ديدنهم الأخذ بخلاف قول المسلمين في جميع أمور دينهم؛ حتى لو كان الحكم نصاً في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، لذلك فإن الخلاف بيننا وبينهم أكبر من الخلاف بيننا وبين أي دين على وجه الأرض، وإليك أخي المسلم بعض الأدلة:
روى الكليني: عن سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد الله (ع) قلت: يرد علينا تحديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه؟ قال: خذ بما فيه خلاف العامة(3) .
أما المسلمون فالحق ولله الحمد ضالتهم أنى وجدوه أخذوا به، سواء كان خلاف قولهم أم موافقاً له.
__________
(1) تفسير فرات الكوفي ص133.
(2) الدعوة الإسلامية لخيزي 2/271.
(3) الأصول من الكافي 1/66

(1/12)


وروى الكليني: عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة، فتحاكما إلى السلطان، وإلى القضاء أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذه سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له. قلت: جعلت فداك، أرأيت إن عرف الفقيهان حكماً من الكتاب والسنة، ووجدوا أحد الخبرين عنكم موافقاً للعامة، والآخر مخالفاً لهم، بأي الخبرين يأخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد(1) .
والمقصود بالحكام والقضاة هنا: أبو بكر رضي الله عنه ومن بعده إلى يومنا هذا، عدا علي وذريته. وحتى لا يقول قائل: قد يكون قصدهم من لم يحكم بما أنزل الله، أو غير ذلك من التبريرات الباردة التي اعتدنا سماعها، نترك المجال لخميني يبين لنا من هم المقصودون بالحكام والقضاة في هذا الأثر. قال خميني بعد أن ذكر الأثر السابق: هذا يعني أن من رجع إليهم فقد رجع إلى الطاغوت في حكمه، وقد أمر الله أن يكفر به... فيحرم على المسلم أن يترافع إليهم... قال بعض الفقهاء: بأنه حتى في الأمور العينية لا يجوز أخذ العين المملوكة كالعباءة والتصرف فيها إذا كان استردادها بأمرهم وحكمهم. وكانت هذه المقبولة حكماً سياسياً يحمل المسلمين على ترك مراجعة السلطات الجائرة وأجهزتها القضائية، حتى تتعطل دوائرهم إذا هجرها الناس، ويفتح السبيل للأئمة (ع) ومن نصبهم الأئمة للحكم بين الناس... وبموجب ما ورد عن الإمام (ع) فالمرجع هو من روى حديثهم، وعرف حلالهم وحرامهم (يعني الأئمة).
ثم ذكر خميني أن في كتاب (الوسائل) و(مستدرك الوسائل) ما يزيد على خمسين حديثاً من مثل هذا الحديث(2) .
__________
(1) الأصول من الكافي 1/67.
(2) ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية لخميني ص87، 88، 148.

(1/13)


أما تعطيل شعيرة الحج، وتفضيل قبور أئمتهم على بيت الله ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا مما يصعب حصر أدلته(1) ولكني سأذكر طرفاً منها:
قال بحر علومهم في أرجوزته الدرة

ومن حديث كربلاء والكعبة ... لكربلاء بان علو الرتبة
وغيرها من سائر المشاهد ... أمثالها بالنقل ذي الشواهد
والفرق بين هذه القبور ... وغيرها كالنور فوق الطور(2)

وأترك لك أخي القارئ التفكر في المقصود بالنور فوق الطور.
عن جعفر بن محمد: من زار قبر الحسين في رمضان ومات في طريقه للقبر لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له: أدخل الجنة آمناً(3) .
وقال نعمة الله الجزائري: فخرت الكعبة على بقعة كربلاء، فأوحى الله إليها إن اسكتي يا كعبة، ولا تفخري على كربلاء، فإنها البقعة المباركة التي قال فيها لموسى عليه السلام: إني أنا الله، وهي موضع المسيح وأمه وقت ولادته، وهي التي عرج منها محمد - صلى الله عليه وسلم - ...(4) .
وروى الكليني: قال أبو جعفر (ع) وهو ينظر إلى جموع المسلمين في بيت الله وهم يؤدون مناسك الحج: أما والله ما أمروا بهذا ، وما أمروا إلا أن يقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم فيمرون بنا فيخبرونا بولايتهم، ويعرضوا علينا نصرتهم(5) .
أما نحن فقد أمرنا الله بخلاف هذا، قال تعالى: { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.
وروى فرات: قال جعفر بن محمد: أفترون أن الله فرض عليكم إتيان هذه الأحجار (الكعبة) والتمسح بها، ولم يفرض عليكم إتياننا وسؤالنا وحبنا أهل البيت، والله ما فرض عليكم غيره(6) .
__________
(1) انظر فصل توحيد الألوهية من هذا الكتاب
(2) مفاتيح الجنان للقمي ص377.
(3) مفاتيح الجنان للقمي ص515.
(4) ألأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري 2/86.
(5) الأصول من الكافي 1/392.
(6) تفسير فرات الكوفي ص80.

(1/14)


ونسبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: مثل علي فيكم كمثل الكعبة المستورة النظر إليها عبادة، والحج إليها فريضة(1) .
وفي مفاتيح الجنان: فضل زيارة الحسن (ع) يوم عرفة: تعدل ألف حجة، وألف عمرة، وألف جهاد بل تفوقه، ومن وفق للحضور تحت قبته المقدسة فهو لم يقل أجراً عمن حضر عرفات بل يفوقه(2) .
وفيه: عن قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} قال: قباب قبور أئمتنا(3) .
وفيه: الصلاة في حرم قبر أمير المؤمنين (ع) الطاهر تعدل مئتي ألف صلاة(4)
وفيه: عن فضل مسجد الكوفة الذي يزعمون أن علياً مدفون فيه، قال: هي حرم الله وحرم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحرم أمير المؤمنين (ع)... وفضل جامع الكوفة لا يفئ بالذكر... وهو أفضل من المسجد الأقصى... قال الباقر (ع): الفريضة والنافلة فيه تعدل حجة وعمرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وقال جعفر بن محمد (ع): لو علم الناس ما فيه لأتوه ولو حبواً(5) .
وفيه: سئل الباقر (ع): إذا خرجنا إلى أبيك أفلسنا في حج؟ قال: بلى قيل: فيلزمنا ما يلزم الحاج؟ قال: يلزمك(6) .
وفيه: قال جعفر بن محمد (ع): يا رفاعة، أحججت العام؟ قال: جعلت فجداك، ما كان عندي ما أحج به، ولمني عرفت عند قبر الحسين (ع) قال: يا رافعة، ما قصرت عما كان أهل منى فيه، لولا أني أكره أن يدع الناس الحج لحدثتك بحديث لا تدع زيارة قبر الحسين صلوات الله عليه أبداً(7) .
وفيه: سئل محمد التقي (ع): عن رجل أراد الحج أيهما أفضل يخرج للحج أو يذهب إلى قبر الرضا (ع)؟ قال: بل يأتي خرسان فيسلم على الرضا (ع) أفضل(8) .
__________
(1) كذبوا على الشيعة لمحمد الرضى الرضوي ص238.
(2) مفاتيح الجنان للقمي ص325.
(3) مفاتيح الجنان للقمي ص377.
(4) مفاتيح الجنان للقمي ص433.
(5) مفاتيح الجنان للقمي ص456.
(6) مفاتيح الجنان للقمي ص485.
(7) مفاتيح الجنان للقمي ص421.
(8) مفاتيح الجنان للقمي ص467.

(1/15)


وفي الاحتفال بعيد النيروز نسبوا إلى جعفر بن محمد: أن للمحتفل بعيد النيروز غفران ذنوب خمسين سنة(1) .
وفي فضل من احتفل بأوائل الشهور الرومية: يمحى ما كتب عليه في اللوح المحفوظ(2).
__________
(1) مفاتيح الجنان للقمي ص367.
(2) مفاتيح الجنان للقمي ص367.

(1/16)


الخاتمة
وبعد أخي المسلم فد تبين لي ولك أن المعتقد لما ذكرنا من عقائد لن نستطيع أن نجتمع معه في أي أمر من أمور الدين؛ لأن القاعدة التي يتم عليها الاتفاق مفقودة بيننا وبينه، والنصوص التي تضبط هذه القاعدة لا يؤمنون بها، بل إنهم يرون أنهم راشدون في مخالفتنا في جميع الأمور الكلية والجزئية.
فنحن وإياهم لا نجتمع في الإيمان برب واحد ولا نبي واحد، ولا بكتاب واحد، ولا بأي شيء. ومما أوردته له في هذا الكتاب تبين أن دينهم يتلخص في:
1- التقية واجبة، وتركها كفر، ويجب التزامها في كل وقت، وفي كل مكان، حيث أنها لا تتقيد بظروف معينة، ولا يرفعها إلا المهدي المزعوم إذا خرج من جحره في سامراء، وهي عندهم أفضل العبادات، ويتقربون إلى الله بالتزامها، وكلما كان الواحد منهم ملتزماً دينه كلما كان أخذه بالتقية أشد، وهم ينسبون إلى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً أنه أخذ بالتقية، وكذلك الأنبياء عليهم السلام، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ الرسالة إلا لعلي وعلي بلغها أبناءه فقط حتى انتهت إلى مهديهم المزعوم الذي أخذ الدين وهرب به إلى سرداب سامراء إلى غير رجعة.
والتقية هي السبب الوحيد الذي جعل هؤلاء القوم يعيشون بين المسلمين ولا يعلم أحد بدينهم، وكلما اكتشف أحد شيئاً من دينهم بادروا إلى الإنكار، وادعاء أن ما قيل عنهم محض افتراء وكذب.
2- توحيد الربوبية: يؤمنون أن الله خلق اثني عشر إماماً من نور عظمته، ومن هذه الأنوار فتق جميع مخلوقاته العلوية والسفلية، ثم فوض إليهم أمر خلقه، فهم الذين يصرفون أمر الكون، وهم الذين يعطون ويمنعون، ويضرون وينفعون، ويحللون ويحرمون، ولا وظيفة للرب عندهم إلا تنفيذ أوامر أئمتهم ورغباتهم، وأن الدنيا والآخرة ملك للأئمة، والجنة والنار لهم.

(1/1)


3- توحيد الأسماء والصفات: ينفون عن الباري جل وعلا جميع أسمائه وصفاته، ويقولون: هو مخلوقة، وهي الأئمة، فالأئمة هم عين الله، ووجه الله، ويد الله، وعلم الله، وسمع الله، وبصر الله وقوة الله. ليس لله أية صفة.
4- توحيد الألوهية: لا يعرفون عنه شيئاً، والشرك عندهم هو القول بإلهين خالقين، وأما ما عدا ذلك من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المدد منهم، وسؤالهم جلب الحاجات، ودفع الكربات، كل ذلك لا يعد شركاً عندهم، بل إن من سجد للصنم وطلب منه قضاء حوائجه فلا يعد ذلك عندهم شركاً ما دام أنه لم يقل إن الحجر هو الخالق. وقد اعتنوا بقبور أئمتهم اعتناء فائقاً، فشيدوها وبنوا عليها القباب، وعدوا الحج إليها من أفضل العبادات، بل هو أفضل من حج بيت الله آلاف المرات، لأن قبور أئمتهم عندهم أفضل من بيت الله الحرام، بل أفضل من العرش ومن عليه، تعلى الله عن ذلك علواً كبيراً.
5- القرآن الكريم: يؤمنون أنه لم يجمعه إلا علي رضي الله عنه، وأنه أراه الصحابة بعدما جمعه ليقيم عليهم الحجة عليهم فقط، ثم إنه أخفاه عنهم، وورثه لأبنائه من بعده، إلى أن وصل للمهدي الذي أخذه ودخل سرداب سامراء، وأن قرآنهم مثل قرآننا ثلاث مرات، وفيه سبعة عشر ألف آية، وما فيه حرف واحد مما في قرآننا، وأن المهدي سيخرج هذا القرآن في آخر الزمان، وأن الروافض في هذا الزمان يتعاملون مع القرآن معاملة مؤقتة حتى يخرج المهدي يقرآنهم.
6- الصحابة: كفار عندهم، ولم يبق منهم على الإسلام إلا ثلاثة أو أربعة، وإسلام هؤلاء الثلاثة إسلام متعتع أيضاً، وهم بزعمهم يتقربون إلى الله بسب الصحابة وخاصة الصديق والفاروق رضي الله عنهما.
7- البداء: من لوازم دينهم، وما عبد الله بشيء مثله كما زعموا.
8- الفداء: يؤمنون بوقوعه، وان إمامهم الثامن فداهم بنفسه.

(1/2)


9- الغيبة والرجعة: هي أس من أسس دينهم، يؤمنون بأن الأئمة سيعودون في آخر الزمان، ويحيون من محض الإيمان (يعنون بذلك الروافض) ومن محض الكفر (يعنون بذلك المسلمين) وسينتقم المهدي من كل من آذى الروافض، وخاصة قريش، وعلى رأسها خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
10- علم الغيب: يؤمن الروافض أن أئمتهم يعلمون الغيب كله ما كان منه وما يكون وما سيكون، وأنهم عندهم مفاتيح الغيب، ويعلمون ما يسر الخلق، وما يعلنون، وأنهم يعلمون لغات البشر والجن والملائكة والحيوانات والجمادات.
11- الموجب لدخول الجنة عندهم والنجاة من النار حب علي رضي الله عنه، والموجب لدخول النار بغض علي، أما توحيد الله أو الشرك به، وفعل الطاعات أو المحظورات فكل ذلك لا يقدم ولا يؤخر عندهم؛ لأن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنه، فمن أحب علياً فليقل ما شاء من شرك وذنوب فإنه محب، والمحب مصيره إلى الجنة عندهم، ومن أبغضه فليفعل ما شاء من توحيد وحسنات حتى لو عبد الله ألف سنة بين الركن والمقام، قائماً لا يفتر، صائماً لا يفطر، فتوحيده وعماله لا ينفعانه شيئاً. وبغض علي معناه: تقديم أبي بكر وعمر رضي الله عنهم عليه في الخلافة، من قدمهما فهو مبغض له شاء ذلك أم أبى، رضي أم سخط، حتى لو كان من كبار المحبين لعلي رضي الله عنه؛ لأن الحب عندهم هو الغلو لا غير.
وهم يرون أن المسلمين كلهم كفرة فجرة ملعونون، بل هم أكفر من اليهود والنصارى، وأنة مصيرهم كلهم :إلى النار مهما فعلوا من طاعات.
فهذا أخي المسلم إفكهم وما كانوا يفترون، فعلي أي شيء يمكن أن نجتمع مع هؤلاء القوم؟ إن الإيمان بعقيدة واحدة من هذا التي ذكرت كاف لإخراج صاحبه من دين الله، فكيف بها مجتمعة؟
ثم إني أشهد الله الذي لا إله إلا هو أني بلغت، وأديت ما علمت، حتى لا يعتذر معتذر أني لم أبلغ، ولم أنصح، ولم أبين.

(1/3)


ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

(1/4)